الأحد، 22 مارس 2026

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

 

 







إنتصار بوراوى

تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدائي، حينما كانت مجلة "سعد" المعنية بعوالم الطفولة هي زادي وعتادي في بواكير القراءة والارتواء من قصص الأطفال مع مجلة الأمل الليبية.

 ثم أطلّت مجلتا "اليقظة" و"النهضة" لتواكبا فورات مرحلة المراهقة، فأبصرتُ عبر صفحاتهما رائدات الصحافة الكويتية كـ "منال المساعيد"، والكاتبة "ليلى أحمد" التي سطع نجمها بزاويتها الاجتماعية ومقالاتها المتمردة، على قوالب المجتمع الكويتي، وانحيازها ضد غبن المرأة وظلمها.

لقد غدت "ليلى أحمد" بوصلتي الاجتماعية نظراً لتماهي واقعنا الليبي مع النسق الاجتماعي الخليجي في ذلك العقد الغابر؛ إذ كانت بلادنا -وربما لا تزال- تعاني شحّ المجلات الاجتماعية، باستثناء مجلة "البيت" التي اتسمت بتذبذب الصدور وعدم الانتظام، في وقتٍ رُزحت فيه البلاد تحت عزلةٍ عن العالم الخارجي، وحُرمت من الحواضن العربية الفاعلة، بينما حظيت إصدارات الكويت الثقافية والاجتماعية بمباركة واضحة في السياسة الإعلامية المحلية، فغدت ملاذنا الأوحد لمواجهة ذلك التقشف والحرمان المعرفي، عبر مجلات: العربي، اليقظة، النهضة، والمجالس، وغيرها من المنابر الكويتية.

إنّ مكمن الجمال في نتاج الكويت الثقافي -الذي لا زلتُ أقتفي أثره الرصين بشغف- هو تصاعد وهجه وإبداعه بمرور الأعوام، لا سيما إصدارات "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب". حيث انهمرت الدوريات الرصينة والمبتكرة؛ فاستمرت سلاسلُ في العطاء دون انقطاع، كسلسلة "إبداعات عالمية"، ومجلة "الثقافة العالمية"، ومجلة "عالم الفكر"، وتتوجها قاطبةً -وفق منظوري- سلسلة "عالم المعرفة" التي انطلق عبير إصدارها الأول في يناير 1978 ولا تزال صامدةً حتى اللحظة.

كل ذلك الدفق الإبداعي والمعرفي الثري لم يكن نيلاً سهلاً، لكنني لم أكن لأهدر سانحةً دون اقتناصه، إلى أن انبثق فجر الإنترنت بوجهه الوضيء، ميسّراً تحميل تلك الكنوز إلكترونياً ومطالعتها بانتظامٍ شهري.

 

لكن، ما الذي استنهض قلمي للبوح عن شؤون الكويت الثقافية؟

 

السبب يكمن في عددٍ من "عالم المعرفة" صدر عام 2002، لم يطأ رحاب "دار الكتب الوطنية ببنغازي" إلا منذ أيامٍ خلت، تحت عنوان "بعيداً عن السياسة اليمينية واليسارية" للمفكر "أنتوني جيدنز"، وهو كتاب بديع طالعتهُ بشغف ، لكنّ تساؤلاً مريراً انبعث في ذهني حول تلك الفجوة الهائلة، بين عقولٍ تجترحُ يومياً وشهرياً دورياتٍ ومجلاتٍ مستدامة لعقود، وبين بلادٍ تستقبل مكتبتُها الوطنية بفتورٍ  إصداراتٍ رصينة، كان الأجدر بها أن تقيم معها جسور مراسلاتٍ ثقافية لتتزود بجديدها دورياً، وذلك أمرٌ يسيرٌ لو تجرد القائمون على المتابعة والمعرفة من "الفذلكة" وادعاء درايةٍ لا يملكونها أصلاً.

لن أستفيض في نقد غياب الاستمرارية في الدوريات الليبية، فقد استحال الأمر أسطوانة مكررة وممجوجة،ويكفي لأي مهتم أن يتصفح كتاب أسماء الأسطى "الصحافة الليبية.. دراسة حصرية وببلبوغرافيا"، ليدرك حجم الفاجعة المعرفية إحصائياً وتحليلياً عبر دراسة توثيقية ترصد أعداد الدوريات المتعثرة والمنقطعة عبر العقود، ثم تلاشيها النهائي وليدرك أيضاً حجم الأرقام المالية التي بُددت على إصداراتٍ ولدت ميتةً بعد مخاضٍ وجيز.

12 أكتوبر2009

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

    إنتصار بوراوى تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدا...