الأحد، 12 يوليو 2026

أثر الطائر في الهواء.. رسائل الصداقة والشعر والحياة

 



إنتصار بوراوى

عرف الأدب العربي عبر تاريخه فن المراسلات الأدبية، أو ما يُعرف بـ"أدب ‏الرسائل"، والذي ازدهر بشكل خاص بين الأدباء منذ بدايات القرن العشرين. وفي ‏كتاب "أثر الطائر في الهواء"، الصادر عن دار الفرجاني-2023 يخوض القارئ رحلة أدبية فريدة عبر مراسلات أدبية  ‏جمعت الشاعرين الليبيين عاشور الطويبي وسالم العوكلي.‏

يُفتتح الكتاب بمقدمة بديعة للشاعر الليبي خالد مطاوع،الشاعر والأكاديمي الليبي وأستاذ الكتابة الإبداعية في جامعة ميشيغان الأمريكية يستعرض فيها تاريخ أدب ‏الرسائل منذ فجر اختراع الحروف، ويرى مطاوع أن الرغبة في المراسلة كانت ‏الدافع وراء ابتكار الأبجديات. ويستقصي في مقدمته أولى الرسائل التي كُتبت في ‏اليوميات، مثل رسائل كريستوفر كولومبوس التي أرسلها إلى ملك إسبانيا عام ‏‏1493، والتي يعتبرها مطاوع بداية الثقافة في أمريكا اللاتينية. كما يشير إلى ‏رسالة بيدرو ألفايز كابرال إلى ملك البرتغال عام 1500، باعتبارها "النص ‏التأسيسي" للأدب البرازيلي. ورغم الطبيعة الرسمية لهذه المراسلات، إلا أن ‏المؤرخين ينظرون إليها كأول النصوص الأوروبية التي تناولت القارة الأمريكية.‏

وبعد استعراض تاريخ الرسائل في أوروبا وأمريكا، يخصص مطاوع الجزء الأخير ‏من مقدمته للحديث عن رسائل الطويبي والعوكلي، محللًا عالمها وأسلوبها. ويسلط ‏الضوء على عمق الصداقة التي جمعت الشاعرين، والتي منحت كتاباتهما حرية ‏وصدقًا في التعبير عن يومياتهما وأفكارهما.‏

يستمد الكتاب عنوانه من قصيدة لجلال الدين الرومي، قام بترجمتها الشاعر ‏عاشور الطويبي

‏"أَشِحْ بَصَرَكَ عَنِ الْوَرْدَةِ،

اتَّبِعْ أَثَرَ الطَّائِرِ الَّذِي حَطَّ عَلَى الْوَرْدَةِ وَرَحَلَ.‏

هَلْ تَعْرِفُ كَيْفَ تَجِدُ أَثَرَ الطَّائِرِ فِي الْهَوَاءِ؟

لَنْ تَتَّبِعَهُ بِعَيْنَيْكَ

لَنْ تَتَّبِعَهُ بِسَمْعِكَ

لَنْ تَتَّبِعَهُ بِأَنْفِكَ.‏

إِنْ كَانَ قَلْبُكَ خَالِيًا مِنَ الْوُرُودِ،

سَتَتَّبِعُهُ بِقَلْبِكَ، فَهُوَ خَبِيرٌ بِأَثَرِ الطَّائِرِ."‏

هذه الأبيات الشعرية هي مفتاح لفهم عنوان الكتاب "أثر الطائر في الهواء". ‏فالطائر يرمز للحرية والتحليق، وربما يكون دلالة على الشعر نفسه. فكيف يمكن ‏لطائر أن يترك أثرًا في سماء لا تحتفظ بشيء؟ هنا تتجلى جمالية العنوان، الذي ‏يشير إلى الأثر الروحي والوجداني الذي يتركه الشعر في نفس المتلقي أثر لا ‏يُرى بالعين، بل يُبصَر بنور القلب الشفاف الذي يستشعر مواطن الجمال في الكون ‏والحياة.‏

تأخذنا رسائل الشاعرين في رحلة شعرية وفكرية، فنتتبع "أثر طائر الشعر" الذي ‏حلّق في عوالمهما، حيث يتشاركان أحاديث شيقة عن الوطن، والشعر، والحياة، ‏مستعيدين تفاصيل طفولتهما وحياتهما المتباينة جغرافيًا ،فالشاعر  بينهما سالم العوكلي ‏يعيش بقرية كرسة، على أطراف مدينة درنة ،وبدأت الرسائل المتبادلة في عام ‏‏2017، في مرحلة الحرب ضد تنظيم داعش  الذى كان متحصن داخل المدينة  أما ‏الشاعر عاشور الطويبي فيعيش في مدينة  ترودنهايم النرويجية بعد تركه لبلدته وبلاده عقب حرب ‏‏2014، التي تسببت في حرق بيته ونزوحه عن بلدته "الطويبية" إلى صقيع ‏النرويج.‏

بين هذين المكانين المتباعدين حضاريًا وجغرافيًا، يتبادل الشاعران الأفكار حول ‏الكتب التي يقرآنها، ورؤية كل منهما للعالم ولأحداث بلادهم والحرب وفي إحدى ‏رسائله، يسأل العوكلي صديقه الطويبي - كونه طبيبًا - عن مفهوم الألم، ويستعير ‏منه تشبيهًا لوضع مدينة درنة، متسائلًا عن ضرورة "بتر" داعش من المدينة كما ‏يُبتر جزء مصاب بالسرطان. فيرد الشاعر عاشور الطويبي برسالة بديعة عن ‏‏"الألم"، قائلًا: "الألم في كثير من الأحيان يحاول أن يتشبه بنا ونحن نمضي في ‏طريقنا، مكانًا وزمانًا لكننا، بطبيعة ورثناها منذ آلاف السنين صرنا أكثر احتمالًا ‏له، بل صرنا بارعين في منحه أسماء وصفات وألوانًا جميلة."‏

ويجيب سالم العوكلي عن معنى الألم للشاعر: "ربما الشاعر كائن حزين أولًا، لأنه ‏بطبيعته غير راضٍ عن الوضع الإنساني في ذروة تقشفه أو مغالاته. لكن هذا ‏الحزن لا يخلو من نبالة."‏

يستمتع القارئ وهو يتنقل بين صفحات الكتاب، بالمحاورات التي تدور بين ‏الشاعرين في نصوص أدبية ولغة شعرية رفيعة، يجمعها همّ الوطن وأحلام الحرية ‏والعدالة التي تحطمت على أرض الواقع، أو كما يقول العوكلي: "يا الله، كم تبدو ‏المسافة بيننا وبين السجن قصيرة، وكم تبدو بيننا وبين الوطن الذي حلمنا به ‏طويلة!"‏

وللخيال مكانة خاصة لدى الشاعر كما يقول الطويبي: "طوال حياتي أعطيتُ للخيال ‏المكانة البارزة في كل شيء، الخيال صانع، الخيال إله." ويعبر في رسالة أخرى ‏عن عشقه للشعر بمفهومه الكوني، متمنيًا أن يمتلك "ألف رأس، ألف قلب، ألف ‏يد" ليفهم ويستمتع بالكون بكل ما فيه.‏

يحتوي الكتاب على باقة من أجمل قصائد الشاعرين، التي يبعثانها أحيانًا في لحظة ‏كتابتها، أو تستدعيها الموضوعات الفلسفية والوطنية التي يتناولانها، وفي حديث ‏لهما عن النقد، يلفت انتباهنا رأي العوكلي الذي يقول: "الكتابة النقدية انحياز في ‏جوهرها، ولا يمكن أن تكتب عن شاعر أو قصيدة إلا إذا كنت منحازًا له" وهو ‏رأي يمثل حجة أمام من يهاجمون الذين يكتبون قراءات عن الدواوين الشعرية  ويستعرضون جمالياتها الشعرية واللغوية.‏

يزخر الكتاب بترجمات رائعة أنجزها الطويبي ،لعدد من شعراء العالم، مثل جلال ‏الدين الرومي، ولوركا، وشعراء من إيرلندا وأمريكا والصين وكوريا الجنوبية ‏فالشاعر عاشور الطويبي كما عوَّد قارئه، لا يترجم إلا النصوص الشعرية التي ‏تحمل روحً شعرية كونية، بغض النظر عن جنسية الشاعر، في نظرة إنسانية ‏وكونية شاسعة للشعر.‏

في إحدى الرسائل، يرد سالم العوكلي على ترجمة الطويبي لقصائد لوركا بنص ‏جميل يستحضر فيه قصة الشاعر العظيم، الذي واجه الجلاد بالجمال والشعر، ‏فأطلق عليه الطاغية الجلاد رصاصة الموت. ‏

يتبادل الشاعران الأفكار والرؤى ،حول ما تعرض له الكتاب الشباب من هجمة ‏شرسة بعد نشر كتاب "شمس على نوافذ معتمة"، ويتحدثان عن بزوغ أصوات ‏شعرية شبابية مميزة، والتي يرى الشاعر عاشور الطويبي أن أغلبها يتركز في ‏المنطقة الشرقية لأن سكانها حسب رأيه يتميزون بالانفتاح والغضب والتمرد، مع ‏إشارته إلى تأثر الشعراء الشباب بالشاعر تشارلز بوكوفسكي من حيث اللغة ‏الشعرية والرؤية للحياة.‏

كتاب "أثر الطائر في الهواء" هو واحة من الشعر والنثر والفكر، يأسر القارىء ‏بجماله الخلاب ويأخذه إلى عالم يفيض ،بالجمال الشعري والفكري، بين شاعرين ‏مسكونين بالشعر ، ولا يقتصر الكتاب على كونه مجموعة من الرسائل الأدبية بل ‏هو شهادة حية على أن الشعر، قادر على تجاوز المسافات الجغرافية والظروف ‏القاسية ودليل على أن الكلمة الصادقة، حينما تخرج من عقلين يتشاركان نفس ‏الشغف، تصبح جسرًا يربط بين الأرواح، مهما تباعدت المسافات.‏

الكتاب هو احتفاء بالصداقة، وبالخيال ‏الذي يحوّل الألم إلى إبداع ، ويجعل من أثر الطائر المحلق في الهواء أثرًا باقيًا في ‏الروح.‏

الأحد، 17 مايو 2026

الضحك والنسيان


 


 

إذا كانت الكتابةُ قائمةً في أساسها على فعلٍ وحركة الواقع والخيال، فإن الذاكرة تتأرجح كبندول الساعة بين ‏الأزمنة الثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل وهناك الكثيرُ من الإبداع الروائي والشعري القائم ‏على استدعاء زمن الماضي، وكتابته برؤيةٍ مختلفةٍ عن لحظته الزمنية المنقضية وهناك كتاباتٌ ‏إبداعية أخرى كُتبت عن اللحظة الراهنة مستشرفةً بعيون الإبداع آفاق المستقبل.‏

إن الخوف الدائم من الذاكرة والتسلح بدروع النسيان ،هو أسلوبٌ للهروب من سطوة ألم ‏الذكريات؛ ولكن هذه الحيلة الدفاعية التي يمارسها البشر للتخلص من سطوة الذاكرة لا تفلح غالباً ‏في تحقيق النسيان ،فلماذا لا يقوم الإنسان، عوضاً عن ذلك، بمواجهة الذاكرة ووضعها تحت ‏مشرط النقد والاستبصار ومعالجة أعطابها، بدلاً من الهروب من صورها وتداعياتها وكثافة الألم ‏الذي نرزح تحته كلما أغمضنا عيوننا؟ ‏

أن الكثير من رافعي لواء النسيان هم أكثر الناس تذكّراً للتفاصيل، رغم استعمالهم شتى الطرق ‏للتظاهر بأنهم قذفوا سيرة الألم في وادي النسيان السحيق.‏

وربما لأنه، كما قال شاتوبريان: "لا شيء يُنسى"، يمتلك الأشخاص الذين يتجاوزون السبعين أو ‏الثمانين من أعمارهم ،قدرةً مذهلةً على سرد محطاتٍ مؤلمة من حياتهم كالحروب أو النفي أو ‏السجن الذي تعرضوا له في حياتهم؛ وذلك يعطي صورةً حيةً عن مدى تفاعل الذاكرة وعدم ‏قدرتها على النسيان كما قد يلوح للبعض.‏

الإنسان الذي يكون هاجسه النسيان قد يمد جسوراً مع عقله الباطن للتناسي، ولكن لا شيء ‏يُنسى؛ فكل شيءٍ يظل موجوداً هناك في أغوار النفس الإنسانية، ليخرج متقافزاً حراً طليقاً في ‏ساعة اختلاء الإنسان بنفسه، فلا شيء يندثر أو يموت؛ قد تموت المشاعر والأحاسيس تجاه ‏أشخاصٍ نتيجة الأذى أو الألم، وقد ينسى الإنسان ما حمله في داخله من مشاعر مودةٍ بفعل ‏الإساءة والأذى  ، ولكن تبقى تفاصيل الأحداث راسخةً في عمق كل إنسان مهما تظاهر بالتناسي.‏

والإبداع الأدبي الإنساني، في صورةٍ من صوره وفي كثيرٍ من تجلياته، هو تخليدٌ للذاكرة ‏وحمايتها من الزوال عبر قدرة كاتبه ،ومبدعه على إيقاف اللحظة الزمنية ورسمها في لوحةٍ ‏شعرية أو قصصية أو روائية أو مسرحية. ولعل من أبرز الروائيين الكبار الذين جسّدوا قضية ‏الذاكرة والنسيان في العقل البشري، هو الروائي التشيكي ميلان كونديرا في روايته "كتاب الضحك ‏والنسيان"؛ فرغم أن عنوان الرواية يوحي بأجواءٍ من المرح، إلا أنها في الحقيقة روايةٌ محملةٌ ‏بكثيرٍ من الحزن والألم عبر تفاصيل سردها للواقع السياسي والاجتماعي في بلد الروائي "ميلان ‏كونديرا" تحت وطأة الاستبداد.‏

يصلح عنوان رواية كونديرا أيضاً كعنوانٍ عريضٍ للحياة بكل غناها وتفاصيلها فكثيرٌ من البشر ‏يتعرضون في حياتهم لأحداثٍ ومآسٍ مؤلمة بفعل الظروف أو الحظ السيئ، ولكل إنسانٍ نصيبه ‏منها الذي يزيد وينقص؛ فكيف له أن يمتلك القدرة على مواصلة الحياة بقوة إذا لم يتسلح بالدواء ‏الشافي لكل ذلك، وهو الضحك والنسيان؟

إن القدرة على نسيان الأحداث المؤلمة ومداواة كل حزنٍ بضحكٍ نابع من القلب، واختيار الفرح ‏درباً في الحياة، بل واغتصاب لحظات الفرح المارقة من بين أنياب الحياة القاسية، ، ورمي كل شيء خلف ‏ظهره في مقابر الماضي، هو فنٌ من فنون البقاء.‏

فالنسيان نعمةٌ من الله للعقل البشري، كي تجد الذاكرة مرفأً للأمان من أوجاعها، ويمخر الإنسان ‏عباب العمر متزوداً بنسيانٍ مقصودٍ عن سبق إصرار وترصد؛ فتختفي صور كل الوجوه التي ‏لدغته بأذاها، ويلتهمها بحر النسيان العظيم. ‏

ولا ينتشل كل تلك التفاصيل من ذلك البحر المهيب إلا عقلٌ وفكرُ مبدع، متيقظ الحواس، يعمد إلى ‏استخراج كل تلك الصور، والتفاصيل ليرسمها في لوحةٍ إبداعية تجعلنا نقف أمامها مشدوهين، ‏وتملؤنا بالدهشة لأنه فتح أبواب ذاكرتنا التي كادت أن تغرق في بحر النسيان وتنال الرضا ‏والسلام.‏

الضحك والنسيان هو الدواء السحري ،لكل من أدارت لهم الحياة ظهرها وارتشفوا من كؤوس ‏ألمها حتى الثمالة، وهو دواء كونديرا السحري في روايته الرائعة لأبطاله الذين ذاقوا مرارة ‏الحياة في بلدٍ التهم كل الأحلام، وهي رسالته المشفرة لكل قارئٍ لروايته كي يتخذ من عنوانها ‏عنواناً لحياته أيضاً؛ فليس هناك من دواءٍ لمحنة العيش في بلدٍ  منح عبر تاريخه ذاكرةً متخمةً بالظلم والقسوة وبالألم إلا  بمواجهة الذاكرة وعدم الهرب منها ‏ثم يقوم بعد ذلك بكثير من الضحك والنسيان.‏

الأحد، 22 مارس 2026

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق والمعرفة







إنتصار بوراوى

تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ بدأت التعرف إليها  منذ يداية التعليم الابتدائي، حينما كانت مجلة "سعد" المعنية بعوالم الطفولة هي زادي وعتادي في بواكير القراءة والارتواء من قصص الأطفال مع مجلة الأمل الليبية.

 ثم تابعت مجلتا "اليقظة" و"النهضة" لتواكبا فورات مرحلة المراهقة، فتابعت عبر صفحاتهما رائدات الصحافة الكويتية كـ "منال المساعيد"، والكاتبة "ليلى أحمد" التي سطع نجمها بزاويتها الاجتماعية ومقالاتها المتمردة، على قوالب المجتمع الكويتي، وانحيازها ضد غبن المرأة وظلمها،و غدت "ليلى أحمد" بوصلتي الاجتماعية نظراً لتماهي واقعنا الليبي مع النسق الاجتماعي الخليجي في ذلك العقد الغابر

 كانت بلادنا -وربما لا تزال- تعاني من شحّ المجلات الاجتماعية، باستثناء مجلة "البيت" التي اتسمت بتذبذب الصدور وعدم الانتظام، في وقتٍ رُزحت فيه البلاد تحت عزلةٍ عن العالم الخارجي، وحُرمت من الحواضن العربية الفاعلة، بينما حظيت إصدارات الكويت الثقافية والاجتماعية بمباركة واضحة في السياسة الإعلامية المحلية، فغدت ملاذنا الأوحد لمواجهة ذلك التقشف والحرمان المعرفي، عبر مجلات: العربي، اليقظة، النهضة، والمجالس، وغيرها من المنابر الكويتية.

تعتبر الكويت "المنارة الثقافية" لمنطقة الخليج العربي منذ منتصف القرن العشرين؛ حيث لم تكتفِ ببناء نهضة داخلية، بل صدرت الفكر والأدب والفن إلى المحيط العربي بأكمله ،وتميز الدور الكويتي بكونه مؤسسياً وتنويرياً، اعتمد بشكل أساسي على الإصدارات الرصينة التي وصلت إلى كل بيت عربي،ومكمن الجمال في نتاج الكويت الثقافي -الذي لا زلتُ أقتفي أثره الرصين بشغف- هو تصاعد وهجه وإبداعه بمرور الأعوام، لا سيما إصدارات "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب". حيث انهمرت الدوريات الرصينة والمبتكرة؛ فاستمرت سلاسلُ في العطاء دون انقطاع، كسلسلة "إبداعات عالمية"، ومجلة "الثقافة العالمية"، ومجلة "عالم الفكر"،  وجريدة " الفنون" التى واكبت الحراك الفنى والتشكيلى وتتوجها قاطبةً -وفق منظوري- سلسلة "عالم المعرفة" التي انطلق عبير إصدارها الأول في يناير 1978 ولا تزال صامدةً حتى اللحظة.

كل ذلك الدفق الإبداعي والمعرفي الثري لم يكن نيلاً سهلاً، لكنني لم أكن لأهدر سانحةً دون اقتناصه، إلى أن انبثق فجر الإنترنت بوجهه المضىء، ميسّراً تحميل تلك الكنوز إلكترونياً ومطالعتها بانتظامٍ شهري.

لكن، ما الذي حفز قلمي للكتابة عن إصدارت فى هذا الوقت الكويت الثقافية؟

السبب يكمن في وصول عددٍ من "عالم المعرفة" صدر عام 2002، لم يطأ رحاب "دار الكتب الوطنية ببنغازي" إلا منذ أيامٍ خلت، تحت عنوان "بعيداً عن السياسة اليمينية واليسارية" للمفكر "أنتوني جيدنز"، وهو كتاب بديع طالعتهُ بشغف ، لكنّ تساؤلاً مريراً انبعث في ذهني حول تلك الفجوة الهائلة، بين عقولٍ تجترحُ يومياً وشهرياً دورياتٍ ومجلاتٍ مستدامة لعقود، وبين بلادٍ تستقبل مكتبتُها الوطنية بفتورٍ  إصداراتٍ رصينة، كان الأجدر بها أن تقيم معها جسور مراسلاتٍ ثقافية لتتزود بجديدها دورياً، وذلك أمرٌ يسيرٌ لو تجرد القائمون على المتابعة والمعرفة من "الفذلكة" وادعاء درايةٍ لا يملكونها أصلاً.

لن أستفيض في نقد غياب الاستمرارية في الدوريات الليبية، فقد استحال الأمر أسطوانة مكررة وممجوجة،ويكفي لأي مهتم أن يتصفح كتاب أسماء الأسطى "الصحافة الليبية.. دراسة حصرية وببلبوغرافيا"، ليدرك حجم الفاجعة المعرفية إحصائياً وتحليلياً عبر دراسة توثيقية ترصد أعداد الدوريات المتعثرة والمنقطعة عبر العقود، ثم تلاشيها النهائي وليدرك أيضاً حجم الأرقام المالية التي بُددت على إصداراتٍ ولدت ميتةً بعد مخاضٍ وجيز.

12 أكتوبر2009

 

 

الخميس، 26 فبراير 2026

جمهورية كأن.. تشريح روائي للثورة المجهضة

 


إنتصار بوراوى



ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، هي نقطة تحول كبرى في التاريخ العربي المعاصر حيث شكّلت مادة خصبة للأدباء، لاستكشاف تداعياتها وصراع قيمها وفي هذا السياق، تأتي رواية "جمهورية كأن" للروائي علاء الأسواني، كإحدى أبرز المحاولات لتقديم بانوراما متكاملة للثورة، ليس بوصفها حدثاً سياسياً فحسب، بل كاشفة للهوة السحيقة بين أحلام الشباب وطموحاتهم، وبين صلابة واستمرارية الدولة العميقة وفسادها.

يُعد عنوان "جمهورية كأن" مفتاحاً نقدياً للرواية بأكملها، فالجمع بين الكلمتين يخلق تناقضاً جدلياً قوياً تشير كلمة "جمهورية"، إلى الإطار السياسي الرسمي الذي يفترض أن يقوم على العدالة ، أما أداة "كأن" فتدخل لتعري هذا الإطار من محتواه، مُحيلة إلى التشبيه والتخييل والظن.

العنوان يعني أن الكيان القائم هو "جمهورية موهومة" كيان يتشابه في الشكل مع الجمهورية لكنه في جوهره يجسد مرارة الإحباط واليأس ،من تحول الحقيقة السياسية إلى مجرد متخيل جماعي، ليصبح كل ما حدث "كأن شيئاً لم يكن".

تعدد الأصوات في الرواية

تنجح الرواية في تقديم تشريح نقدي عميق، للواقع المصري ما بعد الثورة، حيث استخدم ‏الأسواني تعدد الأصوات والشخصيات، ليرسم فسيفساء اجتماعية وسياسية تؤكد أن الثورة لم ‏تسقط، بل تم سرقتها وتحولها إلى مجرد وهم مُعلَن، وهو ما يلخصه العنوان ببراعة.‏

اعتمد الأسواني على تقنية تعدد الأصوات ليمثل كل شخصية شريحة اجتماعية أو قوة سياسية فاعلة، مما جعل الرواية بانوراما حقيقية للشارع المصري

يطرح الروائي علاء الأسواني سردية الثورة المصرية، من خلال شخصيات الرواية من الشباب ‏الحالمين الذين خرجوا ،إلى ميدان التحرير بالقاهرة في مظاهرات عارمة ضد نظام حسني ‏مبارك وتحكي الرواية قصة ثورة 25 يناير ،من خلال شخصياتها الشاب خالد، الطالب الفقير ‏البسيط الحالم بالتغيير، ومازن، الموظف بمصنع حكومي باعته الحكومة لمستثمر إيطالي، ‏عمل على إهماله وتركه للإفلاس، وأسماء التي التقى بها في ميدان التحرير وأعجبته شجاعتها ‏وجرأتها في النضال

يمثل خالد، الطالب الفقير، الروح النقية لثورة يناير، ببساطته ومطلبه للعدالة يجسدان الدافع الأيديولوجي والأخلاقي للثورة، البعيد عن أطماع السلطة أو المال، ومقتله برصاص الشرطة أمام عيني زميلته دانية هو لحظة رمزية بامتياز، إنه ليس مجرد حادث فردي، بل هو اغتيال متعمد للحلم نفسه، وإعلان لانتصار القوة على الأمل المشروع في التغيير وكان خالد الوقود الذي أضاء الطريق للحظة قصيرة قبل أن تُخمد نيرانه.

وتقع "دانية" في مواجهة مع والدها الذي يرفض خروجها ومشاركتها في المظاهرات، ثم تُقدم على ‏محاولة للشهادة ضد الشرطي الذي قتل زميلها خالد في الميدان

يقف الضابط حازم (والد دانية) على النقيض تماماً، ممثلاً العقلية الصلبة ونخبة الدولة العميقة التي ترى نفسها الحارس الأوحد للوطن، ورفضه مشاركة ابنته في المظاهرات وصراعه معها يجسدان انقسام البيت المصري، بين جيل يرى الحماية في الرضا بالذى هو موجود ، وجيل يرى التغيير في الثورة، ودوره يؤكد أن النظام كان مستعداً للتضحية بالروابط الأسرية والأخلاقية للحفاظ على سلطته، مما يكشف الوجه القبيح لمؤسسات ظلت تعمل خلف الكواليس لإجهاض أي محاولة للإصلاح الحقيقي.

تقدم شخصية " مازن" البعد الاجتماعي-الاقتصادي للثورة، كونه موظفاً يعاني من تصفية مصنعه وبيعه لمستثمر فاسد، يجعله رمزاً لآلاف العمال الذين اكتووا بنار الفساد والخصخصة الجائرة. نضاله يبدأ من أجل لقمة العيش والحق في العمل، ليتسع انضمامه إلى الميدان ليشمل المطلب الأوسع للعدالة الاجتماعية، يوضح الأسواني عبر هذه الشخصية أن الثورة كانت ضد الاستبداد الأمني بقدر ما كانت ضد الفساد المالي والطبقي.

تجسد شخصية المذيعة نموذج الانتهازية، والوصولية الإعلامية والاجتماعية وصعودها المهني مرتبط باستراتيجيتها الواضحة، لاختيار شركائها من دوائر السلطة والمال وهي رمز للإعلام الذي يتلون مع كل نظام، ويساهم في تضليل الرأي العام وتشويه سردية الثورة الحقيقية ويكشف دورها أن الخلل كان متجذراً في النخبة المصرية، المستعدة للارتداء عباءة الثورة أو النظام حسب مقتضيات المصلحة الشخصية والوصولية الباردة.

الأساليب التقنية السردية بالرواية

تمضي سردية الرواية في نسج قصص كل شخصية، وعلاقتها بأحداث يناير عبر السرد بضمير ‏الغائب أحيانًا، وبأسلوب وتقنية الرسائل التي يتبادلها مازن وحبيبته أسماء، بالإضافة إلى ‏شخصيات أخرى حاول الروائي من خلالها أن يرسم بانوراما متكاملة لأحداث 25 يناير من ‏خلال شخصيات الرواية، التي توزعت بين الضابط والموظف والطالب الجامعي ورجل ‏الأعمال الإخواني الفاسد، الذي ارتدى عباءة الثورة، والمذيعة الانتهازية التي تنتقي أزواجها من ‏رجال الأعمال للوصول إلى مراكز قيادية في الإعلام.

خيوط متشابكة لفسيفساء مصرية رسمت تاريخها في 25 يناير، لمَّلمها الروائي علاء الأسواني في ‏روايته بعينه الروائية المتفحصة، في رواية دسمة مُكوَّنة من 520 صفحة، رسمت كثيرًا من ‏أحداث الثورة وتداعياتها، وطريقة سرقتها وضربها في مقتل، منذ أول انتصار لها، من خلال ‏عمل تنظيم الإخوان المسلمين على سرقتها وتجييرها باسمهم، وعلاقتهم مع أذرع الدولة ‏العميقة التي تظاهرت بالهزيمة والابتعاد عن المشهد

نجح الأسواني في روايته "جمهورية كأن" في بناء عمل سردي معقد ومتماسك يعكس التناقضات الكبرى التي عصفت بالمجتمع المصري ،إبان الثورة وبعدها فمن خلال موت خالد ونجاة حازم، ومن خلال صعود الانتهازيين ويأس المحتجين، ترسم الرواية لوحة نقدية سوداوية تؤكد أن قوة القمع والفساد كانت أرسخ من طهر الحلم الثوري.

الرواية ليست مجرد حكاية، بل هي وثيقة أدبية تقدم تفسيراً سردياً ومقنعاً لسبب تحول حلم الثورة إلى واقع "جمهورية كأن"، أي الجمهورية التي كادت أن تكون لولا تدخل تنظيم الأخوان وأذرع الدولة العميقة والانتهازية، لسرقة ضوء الأمل وموت الثورة والقضاء على أحلام حرية التعبير والرأي والتعدد السياسي والعدل ، وذهاب كل تلك الأهداف مع الرياح.

الأحد، 25 يناير 2026

الأنثى.. والوجود المشترك

 

إنتصار بوراوى

 

تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم صيغ بديلة للواقع وفي هذا السياق، تأتي رواية" الأنثى"  للروائية البريطانية دوريس ليسينج، الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 2007، لتقدم طرحًا جريئًا حول أصل الوجود الإنساني ودور الأنثى فيه عبر سردية آسرة تقع أحداثها في مجتمع نسائي خالص معزول، من خلاله نموذجًا مضادًا لأسطورة الخلق التقليدية، حيث تكون الأنثى هي الأصل المطلق والمُهيمن على دورة الحياة والموت، وتستخدم ليسينج هذه اليوتوبيا النسائية لربط الوجود الإنساني في مراحله الأولى، بالصراع الأبدي بين الذكور والإناث، مُسلَّطةً الضوء على كيفية نشأة هذا التوتر، وما هي دلالات النهاية المُتصدّعة التي يؤول إليها هذا المجتمع.

تتخيل الروائية مجتمعًا نسائيًا خالصًا لا وجود فيه للرجال، وتحمل فيه النساء حسب خيال الروائية، بفعل حركة المد والجزر ودورات القمر، وعندما ينجبن تقوم النساء المسنّات برمي كل مولود ذكر، على فوهة جبل لتلتقطه وتأكله النسور متخلصات بذلك من جنس الذكور ومُبقيات على المواليد الإناث.

لكن النسور لا تأكل كل المواليد الذكور، بل تضع بعضهم على شاطئ الجزيرة حيث تشفق عليهم غزلان الجزيرة، وتقوم بإرضاعهم من لبنها ويكبر هؤلاء الأطفال ليصبحوا رجالًا، دون علم النساء القاطنات في أعلى كهوف الجزيرة بوجودهم.

ولكن تكتشفهم إحدى الفتيات، عندما تنزل إلى الشاطئ، فتحضر معها رفيقتها وتلتقيان برجلين وتحمل كل واحدة منهما بطفل، ويلدان خلسة في كهفهن دون إخبار باقي نساء الجزيرة بولادتهن وتربيتهن لأطفال ذكور معهن في الكهف.

ومع الولادة الغامضة للطفل الذكر، يضطرب مجتمع النساء المسالم ويدخل منطقة الخطر عندما يدركن بوجود، مجتمع من الذكور أسفل كهوف الجبلية على شاطئ الجزيرة.

تمضي الرواية في ربط ماضي الوجود الإنساني ،عبر وجود المرأة الأولى في هذا الوجود ويكون صوت السارد لأحداث الرواية ،شيخ من العصر الروماني، الذى يتحدث عن عصر الرومان في الوقت ،الذي يروي فيه حكاية إناث الخليقة الأولى وذكورها، في ربط روائي بديع يعبرعن رؤية الكاتبة، دوريس ليسينج التي تنسج روايتها حول فكرة أن الأنثى هي الأصل في الوجود الإنساني، في اختلاف كبير عن السردية الدينية.

تنتهي الرواية بحدوث صدع كبير، في كهوف الجزيرة بعد دخول الرجال إليها وعيشهم مع النساء في بقعة واحدة، ليكون رمز صدع كهوف النساء بعد دخول الذكور إشارة إلى العلاقة المتصدعة بين الذكور والإناث منذ بداية الوجود الإنساني ،على الأرض، بما تحمله من حب وكراهية، ورغبة وتسلط، وصراع، وخلق وإنجاب، وشراكة في المصير منذ بداية الخليقة إلى نهاية الوجود الإنساني.

لاتقدم رواية "دوريس ليسينج"، مجرد حكاية خيالية عن مجتمع نسائي منعزل، بل هي تأمل عميق في أسس وجود المرأة وعلاقتها بالجنس الآخر فالإصرار الروائي على أن الأنثى هي أصل الحياة يمثل تحديًا مباشرًا للسرديات الدينية ا، التي وضعت الذكر في مركز الخليقة ومع ذلك، فإن "الصدع الكبير" الذي يحدث، في كهوف الجزيرة نتيجة لدخول الرجال، لا يرمز فقط إلى انهيار التجربة النسائية الخالصة، بل يشير إلى التصدع الأبدي الكامن في جوهر العلاقة بين الذكر والأنثى منذ فجر التاريخ.

لقد أظهرت الروائية "دوريس ليسينج"، من خلال روايتها بأن الوجود المشترك، رغم ضرورته للخلق والاستمرار، محكوم بالصراع والتسلط والرغبة والكراهية، وتنتهي الرواية بتأكيد أن هذه العلاقة المُعقّدة، التي هي مصدر الحب والصراع، في آن واحد، هي شراكة في المصير الإنساني لا يمكن فصلها، وهي حقيقة تستمر من البداية وحتى نهاية الوجود وإن وجود الرجل مع المرأة هو وجود ليس مبنى على الصراع والنفي بل الفهم والتكامل الإنساني.

الأحد، 16 نوفمبر 2025

الشاعرة زينب البرعصي.. وقصائدها المهربة الممهورة بالشغف

 



إنتصار بوراوى

 

زينب البرعصي شاعرة تكتب الشعر بماء القلب، وتتجلى في نصوصها تلك المشاغبة الجميلة للحياة وللتفاصيل والأشياء من حولها، إذ تمتلك قدرة لافتة على التقاط التفاصيل الصغيرة، لتنسج منها قصائد تنبض بالحياة وأحداثها المفرحة والمؤلمة، فتكتب لكل فصل من فصول الحياة معها قصيدته الخاصة، فصل الطفولة واللعب الشقي وفصل الحب وفصل الحرب وفصول الفقد وموت الأحبة.

في قصيدتها الجميلة "سبتمبر" تخاطب الشاعرة شهر سبتمبر كما لو أنها تروي قصة كائن حي فسبتمبر في ذاكرة ابنة درنة هو شهر المأساة، الكارثة الكبرى التي ابتلع فيها نهر الحياة جزءًا من مدينة درنة، بناسها وجدرانها وبيوتها وشوارعها، وألقاها في الجرح الأليم المريع الذي هزّ قلوب أهل درنة والليبيين والعالم بأسره فتستحضر المدينة وهي تذوب في الماء

تقول الشاعرة زينب البرعصي في قصيدتها "سبتمبر":

سبتمبر يفتح بابًا للأيام

يقفز إلى الليلة الحادية عشرة

عندما الفجر يقطف الأزهار الحالمة

بعودة المدارس وصوت الجرس

ودفاتر الرسم والألوان

سبتمبر.. سارق للفرح والأعياد

طاحونة ماء وطين

سرق ليلة عرس لعذراء بفستان زفافها

طفت فوق الماء كزنبقة بيضاء

تتخذ الشاعرة في هذه القصيدة من تقنية السرد الشعرى، وسيلة لتجسيد لحظة الانهيار التي تتشكل عبر تفاصيل اليوم الرهيب، في سبتمبر الذي عاشته المدينة والصور الشعرية بالنص مكثفة وتحمل استعارات مدهشة، فهي تصوّر أطفال المدارس بـ الأزهار الحالمة، فهؤلاء الأطفال يشبهون الأزهار المتفتحة في أول إشراق حياتهم، قطفهم نهر الموت الذي فاجأ المدينة في فجر يوم 11 سبتمبر الدامي، فالفاجعة رسمت آثارها على قلب الشاعرة، فصاغت منها صورًا متضادة

سبتمبر / الأزهار / طاحونة /ماء وطين.

دلالة الكلمات تحمل صور شعرية مكثفة ومجازية، فسبتمبر الذي كان شهر الفرح بعودة الأطفال إلى مدارسهم أصبح عنوانًا للذكرى المؤلمة، والماء الذي هو رمز الحياة والارتواء تحوّل في القصيدة إلى رمز للموت والمأساة، وشبهته الشاعرة بـ الطاحونة التي التهمت كل شيء من البشر والحجر والسيارات والعمارات الشاهقة.

تحوّل الماء إلى وحش هائل التهم الأطفال، والعروس الحالمة بيوم زفافها، التي طفت ميتة كزنبقة بيضاء. والبياض هنا دلالة على العذرية التي ابتلعتها المياه كما لو كانت قربانًا، لربٍّ يسمع صراخ الغرقى طالبين الرحمة، ولكن صراخهم الذي وصل إلى عنان السماء وتردد صداه بين ساحات المساجد والكنائس، لم يفلح في إنقاذهم، وحلقت أرواحهم إلى السماء بعد أن ابتلع البحر أجسادهم.

في قصيدتها "فرق توقيت" تبدأ الشاعرة نصها بسطرين سرديين كمفتاح للقصيدة المعبرة عن فارق العمر بين الذات الشعرية الأنثوية والآخر الذكوري، الذي يضع حججًا عقلية أمام الذات العاشقة التي تنظر إليه بعينين مبهورتين، فيما هو يخاطبها بعين العقل: "أكبرك بعشرين عامًا"، فتنداح الذات الشعرية لترد بحزن عميق:

لن يبتلعني البحر

وحده الحزن سيفعلها

حين أركض بلا أملٍ يلقفني

ولا صدرٍ يلملم صراخي

فرق توقيت بعشرين عام

تأخرت غيمتي عن غابتك

فرق توقيت

يفصلني عن طفولتك

حين كانت الشمس

تلفح جبينك عند السفوح الجبلية

فوق حقول الشيح والزعتر

وثغاء جداء الماعز

وعصاك التي تهش بها ظل طفولتك

عن حذائك المثقوب دون جوارب

 

 

 

تمضي الشاعرة في قصيدتها محصية ،الفروق الزمنية التي تبعدها عن المحبوب، في صور شعرية متلاحقة تبدو مثل كاميرا تلتقط الزمن، ترى بعين خيالها حياته عبر مراحل عمره منذ طفولته في الغابة وهو يرعى الماعز، ثم مغامرته العاطفية الأولى، والحبيبة التي غادرته، والزواج والإنجاب وفرحة الديوان الأول ، وتتابع الشاعرة تصوير المراحل التي عاشها من خفق له قلبها قبل أن تولد، وكأن القصيدة تحاسب الصدفة القدرية التي جعلتها تولد بعده بعشرين عامًا، لتلتقيه مرهقًا  وكئيبا ، وتبلغ القصيدة ذروتها في صورها الشعرية الأمومية المدهشة حين تقول:

حين ترحل

تولد من مشيمتي طفلًا

أرضعه خيالي

تتقاسم معي السرير والغطاء

الليل والحلم

أحملك ألمًا عن ألم

تنام في رحم قلبي كصومعة

وصدرِي قبة دفء

لا نبيّ لقلبِي بعدك

لا رحمة إلا تحت سمائك

أنت وحدك العهد والمأوى والقيامة

يرتقي الحب في النص إلى مقام الأمومة، فالمحبوب طفلها الذي يولد من رحم قلبها، كناية عن شدة الحب والوله. فحب الأم لطفلها هو أعلى مراتب الحب الإنساني، لذا تعلي الشاعرة من حبها للحبيب وتأسطره، فتحوّله إلى نبيٍّ، لا تؤمن في الوجود بغيره، ولا أحد يحتل مكانته في قلبها بعده، ولا نبض للحب إلا تحت سمائه.

الدلالات التفكيكية للكلمات تحوي تصورًا صوفيًا للحب:

نبي / رحمة / سماؤك / العهد / المأوى / القيامة.

كل هذه الكلمات تمنح النص روحًا صوفية وتكثيفًا مجازيًا جميلاً، وتظهر هذه الروح أيضًا في نصها "على طرف حزنه" حيث تقول:

أتوضأ بماء الحنين

أحبه كصلاة

أقيم الليل في غيابه

أرتل آيات الشوق

في عتمة ليله

يتجلى في قصيدتها التناص مع النص الديني، في التركيبة الدلالية للصور الشعرية، فالوضوء هو فعل طهارة للصلاة، استخدمته الشاعرة كدلالة على طهارة الحب، وجعلت "ماء الحنين" عنصرًا مطهرًا لحبها، وصورت حبها له كالصلاة اليومية التي يقوم بها المؤمن فالصلاة هنا صلاة اشتياق وحب غامر، ارتفع فيها المحبوب إلى مقام المعبود، فأصبح السهر والاشتياق إليه بمثابة قيام الليل ، وفى عبارتها  "أرتل آيات الليل"،  يتضح التناص اللغوي مع ترتيل القرآن حيث يتحول الشوق إلى نص مقدس، يُتلى في محراب العشق، وهي حالة صوفية أنثوية تزاوج بين الروحانية والرغبة المضمرة ، فقصائد الشاعرة زينب البرعصي ،لا تركن إلى أسلوب شعرى واحد، وإنما لكل قصيدة حالتها الشعورية المتفجرة وكل نص يحمل تيمته وصبغته الخاصة .

في مقطع من قصيدتها "ذئب القصيدة" تقول الشاعرة:

أنا ليلى

فستاني الأحمر

أغوي الريح

لم أضع طريق جدتي في الغابة

الذئاب لا تولد من الجوع

بل من خوف الأمهات

فستاني الأحمر كان جلد الرغبة الأول

كنت أختبر الذئب

هل أنا شهية أم فريسة؟

وكتبت جلدي من جديد

أنا ليلى بنت الغابة

الراكضة خلف صوت العواء

تحفظ منابت الشيح والقندول

صوت غناوة أبيها أهزوجة

تتكاثر بها قصائدها تحت فستانها

أنا حارسة الغابة

والذئب ليس خرافة

فالذئب نائم بين ذراعي

وأنا أحرس الحكاية

في هذا النص، تقوم الشاعرة بقلب الحكاية التقليدية الذكورية لقصة "ليلى والذئب" فليلى هنا ليست الفتاة الخائفة التي تتجنب  الخروج إلى الغابة، كى لا يصادفها الذئب بل هي امرأة  قوية خرجت لتواجه الذئب رافضةً الوصاية الاجتماعية، التي ترى في خروج المرأة إلى العالم والحياة والاقتراب من  الرجل مكمن للخطر، ليلى في قصيدة  الشاعرة زينب البرعصى تركض مع الذئب كما تقول كلاريسا بنكولا في كتابها الشهير "الركض مع الذئاب "،معلنة ذاتها الحرة، ومدركة بأن الحرية مسؤولية، وأن بإمكانها أن تقترب من الذئب وتعرى  ذاتها أمامه دون خوف من التهامها ، فهي  تؤنسن الذئب حتى ينام بين ذراعيها كحمل وديع لأنها نزعت منه ذئبيته بقوة الحب ،وحين تكتب  في نصها "نزعت وصاية اللغة وكتبت جلدي من جديد"، فهي تعلن  نزع وحذف السردية القديمة وتخلق سردًا شعريًا جديدًا، تستعيد فيه الجسد واللغة ،والذاكرة وتتحول فيه من رمز الفريسة إلى ذاتٍ تملك الحكاية وتعيد كتابتها بشكل مختلف عن الحكاية الذكورية التقليدية.

وفي قصيدتها "لو كنت مذيعة تحاورك" تتقن الشاعرة الخلق الشعرى بلعبة شعرية متخيلة حين تقول:

لو كنت مذيعة تحاورك

لسألتك كيف شربت الشعر؟

وكيف تخرج القصائد

من رحم الشعر كالولادة؟

ومن حبيبتك التي تركض

بين أشجار القيقب والأرز

تمارس الحب معها

على عشب الروح الأخضر

لتتلون القصيدة بلونها الخمري

تتخذ الشاعرة هنا دور المحاورة، وتمزج بين الطبيعة والشعر، فاللغة مجازية ثرية بالصور الشعرية وتشبّه الشعر بسائل يُشرب، وتجعل القصائد تولد من رحم الشعر، وتشبه الروح بالأرض التي ينبت عليها العشب، لترفع فعل الحب من الجسدي إلى الروحي.

أما في قصيدتها "جغرافيا الجسد" فتبلغ اللغة الشعرية ذروة الجرأة حيث يتحول الجسد إلى وطن :

حين فككت أزرار قميصي

الساتان الفضية

تذكرت شامةً وحيدة

على ظهري لم يقبلها أحد

وحقل الخوخ الذي تأملت أزهاره

في الربيع بحزن

قائلة: لمن تنضجين يا حبات الخوخ؟

تنتظرين رجلًا يأكله الحزن

ليبكي على صدري

رجلًا يكتبني كرواية

يعيشها حتى النخاع

في هذه القصيدة يتحول الجسد، من وعاء للشهوة والإنجاب إلى جسد واعٍ بذاته، فدلالات المفردات بالنص التلال/ السهول/المياه/ حقل الخوخ توحي بأن الجسد وطنٌ يحتاج إلى من يدرك قيمته، والرجل في القصيدة هو متخيَّل ومنتظر، وليس حاضرًا فعليًا لتؤكد الشاعرة أن اكتمال معنى الجسد/الوطن مؤجّل حتى يأتي الشريك الحقيقي الذي "يكتبها" بالوعي والمعرفة، فــأن تعرف جسدك كما تقول الشاعرة في نهاية القصيدة هو كنز المعرفة.

تشير الشاعرة في قصيدتها "قصائد مهربة" بأن ماتكتبه من قصائد قد لا تستسيغه العقلية المجتمعية التي تفرض موانعها ، ومحرماته على كتابة المرأة الشعرية باعتبار أن كتابة الشعر يه تعرية للذات الإنسانية ، والأنثوية فتقول في مقطع من قصيدتها:

الشعر ‏

هو أن ألدك

من جديد

كلما لمستني

فأنت قصائدي المهربة

غير القابلة للنشر

أحفظها

عن ظهر ذاكرة

في هذه القصيدة الومضة يظهر المعنى الدلالى  لكلمة "ألدك " كتعبير عن التجديد المستمر للحب  ثم تشبه الشاعرة حبها له "بالقصائد المهربة "لتظهر خصوصية حبها الذي يبدو في قلبها كقصائد ممنوعة من النشر ،لأن المجتمع  الذكوري يفرض قيوده  على إعلان الحب  في قصائد الشاعرة ،بخلاف تعامله مع الرجل الشاعر الذى يتباهى في قصائده  بعلاقاته المتعددة وليس بعلاقة قائمة على الوفاء والإخلاص لرجل واحد كما تفعل الشاعرة في قصائدها .

وتتنقل قصائد زينب البرعصي بين الحنين، وذكريات الطفولة والفقد وأوجاع درنة والقصائد الإنسانية إلى قصائد الحب الصوفي، وأخرى تستحضر شخصيات نسائية من ذاكرة المدينة وعبق ماضيها. وتتنوع روح قصائدها بين الصوفية العالية، والشغف والرغبة الحسية.

 قصائد الشاعرة تحتفى بالحياة، والحب، والإنسان، والبحث عن العدالة الإنسانية المفقودة في قصائد مثل "إسماعيل الأخير" وأيرينا"، و"ذات الرداء الأزرق" وقصيدة "طريق النحل" كما تحفل قصائدها بمفردات الطبيعة، من وحي الحياة بمدينتها درنة بطبيعتها الساحرة بشلالها وواديها وجبالها، وحين نقوم بتفكيك مفردات قصائدها سنلمح صور شعرية لطبيعة درنة وضواحيها الساحرة مثل الأشجار/ الشيح/ الزعتر/صوت جداء الماعز/حقل الخوخ/النهر /الغابة/ البطوم /الشمارى/ أشجار الأرز والقيقب

فالطبيعة في قصائد الشاعرة زينب البرعصى ، ليست وصف خارجي، بل هي جزء من هوية القصيدة المرتبطة بالمكان وبالمدينة ، في تماهى لذاتها الأنثوية مع الطبيعة كرمز للخصب والنماء فالأنوثة في نصوصها، متحدة مع جماليات الطبيعة حولها وكما تتعاقب فصول السنة تتعاقب وتتبدل المشاعر في قصائدها ،بين رقة نسيم  ربيع العاطفة ، وجفاف وذبول فقد الصيف، وسقوط أوراق وجوه الخريف ، وأمطار ورياح  شتاء الحب وعواصفه، بحيث تبدو نصوصها فعل من أفعال الخلق ،التي تصبح فيها  الذات الأنثوية للشاعرة رحما للقصيدة تنجبها من رحم قلبها ، المحتفى بالتفاصيل الصغيرة وبالطبيعة  وبالمكان وبالحب والحياة  .

 

 

 

 

أثر الطائر في الهواء.. رسائل الصداقة والشعر والحياة

  إنتصار بوراوى عرف الأدب العربي عبر تاريخه فن المراسلات الأدبية، أو ما يُعرف بـ"أدب ‏الرسائل"، والذي ازدهر بشكل خاص بين الأدب...