‏إظهار الرسائل ذات التسميات رؤى ثقافية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رؤى ثقافية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 22 مارس 2026

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

 

 







إنتصار بوراوى

تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدائي، حينما كانت مجلة "سعد" المعنية بعوالم الطفولة هي زادي وعتادي في بواكير القراءة والارتواء من قصص الأطفال مع مجلة الأمل الليبية.

 ثم أطلّت مجلتا "اليقظة" و"النهضة" لتواكبا فورات مرحلة المراهقة، فأبصرتُ عبر صفحاتهما رائدات الصحافة الكويتية كـ "منال المساعيد"، والكاتبة "ليلى أحمد" التي سطع نجمها بزاويتها الاجتماعية ومقالاتها المتمردة، على قوالب المجتمع الكويتي، وانحيازها ضد غبن المرأة وظلمها.

لقد غدت "ليلى أحمد" بوصلتي الاجتماعية نظراً لتماهي واقعنا الليبي مع النسق الاجتماعي الخليجي في ذلك العقد الغابر؛ إذ كانت بلادنا -وربما لا تزال- تعاني شحّ المجلات الاجتماعية، باستثناء مجلة "البيت" التي اتسمت بتذبذب الصدور وعدم الانتظام، في وقتٍ رُزحت فيه البلاد تحت عزلةٍ عن العالم الخارجي، وحُرمت من الحواضن العربية الفاعلة، بينما حظيت إصدارات الكويت الثقافية والاجتماعية بمباركة واضحة في السياسة الإعلامية المحلية، فغدت ملاذنا الأوحد لمواجهة ذلك التقشف والحرمان المعرفي، عبر مجلات: العربي، اليقظة، النهضة، والمجالس، وغيرها من المنابر الكويتية.

إنّ مكمن الجمال في نتاج الكويت الثقافي -الذي لا زلتُ أقتفي أثره الرصين بشغف- هو تصاعد وهجه وإبداعه بمرور الأعوام، لا سيما إصدارات "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب". حيث انهمرت الدوريات الرصينة والمبتكرة؛ فاستمرت سلاسلُ في العطاء دون انقطاع، كسلسلة "إبداعات عالمية"، ومجلة "الثقافة العالمية"، ومجلة "عالم الفكر"، وتتوجها قاطبةً -وفق منظوري- سلسلة "عالم المعرفة" التي انطلق عبير إصدارها الأول في يناير 1978 ولا تزال صامدةً حتى اللحظة.

كل ذلك الدفق الإبداعي والمعرفي الثري لم يكن نيلاً سهلاً، لكنني لم أكن لأهدر سانحةً دون اقتناصه، إلى أن انبثق فجر الإنترنت بوجهه الوضيء، ميسّراً تحميل تلك الكنوز إلكترونياً ومطالعتها بانتظامٍ شهري.

 

لكن، ما الذي استنهض قلمي للبوح عن شؤون الكويت الثقافية؟

 

السبب يكمن في عددٍ من "عالم المعرفة" صدر عام 2002، لم يطأ رحاب "دار الكتب الوطنية ببنغازي" إلا منذ أيامٍ خلت، تحت عنوان "بعيداً عن السياسة اليمينية واليسارية" للمفكر "أنتوني جيدنز"، وهو كتاب بديع طالعتهُ بشغف ، لكنّ تساؤلاً مريراً انبعث في ذهني حول تلك الفجوة الهائلة، بين عقولٍ تجترحُ يومياً وشهرياً دورياتٍ ومجلاتٍ مستدامة لعقود، وبين بلادٍ تستقبل مكتبتُها الوطنية بفتورٍ  إصداراتٍ رصينة، كان الأجدر بها أن تقيم معها جسور مراسلاتٍ ثقافية لتتزود بجديدها دورياً، وذلك أمرٌ يسيرٌ لو تجرد القائمون على المتابعة والمعرفة من "الفذلكة" وادعاء درايةٍ لا يملكونها أصلاً.

لن أستفيض في نقد غياب الاستمرارية في الدوريات الليبية، فقد استحال الأمر أسطوانة مكررة وممجوجة،ويكفي لأي مهتم أن يتصفح كتاب أسماء الأسطى "الصحافة الليبية.. دراسة حصرية وببلبوغرافيا"، ليدرك حجم الفاجعة المعرفية إحصائياً وتحليلياً عبر دراسة توثيقية ترصد أعداد الدوريات المتعثرة والمنقطعة عبر العقود، ثم تلاشيها النهائي وليدرك أيضاً حجم الأرقام المالية التي بُددت على إصداراتٍ ولدت ميتةً بعد مخاضٍ وجيز.

12 أكتوبر2009

 

 

السبت، 28 يونيو 2025

لغة الصمت

 

 

إنتصار بوراوى

للصمت حديث ولغة لا يفقههما سوى عارفيه. للصمت سطوة وسلطة مُحمّلة بلغة تتجاوز لغة الكلام العادي والمتداول. حين يغدو الكلام مجرد سيل من الكلمات المكررة عبر أفواه تتداول الاعتيادي والمكرر حتى الملل والرتابة، عندها يصبح الصمت حديثًا آخر ولغة أخرى نتدثر بها في صومعة الروح المكتفية بذاتها عن بهرجة الكلمات الملونة.

يغدو الصمت هروبًا واعيًا عن سبق إصرار من تفاصيل اليومي الذي نتعايش معه بفعل الضرورة الحياتية، وننتبذ مكانًا قصيًا رافضين المتداول المُعشِّش بتراتبيته المقيتة في تفاصيل حياتنا اليومية المُحمّلة بالمتناقضات. نقف مدهوشين أمام تلك الصيرورة الغريبة، لنفس التفاصيل والملامح والصور المتكررة، مهما تغيرت الوجوه والشخصيات.

ونكتشف بمرور الزمن أن ثمة عطبًا في تفاصيل الواقع حولنا يجعل الغالبية تتعايش معه، بل يصبحون بمرور الوقت، ودون وعي أحيانًا، ضمن نسيجه. وقد تفقد الحياة بعض مبرراتها الإنسانية، وتقف اللغة قاصرة وعاجزة بكل ثرائها عن أن تزودنا بهبتها كي نرسم بالكلمات مدى دهشة الطفولة التي لم تمت فينا، رغم كل الخراب المريع حولنا. حينها يغدو الصمت خيارًا وجوديًا، ابتعادًا عن محيط عبثي فاقت تفاصيل زئبقيته خيال عباقرة السرياليين بلوحاتهم المشهورة.

يقف الصمت بسطوته القوية بعيدًا عن ساحة السواد، تاركًا المجال للعبة أن تتكرر ولا جديد تحت شمس كوكبنا التي تراقب من بعيد عبثية وسذاجة اللعبة. تتكسر الكلمات على شفاهنا وتضمحل اللغة، وتتعثر الرؤى، بينما يحل الصمت شاهدًا رئيسيًا على ما يجري. تصمت الأبجدية، يصمت الكلام، لا شيء سوى الصمت وبعض من هدوء التأمل، بعيدًا عن صخب الضوضاء المفتعلة والكاذبة. ربما منحة التأمل الصامت تعيد ترتيب عشوائية الذاكرة وتملأ ثقوبها، كصمت الطبيعة التي تمنح الروح وهجها وألقها من جديد وتنثر علينا مطر محبتها دون حسابات الربح والخسارة.

الخميس، 22 مايو 2025

فيلسوف العقل والعلم والتفكير الناقد

 إنتصار بوراوى 





بالأمس تلقّى الوسط الثقافي الليبي خبر إصابة الدكتور الحصادي بمرض السرطان. ‏وقد كان وقع هذا الخبر مؤلمًا على الوسط الثقافي والعلمي ، لأنه يتعلق ‏بواحد من أعمدة الفكر  والفلسفة في ليبيا.

وفي الوقت الذي تزداد فيه الحاجة إلى التفكير العقلاني والفلسفي في المشهد الليبي المضطرب، يبقى اسم الدكتور نجيب الحصادي بارزا ليس فقط  كفيلسوف وأكاديمي رصين، بل كرمز ثقافي ظل ثابتًا على مبادئه، مدافعًا عن قيم العقل والتنوير والتفكير الناقد .

تعرفتُ إلى فكر وفلسفة  الدكتور نجيب الحصادي خلال دراستى فى جامعة قاريونس في التسعينيات، عندما كنت طالبًة في شعبة الصحافة بقسم الإعلام. آنذاك، كان قسم الفلسفة يقيم نشاطًا ثقافيًا أسبوعيًا يتضمن ندوات ونقاشات ومحاضرات فلسفية، وكنت أتردد على قاعة  المحاضرات لحضور تلك الندوات  وهناك  تابعت ندوات ونقاشات أبرز أساتذة القسم وعلى رأسهم الدكتور محمد بوروين والدكتور نجيب الحصادى الذى تميزت محاضراته بحضور الجمهور الكثيف الذي كان يملأ القاعة، من طلاب وأساتذة، لما كان يتمتع به من أسلوب هادئ وجذاب  فى الطرح ، وعقل ثاقب، وفكر فلسفي عميق استطاع إيصاله بأسلوبه المميز  إلى  المتلقي المتعطش للفلسفة والفكر والمعرفة .

فيما بعد، عندما عملت في دار الكتب، وجدت مجموعة من كتب وإصدارت الدكتور الحصادي ضمن أرفف قسم الفلسفة وكان لابد لى أن أغوص فيها  وأقرأها بتمعن وعلى رأسها كتابه المهم "التفكير الناقد"، الذي ترك أثرًا عميقًا في رؤيتي للعالم، ورسّخ لدى  أهمية العقل النقدى ليس فى قراءة الكتب فقط بل  في فهم الواقع والحياة  والناس من حولى .

الدكتور نجيب الحصادى  لم يكتفِ بالتنظير الأكاديمي و إصدار المؤلفات والترجمة بل  ساهم في صياغة رؤى مستقبلية لوطنه  من خلال لجنة الثقافة بمجلس التخطيط الوطني، حيث شارك في إعداد "رؤية ليبيا 2025" و"ليبيا 2040"، وهي مشاريع كان يمكن أن تشكل خارطة طريق عقلانية لمستقبل الوطن، لو أن أصحاب القرار أولوا الفكر اهتمامًا حقيقيًا.

أنتج الدكتور نجيب الحصادى ، أكثر من عشرين مؤلفًا فلسفيًا، وترجم ما يزيد عن خمسة وثلاثين كتابًا في المنطق وفلسفة العلم ونظرية المعرفة والتفكير الناقد ، إضافة إلى مئات المقالات والأبحاث المنشورة عربيًا ودوليًا.

ورغم قسوة المرض، إلا أن ثقتنا كبيرة في أن الدكتور نجيب، بعزيمته وإرادته سينتصر على هذا التحدي كما انتصر دائمًا بالفلسفة على التسطيح و بالفكر على الجهل، وبالعقل على التعصب، وبالمنهج على الفوضى

 

الخميس، 16 مايو 2024

شاعرات شابات يحلقن بأجنحة الخيال والتمرد

 إنتصار بوراوى



شهدت الألفية الجديدة بزوغ أقلام شعرية نسائية شابة ، حملت وعى مبكر في نظرتها لمجتمعها وللوجود وسطرت رؤيتها فى نصوص شعرية لافتة ،لاقت اهتمام المتابعين ومتذوقي ومحبى الشعر وفى هذا الريبورتاج نحاول الاقتراب من عوالم بعض الأصوات الشعرية المختلفة التي تكتب نصوصها بشعرية فيها كثير من التمرد على اقانيم المجتمع ومحظوراته وبجرأة الطرح الأنثوي في التعبير عن مكنوناتهن ومشاعرهن وعواطفهن نحو الآخر

آية الوشيش وقصائد البوح الرقيق

الشاعرة آية الوشيش هي دكتورة صيدلة من بنغازي صدر لها ديوان بعنوان “زيتونة مجعدة" تنبض قصائدها بالرقة والهشاشة و نصوصها تأخذ قارئها إلى مرابع الدهشة بنعومتها ورقتها وتعبيرها عن ذاتها بكثير من الجرأة ،غير عابئة بعيون المجتمع المترصدة لنصوصها فتقول في نص لها بعنوان     " دعنا نرقص"   

خذ يدى ودعنا نرقص أبد الدهر

يضمني العجز مثلك وأكرهه

خذ يدى لملاذ الدراويش على هامش الوجع

أجهض بالرقص ترهات الفزع

وخذ يدي كصديق

كأخ ..كحبيب كابن ..وكظل

الشاعرة تصرح برغبتها بالرقص مع من تحبه ،نكاية فى الحزن الذى ينشب مخالبه فى قلوبهم غير مبالية بمحاذير المجتمع ومحظوراته ،التى تربط خيط الشنق على رقبة القصيدة النازفة بالبوح الجرىء  فقصائد  آية الوشيش الشعرية فيها الكثير من البوح والرغبة في الحياة وإعلان الحب والرقص والفرح والبهجة كما تقول فى نص آخر لها:

أشياء صغيرة لكنها كبيرة

كلمة حب ربما ممن نحب

فى وقت انشغاله

عناق طويل دون سؤال مابك؟

 

 

الشاعرة نعمة كركرة.. أمواج غاضبة

 

نعمة كركرة هي شاعرة من بنغازي وهى أيضا دكتورة ، ، ربما لأن الطب يعالج الجسد والشعر يعالج الروح ،لذا فليس من المستغرب أن تكون أكثر من شاعرة ليبية ممتهنة للطب ومنهن الشاعرة الشابة نعمة كركرة  التي تبدو قصائدها  كالأمواج الغاضبة ، وتتسم  نصوصها بالقوة والقدرة على النفاذ للمجتمع والوجود بعمق وبكثير من عدم الرضا والغضب كما تصف نفسها فى قصيدة الصحراء

انا ابنة البحر

تغزو عظامي هشاشة الشمال

وتأكل مفاصلي رطوبة المدن

مزكومة برائحة القلق والارتياب

فلا أتذوق طعم الخطيئة

أنا ابنة البحر لاتعرفنى الرمال

إلا موجة غاضبة تنخمد عند شاطئها

وفى قصيدة لها أخرى تصف فيها الشارع بالتقاطات شعرية ذكية وتناجى فيها الحبيب بجرأة متمردة وتطالبه برجم الشارع الذي يتربص بهم بإعلان حبهما بقبلة فى وسط الشارع فتقول :

خطوات الذكور التي تسبق إناثها إلى ناصيته

غسيل الأموال المنشور على ذراعيه

و بصقات المدخنين صباحا في وجهه

تعال نكسر شوكة

هذا الشارع الملعون

ب " قبلة "

 

الشاعرة أمل بنود .. قصائد عنفوان الأنوثة 

أمل بنود هى شاعرة من بنغازى تكتب الشعر بلغة النار، حيث تبدو نصوصها وكأنها تغلى فى مرجل بركانى لايهدأ وتلتقط نصوصها التفاصيل الصغير،ة فى سردية شعرية تعتنى بسرد الحالة الشعرية فى كثير من قصائدها  ،ولقد بدأت الشاعرة أمل بنود كتابتها الشعرية بكثير من الحدية التى تصطبغ بكثير من العنفوان الأنثوى ،قبل أن تتطور لغتها الشعرية وتنضج على نار التجارب وتعتنى أكثر برسم الشعر بسردية وبلغة شعرية جميلة ،وبين من قصائدها القديمة التى كتبتها فى بداية نشرها قصيدة  لها بعنوان "ثورة نسائية" بها كثير من العنفوان ومحاولة لفت الأنظار لكينونتها كإنسانة وشاعرة تقول فيها: 

متمردة أنا فى عصر المراجل

مدينة أنا ليس لها حاكم

جـــــــميلة لا أحتاج أساور

تخجل وينحني عبيرها عندما تراني الأزاهر

عند وصفى يستقيل القلم ويجف الحبر وتطوى الدفاتر

 ثورة لا أحتاج لــــــ ثائر

روح أنا   تسكن المقابر

بلقيس والهدهد هاجر

محاربة سلاحي الأظافر

طفلة أنا تسعدها السكاكر

مطعونة تسكنني الخناجر

مجرمة أنا تطلبني المخافر

آثمة   يتهموني بالكبائر

 

وفى قصيدة اخرى تتمرد الشاعرة على قلبها ، وتعلن كفرها بالحبيب وتبصق على وجهه بجرأة امرأة طاغية الأنوثة تعرف ما لذى تريده من حبيبها ،ومالا يعجبها فيه وبدون مواربة تصرح عن كرهها له في قصيدتها التي تقول فيها:

أنت وغد كفاية في حبي

وقد آن الاوان كي يبصق قلمي في وجهك

وينقلب على مؤخرته

وتأخذ الممحاة في شأنك مجراها

بهذا الشكل تنتقل قصائد الشاعرة امل بنود، بين إعلان الحب برقة وعاطفة جياشة وبين التمرد والرفض الناري معبرة عن روح شاعرة نارية لا ترضى بأنصاف الأشياء وأنصاف الحلول

 

الشاعرة فيروز العوكلى  والبحث عن العدالة المفقودة

فيروز العوكلى شاعرة من مدينة درنة ، لا تتشرنق   قصائدها في خانة علاقة الحب مع الرجل فقط بل تحمل  كثير من قصائدها ،بعدا رؤيويا أوسع وتحمل نظرة نقدية لواقع المرأة فى المجتمع الليبي وتعمل على تفكيك علاقتها بالمجتمع ،من خلال تشريح نظرة المجتمع للنساء اللواتي يحاولن التحليق بعيدا عن خطوط المجتمع وتعقيداته فتقول فى إحدى قصائدها:

أعرف أنكن ترقصن أمام مرآة في غرفكن

لصديقاتكن

وفي حفلات العائلة النسائية

أجساد مغطاة

ضيع النمل الطريق لحلاوتها

أجساد يجرحها الضوء

يتنكر يمازحها يرتطم بها ولا يخترق متاريسها

أجساد تتمايل في مخيلة حلبات الرقص

وترعى جمالها في الظلمة

وفي الصندوق الوارد لصديق وحبيبين

 

وفى قصيدة أخرى لها تلقى الشاعرة أسئلتها الوجودية عن العدالة الأرضية المفقودة وتسأل الله بأسئلة فلسفية عن معنى الوجود فى قصيدتها " كل شيء ينتهي بسؤال"

 

شاهدت في التلفاز

رجلا بقبعة أنيقة ومعطف طويل مكوي للتو

يضعون حبل المشنقة حول ابتسامته

وامرأة أنيقة مصلوبة

شعرها مسدل

على وجه المدينة العبوس

أجلت بكائي

كما تؤجل أسئلتي

مع من تبكي يا الله؟

لمن تبكي يا الله؟

للضحية أم للمجرم

الضحية

مقتول: تمشي في جنازته دموع حبيباته

نحيب النساء من خلف الشبابيك المذعورة

ودعاء الجدات المنشور على حبل الغسيل

 

نورهان عبد الحق .. وقصيدة التفاصيل الحياتية

شاعرة من درنة غزيرة الانتاج الشعرى، تكتب قصائدها بروح طفولية نزقة وتمتلك جرأة جيل شاعرات الألفية الجديدة في البوح والإعلان، عن ذواتهن الأنثوية ومشاكسة المجتمع ومناكشته وشعرية نصوصها مندلقة بكل تفاصيلها، ومشاعرها فهي تكتب عن طفولتها وصباها وزواجها العاثر وطفلها الذي يعاني من إعاقة بكثير من الأمومة الفائقة والحب الدافق كما تكتب عن الحرب ضد الدواعش التي اكتوت بها مدينتها درنة عبر قصائد ترسم ظلال الحرب على نفوس البشر والحجر تقول: فى قصيدة لها عن ابنها

عجز طفلي عن الحراك والكلام

والبوج عما يريد

يسند رأسه على ظهري

يأكل من يدي وينام بين يدى

وفى قصائد أخرى لها عن الحرب التي ترسم تفاصيلها وتصف ويلاتها في كثير من نصوصها نقرأ لها هذا النص التى تقول فيه

وإني أرجع إلى الديار

كما لو أنّني مساء صيفي مكتظ بألسنة الشارع

وكنتُ قد رجوت الله

ألا أعود بفتيل حرب لا ينطفئ

 

قصائد الشاعرة نوران عبد الحق ، جياشة بالمشاعر والتفاصيل فهى تكتب عن كل شىء فى حياتها بنفس شعرى سردي

مع هذه الجولة البانورامية على أبرز الأسماء الشعرية ،لشاعرات الألفية الجديدة نلمح روح كبيرة تجمعهن فى كتابة الشعر بروح وثابة ،ومتمردة مخترقة للإشارات  الحمراء التي يضعها المجتمع كقيد على كتابة المرأة ،فهن يحلقن فى عوالم الشعر بأجنحة الخيال والحلم ومقاومة مجتمعهن الذى يسعى لتكبيلهن ومنعهن من الكتابة والبوح وإعلان ذواتهن الإنسانية قبل الأنثوية برؤية واسعة وعميقة للمجتمع والكون.

الأربعاء، 27 ديسمبر 2023

قسم ليبيا .. بدار الكتب الوطنية وحفظ النتاج الوطني

 



إنتصار بوراوى 

قسم ليبيا هو من الأقسام المهمة في دار الكتب الوطنية، حيث يقوم بتجميع الإنتاج الوطني الليبي ويتكون القسم من عدة وحدات إدارية وهى: وحدة الكتب ،وحدة المطبوعات والوثائق الرسمية، وحدة الدوريات العربية والأجنبية ، وحدة رسائل الماجستير والدكتوراة ووحدة العمل البيبليوغرافي الذي يقوم بإصدار البيبلوغرافيا الوطنية كل عام.

 تولت الأخت نعيمة الشحومى _ التي توفيت منذ أيام _ رئاسة “قسم ليبيا "  في دار  الكتب الوطنية طيلة ثلاثة عقود، وكان  قسم ليبيا  تحت إدارتها ، يضرب به المثل من حيث التنظيم والعمل المهني الملتزم ، والمحافظة على كل مقتنياته من كتب ودوريات مجلات وصحف والنشرات  الرسمية التي تصدر من الدولة  ورسائل الماجستير والدكتوراة  بالإضافة إلى الدوريات الأجنبية بلغات متعددة.

 كانت رئيسة القسم نعيمة الشحومى ، حريصة جداً على مقتنيات القسم، باعتباره يحمل الإرث الثقافي لليبيا  وكانت تعتز جداً بقسمها ، وتعتبر  رئاستها له مصدر فخر لها  وتدافع عنه بشراسة ضد أى محاولة تقصير، أو الإخلال باحتياجاته  من جانب الإدارات المتعاقبة،  وكانت الله يرحمها تعتبر "قسم ليبيا" وكأنه بيتها الثاني الذى تقضى به ساعات طويلة من يومها ربما أكثر، من ساعات وجودها ببيتها وخصوصا عندما تم افتتاح الفترة المسائية بدار الكتب الوطنية حيث كانت تتردد عليه بصورة دورية رغم وجود موظف كلفته بالأشراف عليه فى الفترة المسائية.  

وهبت نعيمة الشحومى سنوات عمرها وشبابها، للعمل بجدية لصالح قسم ليبيا بشكل منقطع النظير ولقد قضيت سنتين في العمل تحت رئاستها قبل أن انتقل من القسم  إلى أقسام أخرى بالدار. 

 عملت في دار الكتب الوطنية مع مجموعة جديدة، من الموظفات  حيث كنا حينها ضمن دماء شابة  جديدة تم ضخها للعمل فى دار الكتب الوطنية في بداية عام  1996م  حيت احتاجت الدار  وقتها إلى طاقات شابة  تعمل، على استكمال العمل المكتبي بأقسامها  ملء النقص في أقسام الدار وقامت رئيسة قسم ليبيا بتدريبنا، على مهارة العمل المكتبي وعندما لاحظت إتقاني ومحبتي للعمل عملت  على تكليفي نائبة لها و مسئولة عن القسم في حال غيابها ، ودخولها فى إجازة  رغم أنه لم يكن قد مر عام فقط على العمل معها بالقسم ،  وكان لقسم ليبيا فى دار الكتب الوطنية دور كبير في اطلاعي على كثير من صحف ودوريات ،العهد الملكي التي كنا نقوم بترتيبها ووضعها فى  أرفف بعيداعن العيون ،خوفا من أن تطالعها تقارير الوشاة فيعملون على تمزيقها أو التخلص منها ، لأن  إظهار أي  منشورات  أوصحف  صدرت بالعهد الملكي  كان من المحرمات  في تلك الفترة ،ومن خلال عملي بهذا القسم استطعت متابعة مايصدر يوميا من صحف فى عموم البلاد والاطلاع على الإصدارات الليبية  الجديدة من الكتب التي كانت تصل للدار أول بأول.

حافظت السيدة نعيمة الشحومى على مقتنيات القسم، وكانت تمنع منعا باتا فتح باب استعارة الكتب من "قسم ليبيا"  ، لمعرفتها بأن فتح هذا الباب سيؤدى إلى ضياع الكتب وكل محفوظات القسم لعدم وجود  ضمان لعودة الكتب أو محفوظات القسم في حال  إعارتها  خارج دار الكتب الوطنية ،على عكس الأقسام  الأخرى بالدار  التي كانت تفتح أبواب الاستعارة بشكل غير فعال مما أدى إلى ضياع ،وعدم عودة كثير من الكتب والدوريات بالأقسام الأخرى.

ونتيجة اتخاذها هذا القرار، تعرضت لكثير من المحاربة ، و ولكنها كانت صلبة وقوية  وعاشقة لعملها  ولديها حب لمعنى وقيمة عمل المرأة، الذى لم تساوم عليه يوما  وضحت من أجله بكثير من الأحلام ، وكانت نموذج للمرأة العاملة الليبية ، حينما كان للعمل قيمة ومعنى ، فهى تعتبر من الجيل الرائد فى العمل الوظيفي بالدولة مع نخبة من زميلاتها  اللواتي  نهضت الإدارة الليبية  الوسطى في كافة مؤسسات الدولة على أكتافهن أسوة بالرجل.

كنت أتمنى أن تكون  دار الكتب الوطنية فى عافيتها، كى تقوم بتكريمها بعد تقاعدها   ولكن للأسف توفيت الأخت نعيمة الشحومى، دون تكريم  وقلبها يحمل المرارة على ما آلت عليه دار الكتب من إهمال  ، وعدم العمل على صيانتها وعودتها للعمل وضياع  قرابة عشر سنوات من عمر دار الكتب الوطنية  و"قسم ليبيا" دون القيام بعمله المنوط به وهو حفظ  النتاج الأدبي والعلمي والثقافي الليبي ، نتيجة إغلاق  مبنى الدار وبالتالي عدم ورود أى نسخة من المؤلفات التي صدرت خلال كل سنوات  إغلاق الدار ،للاحتفاظ بها فى قسم ليبيا كما كانت تعمل الدار منذ  أربعين عام قبل إغلاقها بغرض إجراء أعمال صيانة  لم تتم مطلقا.

 عشرة سنوات صدرت فيها مئات ، الكتب والدوريات سنويا  يعتبر إخلال بالمهمة الرئيسية للدار من خلال "قسم ليبيا" الذى حرصت  رئيسته طيلة قرابة ثلاثين عام ،  على  تقدير أهميته كنواة لدار الكتب الوطنية يتم فيه حفظ النتاج الوطني الليبي ، للاستفادة منه  للباحثين والطلبة والدارسين وليبقى ذاكرة الوطن التي لا تمحى.

والحقيقة أن صمت الأدباء والمثقفين الليبيين ، ولا مبالاتهم للمصير المؤسف  لدار الكتب الوطنية التي تقوم بدور كبير، بحفظ  نتاجهم الأدبى للأجيال المتعاقبة  هو أمر مؤسف فعلا فلم نرى أي تحرك أو حتى  كتابة  مقالات عن دار الكتب الوطنية لمطالبة وزارة الثقافة للقيام بدورها  للاهتمام  بها ،وصيانتها لعودتها للعمل من جديد  كحافظ للنتاج الوطني الليبي الأدبي والعلمي ، وهذا يعطى صورة عن  هروب المثقف الليبى من القيام بدوره  الناقد  لاهمال وتقصير  وزارات الثقافة المتعاقبة تجاه مؤسسة كبيرة وضخمة بحجم وقيمة دار الكتب الوطنية التي تعتبر ذاكرة الثقافة الوطنية  الليبية من خلال  دورها الكبير لعدة عقود  كمكتبة رسمية للدولة تقوم بجمع الإنتاج الفكري الوطني وحفظ نسخ من كافة المطبوعات التي تصدر داخل وخارج الدولة وتقدم خدماتها للباحثين والدارسين فى كافة المجالات  

الاثنين، 27 ديسمبر 2021

القاص خليفة الفاخرى .. والكتابة التى لا تخون الروح

 



إنتصار بوراوى

القاص خليفة الفاخرى هو جوهرة مضيئة في تاريخ الكتابة السردية في ليبيا فمع القاص  خليفة الفاخرى ،قفزت القصة القصيرة قفزة نوعية حديثة، تقوم على التكثيف والاختزال وروح السخرية ،وكان القاص خليفة الفاخرى كبيرا  بأحلامه الشاسعة  بالعدالة والحق والخير، ثائرا  يستكشف الواقع من حوله ويكتب عنه قصصه الهادئة الأقرب إلى الومضات البارقة وفى لغة مقتصدة ومكثفة يشحن قصصه القصيرة برؤيته الفكرية للحياة والناس ،وجودة كتابته تكمن في أسلوب رؤيته  للموروث الذي يعتمل  بمجتمعه الذى يقرأه بعمق ثم يعيد صياغته برؤية  قصصية ناقدة.

في القصص التي كتبها القاص خليفة الفاخرى في ستينيات القرن العشرين  نتشمم عطر الماضى  لمدينة بنغازى حيث  شوارع المدينة القديمة  ونسائم الصيف  بالبيوت التى بنيت خلال العهد العثمانى والأيطالى و روائح حكايات ناسها البسطاء “سي عمر” و”السائق خالد  والحارس الليلي والسكير ووجوه أهلها البسطاء العاديين الذين يبحثون عن نقطة ضوء في أرضهم.

ثمة رومانسية وغنائية في قصص الفاخرى ،فالراوي في جميع القصص هو نفس الشخصية المتمردة على مجتمعها، ولكنه ليس التمرد المبنى على الرفض المطلق للإرث الفكري والحضاري وإنما الرفض والتمرد على القيم المتخلفة من أجل التغيير  المبنى على العلم والعقل والتنوير الفكرى .

في قصته “الوجه الأخر للقمر”يتحدث الراوي عن  الفتاة التي أحبها في رسالة طويلة يصفها بالجمال والدفء ولكن لا وجود لأمرأة  حقيقية  في هذه القصة أو غيرها من قصص خليفة الفاخرى ،المرأة موجودة فقط في أحلامه وأفكاره أو فى وجه فتاة مارة بالشارع ،لكل ذلك تخلو قصص خليفة الفاخرى من ملامسة عالم المرأة  لطبيعة المناخ الأجتماعى والديني والفكري الذي كان منغلقا نوعا ما

في إحدى قصصه المعنونة ب فتاة جميلة “يتخلى القاص عن صوت الراوي الرجولي ليكتب قصة بصوت فتاة من بنغازي تتحدث فيها عن مدينتها وعن نفسها بصورة نرجسية فائقة وبأسلوب تقريري يظهر عدم أهتمام الكاتب بالمرأة الليبية في ذلك الوقت لذلك  يتجه بطل قصص خليفة الفاخرى بفكره وذهنه إلى وجوه النساء الأوربيات بجمالهن وحريتهن والى مدن الغرب الأوروبية بجمالها  وحيويتها إلا أن هناك دائما شيء في داخله يشتاق للوطن بشوارعه المهترئة وحكايا البشر البسطاء الذين يبدو كأبطال الملاحم الإغريقية ببؤسهم وعراكهم الدائم مع أقدارهم .

الفاخرى في قصصه كان محملا  بهواجس المنبوذين والمهمشين فيرسمهم فى  قصصه القصيرة جدا في مجموعته القصصية “موسم الحكايات ” بطريقة مكثفة ومختزلة و بروح شعرية هائلة وفى قصتة “العذاب “يمزج   الحقيقة بالخيال فى رؤية فانتازية ، ليعبرمن خلالهاعن حالة الانسحاق التي غاص فيها “سى عمر”عند رؤيته لمتناقضات الموروث الاجتماعي المنافق ، وهكذا هى قصص الفاخرى فى مجموعاته القصصية ..تلامس الوجع وتكتبه بقلم رؤيوى سابق لعصره، وبصدق جميل ،وكما يقول أد وارد غاليانو :”في لغة الهنود الحمر الكلمة تعنى الروح وكل من يكذب أو يبدد الكلمات يخون الروح”، فأن الفاخرى كان صادقا حتى منابت العظم كما عرفنا من خلال قراءة سيرة حياته ،ومن مجموعاته القصصية ومقالاته وكان متطابق فى كتابته مع حياته فى صدق نادر ، وعاش مبتعدا ومنعزلا عن ضجيج وتزلف الوسط الثقافى طيلة عقود حكم القذافى ، مشتغلا في محرابه بالكتابة والأبداع القصصى وترك خلفه نتاج قصصى معبر عن مجتمعه ومشاكله وقضاياه و بيئته  إلى أن توفاه الله في يونيو 6 يونيو 2001 ولكن القاص خليفة الفاخرى لم يمت بل ينام هادئا تحت تربة مدينته التى أحبها وسقاها من روحه وفكره إلى أخر يوم في عمره

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

    إنتصار بوراوى تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدا...