‏إظهار الرسائل ذات التسميات رائدات ورواد من ليبيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رائدات ورواد من ليبيا. إظهار كافة الرسائل

السبت، 14 يناير 2023

زيت القناديل رشاد الهونى

 إنتصار بوراوى




 كما عودنا الأستاذ سالم الكبتى باهتمامه الغامر بالحفر فى تاريخ الذاكرة المنسية لرواد الثقافة اللليبية واصداره للكتب التي تحتفي وتبحث في الجوانب المجهولة لحياة رواد الكتابة الأبداعية ببلادنا كما فعل فى كتبه السابقة عن الكاتب الصادق النيهوم   هاهو الأن يصدر منذ فترة قصيرة كتاب عن رائد من رواد الصحافة الليبية وهو الصحافى "رشاد الهونى" بعنوان " زيت القناديل رشاد الهونى سيرة ونصوص"

 يقوم الباحث بتصدير كتابه بمقدمة عن الصحافى والأديب رشاد الهونى   ذاكرا في مقدمته بان الكتاب:" خطوة أولى تتوخى الأبانة عن دوره والكشف عن تاريخه وتراثه الأدبي والمهني الذي اهمل ولحق به وبآخرين أمثاله جحود ونسيان غير مبررين"   ويتساءل الباحث عن سبب هذا التجاهل والجحود والنسيان لكثير من رواد الصحافة والكتابة   في تلك المرحلة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي  الذي شهد زخما فكريا ومعرفيا وثقافيا هائلا ظهرت بعض ملامحه فى كثيرمن الصحف الصادرة فى تلك المرحلةوالتي كانت أبرزها صحيفة الحقيقة

 

رشاد الهونى هو من الجيل الذي ولد فى ثلاثينات القرن العشرين  الجيل الذي شكل ظاهرة فى خمسينيات القرن العشرين كما يقول الباحث سالم الكبتى  رفقة أسماء كثيرة زخرت بها تلك المرحلة مثل " عبد القادر أبو هروس، عبد المولى دغمان ، رجب الماجرى ، على الرقيعى ،  مفتاح الشريف، يوسف الدلنسى ، على عميش ، عبد القادر القويرى ، كامل المقهور، على وريث، حسن صالح، طالب الرويعى، محمد المطماطى ،  راشد الزبير، عمر الشيبانى، يوسف الشريف، الصادق النيهوم، وغيرهم ومن بين كل هؤلاء كما يذكر الباحث بان : رشاد الهونى  امتاز فى هذا الجيل بأنه واحد من كتاب المقالة الصحافية فى ليبيا وخارجها "

 ويسرد الباحث لتشكيلة البيئة  والأسرة التى ولد بها الصحافى رشاد الهونى التى تعود فى اصولها الى  مدينة هون بالجنوب الليبى  ثم هاجرت لفترة للأسكندرية بجمهورية مصر العربية   ووالد الصحفى رشاد الهونى هو الشيخ :  البشير السنوسى الهونى الذى أصدر عدة مؤلفات  فى مصر منها " ليس فى الأمكان أبدع مماكان" و" النور الساطع والبرهان القاطع فى الرد على المبشرين"و" البحث الجليل فى تناقض أيات التوراة والأنجيل" و" الأتحاد الأوربى والغرض منه" و"مذكرات سائح" وسواها من مؤلفات أتجهت فى مجملها  لطرح ومناقشة موضوعات فكرية \تختص بالدفاع عن الأسلام"ص18

 

ويذكر الكتاب بانه لم يكن تاثير الوالد فقط على شخصية وفكر وتكوين الصحافي رشاد الهونى وأنما كان أيضا  لدعم ومساندة أخوه الكبير محمد دور  كبير  فى صقل شخصية الصحفي رشاد الهونى  وخاصة بعد ان قام بتأسيس صحيفة الحقيقة فى 7-3-1964 التى اصبح الصحافى رشاد الهونى مديرا لها فى عام 1966   وكتب فيها مقالتة  الأسبوعيةا لثابتة  بعنوان " من يوم ليوم"

وصحيفة الحقيقة تأسست عام 1964 وتوقفت مطلع 1972 ولأن الصحافى رشاد الهونى كان مغرما ومولعا بمهنة الصحافة فلقد أسس فى لندن عام 1977 صحيفة العرب   أستكمالا لحلمه الصحفى الذي أنقطع عام 1972

فى الباب الثانى من الكتاب تكتب الصحافية والإذاعية “حميدة البرانى" مقالة عن زوجها الراحل " رشاد الهونى" مبينة خفايا من مواقفه الأنسانية   مع الأخرين وفى مقالتها كتبت السيدة حميدة البرانى بمنتهى الحب والعرفان للجميل للزوج والأنسان قبل الصحفى والأديب الذى يعرفه الناس وبكلمات عميقة مؤثرة تكتب الصحافية  والاذاعية حميدة البرانى  عن زوجها رشادالهونى

“ وأنا أكتب عن رشاد الهونى  فأنى أجد نفسى عاجزة عن التجرد والحياد

عجزت أن أراه بغير عيون المحبة

وبغير قلب العاشقة

وبغير وفاء التلميذة والمريدة"

ثم تسرد الصحافية حميدة البرانى" لمسيرة الحياة رفقة رفيق العمر لمدة 27 عاما الذى كان كما تقول الصديق والمعلم وكل الأهل

وتتحدث عن تأسيس صحيفة العرب فى عام 1977 والخروج منها فى عام 1979 ولكن الشى ء المفقود فى كتاب زيت القناديل “ والحلقة المفقودة فى سيرة  الصحافى رشاد الهونى فى الكتاب والتى  لم يتم ذكرها  سواء من الباحث ومحقق الكتاب الأستاذ سالم الكبتى  او من زوجته و الكتاب الأخرين الذين قدمو شهادات عن الصحافى الراحل وهو الأجابة عن السؤال الذى يراود اى قارىء للكتاب عن سبب ترك الصحافى رشاد الهونى  لصحيفة العرب التى  قام هو نفسه بتأسيسها ؟

ويكتب الأستاذ " سالم قنيبر " عن رفيق وصديق عمره رشاد الهونى ستة مقالات مطولة  ولكن الأستاذ سالم قنيبر حشد مقالاته الثلاث الأولى بكثير من نصوص  الكتب  عن الموت   عند المصريين واليهود والمسلمين

 وفى مقالته الرابعة  المعنونة ب" قبل أن تصدر الحقيقة " يعود  الاستاذ سالم قنيبر بذاكرته  ليسرد   مسيرة الصداقة و العمل مع  رشاد الهونى فى بنغازى  عام 1958 عندما عين  مسجل لكلية الداب بجامعة قاريونس  فيما عين رشاد الهونى مسجلا لكلية التجارة والأقتصاد  ويفصل  الأستاذ سالم قنير فى مقالته الرابعة  لملمح  عام عن الحال الثقافية  والصحافية والتعليمية  فى مدينة بنغازي  فى تلك الفترة  وعن أنتقاله  للعمل رفقة رشاد الهونى  فى عام 1962  الى شركة أسوا فى البريقة   وعن تأثر الصحافي والأديب رشاد الهونى بالجو العام لهذه الشركة النفطية  وكتابته  لقصة  اقرب للمقالة عن تأثير ظهور النفط فى البلاد  وهو لم يكن قد  تجاوز عامه الخامسة والعشرون من عمره

 ويورد الكتا ب أيضا مجالا  لمقالة كتبها الصحافي اللبناني " سمير عطالله" عن فترة عمله بصحيفة الحقيقة والتى لم تدم سوى لسبعة أشهر فقط ولكنها  كانت كافية لتظل راسخة فى ذاكرته ليكتب عنها بعذوبة وحنين بعد أربعين عاما ذاكرا فيها بعضا من تفاصيل عمله اليومي بصحيفة الحقيقة

 ويكتب الدكتور " محمد أحمد وريث" عن فترة عمله بصحيفة الحقيقة وتفاصيل العمل فى بالمطبعة الحكومة فى مقرها القديم  بجانب  مستشفى الصدرية  قبل ان  تكبر الصحيفة  وتصبح "دار الحقيقة" ويصبح لها مطبعة بالفويهات الغربية  وتتحول الى جريدة يومية مشهورة  وواسعة الأنتشار

 ويدلى كل من الشاعر عبد الرزاق الماعزى و ابوبكر الهونى وحسن فؤاد وبكر عويضة شهادات قصيرة سريعة عن بعض تفاصيل مقاربتهم للصحافى رشاد الهونى   وعن دور صحيفة الحقيقة كصحيفة مستقلة فى تللك الفترة فى كشف كثيرمن الفساد و عن الرواج الذى حظيت به الصحيفة وخاصة حين كان يكتب بها  الكاتب صادق النيهوم مقالاته النارية والناقدة للمجتمع الليبى

 فى الجزء الثاني من الكتاب  يفرد الباحث والمحقق الأدبي " سالم الكبتى"  لبعض من كتابات الصحافي والأديب  رشاد الهونى  في مجال القصة القصيرة وبالطبع المقالة الصحافية حيث ضم الجزء الثاني من الكتاب 18 قصيدة شعرية و14 قصة قصيرة وأكثر من 60 مقالة صحافية  نكتشف  حين نقرأها بتمعن مدى قوة وصلابة الصحافى رشاد الهونى في طرح كثير من المواضيع التى تهم رجل الشارع العادى  والتى تناقش اموره الحياتية ومشاكله الأقتصادية  والأجتماعية فى ستينيات القرن الماضى بروح وثابة لاتعرف فى الحق لومة لائم كاشفا  أوجه الفساد فى بعض الأجهزة الحكومية  والشركات كما فى مقالته " ماذا يزرع السماسرة " التي اظهر فيها حقيقة مايجرى داخل شركة أسوا النفطية ، كما نقرأ من بين مقالاته مقالة  قوية يدافع فيها رشاد الهونى عن  كتابات الصادق النيهوم ويوسف القويرى وغيرها من المقالات التي هى غيض من فيض كتابته لمقاله الأسبوعى الذى  سيذكر فى تاريخ الصحافة الليبية باعتباره صاحب اسلوب مميز يجمع بين المعلومة والخبر والفكرة المختزلة دون أسراف أو تطويل أو قصر مخل بالمواضيع التي يطرحها أمام الرأى العام الذى كان يتابع صحيفة الحقيقة بشغف

كتاب " زيت القناديل " للباحث  والمعد الأدبى سالم الكبتى  هو كتا ب يستحق القراءة وينبى ء عن جهد شخصى لمعده و هو تقريبا عمل مؤسساتى  اى انه من المفترض ان تكون هناك مؤسسات ثقافية تتكفل بمثل هذا الجهد الذى يقوم الباحث سالم الكبتى بحب وعشق للتاريخ الأدبى بعمله في صمت وبعيدا عن الأضواء وبدون ضجيج وبحب لجميع من أعطى بصدق وحب  لليبيا فى اى وقت واى زمان. 

 

 

 

 

 

 

السبت، 1 يناير 2022

شموس من مدينة درنة

 

إنتصار بوراوى

بالصدفة وقع بين يدي كتاب، بعنوان "شموس من مدينة درنة " للباحثة سليمة بن حمادي وهو كتاب صغير في حجمه، بسيط في إخراجه، ولكن حين استغرقت في مطالعته وقرأته وجدته كبير في مضمونه واكتشفت بأنه يحوي على كنوز معلوماتية لم يهتم أحد بها رغم ان الكتاب صدر منذ عام 2000 م    

الكتاب زاخر بكثير من الأسماء للرائدات الليبيات من مدينة درنة على مدى تاريخ طويل ويبدو واضحا الجهد الذي بذلته باحثة الكتاب في التقصي والرصد لتاريخ منسي ومهمل من الذاكرة الوطنية للنساء الرائدات في بلادنا من كافة المجالات

 ونتيجة لكثرة الأسماء الموجودة بالكتاب أخترت أن أعرض منه بعض الأسماء لوجوه رائدة نسائية من مدينة درنة في التعليم والصحة وفى عالم الكتابة لأن المجال  لا يتسع لذكر جميع الأسماء التي أجرت باحثة الكتاب جهدا دؤوبا في البحث عن سيرتها الذاتية المهنية وصورها وعطاءاتها للوطن كما يبدو من خلال المراجع الصحفية والمقابلات الشخصية مع من لازلن  منهن على قيد الحياة

من أهم الشخصيات الملفتة في الكتاب التي افردت لها الباحثة قسم  من لكتاب هي اول مدرسة افتتحت فصل لتعليم الفتيات في مدينة درنة وهى المعلمةوالمربية الفاضلة مفيدة كارلون

 

فمن هي مفيدة كارلون ؟؟

مفيدة كارلون حسب ما تذكر الباحثة سليمة بن حمادي في كتابها "شموس من بلادي" هي من مواليد حلب بسوريا عام 1892، تلقت تعليمها في بلادها وشاركت في مظاهرات الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي في سوريا ،تزوجت من المرحوم "عبدالله الشويهدى" من مواليد بنغازي الذى كان مهاجرا الى سوريا ،وحين عاد الى ليبيا عادت بمعيته اذ قدم بها ليقيما بدرنة   وبعد تسعة اشهر من استقرارهم بالمدينة توفى وتركها ارملة  وتزوجت بعده بالمرحوم "محمد بن فايد

كانت تجيد اللغتين العربية والفرنسية الى جانب ألملمها بالتركية واليونانية وتعلمت في ليبيا الإيطالية ثم الإنجليزية، وكانت بشهادة جميع عارفيها متدينة صوامة صالحة تشارك قدر الإمكان في الأعمال الخيرية ومنها جمعها للتبرعات لصالح القضية الفلسطينية 1948

بدأت مفيدة الخوجة بتشجيع من زوجها مشوارها فى تعليم البنات بمدينة درنة وفتحت اول فصل دراسي فى عام 1926 وبدأت الخطوة الاولى في تعليم المرأة في مدينة درنة فى عصرها الجديد مجموعة من الطالبات هن

فتحية قدور ..جميلة صوان ..مبروكة بوغرارة ..نفيسة الجاضرة ..غالية بوغرارة ..خديجة اكسيندة ..حلوم مكراز..حميدة صوان ..خيرية الثلثى مبروكة الجاضرة ..مريم كريكش ..غزالة الطيب ..مبروكة بحيرى ..عدوية بوخطوة

فتحت أول فصل دراسي لتعليم البنات فى مبنى بشارع الفنار يقوم عليه حاليا مبنى “مدرسة النصر للبنات"  ورغم  أن نظافة الهندام كانت شرط أساسي الا أنه لم يكن هناك زي مفروض على الطالبات فكن يرتدين الزى الشعبي وكذلك الحقائب فقد كانت حسب ظروف كل طالبة كما كن يحضرن افطارهن من بيوتهن وكان نظام الدراسة خمس سنوات فقط وقد انفردت السيدة "مفيدة الخوجة" بتدريس جميع المواد واستمرت مفيدة فى العطاء حتى عام 1944-1945 ثم استقالت من العمل ولزمت بيتها الى ان توفاها الله وتولت بعدها المرحومة "فتحية شنيب"


نورية سالم الثلثي أول مدرسة ليبية

من بين سيرة الرائدات التي لفتتني بالكتاب  سيرة أول معلمة ومدرسة للبنات في مدينة درنة كما تذكر الباحثة سليمة بن حمادي في كتابها الشيق "شموس من بلادي "  وتذكر الباحثة والكاتبة بأنه فى عام 1931 برز أسم" نورة سالم الثلثى" التي تخصصت في مادة الدين ويرجح أنها تلقت تعليمها على يد والدها الشيخ "سالم الثلثي" احد حفاظ القران الكريم وأحد الذين امتهنوا تحفيظه للطلاب وتعد "نورية سالم الثلثى" أول مدرسة ليبية فى درنة ،وكان معها غزالة عاشور الطيب النويصرى التي درست التمريض في طرابلس لكنها اختارت مهنة التعليم ولطيفة كلفة وفاطمة بحيرى وهن من اوائل المعلمات اللواتي تخرجن من مدرسة "مفيدة الخوجة"

 

خيرية على بن حمادي أول طبيبة ليبية فى درنة

 

تعد "خيرية على بن حمادى" كما تذكر الباحثة سليمة بن حمادى في كتابها اول  امرأة نالت شهادة فى مجال الطب  في تخصص امراض النساء والولادة الى جانب التمريض ايام الاحتلال الإيطالي الاستعماري لليبيا وتلقت التعليم باللغتين  العربية والايطالية ،ومن زميلاتها في الدراسة مرزوقة عزوز ،عائشة الشريف، منى بن خيال، عزيزة القر يتلى ،مرضية الشريف ،مرزوقة قدور ، لطيفة كلفة، امينة الحداد، غزالة بالقاسم، علجية الكواش، مريم اشليمبو ،سالمة الحصادى ،عصرانة ساسى ، ميرى القريتلى، فاطمة استيتة ،حميدة سرقيوة، مبروكة الاسطى عمر، وغيرهن ممن كن يتلقين التعليم على يد المعلمة مفيدة الخوجة ،وكانت الدراسة والسفر خارج المدينة شيئا غريبا على عقلية الرجل الليبي آنذاك ولايقبل به العرف وكان لوالدها المرحوم "على بن حمادي " ولأخيها الاكبر "محمد على بن حمادي" اثر كبير على تشجيعها  ودعمها للسفر إلى طرابلس  للدراسة  وعادت الى درنة  بعد دراستها لمدة سبع سنوات  في طرابلس ،  وقد تحصلت على شهادة رسمية تتضمن تخصصها في مجال طب النساء والولادة الى جانب التمريض  ولقد رشحت للدراسات العليا في ايطاليا لكن والدها لم يوافق وأدت عملها بكل  أخلاص في مجال الطب إلى أن تقاعدت.


أول روائية ليبية ..مرضية النعاس

وتتحدث الباحثة سليمة بن حمادي عن أول روائية ليبية الصحافية والروائية الليبية ابنة درنة الفيحاء الكاتبة مرضية النعاس

ولدت الكاتبة  مرضية النعاس  فى درنة عام 1948 ، وتحصلت  على ليسانس القانون من جامعة قاريونس، وبدأت الكتابة للإذاعة بمذكرات طالبة في برنامج عن الطلبة والمعلمين  كان  يقدمه الأستاذ التربوى الأستاذ "فرج الشويهدى" ، ونشرت انتاجها في صحيفتي الزمان والرقيب  والكاتبة مرضية النعاس هي  اول امرأة ليبية كتبت الرواية ،وذلك عبر روايتها "المظروف الأزرق" ،اصدرت بعدها مجموعة من الروايات والمجموعات القصصية ، "شيء من الدفء" بنات داخلي" "رجال ونساء" "غزالة"  كتبت خلال فترة ستينيات القرن العشرين مقالات صحافية في مجلة "المرأة الجديدة" ونشرت بعدها في مجلة البيت" الاسبوع الثقافي"  وكتبت لمجلات عربية الوعى العربي، الصياد اللبنانية  ، ولتم دراسة أعمالها الروائية عبر كثير من الدراسات والمقالات النقدية كما كانت قصصها ورواياتها مصدر للبحاث والدارسين فى جامعاتنا حيث اتخذها الدارسون للأدب العربي مادة لنيل درجات علمية مثل الدكتور احمد ابراهيم والاستاذة شريفة القيادي والدكتورة سالمة ابراهيم وغيرهم.


الاثنين، 27 ديسمبر 2021

حميدة العنيزى رائدة تعليم الفتيات في بنغازي

 

إنتصار بوراوي

 يشرع كتاب ” المرأة الليبية ابداع واشعاع” للمؤلفة أمينة حسين بن عامر في رصد تفاصيل الحياة المهنية لرائدة من رائدات التعليم في بلادنا وهي السيدة حميدة طرخان التي عرفت باسم حميدة العنيزى.

قام بتقديم الكتاب الكاتب والدكتور “وهبي البوري” الذي أبدى في بداية مقدمته أسفه على التجاهل والنسيان، للسيدة حميدة العنيزى التي فتحت الأبواب المغلقة امام تعليم الفتاة الليبية، في مدينة بنغازي ويتأسف الدكتور في مقدمته لعدم ذكر اسمها، في المحافل والتنظيمات النسائية الحديثة وعدم إطلاق أسمها على أي مدرسة في مدينتها بنغازي التي أحبتها وعشقتها وبذلت كل عطائها، من أجل تعليم فتياتها في فترة وحقبة زمنية.

ولدت المربية “حميدة العنيزى” في عام 1892 م بمدينة بنغازي، وفى سنة 1911 م أوفدت إلى “المعهد النسائي العالي” بمدينة اسطنبول التركية وعادت بشهادة التعليم العالي بعد أربع سنوات دراسية درست وحفظت فيها القران وأجادت اللغة التركية إلى جانب اللغة العربية ومنذ أن رجعت إلى بلادها تطوعت لتعليم الفتيات في منزلها.

في عام 1924 افتتحت الحكومة الإيطالية بليبيا مدرسة بنات لتعليم اللغة الإيطالية واللغة العربية والقران الكريم وفن الخياطة والتطريز وكان مقر المدرسة شارع عثمان بحيح في وسط مدينة بنغازي القديمة وتولت السيدة حميدة العنيزى إدارة هذه المدرسة.

نشاطها وجهودها لفتح المزيد من المدارس

تعرض مؤلفة الكتاب لجهود المربية “حميدة العنيزى” في تولى إدارة مدارس أخرى في بنغازي، حين اسست الإدارة البريطانية أول فصل دراسي للبنات في بنغازي واسندت الى المربية ” حميدة العنيزى” مهمة مديرة تعليم ثم موجهة تربوية ثم تولت مديرة لأول مدرسة للبنات في عهد الأدارة البريطانية

افتتحت أول مدرسة ابتدائي للبنات في مدرسة أطلق عليها اسم ” الأميرة ومدرسة اخرى في منطقة البركة، ثم بدأت تعد أوائل الفتيات اللاتي تحصلن على قسط من التعليم لإدارة هذه المدارس.

أسندت إدارة مدرسة “الأميرة” الى المربية “فضيلة بومنير”، أما مدرسة البركة فلقد اسندت اداراتها الى المعلمة والمربية الرائدة بديعة فليفلة.

وفي منتصف الخمسينات  من القرن العشرين وعندما كانت المربية “حميدة العنيزى تتولى ادارة تعليم البنات بنضارة المعارف راودتها فكرة  التوسع بإنشاء معهد المعلمات العام  ،و عرضت الفكرة على وزارة التعليم فتمت الموافقة  على  انشاء المعهد ، الذى كانت الدراسة فيه  لمدة سنتين بعد اتمام الشهادة الابتدائية، ويذكر الكتاب بأن  السيدة “حميدة العنيزى” كانت تقوم بتشجيع الأهالي والفتيات ،على دخول معهد المعلمات وخصصت منحة  شهرية لكل طالبة لشراء الكتب والمؤلفات الدراسية  ومن خريجات الدفعة الأولى من رائدات التعليم النسائي في ليبيا والتي أظهرتهن الصور التوثيقية في الكتاب: معيتيقة الفرجانى، نجية اليمنى، مباركة الورفلى، فاطمة الودانى، نوارة الشريف، حليمة بوراوى.

لم تكتفى السيدة “حميدة العنيزى” بالأشراف على انشاء معهد المعلمات الذي أصبحت الدراسة فيه بعد ذلك أربع سنوات، انما افتتحت مدرسة اعدادية وثانوية في الفترة المسائية، ومع أنها وجدت اعتراض من أولياء الأمور في البداية ولكن مع الوقت تحمس أولياء الأمور لمواصلة تعليم بناتهم في المراحل الإعدادية والثانوية.

 وكذلك قامت المربية حميدة العنيزى بترشيح ثلاث طالبات لبعثة دراسية الى مصر وطالبتين لبعثة دراسية الى بريطانيا.

افتتاح جمعية النهضة النسائية بنغازي

تأسست الجمعية النسائية الجديدة عام 1954  برئاسة المربية” حميدة العنيزى” وعضوية 12 سيدة من النساء الفاعلات في العمل الوطني وتذكر المؤلفة  في الكتاب بأن: “اجتماع الجمعية الأسبوعي كان بشكل منتظم تتدارس فيه عضوات الجمعية مع الرئيسة كل الخدمات التي يمكن تقديمها للمجتمع ففي عيد الأضحى تقدم  المساعدات الى الأسر الفقيرة  لشراء الأضحية  وملابس العيد وفى عيد الفطر تجمع الزكاة لتوزيعها على المستحقين وفى المولد النبوي تقدم القناديل و الملابس والألعاب  للأطفال المحتاجين ، وتستطرد المؤلفة عن مناشط الجمعية التي كانت تقيم  ندوات ادبية وفكرية وثقافية  يقيمها اساتذة  معروفين  بعطائهم الفكري والتربوي مثل:

المرحوم يوسف الدلنسى
المرحوم الأستاذ عبد القادر طه الطويل
المرحوم فرج الشويهدى
المرحوم طالب الرويعى.

 لا تتوقف حين تقوم بقراءة الكتاب لمحاولة التقاط انفاسك وانت تسبح كقارئ في متابعة رصد فضاء النشاط والحيوية والمعرفة التي كانت تقوم به المعلمة والمربية “حميدة العنيزى”فى كافة الأوجه التربوية والإنسانية 

توفيت المناضلة والرائدة ” حميدة العنيزى” في 15-اغسطس -1982م عن عمر يناهز التسعين، بعد ان قضت ما يقارب الستين عاما من عمرها وهي تهب العطاء والحب لما فيه خير المرأة من اجل تعليمها ودراستها.

حين يتملى القارئ  بالصور التوثيقية المصاحبة للسرد التاريخي والنضالي للرائدة الفاضلة  يرى وجوه ممتلئة حب وعزم  للعلم والدراسة  بثيابهن الأنيقة و تسريحاتهن الجميلة  ، لم يكن محجبات الشعر ولكنهن كن  محصنات الروح والقلب  ومتحجبات بالقيم  الداخلية ، جميلات رائعات بأرواحهن المشعة بالحب والرغبة في التعلم والمعرفة وكفاءة العمل بصدق وعطاء وناضلن  تحت ظروف اجتماعية صعبة كانت تنظر إليهن بدهشة واستغراب وفى ظروف بلد يعيش تحت وطأة المستعمر ولكنهن رغم كل ذلك  وثقن  بأنفسهن وبحقهن  في التعليم والمعرفة ونالن بعد وقت كل احترام وتقدير المجتمع الذي كان ينظر إليهن بدهشة وتعجب  صورة جميلة للفتيات الليبيات هي ما نحب ان نراهن عليها دائما متحصنات بعفتهن وقيمهن التربوية ومتمسكات بحقهن في الدراسة والتعليم  هن أولئك جداتنا وأمهاتنا اللواتي  كن بالإضافة لكل ذلك أمهات صالحات عملن على تربية اولادهن على القيم الإنسانية والحس الوطني العالي بمحبة العمل كقيمة ورسالة وطنية قبل كل شيء ،و رغم أن الكتاب لا يورد تواريخ الأحداث بدقة الا أنه كتاب توثيقي وسردي قيم وجميل لقيمة تعليمية كبيرة في تاريخ التعليم في بلادنا.

سيرة حياة بنت الوطن السيدة خديجة الجهمي

 




شهد عام 2006 صدور كتابين عن الرائدة الإذاعية والصحافية خديجة الجهمي، وذلك لأنه صادف ذكرى مرور عشر سنوات على رحيلها. الكتاب الأول بعنوان (خديجة الجهمي نصف قرن من الابداع)، من اعداد الاستاذة حميدة بن عامر، التي سبق وأصدرت كتاب عن رائدة تعليم الفتيات في بنغازي السيدة حميدة العنيزى. أما الكتاب الثانى فهو من اعداد الاستاذة الباحثة أسماء الأسطى، وهو بعنوان (أنا خديجة الجهمي).

 كتاب الاستاذة حميدة بن عامر عبارة عن لقاءات صحافية وحوارات مع مجايليها من الاعلاميين والاعلاميات، وتلميذاتها من الاذاعيات والصحافيات، رفقة سرد بسيط لسيرتها المهنية، فيما كان كتاب الباحثة أسماء مصطفي الأسطى سرد لحياة السيدة خديجة الجهمي الشخصية والمهنية، بالحوار المباشر والمسجل معها شخصيا.
تورد الباحثة في مقدمتها للكتاب سبب اختيارها لسرد السيرة الذاتية لرائدة حقوق المرأة في ليبيا، ورائدة الاعلاميات والصحافيات الليبيات بنت الوطن خديجة الجهمي، كما تقول في مقدمة كتابها: عندما صدر كتاب (ورقات مطوية) لعمى محمد الأسطى متضمنا السيرة الذاتية التي سبق نشرها في صحيفة الأسبوع الثقافي عام 1976 أهديتها نسخة منه وكتبت لها في الصفحة الاولى ان تحذو حذوه وتكتب سيرتها الذاتية.
بعد ذلك انشغلت الباحثة كما تقول في مقدمة الكتاب بالتزاماتها الاسرية والامومية الى ان هاتفتها السيدة خديجة الجهمي واتفقتا على ان تتحدث السيدة خديجة الجهمي على سجيتها وتقوم الباحثة بتسجيل سيرتها على اشرطة تسجيل، تقوم بعد ذلك الباحثة بتفريغها، والذي اثمر عن صدور الجزء الاول من هذه السيرة الذاتية، ولكن الباحثة اسماء الاسطى لم تكتف بما أجرته من تسجيل حى وسردى للسيرة الذاتية للسيدة خديجة الجهمي شخصيا وانما اعتمدت كما تقول في كتابها على ما تركته السيدة من رسائل عند عزيزة الشيبانى، التي استلمتها منها الباحثة بعد وفاة السيدة خديجة الجهمي.

ومن المعروف ان السيدة عزيزة الشيبانى كانت قد اصدرت كتابا عن السيدة خديجة الجهمي بعنوان (بنت الوطن) نشرت فيه بعض من سيرتها الذاتية وبعض من كتاباتها وخواطرها.
وتذكر الباحثة اسماء الاسطى بأن كل مقتنيات السيدة خديجة الجهمي لازالت موجودة في مخازن ذويها، وانها تستحق ان ينِشأ متحف خاص بها باعتبارها اول من دافع عن حقوق المرأة واول اذاعية وصحافية واول مؤسسة لمجلة مختصة بالمراة.
تورد الباحثة في الصفحات الاولى من كتابها كلمة الاستاذ منير البعباع الذي ابدى تحسره على تجاهل تاريخ خديجة الجهمي النضالى الطويل وما عانته من من شقاء في طفولتها وشبابها، وكفاحها في وقت الحرب والصعوبة الاجتماعية التي واجهتها في حياتها، وانها تستحق ان تكون من ضمن الاسماء التي يشاد بها ليس على المستوى المحلى بل على المستوى العربى والعالمى.

* السيرة الذاتية للسيدة خديجة الجهمي كما روتها شخصيا

تذكر مؤلفة كتاب (الذاكرة والفلسفة) في فصل من فصول كتابها يتحدث عن السيرة الشخصية، كلمات لكاتبة السيرة ستورم جيمس في سيرتها الذاتية المعنونة بـ (رحلة الى الشمال) تقول فيها: حين يعيش الرجل او المرأة حياة غير اعتيادية او يلعب دورا في مشروع عظيم ما فانه لا يحتاج الى تقديم اسباب اخرى تدعوه الى تسجيل ما مربه، ولأن السيدة خديجة الجهمي امتلكت مشروعا كبيرا نذرت له كل حياتها فإن تجميع بعض الباحثات لسيرتها الذاتية هو عمل تستحقه هذه المرأة العظيمة، وما قامت به السيدة عزيزة الشيبانى والأستاذة أمينة بن عامر هو مجهود كبير من أجل اضاءة كثير من الجوانب الشخصية والمهنية لها.
ولكن كتاب (انا خديجة) للباحثة أسماء الاسطى هو كتاب مختلف عن الكتابين السابقين لأنه سيرة السيدة خديجة الجهمي بروايتها وبكلماتها، لذا جاء الكتاب دافقا حيويا ممتعا في قراءته بحيث تستحضر روح السيدة خديجة الجهمي بصفحات الكتاب وكأنها تتحدث بجانبك حين تسرد بلهجة بنغازية بسيطة كل صفحات حياتها الشخصية والمهنية بصدق وعفوية وبساطة بنت البلاد الأصيلة التي كونت اسما كبيرا لها بجهدها وكفاحها وتعبها وفتحت الطريق أمام أجيال كثيرة بعدها للتعلم ومعرفة الحقوق التي أعطاها لها الله، وكان العرف المجتمعي يحرمه منها. وأيضا لروحها الإنسانية الخيرة التي ظهرت من خلال اهتمامها بمشاكل وقضايا الناس عبر برنامجها الاذاعى الأول والرائد في البرامج الاذعية الاجتماعية والذي كان بعنوان (أضواء على المجتمع).
تبدأ السيدة خديجة الجهمي سيرتها في كتاب (أنا خديجة الجهمي) بذكر سنة ميلادها الذي كان في مدينة بنغازي، فجر يوم الجمعة 7 رجب الموافق 15/3/1921 ثم تتحدث عن والدها بالقول: أبى رجل متعلم بالنسبة لجيله، فهو يقرأ ويكتب باللغتين العربية والايطالية، رغم انه لم يدخل مدرسة قط، وكان يعمل في مطبعة يصفف الحروف ويطبع الجريدة التي كانت الإدارة الايطالية تصدرها انذاك وهى جريدة (بريد برقة). ثم تسترسل السيدة خديجة في الحديث عن والدها بحنان ومحبة حين تقول عنه في مقطع تالي من الكتاب: كان والدي شاعرا رقيقا وسيما أبيا، ذا شخصية قوية، عطوفا كريما وقد احبنى كثيرا. وتسرد السيدة خديجة تفاصيل العائلة الخاصة وطريقة زواج والدها من أمها وطفولتها في بيت الجد الذي عاش والداها فيه لمدة طويلة، ثم تصف بسلاسة وجمال بيت العائلة الذي تقول عنه: يقع بيتنا في شارع الكيش، وهو زقاق صغير يتكون من بيوت متشابهة محصورة بينه وبين زنقة البعباع. بيتنا ككل البيوت، له نفس الهندسة التقليدية التي تبدأ بممر طويل يتوقف عند سقيفة تفتح على ساحة في وسط البيت، وفي كل ضلع من أضلاعها المربعة دارين أرضيته مرصوفة بالاسمنت.

وتسرد السيدة خديجة الجهمي بعفوية ملامح البيت من الداخل وتصف تفاصيله عبر منمنات دقيقة احتفظت بها ذاكرتها طازجة حية وكأنها ابنة اللحظة وكأنها لازالت تلك البنت الصغيرة التي تتجول في ربوع ذلك البيت وتغني لحصالتها باللغة الايطالية الأغنية التي علمتها لها مدرسة اللغة الايطالية. وتتحدث عن بنغازي بحنان غامر وحب دافق حين تسترجعها ذاكرتها: كانت مدينة صغيرة جدا، ولم يكن بها سوى شارع رئيسي واحد يصل وسط المدينة بالبركة إحدى ضواحيها، رغم أن المسافة بينهما لا تزيد عن كيلومتر ونصف إلا إننا كنا نعتبرها سفرا كلما اضطررنا لقطعها، أما عدد سكانها انذاك فلا يزيد عن عدد سكان حي في ضواحي مدينة كبيرة، الا انها كانت بالنسبة لي مدينة كبيرة جدا قضيت فيها ربع قرن من عمري.
وتسهب السيدة خديجة الجهمي في وصف أسواق المدينة التي كانت كما تقول: الأسواق الوحيدة في ذلك الوقت التي يقبل عليها المشترين من كل المناطق مثل سوق الفندق وسوق الحشيش. والحديث عن سوق الحشيش حديث ذو شجون فهو اكبر أسواق المدينة ويقع وسط الحي على مساحة مربعة تقريبا، منه تمتد طرق تؤدى إلى شارعي سالم الزوبيك ومقام ولى سمى الشارع باسمه هو عثمان بحيح. كان السوق ولا يزال له اكبر الأثر في خيالي بل في حياتي، ففي ساحته لعبت، ومن الحوانيت التي على جانبيه ابتعت لاسرتى جل ما تحتاج له.
وتمضى السيدة خديجة في سردها الممتع الجميل لكل زوايا المدينة والأشخاص المعروفين بالمنطقة، في استدعاء حميم ومذهل ويعبر عن ذاكرة صافية وذهن متقد بالرغم من أنها سردت سيرة حياتها وهى متجاوزة للسبعين من عمرها الا انها تذكر تفاصيل حدثت معها وهى طفلة في السابعة من عمرها مع الجيران والاهل باسلوب عفوى ممتع يجعل القارئ يواصل قراءة كل تلك الذكريات المنهمرة لزمن اخر وعالم اخر وناس غير الناس بشغف وحب. وفي رواية دقيقة لتفاصيل اليومية في البيت والشارع وطريقة التسوق وانواع الاكلات التي كان تعدها العائلات في تلك الفترة الزمنية عبر لوحة بانورامية جميلة تعبر عن وعى مبكر منذ طفولتها بمجريات الاحداث السياسية حولها حيث تتحدث عن استشهاد شيخ الشهداء عمر المختار، في عام 1931. كما ان وعيها المبكر وفطنتها وذكاءها سانده ما كانت تتحصل عليه من مجلات مهربة من مصر، لان حيازة المجلات كانت تهمة في ذلك الوقت، فكانت تطالع مجلة الرسالة، الثقافة، الأزهر، الاسلام، الاثنين، الدنيا، الكواكب، روز اليوسف.
ومع إطلالة عام 1934 تقول السيدة خديجة الجهمي: احضر لي والدي راديو كبير، نسمع عبره إذاعة مصر بصعوبة اثناء الليل، كما يصلنا بوضوح بث راديو بارى وراديو طنجة باعتبارهما مركزا دوليا.

* عمل النساء في البيوت

السيدة خديجة الجهمي في صباها
السيدة خديجة الجهمي في صباها

تسرد السيدة خديجة الجهمي لدور المرأة وعملها من داخل البيت في تلك الفترة الزمنية من عقد ثلاثينات القرن العشرين عند العائلات الليبية التي بدأت صناعات بسيطة تقليدية للأحذية والبلغ. والبلغة جمعها بلغ، والرقعة هي التي تنتعلها النساء وهى حذاء يصل الى ما تحت الركبة تشبه البوت او الجزمة ونص الرقعة، اما الصباط حيث تأتى النساء بالقطع المفصلة والمقصقصة من الجلود لتتحول بأناملهما بواسطة اداة ذات رأس حاد تسمى المشفة حيث تستعمل لحرم الجلد الذي يطرز فيما بعد بخيوط رفيعة من الجلد ذاته او بخيوط ملونة، بينما تقوم عائلة سيدى فرج بصنع اسرجة الخيول التي تطرزها النساء بخيوط من الذهب والفضة ليبيعها سيدى فرج في دكانه بسوق الحشيش. اما خالتي سعدة وبناتها وزوجة ابنها فهن جميعا في بيت اخر يصنعن الثياب الخاصة بالرجال من الصوف الذي يقمن بغزله ونسجه، كما تعمل نساء اخريات في صنع الجوارب من القطن او الجدائل المستعارة من الصوف المصبوغ باللون الاسود، كما ان هناك نساء اخريات يعملن في فن الدانتيل او الكروشيه الذي تصنع منها انصاف اكمام وياقات المريول، ذلك القميص القصير الذي يلبس تحت الزى الشعبى للنساء.

* شخصيات من معالم مدينة بنغازي

تورد السيدة خديجة الجهمي شخصيات شعبية معروفة بمدينة بنغازي في أوائل القرن العشرين محفورة في ذاكرة أهل المدينة الأوائل ومنها كما تتحدث السيدة خديجة شخصية محضية والتي تصفها بالقول: هي امرأة ضخمة الحجم تمشى كالمجنونة في الشارع تكلم نفسها ولا تؤذى احدا. وعبابودة ملامحه تشبه الصوماليين يلبس جلابية مفرطة الطول ينتعل صباطا او شبشبا ويرتدى فوق كل ذلك جاكبيتى. ثم تتحدث بصورة طريفة عن ثريا التي تقول عنها جاءت من البادية، لكنتها غريبة سمراء ذات تقاطيع رقيقة بوجهها استطالة تقترب في عمرها من الخامسة والثلاثين حلوة. وبطة المغنية اليهودية، زوجها خموس له دكان قبالة شارعنا يعمل لحاما وتسهب السيدة خديجة في الحديث عن كل شخصية بعفوية وطيبة وحياد وموضوعية كما رأتهم عين الطفلة وكما احتفظت بهم في الذاكرة عين المرأة الكبيرة.

* نشوب الحرب العالمية الثانية

تقول السيدة خديجة الجهمي في سيرتها الذاتية: عندما نشبت الحرب العالمية الثانية كنت في العشرينات من عمري، ولم أغادر مدينتي سوى مرتين، واحدة إلى القوا رشة والأخرى إلى قمينس. وتتحدث في مقطع اخر من الكتاب عن مغادرة عائلتها من بنغازي إلى منطقة القوارشة عند نشوب الحرب العالمية الثانية: غادرنا إلى القوارشة مع جدي البعباع حيث عملت هناك كممرضة متطوعة لأنني أتقن ضرب الحقن ومداوة الجروح وتضميدها. كان جدي يناديني مداعبا جيجا وهو اسم عجوز أرمينية كانت تحقن بالإبر وهى معروفة في أوساطنا الأسرية. كان هذا العمل تطوعي اى بلا مقابل فكيف نعيش أنا وامى واختى جازية وربيعة؟ لم يكن من المنطقي أن نكون في عنق جدي الذي يعول أربعة اسر غيرنا. عندها أخرجت آلة أو ماكينة الخياطة وبدأت العمل. لم يكن هناك قماش، لكن المظلات التي تسقطها الطائرات في الحرب الدائرة – وهى من نسيج الحرير الطبيعي وتخاط بشكل دائري – أوحت بالحل، فلم يكن من الصعب فتق الخياطة الأصلية وإعدادها قطعا من القماش، كما كنت أصبغها بالألوان وأفصلها إلى سواري رجالة وقفاطين، بذلك صار لدى الكثير من المال الذي لا يحقق اى شيء ففي السابق الألف فرنك يمكن المرء من شراء منزل الا انه في زمن الحرب لا يأتى برغيف خبز.

* سفرها الأول إلى مصر

بعد انتهاء الحرب رجعت السيدة خديجة الجهمي رفقة عائلتها إلى بنغازي ولكن والدها لم يرجع وإنما سافر إلى مصر، ثم توفت أمها بعد ذلك، وعاشت رفقة أختها ربيعة وجازية في بيت عمها محمد على دغيم، وطرأت عليها فكرة السفر لوالدها في مصر برفقة اختها ربيعة، فطلبت من عمها أن يصحبها إليه وكان يعدهم خيرا ولكنه لم يفعل. تقول السيدة خديجة الجهمي في سرد تفاصيل سفرها إلى مصر: قررنا أنا واختى ربيعة أن نسافر دون صحبته بل ودون علمه، خرجنا من البيت صباح يوم الخميس 1-11-1946 دون عدة ولاجواز سفر، بدون مال وبدون تقدير لمخاطر الرحلة التي عزمنا القيام بها من بنغازي عند الساعة العاشرة صباحا. كنت متنكرة في زى عجوز بدوية تضع غطاء على وجهها وتتوكأ على عكاز. وتروى السيدة خديجة الجهمي تفاصيل الرحلة الخطرة التي قضتها طيلة يوم كامل إلى أن وصلت إلى مصر، والتقت بوالدها ومكثت في بيته بعد أن اكتشفت أن والدها قد تزوج من امرأة مصرية، و أنجب منها أربعة أبناء.

في هذا الفصل من الكتاب تسترجع السيدة خديجة الجهمي رحلتها مع التعليم والقراءة حيث تذكر بأنها دخلت إلى المدرسة في سن السابعة اى في سنة 1928 وتقول عن تلك المرحلة: عندما بلغت السابعة من عمري رأى أبى ضرورة الالتحاق مع تلك القلة المدرسة، وبفضله انخرطت مع عشر تلميذات أغلبهن غير ليبيات، البعض أمهاتهن من تونس والبعض الاخر من أصول كريتلية، كنا ثلاث بنات ليبيات الاصل فقط. أختان يعمل والدهما قاضيا في الشق الشرقى من البلاد جاءتا من طرابلس هما بهيجة وسكينة ميلاد العرادى وأنا، رفض الناس دخولى الى المدرسة، ووقفوا موقف الهجوم على والدى، إلا إن أبى لم يكن يشابه أبناء جيله في نظرتهم وتفكيرهم تجاه البنات، عادة يصل عدد التلميذات الى 25 في الغالب، وما ان يصلن الى الصف الثالث حتى ينحسر عدد التلميذات، الى اربع أو خمس تلميذات فقط. مدرستنا عبارة عن بيت فيه عدة حجرات للدراسة، وهى ايطالية المنهج والادارة، تتخللها حصتان في الاسبوع للغة العربية وقواعد النحو والقران الكريم، درستها على يد الشيخ محمود بن مسعود، اما باقى العلوم مما يتعلق بتاريخ الرومان وجغرافيا إيطاليا والرياضيات، فتدرس لنا باللغة الايطالية. تبلغ مدة الدراسة خمس سنوات، تبدأ بأول وثانى تحضيرى ومن ثم اول وثانى وثالث ابتدائى، بعدها يتوقف سلم التعليم في بنغازى للبنات، اما البنين فتتاح لهم ثلاث سنوات اخرى للصنائع. انخرطت في فصول المدرسة الملوكية الابتدائية للبنات المسلمات، ولكنى توقفت عن تعليمى الابتدائى عامين امضيتهما في البيت ولم اعد اذهب للبيت، وصرت اطرز المحارم الخاصة برؤوس النساء، ثم عدت للمدرسة مرة اخرى حيث نلت الشهادة الابتدائية للصف الخامس وعمرى حينذاك 14 سنة.

* رسالتها إلى الزعيم الفاسيشتى موسيلينى

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن رسالة تطالب فيها موسيلينى بالرحيل وجيوشه عن ليبيا، بعثتها إلى مجلة (ليبيا المصورة) في عام 1939 ولكنها لم تنشر، عند ذلك تقول السيدة خديجة الجهمي راوية تفاصيل الحادثة التي أدت للتحقيق مع والدها: أعقبتها برسالة مفتوحة للزعيم الفاسيشتى موسيلينى أوضح فيها استيائي من وجود الاستعمار، وأعلن فيها عن رغبتي في طرده وجيوشه من بلادي. تقول السيدة خديجة هذا المقال عرضني لتعنيف أبى لي بعدما خضع لتحقيقات مرهقة.

* رحلتها الثانية الى مصر

تقول السيدة خديجة الجهمي عن سبب سفرها مرة ثانية إلى مصر بعد عودتها منها: كنت متحفزة دائما لاكمال تحصيلي العلمي، خاصة بعد ما عاد والدي إلى ليبيا فسافرت في 10/8/1952 الى مصر مرة ثانية، برفقة أختي ربيعة مع ابنتها سعاد البالغة من العمر أربع سنوات وأقمنا في بيت أقارب لنا في القاهرة، هناك بدأت أبحث عن عمل بعدما تعرفت على صديقة تدعى إنصاف سرى، وهى زوجة منصور باشا فهمى التي تعد أول امرأة في مصر كلفت بإدارة المدرسة السنية حيث طمأنتني بأنها ستتوسط لي لدى وكيل وزارة التعليم لأعمل كمعلمة وأواصل تعليمي. استقبلنى المعنى واسمه جعفر وسألني عن المؤهل ؟ قلت: خامس ابتدائي ايطالي وبمجاملة المصريين المعروفة أضاف أنا مقتنع بأنك أفضل من أية مدرسة هنا إلا إن الملف يحتاج لـ .. قاطعته بشكرا وخرجت.
تمضى السيدة خديجة الجهمي في سرد مسيرة أيامها في مصر وبحثها عن العمل إلى أن قادتها المصادفة للعمل خياطة في بيت الممثلة ليلى رستم وهى المذيعة المصرية في الإذاعة الانجليزية وخريجة الجامعة الأمريكية التي عرفت بجمالها وثقافتها العالية، وأكملت السيدة خديجة الجهمي دراستها فخاضت امتحان الشهادة الابتدائية ثم الإعدادية.

* نادي الشباب الليبي

كان لدى السيدة خديجة الجهمي نشاط وافر وعدم رغبة في الركون للسكون والرتابة في حياتها، وذلك يتضح من خلال نشاطها الذي وزعته بين الدراسة والعمل، ولم تكتف بذلك بل انضمت لنادي في مصر اسمه (نادي الشباب الطرابلسى)، كما تقول ثم تغير اسمه إلى (نادي الشباب الليبي). تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن هذا النادي بالقول: كان النادي يضم فريقين، فريق يدرس في الجامعات المصرية، والاخر في الجامع الأزهر الشريف، ويخيل لي انه كانت بينهما بعض الحساسية، ففي كل يوم خميس من كل أسبوع أتردد على هذا النادي، فوجئت بأن الجمعية العمومية تعقد اجتماعها لاختيار أعضاء لمجلس الإدارة وبأنهم انتخبونى للرئاسة ضد مصطفي التريكى. اعتذرت ولم يقبل اعتذارى الجامعيون الذين يمثلهم: محمود كامل المقهور، منصور الكيخيا، شوقى كانون، عثمان الكاديكى، أحمد نجم، الدغيس، وغيرهم. أما الازهريون فيمثلهم: محمد التركى التاجورى، مصطفي التريكى، واخرون. بعد التصويت فاز مصطفي التريكى مما أعفانى من هذه المهمة.

* محاضرة لها عن المرأة تثير معركة

الراحلة خديجة الجهمي
الراحلة خديجة الجهمي

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن محاضرة القتها في النادى اثارت معركة بين الطلبة الجامعيين وذوى التوجه الاسلامى المتشدد. تسرد السيدة خديجة الجهمي تفاصيل ما حدث من خلال هذه الفقرة في الكتاب: في زيارة لى للنادى أقترح على من في النادى إلقاء محاضرة، رغم انى لست مستعدة لها، لا ثقافيا ولا علميا، فأعددت كلمة بسيطة قلت في اولها انى اثبت وجود اختكم الليبية بينكم وهى بعنوان المرأة في الاسلام، كتبتها فيما يقارب ثلاث صفحات جمعت بعض معلوماتها من المراجع، وبينما انا في منتصف المحاضرة دخل الشيخ … وقاطعنى بالقول: مع احترامى للآنسة خديجة الجهمي، لعن الله قوما ولوا امرهم امرأة، ونسج على هذا المنوال لمدة ساعتين حتى احتدم الخلاف بين الفريقين إلى حد الاشتباك. كان كامل المقهور من ضمن اثنين أو ثلاثة يحاولون فض الاشتباك وإصلاح الموقف الذي عرفت فيما بعد أن أحدهم أخبره بأن خديجة قالت بأن المرأة يجب أن تكون قاضيا وحاكما الخ .. رغم انى كنت أدعو لأن تعرف وتتعلم المرأة القرأة والكتابة.

* زواج السيدة خديجة الجهمي وطلاقها

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن زواجها بالقول بانه كان نكتة. وتسرد قصة زواجها بالقول: تزوجت من رجل فاضل، سورى الجنسية، مقيم في مصر اسمه محمود خليل السباعى، وهو ارمل له ولد وبنت احببتهم واحبونى. وتتحدث السيدة خديجة عن العوامل التي دفعتها لهذا الزواج منها ان اقامتها في مصر كانت مهددة، فاضطرت لان تتزوج من الرجل صاحب مشغل الخياطة الذي عملت فيه. وتقول في فقرة اخرى: استمرت هذه الزيجة عاما واحدا تقريبا، لم تتحقق فيها أمومتى حينما وضعت بنتين توأمين ماتا فور الولادة. وعندما توفي والدى اردت العودة الى ليبيا، لكن زوجى ابقانى هناك، ثم قررت العودة بدونه لأنه كان يتابع قضايا تتعلق بمحلات يملكها في مصر، فلم أنتظر مرافقته لى وعدت الى ليبيا. وتحصلت بعد ذلك على طلاقها منه.

* مشكلة رجوعها للعمل في التعليم

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن المعاناة التي تعرضت لها بعد عودتها من مصر التي قضت خمس سنوات فيها، ومعها شهادة الثقافة والشهادة الاعدادية، ولكنها تفاجأت بأن المدة التي تغيبت فيها عن عملها بالتعليم ستعيدها لدرجة الصفر فرفضت العودة للتعليم.

* ثانى صوت نسائى في الاذاعة في عام 1956

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن عملها بالاذاعة من خلال العرض الذي قدمه لها الاستاذ محمود للعمل في الاذاعة ولكنها ترددت مخافة رفض عائلتها، كما تقول في هذا المقطع: لم أخبر أحدا بهذا العرض، حتى جاءتنى السيدة حميدة العنيزى تقول لى لماذا التشدد في الرفض اليس افضل من التعليم بثمانية جنيهات؟ فقلت لها: تعلمين بأننى أتحصل بالخياطة على مبالغ اكبر ولكن لن أعمل بالاذاعة. قالت: لكن جدك البعباع موافق. قلت: ولكن عائلة ابى لن يوافقوا.
بذلك التدخل من حميدة العنيزى بدأت العمل في الاذاعة، ولكن عائلة عمى لم تكن راضية عن عملى كمدرسة فكانت مجازفة كبرى دخولى للإذاعة. حينها كان ابن عمى عبد القادر شابا متحمسا فقال مهددا: نخش عليها في نص الليل نقبض روحها. فلم أخف، وفكرت ثم ذهبت الى عائلة عمى رحمهم الله: تعال اقتلنى اما تهددنى لا. فخجل وقال: حشمتينا يقولوا الناس بنت عمك تخدم في الاذاعة. قلت له: تعال وتبعنى واحكم.
وتسرد السيدة خديجة الجهمي دخولها الاول للإذاعة في بنغازى والتي كان المسؤول الاول فيها مستر فليشر السكرتير الاول بالسفارة البريطانية، ثم قيامها بتقديم برنامج (اضواء على المجتمع) الذي استمر لمدة 18 عاما بعد ذلك، واصبحت اول مذيعة تقرأ الاخبار في الاذاعة الليبية، واول من اعد برنامجا يذاع على الهواء للأطفال بعنوان (ركن الاطفال). بعد ذلك توالت البرامج التي قدمتها في الاذاعة:
صور من الماضى يتحدث عن سيرة المجاهدين – سل طبيبك – ندوة الاذاعة – اسهر معانا – ربع ساعة – يا فتاح يا عليم – صباح الخير – فكر معى – ركن المرأة – من حياة الناس – جولة الميكرفون – لقاءات مع الفنانين العرب، بالاضافة لاعداد الكثير من التمثيليات الاذاعية.

* دورة اذاعية في تونس

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن الدورة الاذاعية التي تم فيها إيفاد ثلاثة عشر رجلا وهى العنصر النسائى الوحيد بينهم في عام 1960 والتي استمرت لمدة 100 يوم حيث سافرت اولا من بنغازى الى طرابلس، ثم من طرابلس الى تونس وتتحدث بروح انسانية جميلة عن لقاءها بمدير الاذاعة الشاذلى القليبى وتدريبها رفقة المذيعين والمذيعات من تونس وعن لقاءها بالرئيس التونسى الحبيب بورقيبة.

* إقامتها في طرابلس

بعد عودتها من تونس إلى بنغازي وجدت ان الأسرة قد قررت تزويج أختها ليلى، وهى لم تتجاوز الخامسة عشر من عمرها، فعارضت ذلك ولكن الاسرة لم تأبه لذلك، فقررت السفر والعيش مع أخيها بالرضاعة منير البعباع رفقة زوجته وأولاده، وتتحدث في هذا الفصل عن بداية عملها بالإذاعة في طرابلس وعن اصطدامها بالرفض من قبل العاملين من الرجال بالإذاعة لها، إلى أن استطاعت بإخوتها واحترامها أن تكسبهم كأخوة، ثم تتحدث عن مشكلة لهجتها البنغازية ومحاولة إزاحتها من البرامج، وتتحدث عن حادثة طريفة لذلك كما تذكرها في سيرتها الذاتية: كلفني المراقب أن أتولى (ركن المرأة) بسبب أن المذيعات الموجودات كن يتعاركن عليه فالخلاف حوله قائم بصورة دائمة سواء في اذاعة بنغازى او طرابلس. ومن ضمن فقرات هذا الركن الذي توليته لمدة عشرين يوم فقط فقرة بعنوان ايش ناكلوا بكرة وصلتنى على اثره رسالة رسمية مضمونها الاتى: لازم تحترمى المجتمع الذي تخاطبينه. المفروض مادمتى تتكلمى باللهجة الدارجة ان تقولى شن ناكلوا غدوة مش كيف ما تقولى.

* نظمها للزجل والشعر الشعبى

نظمت خديجة الجهمي كثير من الزجل الشعرى كما تتحدث في سيرتها الذاتية ولكنها لم تحتفظ بالكثير منه مكتوبا ولكنها اوردت في كتابها قصيدة (نصيحة) عن ضرورة تعليم الفتاة وعدم منعها من القراة والكتابة، باعتبار ان ذلك يعمل على تقدم المجتمع، بالاضافة لكتابتها لكثير من كلمات الاغانى وبذلك هى تعتبر اول امراة ليبية كتبت كلمات اغانى، ومنها اغنية نور القلب والجوبة بعيدة، وغيرها من االاغانى الاجتماعية واغانى الاطفال.

* اصدارها لأول مجلة ليبية عن المرأة

تولت السيدة خديجة الجهمي الاشراف على اصدار مجلة المراة في 5/1/1964 وتعاون معها من المحررين رباب ادهم، عمر الجعفرى، عبد الله القويرى، يوسف الشريف، كامل عراب، محمد عكاشة، محمد غضبان، واخرون ثم التقت بعد ذلك بصديقة عريبى، فوزية بربون. وفي لمحات بارقة قصيرة تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن باقى الصحفيات اللواتى التحقن بالصحيفة في بداية صدورها وكن من المؤسسات لها، ومنهن من اصبحت اسم معروف في عالم الكتابة القصصية والروائية تقول عن كل اسم منهن:
مرضية النعاس: كانت موظفة في المطبوعات ولكونها ام لاطفال وتقيم في طرابلس بعيدا عن اهلها واهل زوجها، طلب منى زوجها ان تعمل معى وهى قلم جيد
نادرة العويتى: جاءنى اخوها صبرى الذي يعمل معنا في المطبوعات وقال لى اريدها ان تعمل ولو بدون مقابل.
شريفة القيادى: جيدة وجدية جدا.
نزهات القريتلى: كانت تجيد الايطالية أكثر من الايطاليين أنفسهم.
زهرة الفيتورى: جاءت بعد عام من صدور المجلة كطباعة في البداية، حيث كان والدها يعارض عملها اخذتها معى والحقتها بدورة تصوير فوتوغرافي لتصبح مصورة صحافية بالمجلة.
ثم تسرد السيدة خديجة الجهمي تفاصيل العمل بالمجلة الذي كانت تقوم به، بالموازاة مع عملها في الاذاعة المسموعة، واستمرارها في اعداد وتقديم برنامج اجتماعى معنى بحل المشاكل الاجتماعية للمستمعين من الجنسين، بعنوان (أضواء على المجتمع).

* تفاصيل العمل اليومي بمجلة المرأة

السيدة خديجة الجهمي
السيدة خديجة الجهمي (أرشيفية عن الشبكة)

تقول السيدة خديجة الجهمي في هذه الفقرة من الكتاب عن تفاصيل العمل بالمجلة: يوميا أتابع المجلة بالمرور على المطبعة لأرى المادة التي تمت طباعتها، حيث كان الجمع يدويا لا مرئيا وبعدها أذهب إلى مكتبي في المجلة بمجرد صدور العدد، أذهب للموزع في شارع الوادي، أحمل معي الأعداد في سيارتي لتسويقها وأحيانا اذهب للمطار لأرسل المجلة إلى بنغازي وسبها واتأكد من ذلك. كم تمنيت ان تصبح المجلة مدرسة وان تكون مجلة (المرأة) مثل مجلة الهلال.

* مجلة الامل

انبثقت مجلة الأمل كما تقول السيدة خديجة الجهمي عن مجلة البيت، كما اسماها الصادق النيهوم بعد قيام الثورة الليبية باعتبار أن لا تكون المرأة منفصلة عن الاسرة. وبدأت مجلة الأمل في 22/6/1975 واستلمتها لطفية القبائلى مع زهرة الفيتورى ومحمد الزوواى.
بكل هذا الزخم التاريخي، للحياة الشخصية، والمهنية للسيدة خديجة الجهمي ينتهي الجزء الأول من كتاب السيرة الذاتية لها، الذي صدر منذ أكثر من عامين. ولقد قصدت أن اعرض لهذا الكتاب بهذا الشكل المفصل وحاولت لملمة أهم، المحطات المذكورة في هذا الكتاب الجميل الذي يستحق القراءة، لأنه يتحدث عن امرأة ليبية كافحت وناضلت، من اجل أن تتعلم وتنشر العلم والتعليم ليس من اجل المرأة فقط، كما يعتقد البعض، وإنما كافحت من اجل مجتمع بكامله، حاربت ذهنية الأعراف والتقاليد، التي كبلت كل من الرجل والمرأة، وكانت رؤيتها ومبدأها الذي سارت عليه هو التعويل على التعليم للجنسين باعتباره الطريق الوحيد كي ينهض المجتمع، وينفض عنه غبار الافكار البعيدة عن روح وجمالية الاسلام الذي لا يحارب التعليم والمعرفة، لذا لم يكن من الغريب أن تكون أول محاضرة عامة لها والتي أثارت معركة بين اتجاهين من التفكير، بعنوان (المرأة في الاسلام).

الا نحتاج في هذا الوقت من تاريخ بلادنا لأن نستضيء بمثل هذه الرموز الوطنية، التي مثلتها السيدة خديجة الجهمي التي لم تبحث عن مصلحتها الشخصية، أو اتخذت مناصبها الإعلامية، كوسيلة للربح المادي أو التكسب من خلاله، بل عاشت وسط الناس ووهبت نفسها لمساعدتهم عبر العمل الاذاعى والصحافي طيلة حياتها، فكانت بحق كما أطلق عليها بنت الوطن، لأنها عشقت الوطن فوهبت نفسها له. ومن المثير للأسى أنه لم يتم حتى الآن إنشاء متحف خاص بها كما أشارت واقترحت الباحثة في مقالتها المنشورة بالملحق الثقافي، وخاصة أن السيدة خديجة الجهمي كما تقول الباحثة تركت كثير من المقتنيات والأعمال المكتوبة الخاصة بها والتي لم تنشر في كتب حتى اليوم.





الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...