إنتصار بوراوى
بالأمس تلقّى الوسط الثقافي الليبي
خبر إصابة الدكتور الحصادي بمرض السرطان. وقد كان وقع هذا الخبر مؤلمًا على الوسط
الثقافي والعلمي ، لأنه يتعلق بواحد من أعمدة الفكر والفلسفة في ليبيا.
وفي الوقت الذي تزداد فيه الحاجة
إلى التفكير العقلاني والفلسفي في المشهد الليبي المضطرب، يبقى اسم الدكتور نجيب الحصادي
بارزا ليس فقط كفيلسوف وأكاديمي رصين، بل كرمز
ثقافي ظل ثابتًا على مبادئه، مدافعًا عن قيم العقل والتنوير والتفكير الناقد .
تعرفتُ إلى فكر وفلسفة الدكتور نجيب الحصادي خلال دراستى فى جامعة قاريونس
في التسعينيات، عندما كنت طالبًة في شعبة الصحافة بقسم الإعلام. آنذاك، كان قسم الفلسفة
يقيم نشاطًا ثقافيًا أسبوعيًا يتضمن ندوات ونقاشات ومحاضرات فلسفية، وكنت أتردد على
قاعة المحاضرات لحضور تلك الندوات وهناك تابعت ندوات ونقاشات أبرز أساتذة القسم وعلى
رأسهم الدكتور محمد بوروين والدكتور نجيب الحصادى الذى تميزت محاضراته بحضور الجمهور
الكثيف الذي كان يملأ القاعة، من طلاب وأساتذة، لما كان يتمتع به من أسلوب هادئ وجذاب فى الطرح ، وعقل ثاقب، وفكر فلسفي عميق استطاع إيصاله
بأسلوبه المميز إلى المتلقي المتعطش للفلسفة والفكر والمعرفة .
فيما بعد، عندما عملت في دار الكتب،
وجدت مجموعة من كتب وإصدارت الدكتور الحصادي ضمن أرفف قسم الفلسفة وكان لابد لى أن
أغوص فيها وأقرأها بتمعن وعلى رأسها كتابه
المهم "التفكير الناقد"، الذي ترك أثرًا عميقًا في رؤيتي للعالم، ورسّخ لدى أهمية العقل النقدى ليس فى قراءة الكتب فقط بل في فهم الواقع والحياة والناس من حولى .
الدكتور نجيب الحصادى لم يكتفِ بالتنظير الأكاديمي و إصدار المؤلفات والترجمة
بل ساهم في صياغة رؤى مستقبلية لوطنه من خلال لجنة الثقافة بمجلس التخطيط الوطني، حيث
شارك في إعداد "رؤية ليبيا 2025" و"ليبيا 2040"، وهي مشاريع كان
يمكن أن تشكل خارطة طريق عقلانية لمستقبل الوطن، لو أن أصحاب القرار أولوا الفكر اهتمامًا
حقيقيًا.
أنتج الدكتور نجيب الحصادى ، أكثر
من عشرين مؤلفًا فلسفيًا، وترجم ما يزيد عن خمسة وثلاثين كتابًا في المنطق وفلسفة العلم
ونظرية المعرفة والتفكير الناقد ، إضافة إلى مئات المقالات والأبحاث المنشورة عربيًا
ودوليًا.
ورغم قسوة المرض، إلا أن ثقتنا
كبيرة في أن الدكتور نجيب، بعزيمته وإرادته سينتصر على هذا التحدي كما انتصر دائمًا
بالفلسفة على التسطيح و بالفكر على الجهل، وبالعقل على التعصب، وبالمنهج على الفوضى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق