الأحد، 25 يناير 2026

الأنثى.. والوجود المشترك

 

إنتصار بوراوى

 

تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم صيغ بديلة للواقع وفي هذا السياق، تأتي رواية" الأنثى"  للروائية البريطانية دوريس ليسينج، الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 2007، لتقدم طرحًا جريئًا حول أصل الوجود الإنساني ودور الأنثى فيه عبر سردية آسرة تقع أحداثها في مجتمع نسائي خالص معزول، من خلاله نموذجًا مضادًا لأسطورة الخلق التقليدية، حيث تكون الأنثى هي الأصل المطلق والمُهيمن على دورة الحياة والموت، وتستخدم ليسينج هذه اليوتوبيا النسائية لربط الوجود الإنساني في مراحله الأولى، بالصراع الأبدي بين الذكور والإناث، مُسلَّطةً الضوء على كيفية نشأة هذا التوتر، وما هي دلالات النهاية المُتصدّعة التي يؤول إليها هذا المجتمع.

تتخيل الروائية مجتمعًا نسائيًا خالصًا لا وجود فيه للرجال، وتحمل فيه النساء حسب خيال الروائية، بفعل حركة المد والجزر ودورات القمر، وعندما ينجبن تقوم النساء المسنّات برمي كل مولود ذكر، على فوهة جبل لتلتقطه وتأكله النسور متخلصات بذلك من جنس الذكور ومُبقيات على المواليد الإناث.

لكن النسور لا تأكل كل المواليد الذكور، بل تضع بعضهم على شاطئ الجزيرة حيث تشفق عليهم غزلان الجزيرة، وتقوم بإرضاعهم من لبنها ويكبر هؤلاء الأطفال ليصبحوا رجالًا، دون علم النساء القاطنات في أعلى كهوف الجزيرة بوجودهم.

ولكن تكتشفهم إحدى الفتيات، عندما تنزل إلى الشاطئ، فتحضر معها رفيقتها وتلتقيان برجلين وتحمل كل واحدة منهما بطفل، ويلدان خلسة في كهفهن دون إخبار باقي نساء الجزيرة بولادتهن وتربيتهن لأطفال ذكور معهن في الكهف.

ومع الولادة الغامضة للطفل الذكر، يضطرب مجتمع النساء المسالم ويدخل منطقة الخطر عندما يدركن بوجود، مجتمع من الذكور أسفل كهوف الجبلية على شاطئ الجزيرة.

تمضي الرواية في ربط ماضي الوجود الإنساني ،عبر وجود المرأة الأولى في هذا الوجود ويكون صوت السارد لأحداث الرواية ،شيخ من العصر الروماني، الذى يتحدث عن عصر الرومان في الوقت ،الذي يروي فيه حكاية إناث الخليقة الأولى وذكورها، في ربط روائي بديع يعبرعن رؤية الكاتبة، دوريس ليسينج التي تنسج روايتها حول فكرة أن الأنثى هي الأصل في الوجود الإنساني، في اختلاف كبير عن السردية الدينية.

تنتهي الرواية بحدوث صدع كبير، في كهوف الجزيرة بعد دخول الرجال إليها وعيشهم مع النساء في بقعة واحدة، ليكون رمز صدع كهوف النساء بعد دخول الذكور إشارة إلى العلاقة المتصدعة بين الذكور والإناث منذ بداية الوجود الإنساني ،على الأرض، بما تحمله من حب وكراهية، ورغبة وتسلط، وصراع، وخلق وإنجاب، وشراكة في المصير منذ بداية الخليقة إلى نهاية الوجود الإنساني.

لاتقدم رواية "دوريس ليسينج"، مجرد حكاية خيالية عن مجتمع نسائي منعزل، بل هي تأمل عميق في أسس وجود المرأة وعلاقتها بالجنس الآخر فالإصرار الروائي على أن الأنثى هي أصل الحياة يمثل تحديًا مباشرًا للسرديات الدينية ا، التي وضعت الذكر في مركز الخليقة ومع ذلك، فإن "الصدع الكبير" الذي يحدث، في كهوف الجزيرة نتيجة لدخول الرجال، لا يرمز فقط إلى انهيار التجربة النسائية الخالصة، بل يشير إلى التصدع الأبدي الكامن في جوهر العلاقة بين الذكر والأنثى منذ فجر التاريخ.

لقد أظهرت الروائية "دوريس ليسينج"، من خلال روايتها بأن الوجود المشترك، رغم ضرورته للخلق والاستمرار، محكوم بالصراع والتسلط والرغبة والكراهية، وتنتهي الرواية بتأكيد أن هذه العلاقة المُعقّدة، التي هي مصدر الحب والصراع، في آن واحد، هي شراكة في المصير الإنساني لا يمكن فصلها، وهي حقيقة تستمر من البداية وحتى نهاية الوجود وإن وجود الرجل مع المرأة هو وجود ليس مبنى على الصراع والنفي بل الفهم والتكامل الإنساني.

الأحد، 16 نوفمبر 2025

الشاعرة زينب البرعصي.. وقصائدها المهربة الممهورة بالشغف

 



إنتصار بوراوى

 

زينب البرعصي شاعرة تكتب الشعر بماء القلب، وتتجلى في نصوصها تلك المشاغبة الجميلة للحياة وللتفاصيل والأشياء من حولها، إذ تمتلك قدرة لافتة على التقاط التفاصيل الصغيرة، لتنسج منها قصائد تنبض بالحياة وأحداثها المفرحة والمؤلمة، فتكتب لكل فصل من فصول الحياة معها قصيدته الخاصة، فصل الطفولة واللعب الشقي وفصل الحب وفصل الحرب وفصول الفقد وموت الأحبة.

في قصيدتها الجميلة "سبتمبر" تخاطب الشاعرة شهر سبتمبر كما لو أنها تروي قصة كائن حي فسبتمبر في ذاكرة ابنة درنة هو شهر المأساة، الكارثة الكبرى التي ابتلع فيها نهر الحياة جزءًا من مدينة درنة، بناسها وجدرانها وبيوتها وشوارعها، وألقاها في الجرح الأليم المريع الذي هزّ قلوب أهل درنة والليبيين والعالم بأسره فتستحضر المدينة وهي تذوب في الماء

تقول الشاعرة زينب البرعصي في قصيدتها "سبتمبر":

سبتمبر يفتح بابًا للأيام

يقفز إلى الليلة الحادية عشرة

عندما الفجر يقطف الأزهار الحالمة

بعودة المدارس وصوت الجرس

ودفاتر الرسم والألوان

سبتمبر.. سارق للفرح والأعياد

طاحونة ماء وطين

سرق ليلة عرس لعذراء بفستان زفافها

طفت فوق الماء كزنبقة بيضاء

تتخذ الشاعرة في هذه القصيدة من تقنية السرد الشعرى، وسيلة لتجسيد لحظة الانهيار التي تتشكل عبر تفاصيل اليوم الرهيب، في سبتمبر الذي عاشته المدينة والصور الشعرية بالنص مكثفة وتحمل استعارات مدهشة، فهي تصوّر أطفال المدارس بـ الأزهار الحالمة، فهؤلاء الأطفال يشبهون الأزهار المتفتحة في أول إشراق حياتهم، قطفهم نهر الموت الذي فاجأ المدينة في فجر يوم 11 سبتمبر الدامي، فالفاجعة رسمت آثارها على قلب الشاعرة، فصاغت منها صورًا متضادة

سبتمبر / الأزهار / طاحونة /ماء وطين.

دلالة الكلمات تحمل صور شعرية مكثفة ومجازية، فسبتمبر الذي كان شهر الفرح بعودة الأطفال إلى مدارسهم أصبح عنوانًا للذكرى المؤلمة، والماء الذي هو رمز الحياة والارتواء تحوّل في القصيدة إلى رمز للموت والمأساة، وشبهته الشاعرة بـ الطاحونة التي التهمت كل شيء من البشر والحجر والسيارات والعمارات الشاهقة.

تحوّل الماء إلى وحش هائل التهم الأطفال، والعروس الحالمة بيوم زفافها، التي طفت ميتة كزنبقة بيضاء. والبياض هنا دلالة على العذرية التي ابتلعتها المياه كما لو كانت قربانًا، لربٍّ يسمع صراخ الغرقى طالبين الرحمة، ولكن صراخهم الذي وصل إلى عنان السماء وتردد صداه بين ساحات المساجد والكنائس، لم يفلح في إنقاذهم، وحلقت أرواحهم إلى السماء بعد أن ابتلع البحر أجسادهم.

في قصيدتها "فرق توقيت" تبدأ الشاعرة نصها بسطرين سرديين كمفتاح للقصيدة المعبرة عن فارق العمر بين الذات الشعرية الأنثوية والآخر الذكوري، الذي يضع حججًا عقلية أمام الذات العاشقة التي تنظر إليه بعينين مبهورتين، فيما هو يخاطبها بعين العقل: "أكبرك بعشرين عامًا"، فتنداح الذات الشعرية لترد بحزن عميق:

لن يبتلعني البحر

وحده الحزن سيفعلها

حين أركض بلا أملٍ يلقفني

ولا صدرٍ يلملم صراخي

فرق توقيت بعشرين عام

تأخرت غيمتي عن غابتك

فرق توقيت

يفصلني عن طفولتك

حين كانت الشمس

تلفح جبينك عند السفوح الجبلية

فوق حقول الشيح والزعتر

وثغاء جداء الماعز

وعصاك التي تهش بها ظل طفولتك

عن حذائك المثقوب دون جوارب

 

 

 

تمضي الشاعرة في قصيدتها محصية ،الفروق الزمنية التي تبعدها عن المحبوب، في صور شعرية متلاحقة تبدو مثل كاميرا تلتقط الزمن، ترى بعين خيالها حياته عبر مراحل عمره منذ طفولته في الغابة وهو يرعى الماعز، ثم مغامرته العاطفية الأولى، والحبيبة التي غادرته، والزواج والإنجاب وفرحة الديوان الأول ، وتتابع الشاعرة تصوير المراحل التي عاشها من خفق له قلبها قبل أن تولد، وكأن القصيدة تحاسب الصدفة القدرية التي جعلتها تولد بعده بعشرين عامًا، لتلتقيه مرهقًا  وكئيبا ، وتبلغ القصيدة ذروتها في صورها الشعرية الأمومية المدهشة حين تقول:

حين ترحل

تولد من مشيمتي طفلًا

أرضعه خيالي

تتقاسم معي السرير والغطاء

الليل والحلم

أحملك ألمًا عن ألم

تنام في رحم قلبي كصومعة

وصدرِي قبة دفء

لا نبيّ لقلبِي بعدك

لا رحمة إلا تحت سمائك

أنت وحدك العهد والمأوى والقيامة

يرتقي الحب في النص إلى مقام الأمومة، فالمحبوب طفلها الذي يولد من رحم قلبها، كناية عن شدة الحب والوله. فحب الأم لطفلها هو أعلى مراتب الحب الإنساني، لذا تعلي الشاعرة من حبها للحبيب وتأسطره، فتحوّله إلى نبيٍّ، لا تؤمن في الوجود بغيره، ولا أحد يحتل مكانته في قلبها بعده، ولا نبض للحب إلا تحت سمائه.

الدلالات التفكيكية للكلمات تحوي تصورًا صوفيًا للحب:

نبي / رحمة / سماؤك / العهد / المأوى / القيامة.

كل هذه الكلمات تمنح النص روحًا صوفية وتكثيفًا مجازيًا جميلاً، وتظهر هذه الروح أيضًا في نصها "على طرف حزنه" حيث تقول:

أتوضأ بماء الحنين

أحبه كصلاة

أقيم الليل في غيابه

أرتل آيات الشوق

في عتمة ليله

يتجلى في قصيدتها التناص مع النص الديني، في التركيبة الدلالية للصور الشعرية، فالوضوء هو فعل طهارة للصلاة، استخدمته الشاعرة كدلالة على طهارة الحب، وجعلت "ماء الحنين" عنصرًا مطهرًا لحبها، وصورت حبها له كالصلاة اليومية التي يقوم بها المؤمن فالصلاة هنا صلاة اشتياق وحب غامر، ارتفع فيها المحبوب إلى مقام المعبود، فأصبح السهر والاشتياق إليه بمثابة قيام الليل ، وفى عبارتها  "أرتل آيات الليل"،  يتضح التناص اللغوي مع ترتيل القرآن حيث يتحول الشوق إلى نص مقدس، يُتلى في محراب العشق، وهي حالة صوفية أنثوية تزاوج بين الروحانية والرغبة المضمرة ، فقصائد الشاعرة زينب البرعصي ،لا تركن إلى أسلوب شعرى واحد، وإنما لكل قصيدة حالتها الشعورية المتفجرة وكل نص يحمل تيمته وصبغته الخاصة .

في مقطع من قصيدتها "ذئب القصيدة" تقول الشاعرة:

أنا ليلى

فستاني الأحمر

أغوي الريح

لم أضع طريق جدتي في الغابة

الذئاب لا تولد من الجوع

بل من خوف الأمهات

فستاني الأحمر كان جلد الرغبة الأول

كنت أختبر الذئب

هل أنا شهية أم فريسة؟

وكتبت جلدي من جديد

أنا ليلى بنت الغابة

الراكضة خلف صوت العواء

تحفظ منابت الشيح والقندول

صوت غناوة أبيها أهزوجة

تتكاثر بها قصائدها تحت فستانها

أنا حارسة الغابة

والذئب ليس خرافة

فالذئب نائم بين ذراعي

وأنا أحرس الحكاية

في هذا النص، تقوم الشاعرة بقلب الحكاية التقليدية الذكورية لقصة "ليلى والذئب" فليلى هنا ليست الفتاة الخائفة التي تتجنب  الخروج إلى الغابة، كى لا يصادفها الذئب بل هي امرأة  قوية خرجت لتواجه الذئب رافضةً الوصاية الاجتماعية، التي ترى في خروج المرأة إلى العالم والحياة والاقتراب من  الرجل مكمن للخطر، ليلى في قصيدة  الشاعرة زينب البرعصى تركض مع الذئب كما تقول كلاريسا بنكولا في كتابها الشهير "الركض مع الذئاب "،معلنة ذاتها الحرة، ومدركة بأن الحرية مسؤولية، وأن بإمكانها أن تقترب من الذئب وتعرى  ذاتها أمامه دون خوف من التهامها ، فهي  تؤنسن الذئب حتى ينام بين ذراعيها كحمل وديع لأنها نزعت منه ذئبيته بقوة الحب ،وحين تكتب  في نصها "نزعت وصاية اللغة وكتبت جلدي من جديد"، فهي تعلن  نزع وحذف السردية القديمة وتخلق سردًا شعريًا جديدًا، تستعيد فيه الجسد واللغة ،والذاكرة وتتحول فيه من رمز الفريسة إلى ذاتٍ تملك الحكاية وتعيد كتابتها بشكل مختلف عن الحكاية الذكورية التقليدية.

وفي قصيدتها "لو كنت مذيعة تحاورك" تتقن الشاعرة الخلق الشعرى بلعبة شعرية متخيلة حين تقول:

لو كنت مذيعة تحاورك

لسألتك كيف شربت الشعر؟

وكيف تخرج القصائد

من رحم الشعر كالولادة؟

ومن حبيبتك التي تركض

بين أشجار القيقب والأرز

تمارس الحب معها

على عشب الروح الأخضر

لتتلون القصيدة بلونها الخمري

تتخذ الشاعرة هنا دور المحاورة، وتمزج بين الطبيعة والشعر، فاللغة مجازية ثرية بالصور الشعرية وتشبّه الشعر بسائل يُشرب، وتجعل القصائد تولد من رحم الشعر، وتشبه الروح بالأرض التي ينبت عليها العشب، لترفع فعل الحب من الجسدي إلى الروحي.

أما في قصيدتها "جغرافيا الجسد" فتبلغ اللغة الشعرية ذروة الجرأة حيث يتحول الجسد إلى وطن :

حين فككت أزرار قميصي

الساتان الفضية

تذكرت شامةً وحيدة

على ظهري لم يقبلها أحد

وحقل الخوخ الذي تأملت أزهاره

في الربيع بحزن

قائلة: لمن تنضجين يا حبات الخوخ؟

تنتظرين رجلًا يأكله الحزن

ليبكي على صدري

رجلًا يكتبني كرواية

يعيشها حتى النخاع

في هذه القصيدة يتحول الجسد، من وعاء للشهوة والإنجاب إلى جسد واعٍ بذاته، فدلالات المفردات بالنص التلال/ السهول/المياه/ حقل الخوخ توحي بأن الجسد وطنٌ يحتاج إلى من يدرك قيمته، والرجل في القصيدة هو متخيَّل ومنتظر، وليس حاضرًا فعليًا لتؤكد الشاعرة أن اكتمال معنى الجسد/الوطن مؤجّل حتى يأتي الشريك الحقيقي الذي "يكتبها" بالوعي والمعرفة، فــأن تعرف جسدك كما تقول الشاعرة في نهاية القصيدة هو كنز المعرفة.

تشير الشاعرة في قصيدتها "قصائد مهربة" بأن ماتكتبه من قصائد قد لا تستسيغه العقلية المجتمعية التي تفرض موانعها ، ومحرماته على كتابة المرأة الشعرية باعتبار أن كتابة الشعر يه تعرية للذات الإنسانية ، والأنثوية فتقول في مقطع من قصيدتها:

الشعر ‏

هو أن ألدك

من جديد

كلما لمستني

فأنت قصائدي المهربة

غير القابلة للنشر

أحفظها

عن ظهر ذاكرة

في هذه القصيدة الومضة يظهر المعنى الدلالى  لكلمة "ألدك " كتعبير عن التجديد المستمر للحب  ثم تشبه الشاعرة حبها له "بالقصائد المهربة "لتظهر خصوصية حبها الذي يبدو في قلبها كقصائد ممنوعة من النشر ،لأن المجتمع  الذكوري يفرض قيوده  على إعلان الحب  في قصائد الشاعرة ،بخلاف تعامله مع الرجل الشاعر الذى يتباهى في قصائده  بعلاقاته المتعددة وليس بعلاقة قائمة على الوفاء والإخلاص لرجل واحد كما تفعل الشاعرة في قصائدها .

وتتنقل قصائد زينب البرعصي بين الحنين، وذكريات الطفولة والفقد وأوجاع درنة والقصائد الإنسانية إلى قصائد الحب الصوفي، وأخرى تستحضر شخصيات نسائية من ذاكرة المدينة وعبق ماضيها. وتتنوع روح قصائدها بين الصوفية العالية، والشغف والرغبة الحسية.

 قصائد الشاعرة تحتفى بالحياة، والحب، والإنسان، والبحث عن العدالة الإنسانية المفقودة في قصائد مثل "إسماعيل الأخير" وأيرينا"، و"ذات الرداء الأزرق" وقصيدة "طريق النحل" كما تحفل قصائدها بمفردات الطبيعة، من وحي الحياة بمدينتها درنة بطبيعتها الساحرة بشلالها وواديها وجبالها، وحين نقوم بتفكيك مفردات قصائدها سنلمح صور شعرية لطبيعة درنة وضواحيها الساحرة مثل الأشجار/ الشيح/ الزعتر/صوت جداء الماعز/حقل الخوخ/النهر /الغابة/ البطوم /الشمارى/ أشجار الأرز والقيقب

فالطبيعة في قصائد الشاعرة زينب البرعصى ، ليست وصف خارجي، بل هي جزء من هوية القصيدة المرتبطة بالمكان وبالمدينة ، في تماهى لذاتها الأنثوية مع الطبيعة كرمز للخصب والنماء فالأنوثة في نصوصها، متحدة مع جماليات الطبيعة حولها وكما تتعاقب فصول السنة تتعاقب وتتبدل المشاعر في قصائدها ،بين رقة نسيم  ربيع العاطفة ، وجفاف وذبول فقد الصيف، وسقوط أوراق وجوه الخريف ، وأمطار ورياح  شتاء الحب وعواصفه، بحيث تبدو نصوصها فعل من أفعال الخلق ،التي تصبح فيها  الذات الأنثوية للشاعرة رحما للقصيدة تنجبها من رحم قلبها ، المحتفى بالتفاصيل الصغيرة وبالطبيعة  وبالمكان وبالحب والحياة  .

 

 

 

 

الخميس، 25 سبتمبر 2025

أرسان الروح.. سيرة الفلسفة والوطن في مرآة نجيب الحصادي

قراءة السيرة ليست مجرد فضول يتقصّى تفاصيل حياة الآخرين، بل هي عبور إلى أفق أوسع، واكتشاف لجوهر التجربة الإنسانية، حين تتجسد في عقل كبير وروح نادرة وحين تكون السيرة لشخصية مثل الدكتور نجيب الحصادي، فإننا لا نقرأ سيرة فرد بقدر ما نقرأ سيرة وطن في مرآة فيلسوف، ووثيقة روح نذرت نفسها للفكر، كتابةً وترجمةً وتأملًا.

في كتابه “أرسان الروح”، يفتح الحصادي أبواب ذاكرته على طفولته في درنة، ويتعرّف القارئ على الخلفية الاجتماعية، التي ساهمت في تكوين الشخصية الفذة والعقل الليبي الفلسفي.

يكتب الدكتور نجيب الحصادي، في الفصل الأول من كتابه “سنوات الصغر” عن درنة وسنوات الطفولة وعن تكوينه الأسري والعائلي، المتجسد في والده الذي كان يمتلك محلًا لبيع الأقمشة في سوق الظلام، ووالدته التي تحمل الكثير من الحنان عليه، على عكس شخصية والده الصارمة التي كان لها تأثير في اتخاذ منهج العلم والتعليم كطريق لا يحيد عنه أو كما يقول في كتابه عن والديه: “عشتُ سنيّ صباي بين قيمتين؛ إنصاف والدي وحنو أمي، وكانت هناك قيمتان أخريان لا تقلّان أهميةً تمارسان سطوتهما على أسرتنا الصغيرة، قيمة التعليم وقيمة العمل”.

ويسرد بأسلوب شيق علاقته بإخوته وأخواته وأزواجهن، وعلاقته بالقراءة والكتابة التي بدأت منذ سن العاشرة، مما يعطي دلالةً على نبوغه المبكر وعشقه للمعرفة منذ الطفولة ويتحدث الحصادي عن تشكل مشاعره الدينية، التي تكونت كما يقول منذ الصغر على يد والده الذي علّمه أداء الصلاة حتى قبل دخوله المدرسة، وربما التربية الدينية هي أحد أسباب شعوره الصوفي في علاقته بالله، والذي يتضح من كتاباته. ولكن التربية الإسلامية على يد والده لم تمنعه من مشاركة أخيه حسين، في تذوق السينما وقراءة المجلات الفنية والروايات العربية والمترجمة، وتأثير هذه القراءات المبكرة ظهر واضحًا فيما بعد في صداقته للأدباء الليبيين ومتابعته لإنتاجهم الأدبي، خلافًا للأكاديميين وأساتذة الجامعات الليبية الذين لا يتابعون أو يطالعون أي شيء عدا عن تخصصهم العلمي والدراسي.

ويتعمق الدكتور نجيب الحصادي في سرد خصوصية درنة، مدينته ومسقط رأسه، ويتجول في حديثه عن شوارعها وميادينها الشهيرة، وعن مثقفيها وأدبائها، ومطربيها ورواد التعليم فيها، وأشهر أوائل خريجي جامعة بنغازي من مدينة درنة، والشخصيات الرائدة في مجال الإدارة الليبية خلال الحكم الملكي، في المصارف والقضاء والسلك الدبلوماسي.

ويسهب الحصادي في الكتابة عن حب أهل درنة للفنون والموسيقى ومتابعة إذاعات الراديو، بداية من الإذاعة الليبية إلى إذاعة الشرق الأوسط، ومتابعتهم للسينما من خلال دور العرض السينمائي مثل سينما “الزيني” و”التاجوري” و”رويال”. ويحلل الدكتور الحصادي سبب التغير الذي طرأ على مدينة درنة، وكيف تحولت من مدينة كانت تصدر الكفاءات العلمية والإدارية إلى مصدر للإرهاب يتحدث عنه العالم بأسره. ويعيد ذلك التحول إلى طبيعة المناطق المحيطة الوعرة التي تصلح ملاذًا للإرهابيين، وربما كما يقول إن ذلك يرجع إلى كونها حاضرة لا تستند على قبيلة تكون حاجزًا أمامهم، أو ربما لما تعرضت له من تهميش أدى إلى ارتفاع البطالة. ولعل كل هذه الأسباب وغيرها هي التي ساهمت في ذلك التحول الدراماتيكي الخطير للمدينة الذي حولها إلى وكر للإرهاب إلى أن تم اقتلاعه.

عالم جامعة بنغازي

يصف الدكتور الحصادي دخوله للجامعة في بنغازي بولوج عالم جديد؛ فلأول مرة يرى ذلك العدد من الفتيات، باعتبار أن دخول الفتاة الليبية للجامعة حتى أوائل السبعينيات كان لا يزال خجولًا ومحدودًا. وبعد اختياره دراسة الفلسفة في كلية الآداب، بدأت تظهر ملامح توجهه للبحث والمعرفة من خلال مشاركته في ندوات القسم وتقديمه لورقة تناقش مفهوم القلق من الناحية الفلسفية. كما أنه انضم إلى أسرة تحرير مجلة “قورينا” التي كان يصدرها طلاب كلية الآداب، ثم ترأس في السنة الثالثة تحرير مجلة “مسار الفكر” التي كانت تصدرها الجمعية الفلسفية، والتي لم تستمر طويلًا نتيجة مضايقة رجال الأمن لها.

ويستذكر الدكتور الحصادي، حادثة إلقاء القبض عليه وسجنه نتيجة تقارير كيدية تتهمه بالماركسية والوجودية والانضمام إلى الإخوان المسلمين، فكيف يمكن أن تتلاقى ثلاث اتهامات متناقضة؟ لا يحدث ذلك إلا في ليبيا عهد القذافي، ويتحدث الحصادي بأسى عن هذه المرحلة التي كانت بعد خطاب زوارة، حيث تم ترحيله مع آخرين إلى سجن “الكويفية”، حيث كان هناك أكثر من 555 مثقفًا سبقوه إليه، ومن بينهم أستاذه في قسم الفلسفة الدكتور أحمد بدوي. ويصف الدكتور الحصادي هذه المرحلة بقوله: “كانت الجامعة منذ تأسيسها في عام 1955 وإلى عام 1973 تمر بأزهى حقبها، ومنذ ذلك العام عاثت اللجان الثورية فيها فسادًا”.

وبعد تخرج الدكتور الحصادي من الجامعة، تم تعيينه مدرسًا في مدرسة “الفيحاء” للبنات في طبرق إلى أن وصلته تأشيرة سفره إلى الولايات المتحدة لدراسة اللغة الإنجليزية والتجهيز لدراسة الماجستير. وسافر مع زوجته في سبتمبر 1974 إلى واشنطن.

في رحاب أمريكا

حط الرحال بالحصادي في قسم الفلسفة بجامعة “جورج تاون” في واشنطن، حيث أمضى خمس سنوات في دراسة الفلسفة، ثم قام بتدريس مادة في فلسفة العلوم مكرسة لـ “توماس كون” فيلسوف العلم ومؤرخه الشهير. ثم أنجز باقي دراساته العليا في جامعة “ويسكونسن” بمدينة “ماديسون”.

ويروي الحصادي في هذا الفصل كيفية تنظيم وقته بين الاهتمام بعائلته بعد أن أنجب ثلاثة أولاد وبنت، خلال سنوات دراسته، وبين إتمام دراسته العليا للماجستير والدكتوراه. وعن المجهود الذي بذله في كتابة أطروحته بخط يده، التي أشرف عليها الدكتور “دريتسكي”.

ويحدثنا الدكتور الحصادي عن اتصال نائب رئيس “جبهة الإنقاذ” المعارضة الذي طلب مقابلته، ليتفاجأ بحضور محمد المقريف الذي عرض عليه المكوث في الولايات المتحدة بمرتب يضمن له عيشًا كريمًا مقابل كتابة مقالة شهرية، ولكنه رفض لأنه قرر الرجوع للبلاد بعد إنهاء دراسته، وأيضًا لأنه خشي على إخوته من أن ينكل بهم القذافي. وهو تصرف عقلاني من الدكتور نجيب الحصادي، ولا أعتقد أن أحدًا يمكن أن يلومه عليه أو أن يزايد على وطنيته ومحبته لبلاده.

إعدامات الطلبة في جامعة بنغازي

يفرد الدكتور نجيب الحصادي جزءًا، من شهادته على جريمة الإعدامات داخل الحرم الجامعي بعد عودته لليبيا في صيف 1983، حيث كان شاهدًا على إعدام مصطفى النويري أمام كلية الحقوق والتي سبقتها الكثير من الإعدامات للطلبة، خلال السبعينيات. ويصف الحصادي التأثير النفسي السيئ لهذه الإعدامات البشعة على نفسه وعلى نفوس الطلبة والطالبات اللاتي كن يولولن صارخات ويقعن مغمى عليهن ومنهارات، فلم يكن الجو النفسي في الجامعة ملائمًا للتدريس، وزاد الطين بلة اكتشاف الحصادي، بأنه لا وجود لمادة “المنطق الرمزي” و”فلسفة القانون”   ضمن مواد التدريس بقسم الفلسفة، والأدهى والأمر هو اقتراح أحد زملائه له تدريس مادة “النظرية العالمية الثالثة”!

ولكن تدخل الدكتور رجب بو دبوس خلصه من محنة هذا الاقتراح الذي يعبر عن حسد وغيرة ورغبة في الوشاية بالشاب المقبل من أمريكا حاملًا معه شهادات عليا في تخصص فلسفي ليس له وجود في الجامعة الليبية.

تشخيص تدني العملية التعليمية في ليبيا

في فصل “رسن الفلسفة”، يروي الدكتور الحصادي علاقته بالفلسفة كعشق معرفي وجودي، ويفصح بوضوح عن مسار تجربته التعليمية الأكاديمية للفلسفة في جامعة بنغازي وما تعرض له قسم الفلسفة من تضييق وفرض رأي لتوجه واحد من المتملقين والواشين للنظام من قيادات القسم وبعض أساتذته. ويرصد الدكتور الحصادي بعقله الفلسفي الثاقب العيوب والأخطاء في تدريس الفلسفة، ومستوى الطلبة بالقسم الذي عمل على اختيار المختلف منهم في التعامل مع الفلسفة للإشراف على رسائلهم العلمية.

يشخص الدكتور الحصادي سبب تدهور التعليم، والمستوى العلمي والثقافي للطلبة والطالبات في المرحلة الجامعية، وحتى عند طلبة الماجستير والدكتوراه، ويورد أمثلة على تدني المستوى الثقافي بشكل مرعب ومخيف، ويرجع الحصادي سبب ذلك إلى انتشار الغش في المدارس الليبية بشكل كبير، وتواطؤ أولياء الأمور ومديري المدارس والأساتذة المشرفين على الامتحانات والمسؤولين في وزارة التعليم، الذين يسمحون للطلبة بالغش ويقارن ذلك بتجربته في التعليم الجامعي بجامعة الإمارات ،التي تشدد العقوبة على من يرتكب جريمة الغش بالفصل النهائي من جميع جامعات الدولة، مما جعل الغش شبه معدوم.

ويسهب الدكتور الحصادي/ في سرد المشاريع الطموحة التي ساهم في تقديمها لوزراء التعليم في الحكومات الليبية للرفع من كفاءة أداء الجامعات، ومن بينها اقتراح إنشاء جامعة “يوسبيردس” كجامعة مختلفة ومتميزة، بالإضافة لمحاولته إصلاح البنية التشريعية للمؤسسات الأكاديمية مع نخبة من أساتذة الجامعات الليبية التي باءت كلها بالفشل وأُجهضت نتيجة حساسيات شخصية.

ويستعرض الدكتور بأسف ما آلت إليه المكتبة المركزية من تدهور، بعد أن كانت تحتوي على أكثر من مليون ونصف كتاب، والتي أصبحت جراء الحرب الأهلية تضم أقل من عشرة آلاف كتاب، كما أن أكثر من نصف مخطوطاتها ووثائقها التاريخية إما سُرق أو احترق. ونتيجة لكل ذلك، أطلق الدكتور الحصادي حملة لدعم المكتبة المركزية، تستهدف جلب كتب ومخطوطات وأشرطة ومجلات ورقية وإلكترونية. تذهل حين تقرأ عن المجهود الكبير الذي بذله الدكتور الحصادي في نجاح هذه الحملة، من حيث قيامه شخصيًا باستقبال تبرعات الكتب والمبالغ المالية لشرائها. ويذكر بموضوعية أن أكبر مستجيب للحملة كان مجاهد البوسيفي وهدى السراري، اللذين أرسلا عشرة آلاف دولار.

وشارك الكاتب الراحل يوسف الشريف بإهداء مكتبته الخاصة التي احتوت على 4 آلاف كتاب لجامعة بنغازي عرفانًا بفضلها عليه، ويذكر الدكتور الحصادي بأسف أن مدير المكتبة المركزية رفض تخصيص جناح خاص باسم يوسف الشريف، ولكن الدكتور نجيب الحصادي بعقله الكبير النير ووطنيته ،لم يتشاجر معه كي لا تضيع فرصة تزويد المكتبة المركزية بالكتب ، بل سافر بنفسه إلى طرابلس وقام بصحبة إبراهيم حميدان ورضا بن موسى (الله يرحمهم) وأسماء الأسطى بتصنيف الكتب وترتيبها، وتابع الحصادي شخصيًا عملية نقلها برًا إلى بنغازي، وقام بتسليم 106 صناديق إلى المكتبة المركزية. ولكنهم للأسف، بعد تسويف، قاموا بترتيبها على الأرفف، واستغنوا عن 1500 كتاب لأن معظمها روايات “قد تفسد أولادهم”! فيا للجهل والتخلف الذي تعامل به مسؤولو المكتبة المركزية مع كتب الكاتب الكبير يوسف الشريف!

وكل هذه العراقيل التي واجهت الدكتور نجيب الحصادي في محاولته لتحسين حال الجامعة والمكتبة تبرهن على أن التردي الذي تعيشه الجامعات الليبية هو نتيجة لغياب وزراء ومسؤولين أكفاء ووطنيين يعملون بجد ووطنية من أجل الرفع من مستوى الجامعات والمكتبات الجامعية الليبية.

سيرة حلم

وكما يقول الشاعر: “إذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسام”. ولأن الدكتور نجيب الحصادي كان ذا همة وإرادة صلبة وقوية، فقد كانت لديه أحلام كبيرة، منها أن يعمل مهرجانًا ثقافيًا في مسقط رأسه درنة عن شاعرها مفتاح الأسطى عمر، وهو ما تحقق في عام 2001 تحت إشراف “جمعية بيت درنة الثقافي”. وكان مهرجانًا كبيرًا حضره أكثر من 133 كاتبًا وأديبًا ومثقفًا، ونجح نجاحًا كبيرًا. وحين أراد الحصادي إقامته مع رفاقه الذين أشرفوا عليه في المرة السابقة، تعرض المهرجان لهجمة كبيرة ومحاربة من أعمدة القذافي في مؤسسة الصحافة ووزارة الثقافة. ورغم كل العواصف، يسرد الدكتور الحصادي في فصل “سيرة الحلم” كيفية مواجهته مع رفاقه الأدباء لكل تلك الهجمات القوية، وتهم التخوين التي كانت لتطيح بالمهرجان لولا قوة الإرادة والصلابة والبحث عن مخرج ومنفذ من داخل أعمدة النظام نفسه. ونجح المهرجان نجاحًا كبيرًا أيضًا، مما جعل أمين الثقافة نوري الحميدي يعترف به، وشارك بوفد من الثقافة فيه، ولكن اتضح فيما بعد أن أحد أفراد الوفد كتب تقريرًا أمنيًا عن أوراق المهرجان!

بكل صدق وصراحة، يكتب الدكتور الحصادي سيرته الذاتية لكل الأحداث بحذافيرها، دون مواربة أو رتوش.

التجربة الإماراتية

الغريب أن الدكتور نجيب الحصادي، يصف مرحلة سفره للإمارات للعمل كأستاذ جامعي في أرقى جامعاتها بالمرحلة التي “تغضّنت” فيها روحه، فقد كان إحساسه بالغربة كبيرًا، وكان يشعر بأنه في سجن، وأعتقد أن ذلك يرجع إلى التكوين النفسي والاجتماعي للدكتور نجيب الحصادي، فهو شخص رقيق المشاعر، مرهف الحس رغم عقله الفلسفي ورصانته العقلية إلا أن روحه شفافة تتعلق بالأماكن التي تربى فيها ،ولديه شوق كبير للأهل والأصدقاء ورفقاء طريقه لهذا يصف رحيله واشتياقه بالقول: “لم أكن أرى في صحوي وفيما يرى الرائي في المنام غير درنة وبنغازي المعشوقتين، اللتين تنازعتا قلبي وشغفتاه حبًا موصولًا لا يعرف هوادة صد ولا يعبأ بولاية عاذل”.

فالكتابة عن اشتياقه لمسقط رأسه وهواه البنغازي يكتبها برقة وشفافية الشاعر ومثل هذا الأسلوب الذي نجده في كثير من فصول الكتاب، يبرهن على أن الدكتور نجيب الحصادي لم يكن أستاذ فلسفة وصاحب عقل فلسفي فقط، بل في داخله شاعر مرهف عاشق للجمال والإبداع بكل صنوفه، ولذلك كان لديه أصدقاء كثيرون من الوسط الثقافي كانوا قريبين منه وشاركهم كثيرًا من الفعاليات الثقافية.

وكما بذكر فلقد عُرضت عليه وزارة الثقافة، أثناء حكومات ما بعد الثورة تولى منصب وزير ثقافة ولكنه رفضها كي لا ينشغل، عن كتاباته وترجماته الفلسفية، ولكنه وافق على أن يكون ضمن لجنة وزارة الثقافة مع الشاعر ربيع شرير أثناء وزارة عبد الرحيم هابيل للثقافة ومع أنه لم يظهر في الصورة بتلك الفترة، إلا أن أغلب عمل الوزارة وفعالياتها كانت من تصميمه وأشرافه

ويذكر الدكتور نجيب الحصادي، مجموعة من المشاريع الوطنية التي شارك فيها خدمة لوطنه منها مشروع “دور القانون في المصالحة الوطنية” الذي نفذه مركز دراسات القانون والمجتمع بجامعة بنغازي، بالشراكة مع مؤسسة “فولينهوفن” للقانون والحوكمة بهولندا. ويسرد الحصادي بكثير من التفاصيل مشاركته في المسح العالمي للقيم، الذي أجراه مركز البحوث والاستشارات بجامعة بنغازي، بالإضافة إلى مشاركته في لجنة إعداد منهج للتربية الوطنية بتكليف من وزير التعليم سليمان الساحلي خلال عام 2012. وتحدث عن مشاركته في “معايرة مشروع مسودة الدستور” ومشروع “تيسير العدالة”.

تكشف ‏سيرة الدكتور نجيب الحصادي، بأنه لم يكن مجرد أكاديمي يعيش في برج عاجي في الجامعة، ولم يكن أستاذ فلسفة ومترجم وحسب، بل كان شاعرًا في العمق، ومثقفًا عضويًا بلغة غرامشي، فهو كان عقلًا ينحت المعنى وروحًا تبحث عن الجمال، ووطنيًا ظل يرى في العلم والثقافة والفلسفة والفكر طريقًا لبناء ما تهدّم في ليبيا.

الكتاب هو سيرة عقل كبير وروح شفافة، وسيرة رجلٍ حمل الوطن في قلبه كما يحمل الشاعر قصيدته، وظلّ حتى النهاية يكتب بالعقل والمعرفة الفلسفية معنى الحياة ومعنى الوطن.

الخميس، 24 يوليو 2025

ـأقفاص فارغة

 

 


إنتصار بوراوى

الشاعرة المصرية فاطمة قنديل، أستاذ مساعد للنقد الأدبي الحديث بقسم اللغة العربية في كلية الآداب، وشاعرة لها بصمة في جيل شعراء وشاعرات جيل الثمانينيات ، فلقد أصدرت أكثر من سبعة دواوين شعرية حصلت على درجتي الماجستير والدكتوراه عن أطروحتين جامعيتين ومنذ مدة صدرت روايتها الأولى "أقفاص فارغة" عن دار الكتب خان، وتروي هذه الرواية سيرة شبه ذاتية عن قصة حياتها وعلاقتها بعائلتها، تحديدًا الأم والإخوة الذكور والأزواج.

وربما أول ما يلفت في الرواية هو عنوانها المتضاد "أقفاص فارغة"، فالقفص يرمز للقيد والاحتجاز والحرمان من الحرية، بينما فراغها يشير إلى تحرر الشخص من القفص ولكن بقى كرمز للقيد، الذى أراد احتجاز بطلة الرواية داخل كل تلك الأقفاص قفص ذكور العائلة، قفص الحب، قفص الزواج ،  كلها أقفاص جمعتها الكاتبة في عنوان متضاد ورمزت إليها بعنوان ملفت ويحمل دلالات متضادة ليرمز إلى مضمون الرواية ودلالتها السردية.

في "أقفاص فارغة"، تتخلى الشاعرة فاطمة قنديل، عن لغتها الشعرية المعهودة وتتعقب تفاصيل حياة أسرة من الطبقة المتوسطة، والتي هي سيرة حياة عائلتها وتصور الكاتبة الحياة اليومية لشخصيات الرواية من خلال سرد دقيق، لتفاصيل عائلية من إصابة والدتها بمرض السرطان، وما تلا ذلك من مشاعر الخوف والرعب ،التي سيطرت عليها في مواجهتها لهذا المرض الشرس ورغم الألم الذي يفيض من صفحات الرواية، إلا أن السرد الممتع يغطي مراحل زمنية طويلة، تمتد منذ بداية الستينيات وحتى الألفية الجديدة، مقدماً بانوراما شاملة لعائلة مصرية من الطبقة الوسطى وما تعرضت له من هزات اقتصادية واجتماعية على مدار العقود المتتالية

تبدأ الرواية بذكريات الطفولة مع الوالدين والعائلة، ثم يتطور السرد الروائي لينتقل إلى مراحل أخرى من عمر بطلة الرواية. تعمل الروائية، على تعرية المشاعر والأحاسيس بعمق وصراحة كاشفة حقيقة علاقات الإخوة والعائلة والأقارب، التي تسقط جميعها في امتحان مرض الأم. وتتجلى القسوة الإنسانية بكل بشاعتها، من خلال تخلي الأخ عن دفع مصاريف العلاج الكيماوي لوالدته، وسفره وتخليه عن والدته وأخته في محنة المرض الشرس.

وتروى سردية الرواية عودة الأخ الأكبر بعد عشرين عامًا، من سفره وانقطاع أخباره عن العائلة تاركاً قلب والدته يحترق لغيابه حتى وفاتها، و يتنقل السرد الروائي ببراعة بين زمن خمسينيات القرن العشرين إلى ستينيات المد القومي والنكسة، وسبعينيات ،الانفتاح الاقتصادي وأثره على الطبقة المتوسطة ، ويتدفق السرد الروائي  ليرصد كل المشاعر القاسية والمؤلمة، من تخلي الإخوة والأقارب، ثم مرض الأم وفقدان البيت نتيجة انتقالهم من منطقة إلى أخرى، والعلاقة المضطربة القائمة على العنف والاستغلال من الزوج، فكل تلك الظروف القاسية حملتها بطلة الرواية كثقل فوق أكتافها وفي قلبها ومع ذلك، لم يكسرها هذا الثقل أو يحطمها وهنا تكمن قوة سيرة الرواية وعظمتها؛ فبالرغم من كل الظروف القاهرة التي عاشتها بطلة الرواية، إلا أنها لم تتخل عن والدتها كما فعل إخوتها الذكور الذين خذلوها وخذلوا والدتهم في محنة مرضها.

وإنما استمرت مساندة وداعمة لوالدتها، تقوم على خدمتها أثناء مرضها وحتى آخر رمق في حياتها، كما تصف علاقتها بها في هذا المقطع من الرواية: "أدركت أنني أريد أن أستعيدها، لم تكن تلك السيدة النائمة طوال الوقت تشبه أمي، حتى حين كنت أضع رأسي على صدرها لألعب دور طفلتها"

في الوقت نفسه، واصلت البطلة تحقيق حلمها في الكتابة والدراسة الجامعية، واستطاعت التحقق كشاعرة من خلال كتابة قصائدها وإصداراتها الشعرية، كافحت من أجل إنجاز رسالتي الماجستير والدكتوراه، وأصبحت أستاذة جامعية، وقهرت كل الظروف وتخلصت من علاقاتها السامة مع أقرب الأقربين، و تحررت من كل الأقفاص قفص ذكور العائلة، وقفص الحب المخذول من الأزواج الذين خذلوها بعد ارتباطها بهم ، وقفص ثقل المجتمع وعاداته وتقاليده الرثة و حققت ذاتها بإرادتها وصبرها وقوتها ،التي استمدتها من شخصية والدتها الوحيدة التي رافقتها طيلة مشوار حياتها ولم تخذل رفقتها معها، ولم يأخذها منها إلا الموت.

رواية "أقفاص فارغة"، التي حصلت على جائزة نجيب محفوظ للأدب من الجامعة الأمريكية بالقاهرة هي رواية كشف وشجاعة في تعرية الذات الإنسانية المتقلبة بين الأنانية وحب الذات والاستغلال الإنساني وخذلان أقرب الأقربين، بأسلوب سردي واقعي، تتلاقى فيه ثنائية القيد الذى يرمز إليه بالأقفاص الفارغة من الدفء والمحبة ،ومنها قفص  ذكور العائلة الأنانيين /قفص الحب المخذول/ قفص الزيجات الفاشلة/  قفص الذكريات المؤلمة كلها قيود حاصرت بطلة الرواية، ولكن كل هذه الأقفاص أصبحت فارغة لامعنى لها ، بعد طول مجاهدة ومكابدة وتحرر الطائر منها التي هي بطلة الرواية وكاتبتها التي كتبت تفاصيلها في روايتها التي رصدت فيه تفاصيل رحلة الألم إلى منتهاه كي تتخلص من ثقله في روحها ،وتتحرر من كل الأقفاص التي أرادت تكبيل روحها الحرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأحد، 6 يوليو 2025

الرواية... سيرة حب لا تنقطع

 إنتصار بوراوى



الرواية عالم رحب واسع، لديها القدرة والإمكانية على منح قارئها متعة المعرفة والإدهاش عبر الغوص في العوالم المختلفة للمجتمعات الإنسانية، في كافة بلدان وقارات العالم، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم التي قد لا يكفي عمر واحد لمعرفتها. بل يحتاج الإنسان إلى حيوات أخرى كي يعيش المعرفة التي تهبها له قراءة الرواية.

وربما التعريف الأقرب للرواية هو ما قاله الروائي عبد الرحمن منيف عنها في إحدى كتاباته: "تعتبر الرواية في عصرنا إحدى أهم الوسائل التي نتمكن من خلالها قراءة مجتمع ما إنها تقرأ المجتمع بتفاصيله وهمومه، وتقرأ حياة الناس اليومية وأحلامهم، وتحاول أن تشير إلى مواضيع الألم والخلل، ولا تخاف القضايا وإنما تلج إلى أعماقها، إذ تصبح كالمرآة يرى فيها الشعب نفسه إذ تحكي المهانة والألم وتحرك وترًا عميقًا داخل كل إنسان."

الرواية، كفن سردي، لم تكن يومًا محايدة، بل كانت تخرج من عمق المجتمع وأحلامه، وحتى هذيانها وقفزها فوق عالم الواقع إلى عالم الحلم والاستشراف للمستقبل. ففي داخل كل رواية مبدعة وعظيمة نظرة كبيرة لأفق الحياة الواسع، وغوص في الجوهر البشري بكل جماله وإنسانيته، وبكل بشاعة ورعب قبحه أيضًا.

كانت الرواية في بدايتها حكايات شعرية ثم أصبحت نثرية منذ القرن الرابع عشر وفي عصر تالٍ، ظهر ما يعرف بـالرواية الباروكية، التي كانت تشير إلى نقطة انطلاق الرواية؛ لأنها تخلت عن شكلها الشعري وصارت جنسًا سرديًا. وكانت حكاية متخيلة حتى التقزز، مغرية وخيالية حتى التخمة. ثم أصبحت في القرن السادس عشر عبارة عن سرد نثري لمغامرات خيالية. وفي أوائل القرن السابع عشر، تغيرت ملامح الرواية الغربية وظهرت أول رواية ذات أصول فنية تسخر من الأدب الخيالي ومن مجتمع الفروسية الروائي من خلال رواية "دون كيشوت".

لقد مثل القرن الثامن عشر نقطة التحول الرئيسية في هذا الجنس السردي، فعرفت الروايات العاطفية والفروسية مثل "آلام فارتر" لغوته، وروايات موباسان وألكسندر ديما. ومع القرن التاسع عشر، وُلد المذهب الواقعي عبر روايات بلزاك وفلوبير في فرنسا، وديكنز في إنجلترا، ودوستويفسكي وتورغينيف وتولستوي في روسيا، الذي قدم عبر رواياته الصراع الإنساني في أدق صوره وحالاته، سواء عبر رائعته "آنا كارنينا" أو عبر مدونته الروائية السردية المذهلة "الحرب والسلام" وغيرها من الروايات الأخرى التي عبرت عن جوهر الروح البشرية في كل زمان، حتى لو اختلفت الأمكنة وتباعدت كثيرًا التفاصيل الحياتية بين المجتمعات البشرية.

لقد أحب وعشق الكثير من القراء الرواية العربية والعالمية المبدعة لاحتوائها على نظرة واسعة وكبيرة للحياة، بحيث كان يصعب فصل النفسي عن الفلسفي والتاريخي في كلاسيكيات الرواية العالمية. ولكن القرن العشرين شهد تحطيمًا للرواية بشكلها التقليدي من حيث احتوائها على الزمان والمكان والحدث، كما في رواية جيمس جويس "عوليس"، والانجذاب إلى التفاصيل الدقيقة بحساسية كائن مرهف، كما في روايات مارسيل بروست وفرجينيا وولف. فتشكلت وتعددت الأساليب الروائية عبر كوكبة من الروائيين العالميين مثل أندريه جيد، وفوكننر، وكازانتزاكيس، وهيرمان هيسه، وكولن ولسن.

ولقد أثار أسلوب هيمنغواي إعجاب القراء عبر رواياته التي جسد من خلالها إنسانية وطيبة شخصياته الممتلئة حبًا ونكرانًا للذات، والجانب الطيب للإنسان مثل رواية "وداعًا أيها السلاح" و"ثلوج كليمنجارو" و"الشمس تشرق أيضًا" ورواية "لمن تقرع الأجراس؟" التي لاقت نجاحًا كبيرًا ثم تحولت إلى فيلم سينمائي يعتبر من أجمل كلاسيكيات السينما الأمريكية.

بعكس رواية فوكنر "الصخب والعنف" التي عبرت عن الجانب القبيح للإنسان عبر رسمها للشخصيات التي كانت تعيش في مجتمع الجنوب الأمريكي الممتلئ بالكبت والظلم العنصري والطبقي.

ولقد برع كثير من أدباء القرن العشرين في الكشف عن الجانب المظلم لجوهر الشخصيات الإنسانية، في سبيل الوصول للمال والسلطة، كما فعل جون شتاينبك في روايته "حين فقدنا الرضا"، والروائي الفرنسي فرنسوا مورياك في روايته الشهيرة "عقدة الأفاعي" التي جسد فيها اللحظات الأخيرة لأب العائلة المحامي الثري وهو على فراش الموت يستمع لتخطيطات أبنائه لاقتسام ثروته، وتحدثهم عنه بقسوة وبدون أية مشاعر إنسانية. ويمكن اعتبار التشيكي كافكا أيضًا من أكثر المطورين والمجددين للأسلوب السردي للرواية رغم إنتاجه القليل كما في روايتيه "القلعة" و"المسخ".

حين نتابع الرواية في القرن العشرين، وخاصة في بدايته، نلمح تطورًا في البنية الأسلوبية للرواية وتعدد أشكالها وأساليبها، وظهور روايات جديدة عبر مؤلفين عباقرة مثل ميلان كونديرا وأمبرتو إيكو. ثم بعد ذلك بزغ نجاح روائيي أمريكا اللاتينية الذين فرضوا أنواعًا جديدة من الكتابة الروائية التي تعتمد الفانتازيا أو ما يسمى الواقعية السحرية التي برع فيها ماركيز والروائية إيزابيل الليندي.

أما البرازيلي باولو كويلو فلقد كانت له بصمته الخاصة أيضًا في تاريخ الرواية العالمية عبر رواياته المختلفة التي حملت نفسًا صوفيًا روحانيًا عميقًا ومختلفًا. وعن طريق كل هؤلاء، خرجت الرواية من المركزية الأوروبية والأمريكية التي انحصرت فيها لقرون وعبرت ضفاف قارات أخرى، فحاز الروائي العربي نجيب محفوظ على جائزة نوبل، وكذلك الياباني أوي كينزابورو والنيجيري وول سوينكا.

تاريخ الرواية العظيم، عبر كل تطوراته المختلفة منذ أربعة قرون، حمل مشعله روائيون كبار كلاسيكيون وحداثيون مطورون وباحثون عن قيم العدل والخير في العالم. ولكن في السنوات الأخيرة، راجت روايات خلت من القيمة الفنية العالية، واعتمدت على الإطار البوليسي والتشويق مثل رواية "شفرة دافنشي" للمؤلف دان براون، التي أثارت فضول كثير من القراء نتيجة لما كُتب حولها وبعد تحولها إلى فيلم سينمائي جميل قام ببطولته الممثل الأمريكي البارع توم هانكس. ولكن كم من قارئ أصيب بالدهشة وخيبة الأمل حين قرأ الرواية التي خلت تمامًا من أي فنية في الكتابة واعتمدت على الحوارات والمطاردات البوليسية. وهذا مما دفع الكثيرين للتساؤل عن سبب كل ذلك الرواج الإعلامي لها.

ربما الذي جعل الرواية تنتشر وتجد الرواج الكبير لها هو أصل الفكرة بالرواية الذي اعتمد على إنكار ألوهية المسيح وبعض الأفكار الأخرى، التي أثارت اللغط في الغرب ولكنها من الناحية الإبداعية الفنية بدا واضحًا أنها الأقل إبداعًا في تاريخ الرواية الغربية. كما راجت في نفس الفترة تقريبًا سلسلة "هاري بوتر" للروائية الإنجليزية ج. ك. رولينج التي حققت مبيعات عالية، وهي تقريبًا تسير على نفس مسار "شفرة دافنشي".

في الجانب الآخر، هناك روائيون عالميون جدد تفتقد المكتبة العربية لترجمة كتاباتهم، ولا زالت المكتبة العربية لم تدخل عالمهم الروائي إلا عبر بعض الترجمات القليلة التي ترجمتها بعض دور النشر العربية القليلة المهتمة بالترجمة.

الرواية فن معرفي وجمالي من أروع الفنون التي أنتجها العقل الإبداعي البشري، وذلك فقط حين تمتلك القدرة على منح عشاقها ومتذوقيها القيمة المعرفية في صورة وأسلوب جمالي مبدع ومبتكر ينجح في توليد الدهشة الجميلة داخلهم ويجعلهم يواصلون سيرة محبتها دون انقطاع مدى الحياة.

 

 

 

السبت، 28 يونيو 2025

لغة الصمت

 

 

إنتصار بوراوى

للصمت حديث ولغة لا يفقههما سوى عارفيه. للصمت سطوة وسلطة مُحمّلة بلغة تتجاوز لغة الكلام العادي والمتداول. حين يغدو الكلام مجرد سيل من الكلمات المكررة عبر أفواه تتداول الاعتيادي والمكرر حتى الملل والرتابة، عندها يصبح الصمت حديثًا آخر ولغة أخرى نتدثر بها في صومعة الروح المكتفية بذاتها عن بهرجة الكلمات الملونة.

يغدو الصمت هروبًا واعيًا عن سبق إصرار من تفاصيل اليومي الذي نتعايش معه بفعل الضرورة الحياتية، وننتبذ مكانًا قصيًا رافضين المتداول المُعشِّش بتراتبيته المقيتة في تفاصيل حياتنا اليومية المُحمّلة بالمتناقضات. نقف مدهوشين أمام تلك الصيرورة الغريبة، لنفس التفاصيل والملامح والصور المتكررة، مهما تغيرت الوجوه والشخصيات.

ونكتشف بمرور الزمن أن ثمة عطبًا في تفاصيل الواقع حولنا يجعل الغالبية تتعايش معه، بل يصبحون بمرور الوقت، ودون وعي أحيانًا، ضمن نسيجه. وقد تفقد الحياة بعض مبرراتها الإنسانية، وتقف اللغة قاصرة وعاجزة بكل ثرائها عن أن تزودنا بهبتها كي نرسم بالكلمات مدى دهشة الطفولة التي لم تمت فينا، رغم كل الخراب المريع حولنا. حينها يغدو الصمت خيارًا وجوديًا، ابتعادًا عن محيط عبثي فاقت تفاصيل زئبقيته خيال عباقرة السرياليين بلوحاتهم المشهورة.

يقف الصمت بسطوته القوية بعيدًا عن ساحة السواد، تاركًا المجال للعبة أن تتكرر ولا جديد تحت شمس كوكبنا التي تراقب من بعيد عبثية وسذاجة اللعبة. تتكسر الكلمات على شفاهنا وتضمحل اللغة، وتتعثر الرؤى، بينما يحل الصمت شاهدًا رئيسيًا على ما يجري. تصمت الأبجدية، يصمت الكلام، لا شيء سوى الصمت وبعض من هدوء التأمل، بعيدًا عن صخب الضوضاء المفتعلة والكاذبة. ربما منحة التأمل الصامت تعيد ترتيب عشوائية الذاكرة وتملأ ثقوبها، كصمت الطبيعة التي تمنح الروح وهجها وألقها من جديد وتنثر علينا مطر محبتها دون حسابات الربح والخسارة.

السبت، 21 يونيو 2025

المطرب وحيد سالم.. الصوت الشجي الذي اعتزل وانطفأ مبكرًا

 

 

إنتصار بوراوى

كان المطرب وحيد سالم في بداية عشرينياته حين بدأ الغناء بأغنيته الليبية الشهيرة "خدعونا"، التي لاقت نجاحًا عريضًا. تبعتها مجموعة من الأغاني الناجحة منها: "من الهاتف مال قلبي لقلبه"، "إيش يهم خليهم يقولوا"، و"هذه أنغام حبي وبالهاتف مال قلبي لقلبك"، و"صابرين احنا ع السية"، و"مكتوب والله مكتوب"، وأغنية "نسيتي اليوم وإلا تذكريني" وغيرها. حققت هذه الأغاني نجاحًا كبيرًا عند صدورها، وأغلبها من كلمات الشاعر فرج المذبل وألحان الملحن إبراهيم أشرف. كما قام المطرب وحيد سالم بتلحين مجموعة من أغانيه.

لكن من المؤسف أن  المطرب وحيد سالم توقف عن الغناء في منتصف الثمانينيات نتيجة لظروف يعرفها الكثيرون في تلك المرحلة ، ولم يكن هو الوحيد الذي ترك الساحة الفنية واعتزل الغناء؛ فخلال تلك الفترة وتحديدًا منذ نهاية الثمانينيات، ابتعد كثير من المطربين بمختلف الأجيال عن الغناء وبحلول عقد التسعينيات، ذوى نتاجهم الفني وانحصر في بضعة أغانٍ قليلة، وتوجه البعض منهم إلى غناء المالوف مع فرقة حسن العريبي، مثل الفنانين راسم فخري، ولطفي العارف، وعلي القبرون، نتيجة لتوقف دعم إنتاج الأغاني العاطفية الخاصة بهم والبعض الآخر ترك البلاد بسبب محاربة ومنع إذاعة لونه الغنائي، مثل المطرب أحمد فكرون، أو بسبب عدم الدعم، مثل المطرب إبراهيم فهمي. فيما اعتزل البعض الغناء، مثل المطرب محمد نجم ونوشي خليل. واختفى مطربون آخرون عن الساحة الغنائية، منهم سلام قدري، وخالد سعيد، وأحمد كامل، وغيرهم الكثير.

سيطرة فن الخيمة الغنائية وتأثيرها

منذ بداية التسعينيات، تسيد فن الخيمة الغنائية المشهد الليبي، واحتكر الغناء الليبي في شخصيات محددة مثل الشاعر والملحن علي الكيلاني والشاعر عبد الله منصورو أصبح الغناء الليبي ذا لون واحد لا شريك له، واختفى التنوع والاختلاف في أشكال الغناء الليبي. حتى الأصوات النسائية الليبية القليلة، التي تعد على أصابع اليد، كان عليها أن تنضم بعد عقد الثمانينيات إلى جوقة النوع نفسه، وإلا حُرمت من الدعم الإنتاجي المادي وتصوير أغانيها. بل تم استجلاب أصوات نسائية من تونس وسوريا والأردن لغناء لون الخيمة الغنائية، ثم الجلسة الليبية التي تكونت أغلبها من الإيقاع واللحن الغنائي نفسه مع اختلاف الأصوات. أغلب تلك الأصوات اختفت تمامًا من المشهد الغنائي الليبي بعد ثورة فبراير وانتهاء ممولي برنامج الجلسة الليبية.

الإهمال وحرمان الفنانين من الاستمرارية

إن ما قام به نظام القذافي منذ بداية التسعينيات ،من إهمال وحجب لمطربي الأغنية الليبية البنغازية والطرابلسية بشكلها الحداثي الأنيق، واحتكار الغناء الليبي في لون واحد حرم المطربين والمطربات الليبيين من الاستمرارية، وأجبرهم على الابتعاد والانعزال والتوقف، وحرمهم من مراكمة تاريخ غنائي خاص بهم. تمت محاربة جميع مطربي الريادة والأجيال التالية بطريقة سرية وخفية وغير ظاهرة.

لكن تراثهم الغنائي، منذ عقد الخمسينيات وحتى أواخر الثمانينيات، ظل راسخًا وموجودًا في أذهان محبيهم الذين يسترجعون ،أغانيهم عبر البرامج الإذاعية أو الصفحات الفنية في مواقع الإنترنت المختلفة، وعلى رأسها موقع "سماعي" الذي يقوم قسمه الليبي بأرشفة وتوثيق الطرب الليبي وعلى الرغم من  المحاربة، والجحود والتجاهل لهذا التراث الغنائي على مدى عقود إلا أنه لم يذهب للعدم بل لا يزال موجودًا وخالدًا.، ونتمنى أن يعمل قطاع الإعلام بالدولة أو القطاع الخاص على استحداث قناة ،على غرار قنوات "ماسبيرو زمان" المصرية، وقناة "ذكريات" السعودية، وقناة "الريان القديم" القطرية، وقناة "طرب" العراقية، لتهتم بإعادة بث أغاني عقود الريادة وما بعدها، كما فعلت الدول الأخرى المهتمة بتاريخها وهويتها الفنية.

تحرر المشهد الغنائي بعد الثورة التكنولوجية

كان يمكن للإنتاج الغنائي للأغنية الليبية ،أن يستمر لولا حالة البتر العنيفة التي تعرضت لها الأغنية الليبية الحديثة، واحتكار الغناء واللحن والشعر الغنائي الليبي على لون واحد قد يكون لهذا اللون جمهور ومريدون، ولكنه أقصى جميع الألوان الأخرى طيلة أكثر من عشرين عامًا. إلى أن حدثت ثورة الاتصالات، التي منحت الشباب إمكانية نشر أغنياتهم عبر فضاءات اليوتيوب وتحقيق مشاهدات عالية، دون وصاية إعلام الدولة واحتكار القناة الواحدة لنوع غنائي واحد ،فتواجدت أغانٍ مثل الراب والأغنية الشبابية الراقصة الخفيفة وأغاني المرسكاوي والأغنية الطربية على كافة منصات الإنترنت الموسيقية، هذا ما حُرمت منه أجيال مطربي عقود الريادة وما بعدهم، الذين لم يجدوا إلا المحاربة والإهمال والجحود وعدم الدعم، مما اضطرهم لترك الساحة والاعتزال مبكرًا كما حدث مع المطرب وحيد سالم.

الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...