إنتصار بوراوى
الرواية عالم رحب واسع، لديها القدرة
والإمكانية على منح قارئها متعة المعرفة والإدهاش عبر الغوص في العوالم المختلفة
للمجتمعات الإنسانية، في كافة بلدان وقارات العالم، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم
التي قد لا يكفي عمر واحد لمعرفتها. بل يحتاج الإنسان إلى حيوات أخرى كي يعيش
المعرفة التي تهبها له قراءة الرواية.
وربما التعريف الأقرب للرواية هو ما
قاله الروائي عبد الرحمن منيف عنها في إحدى كتاباته: "تعتبر الرواية في عصرنا
إحدى أهم الوسائل التي نتمكن من خلالها قراءة مجتمع ما إنها تقرأ المجتمع بتفاصيله
وهمومه، وتقرأ حياة الناس اليومية وأحلامهم، وتحاول أن تشير إلى مواضيع الألم
والخلل، ولا تخاف القضايا وإنما تلج إلى أعماقها، إذ تصبح كالمرآة يرى فيها الشعب
نفسه إذ تحكي المهانة والألم وتحرك وترًا عميقًا داخل كل إنسان."
الرواية، كفن سردي، لم تكن يومًا
محايدة، بل كانت تخرج من عمق المجتمع وأحلامه، وحتى هذيانها وقفزها فوق عالم
الواقع إلى عالم الحلم والاستشراف للمستقبل. ففي داخل كل رواية مبدعة وعظيمة نظرة
كبيرة لأفق الحياة الواسع، وغوص في الجوهر البشري بكل جماله وإنسانيته، وبكل بشاعة
ورعب قبحه أيضًا.
كانت الرواية في بدايتها حكايات شعرية
ثم أصبحت نثرية منذ القرن الرابع عشر وفي عصر تالٍ، ظهر ما يعرف بـالرواية
الباروكية، التي كانت تشير إلى نقطة انطلاق الرواية؛ لأنها تخلت عن شكلها الشعري
وصارت جنسًا سرديًا. وكانت حكاية متخيلة حتى التقزز، مغرية وخيالية حتى التخمة. ثم
أصبحت في القرن السادس عشر عبارة عن سرد نثري لمغامرات خيالية. وفي أوائل القرن
السابع عشر، تغيرت ملامح الرواية الغربية وظهرت أول رواية ذات أصول فنية تسخر من
الأدب الخيالي ومن مجتمع الفروسية الروائي من خلال رواية "دون كيشوت".
لقد مثل القرن الثامن عشر نقطة التحول
الرئيسية في هذا الجنس السردي، فعرفت الروايات العاطفية والفروسية مثل "آلام
فارتر" لغوته، وروايات موباسان وألكسندر ديما. ومع القرن التاسع عشر، وُلد
المذهب الواقعي عبر روايات بلزاك وفلوبير في فرنسا، وديكنز في إنجلترا،
ودوستويفسكي وتورغينيف وتولستوي في روسيا، الذي قدم عبر رواياته الصراع الإنساني
في أدق صوره وحالاته، سواء عبر رائعته "آنا كارنينا" أو عبر مدونته
الروائية السردية المذهلة "الحرب والسلام" وغيرها من الروايات الأخرى
التي عبرت عن جوهر الروح البشرية في كل زمان، حتى لو اختلفت الأمكنة وتباعدت
كثيرًا التفاصيل الحياتية بين المجتمعات البشرية.
لقد أحب وعشق الكثير من القراء الرواية
العربية والعالمية المبدعة لاحتوائها على نظرة واسعة وكبيرة للحياة، بحيث كان يصعب
فصل النفسي عن الفلسفي والتاريخي في كلاسيكيات الرواية العالمية. ولكن القرن
العشرين شهد تحطيمًا للرواية بشكلها التقليدي من حيث احتوائها على الزمان والمكان
والحدث، كما في رواية جيمس جويس "عوليس"، والانجذاب إلى التفاصيل
الدقيقة بحساسية كائن مرهف، كما في روايات مارسيل بروست وفرجينيا وولف. فتشكلت
وتعددت الأساليب الروائية عبر كوكبة من الروائيين العالميين مثل أندريه جيد،
وفوكننر، وكازانتزاكيس، وهيرمان هيسه، وكولن ولسن.
ولقد أثار أسلوب هيمنغواي إعجاب القراء
عبر رواياته التي جسد من خلالها إنسانية وطيبة شخصياته الممتلئة حبًا ونكرانًا
للذات، والجانب الطيب للإنسان مثل رواية "وداعًا أيها السلاح"
و"ثلوج كليمنجارو" و"الشمس تشرق أيضًا" ورواية "لمن تقرع
الأجراس؟" التي لاقت نجاحًا كبيرًا ثم تحولت إلى فيلم سينمائي يعتبر من أجمل
كلاسيكيات السينما الأمريكية.
بعكس رواية فوكنر "الصخب
والعنف" التي عبرت عن الجانب القبيح للإنسان عبر رسمها للشخصيات التي كانت
تعيش في مجتمع الجنوب الأمريكي الممتلئ بالكبت والظلم العنصري والطبقي.
ولقد برع كثير من أدباء القرن العشرين
في الكشف عن الجانب المظلم لجوهر الشخصيات الإنسانية، في سبيل الوصول للمال
والسلطة، كما فعل جون شتاينبك في روايته "حين فقدنا الرضا"، والروائي
الفرنسي فرنسوا مورياك في روايته الشهيرة "عقدة الأفاعي" التي جسد فيها
اللحظات الأخيرة لأب العائلة المحامي الثري وهو على فراش الموت يستمع لتخطيطات
أبنائه لاقتسام ثروته، وتحدثهم عنه بقسوة وبدون أية مشاعر إنسانية. ويمكن اعتبار
التشيكي كافكا أيضًا من أكثر المطورين والمجددين للأسلوب السردي للرواية رغم
إنتاجه القليل كما في روايتيه "القلعة" و"المسخ".
حين نتابع الرواية في القرن العشرين،
وخاصة في بدايته، نلمح تطورًا في البنية الأسلوبية للرواية وتعدد أشكالها
وأساليبها، وظهور روايات جديدة عبر مؤلفين عباقرة مثل ميلان كونديرا وأمبرتو إيكو.
ثم بعد ذلك بزغ نجاح روائيي أمريكا اللاتينية الذين فرضوا أنواعًا جديدة من
الكتابة الروائية التي تعتمد الفانتازيا أو ما يسمى الواقعية السحرية التي برع
فيها ماركيز والروائية إيزابيل الليندي.
أما البرازيلي باولو كويلو فلقد كانت له
بصمته الخاصة أيضًا في تاريخ الرواية العالمية عبر رواياته المختلفة التي حملت
نفسًا صوفيًا روحانيًا عميقًا ومختلفًا. وعن طريق كل هؤلاء، خرجت الرواية من
المركزية الأوروبية والأمريكية التي انحصرت فيها لقرون وعبرت ضفاف قارات أخرى،
فحاز الروائي العربي نجيب محفوظ على جائزة نوبل، وكذلك الياباني أوي كينزابورو
والنيجيري وول سوينكا.
تاريخ الرواية العظيم، عبر كل تطوراته
المختلفة منذ أربعة قرون، حمل مشعله روائيون كبار كلاسيكيون وحداثيون مطورون
وباحثون عن قيم العدل والخير في العالم. ولكن في السنوات الأخيرة، راجت روايات خلت
من القيمة الفنية العالية، واعتمدت على الإطار البوليسي والتشويق مثل رواية
"شفرة دافنشي" للمؤلف دان براون، التي أثارت فضول كثير من القراء نتيجة
لما كُتب حولها وبعد تحولها إلى فيلم سينمائي جميل قام ببطولته الممثل الأمريكي
البارع توم هانكس. ولكن كم من قارئ أصيب بالدهشة وخيبة الأمل حين قرأ الرواية التي
خلت تمامًا من أي فنية في الكتابة واعتمدت على الحوارات والمطاردات البوليسية.
وهذا مما دفع الكثيرين للتساؤل عن سبب كل ذلك الرواج الإعلامي لها.
ربما الذي جعل الرواية تنتشر وتجد
الرواج الكبير لها هو أصل الفكرة بالرواية الذي اعتمد على إنكار ألوهية المسيح
وبعض الأفكار الأخرى، التي أثارت اللغط في الغرب ولكنها من الناحية الإبداعية
الفنية بدا واضحًا أنها الأقل إبداعًا في تاريخ الرواية الغربية. كما راجت في نفس
الفترة تقريبًا سلسلة "هاري بوتر" للروائية الإنجليزية ج. ك. رولينج
التي حققت مبيعات عالية، وهي تقريبًا تسير على نفس مسار "شفرة دافنشي".
في الجانب الآخر، هناك روائيون عالميون
جدد تفتقد المكتبة العربية لترجمة كتاباتهم، ولا زالت المكتبة العربية لم تدخل
عالمهم الروائي إلا عبر بعض الترجمات القليلة التي ترجمتها بعض دور النشر العربية
القليلة المهتمة بالترجمة.
الرواية فن معرفي وجمالي من أروع الفنون
التي أنتجها العقل الإبداعي البشري، وذلك فقط حين تمتلك القدرة على منح عشاقها
ومتذوقيها القيمة المعرفية في صورة وأسلوب جمالي مبدع ومبتكر ينجح في توليد الدهشة
الجميلة داخلهم ويجعلهم يواصلون سيرة محبتها دون انقطاع مدى الحياة.






