إنتصار بوراوى
كتب الكثيرون عن فن غناء المرسكاوي
وتجادلوا حول أصوله ومنبعه، وانقسموا قسمين في محاولة البحث عن أصوله ومنبعه؛
فبعضهم كان مع الرأي القائل بأنه غناء قادم من الأندلس وجاء مع هجرة الأندلسيين
إلى ليبيا، ومنهم من رأى بأنه غناء قادم من عمق صحراء مرزق، وربما يكون هذا الرأي
أقرب للصواب نتيجة التشابه الواضح بين المرسكاوي والغناء المرزقي الذي ربما استمد
اسم " المرسكاوي" منه بعد تحريف الكلمة
ولكن أيًا كان منبع وأصل فن غناء
المرسكاوي، إلا أنه لم ينتشر ويحظَ بالرواج والعشق والنجاح بين الناس إلا بعد أن
خرج ،على يد أساطين الشعراء والملحنين والمطربين من الشرق الليبي، وتحديدًا من
أحياء ومناطق بنغازي، منذ خمسينيات القرن الماضي وسرعان ما انتشر في مدن الشرق
الليبي، وتحديدًا درنة والبيضاء ومصدر إلهامه ونجاحه كان مطربوه الرواد أمثال سيد بومدين ومجايليه، وكانت
لأغلب أحياء بنغازي منذ ستينيات وسبعينيات وثمانينيات ،القرن الماضي صولات وجولات
مع فن المرسكاوي وكانت تلك الفترة الذهبية لهذا النوع من الغناء الشعبي.
وشهدت أغلب بيوت العائلات البنغازية ،حفلات كل
أولئك المطربين في أفراح أبنائهم بأحياء الصابري ووسط البلاد وخريبيش والبركة
والرويسات وسيدي حسين والماجوري والسلماني والوحيشي وبوهديمة، وحتى حي الفويهات
الغربية الذي كان أرقى حي في بنغازي ويعتبر حي الأغنياء والفيلات الفارهة، كان
لمطربي المرسكاوي وفرقهم الشعبية مكانة في ليالي أفراحهم ومناسباتهم الاجتماعية
السعيدة، ولقد كان هناك طقس اجتماعى شائع
في الأعراس في حقبة الثمانينيات ، يسمى بيوم "الماجب"، وهو يوم
مخصص لاستقبال العريس وأصدقائه وأقاربه على عزومة غداء، في بيت أهل العروس ومعهم
مطرب وفرقة المرسكاوي التي تعتبر من أساسيات يوم "الماجب" في الأعراس
البنغازية خلال حقبة الثمانينيات.
ورغم جمالية غناء المرسكاوي وقربه من عامة
الشعب، إلا أنه كان فنًا متجاهلًا ومقصيًا من إعلام الدولة وحفلات النظام السابق
طيلة عقود حكمه ، سواء في حفلات أعياده
الوطنية مثل أعياد 2 مارس وأعياد الجلاء،أو أعياد ذكرى انقلابه السنوية،وهي حفلات
ضخمة كان يحييها المطربون الليبيون، وأكبر مطربي الوطن العربي من سوريا وتونس
ولبنان والمغرب والجزائر بأغانيهم العاطفية المشهورة، و كانت تقام الحفلات لعدة
أيام وأسابيع ولكن لم يكن يُجلَب مطلقًا ،في
هذه الاحتفاليات الضخمة أي مطرب من مطربي المرسكاوي، عدا عن المهرجان اليتيم للنهر الصناعي، الذى أقيم خلال عامي 1983- 1984 في بنغازي. وربما يُعزى تجاهل
وإقصاء مطربي فن المرسكاوي، من تلك الحفلات على مدار الأربعين عامًا من حكم النظام
السابق ،إلى عدم تذوق القذافي شخصيًا لهذا اللون من الغناء الذي لا يناسب ذائقته
الفنية التي كانت تميل للفن الشعبي، للمنطقة الوسطى ومن مدينة سرت تحديدا مسقط رأسه وموطن أهله وقبيلته، ولذلك حظي شعراء
وملحنو تلك المنطقة بالرعاية والبروز وأُغدقت عليهم الأموال لإنتاج برامج
"النجع"، وغيرها من البرامج الغنائية التي كانت تروج، لفن تلك المنطقة فيما تم تجاهل وإقصاء كل
أنواع الغناء الأخرى ومنها، الفن الشعبي المرسكاوي ومطربيه المعروفين من الحفلات الرسمية للدولة ومن الإعلام
الرسمي، الذى كان متحكم في كل شيء ومن
المعروف بأن للقذافي تذوقًا شخصيًا في
الغناء، كما أنه كتب شخصيًا عدة أشعار وقصائد فصحى وعامية غناها بعض كبار مطربي
الوطن العربي، ولكن رغم كل المحاربة والإقصاء لغناء المرسكاوي من الإعلام الرسمي
للدولة، إلا أنه كان لغناء المرسكاوى حاضنة شعبية كبيرة ورواج لأشرطة مطربيه بين
الناس الذين يتلقفون، صدورها أشرطة بشغف
وحب ويحفظون أغانيها عن ظهر قلب ،وتصدح
بها أجهزة التسجيل في بيوتهم ومن سياراتهم وفي رحلاتهم بين جبال الجبل الأخضر
الساحرة، ويرقص عليها الشباب في المناسبات الاجتماعية وفتيات المدارس الإعدادي والثانوية في رحلاتهن الربيعية المدرسية .
في الستينيات برزت الأصوات الذهبية لسيد
بومدين وعلي الجهاني (عليويكة) وحميدة الوداوي والشهير بحميدة درنة ،الذين كان
لهم الفضل في تأسيس غناء المرسكاوي في مدينة بنغازي
وفي
السبعينيات ظهر جيل آخر أشهرهم، عبد الجليل القندوز الذي كان علامة من علامات غناء
المرسكاوي في بنغازي، وكذلك المطربين حسن
بشون وعبد الحميد الكيلاني وناجي ميلاد وسعد الوس .
وفي الثمانينيات بزغت نجوم كثيرة في سماء
أغنية المرسكاوي، منهم إدريس الدرسي الذي ذاع صيته بأغنيته الشهيرة "يعوض
علينا الله"، وكان من أبرز مطربي تلك المرحلة من بنغازى جمال عاشور، وسمير
الكردي وبن عيسى العقوري وأحميدة بونقطة ومفتاح بوحليقة والمهدي طريو،، وبشير المسلاتى ،والمهدي اللهيلع من مدينة
البيضاء
وفي التسعينيات ظهر إبراهيم الصافي، وإدريس
الدرسي والمهدي البرعصي الذي حقق شهرة كبيرة بأغانيه ولكنه اعتزل عام 1992، وبرز
صاحب الحنجرة الذهبية المطرب مفتاح معيلف والمطرب طارق الزياني وفوزي الصغيرونة
ومحمود الشبلي ومفتاح الفهري وعقيلة رضوان ورمضان ونيس واقدورة حبيب .
وفي الألفية الجديدة برزت أسماء مجدي السنوسي
والمطرب رمزي الشهوبي، الوحيد تقريبا من
جيل مطربي الألفية الجديدة، الذي حافظ على غناء المرسكاوي بشكله الأصيل بعد أن
طاله التشويه والمسخ، من شباب الغناء الشعبي في الألفية الجديدة، وبعد أن توفي
كثير من مطربي المرسكاوي من أجيال السبعينيات والثمانينيات واعتزل البعض منهم رغم
تحقيقهم شهرة واسعة بأسلوب غنائهم المميز للمرسكاوي، وعلى رأسهم المطرب إبراهيم
الصافى ولكن لازال الكثير، من مطربي جيل التسعينيات في مجال غناء المرسكاوي رغم
التعتيم الإعلامي عليهم وعدم دعوتهم في الحفلات والمهرجانات الرسمية للدولة إلا
أنهم لازالوا مستمرين في غناء لون المرسكاوي بشكله الأصيل الذي يحظى بمحبة واسعة
من الجمهور منهم مفتاح معيلف وأقدورة حبيب، وطارق الزياني ومفتاح الفهرى ومحمود
الشبلي وفوزي الصغيرونة وعقيلة رضوان ورمضان ونيس.
ولعل المهرجان الثاني لأغنية المرسكاوي الشعبية،
الذى أقيم في بنغازى منذ أيام قد أعاد الاعتبار لهذا الفن الذي لاقى الكثير من
التجاهل والإقصاء من وزارات الإعلام والثقافة ولكن المؤسف بأن المهرجان، لم تتواجد
فيه كثير من الأصوات، التي لها تاريخ منذ التسعينيات في غناء المرسكاوي، منهم المطرب مفتاح معيلف ورمضان ونيس وطارق الزياني
وأقدورة حبيب وعقيلة رضوان وغيرهم ،من المطربين الذين لازالوا محافظين على غناء
المرسكاوي بشكله الأصيل، دون تشويه وتحريف ومسخ له كما يفعل شباب الألفية الثانية
الذين يقومون بمهزلة، ومسخ فن المرسكاوي بغنائهم في صالات الأفراح مع المطربات
الشعبيات ،ويعملون على سرقة تراث أغاني رواد فن المرسكاوي الراحلين ومسخهن
وتشويههن وخلطهن بأغاني النساء، وهو أسلوب أضحى رائجًا تحت دعوى التطوير والعمل
على سرعة الرتم، في أستوديوهات الأجهزة الحديثة الخالية من الآلات الموسيقية
العتيدة التي تعطي لفن المرسكاوي، طعمه وقيمته الأصيلة فما يقوم به مطربو الصالات
والباحثون عن المال السريع من تشويه فن المرسكاوي بأغانٍ ركيكة تافهة تعتمد على
السجع وتشابه الكلمات لا علاقة له بغناء المرسكاوي، بل هو فن هجين يعمل على تشويه
ذائقة الجمهور وتسطيحه وترويج التفاهة والركاكة في الكلمات والألحان التي تعتمد
على نجاحها، كتريند سرعان ما ينتهي كفقاعة الصابون، ليبقى فن المرسكاوي الذي صدح
وتعالى في ليالي بنغازي، وأيامها الملاح وتحت سمائها بأصوات مطربي النقشة القديمة
هو الأصيل والباقي، الذي لازالت الأجيال تستمع إليه وتروج له عبر صفحات التواصل
الاجتماعي والمواقع الطربية ، كنوع من أنواع المحافظة عليه وحمايته من الاندثار
والتشويه والمسخ، الذي يقوم به بعض
المغنين الشباب من أجل المال والربح السريع.. ليبقى الفن الأصيل أصيلًا وخالدًا
دائمًا مهما تمت محاربته أو إقصاؤه أو تشويهه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق