إنتصار بوراوى
زينب البرعصي شاعرة تكتب الشعر بماء القلب، وتتجلى
في نصوصها تلك المشاغبة الجميلة للحياة وللتفاصيل والأشياء من حولها، إذ تمتلك
قدرة لافتة على التقاط التفاصيل الصغيرة، لتنسج منها قصائد تنبض بالحياة وأحداثها
المفرحة والمؤلمة، فتكتب لكل فصل من فصول الحياة معها قصيدته الخاصة، فصل الطفولة
واللعب الشقي وفصل الحب وفصل الحرب وفصول الفقد وموت الأحبة.
في قصيدتها الجميلة "سبتمبر" تخاطب
الشاعرة شهر سبتمبر كما لو أنها تروي قصة كائن حي فسبتمبر في ذاكرة ابنة درنة هو
شهر المأساة، الكارثة الكبرى التي ابتلع فيها نهر الحياة جزءًا من مدينة درنة،
بناسها وجدرانها وبيوتها وشوارعها، وألقاها في الجرح الأليم المريع الذي هزّ قلوب
أهل درنة والليبيين والعالم بأسره فتستحضر المدينة وهي تذوب في الماء
تقول الشاعرة زينب البرعصي في قصيدتها
"سبتمبر":
سبتمبر يفتح بابًا للأيام
يقفز إلى الليلة الحادية عشرة
عندما الفجر يقطف الأزهار الحالمة
بعودة المدارس وصوت الجرس
ودفاتر الرسم والألوان
سبتمبر.. سارق للفرح والأعياد
طاحونة ماء وطين
سرق ليلة عرس لعذراء بفستان زفافها
طفت فوق الماء كزنبقة بيضاء
تتخذ الشاعرة في هذه القصيدة من تقنية السرد
الشعرى، وسيلة لتجسيد لحظة الانهيار التي تتشكل عبر تفاصيل اليوم الرهيب، في
سبتمبر الذي عاشته المدينة والصور الشعرية بالنص مكثفة وتحمل استعارات مدهشة، فهي
تصوّر أطفال المدارس بـ الأزهار الحالمة، فهؤلاء الأطفال يشبهون الأزهار المتفتحة
في أول إشراق حياتهم، قطفهم نهر الموت الذي فاجأ المدينة في فجر يوم 11 سبتمبر الدامي،
فالفاجعة رسمت آثارها على قلب الشاعرة، فصاغت منها صورًا متضادة
سبتمبر / الأزهار / طاحونة /ماء وطين.
دلالة الكلمات تحمل صور شعرية مكثفة ومجازية، فسبتمبر
الذي كان شهر الفرح بعودة الأطفال إلى مدارسهم أصبح عنوانًا للذكرى المؤلمة،
والماء الذي هو رمز الحياة والارتواء تحوّل في القصيدة إلى رمز للموت والمأساة، وشبهته
الشاعرة بـ الطاحونة التي التهمت كل شيء من البشر والحجر والسيارات والعمارات
الشاهقة.
تحوّل الماء إلى وحش هائل التهم الأطفال، والعروس
الحالمة بيوم زفافها، التي طفت ميتة كزنبقة بيضاء. والبياض هنا دلالة على العذرية
التي ابتلعتها المياه كما لو كانت قربانًا، لربٍّ يسمع صراخ الغرقى طالبين الرحمة،
ولكن صراخهم الذي وصل إلى عنان السماء وتردد صداه بين ساحات المساجد والكنائس، لم
يفلح في إنقاذهم، وحلقت أرواحهم إلى السماء بعد أن ابتلع البحر أجسادهم.
في قصيدتها "فرق توقيت" تبدأ الشاعرة
نصها بسطرين سرديين كمفتاح للقصيدة المعبرة عن فارق العمر بين الذات الشعرية الأنثوية
والآخر الذكوري، الذي يضع حججًا عقلية أمام الذات العاشقة التي تنظر إليه بعينين
مبهورتين، فيما هو يخاطبها بعين العقل: "أكبرك بعشرين عامًا"، فتنداح الذات
الشعرية لترد بحزن عميق:
لن يبتلعني البحر
وحده الحزن سيفعلها
حين أركض بلا أملٍ يلقفني
ولا صدرٍ يلملم صراخي
فرق توقيت بعشرين عام
تأخرت غيمتي عن غابتك
فرق توقيت
يفصلني عن طفولتك
حين كانت الشمس
تلفح جبينك عند السفوح الجبلية
فوق حقول الشيح والزعتر
وثغاء جداء الماعز
وعصاك التي تهش بها ظل طفولتك
عن حذائك المثقوب دون جوارب
تمضي الشاعرة في قصيدتها محصية ،الفروق الزمنية
التي تبعدها عن المحبوب، في صور شعرية متلاحقة تبدو مثل كاميرا تلتقط الزمن، ترى
بعين خيالها حياته عبر مراحل عمره منذ طفولته في الغابة وهو يرعى الماعز، ثم
مغامرته العاطفية الأولى، والحبيبة التي غادرته، والزواج والإنجاب وفرحة الديوان
الأول ، وتتابع الشاعرة تصوير المراحل التي عاشها من خفق له قلبها قبل أن تولد،
وكأن القصيدة تحاسب الصدفة القدرية التي جعلتها تولد بعده بعشرين عامًا، لتلتقيه
مرهقًا وكئيبا ، وتبلغ القصيدة ذروتها في
صورها الشعرية الأمومية المدهشة حين تقول:
حين ترحل
تولد من مشيمتي طفلًا
أرضعه خيالي
تتقاسم معي السرير والغطاء
الليل والحلم
أحملك ألمًا عن ألم
تنام في رحم قلبي كصومعة
وصدرِي قبة دفء
لا نبيّ لقلبِي بعدك
لا رحمة إلا تحت سمائك
أنت وحدك العهد والمأوى والقيامة
يرتقي الحب في النص إلى مقام الأمومة، فالمحبوب
طفلها الذي يولد من رحم قلبها، كناية عن شدة الحب والوله. فحب الأم لطفلها هو أعلى
مراتب الحب الإنساني، لذا تعلي الشاعرة من حبها للحبيب وتأسطره، فتحوّله إلى
نبيٍّ، لا تؤمن في الوجود بغيره، ولا أحد يحتل مكانته في قلبها بعده، ولا نبض للحب
إلا تحت سمائه.
الدلالات التفكيكية للكلمات تحوي تصورًا صوفيًا
للحب:
نبي / رحمة / سماؤك / العهد / المأوى / القيامة.
كل هذه الكلمات تمنح النص روحًا صوفية وتكثيفًا
مجازيًا جميلاً، وتظهر هذه الروح أيضًا في نصها "على طرف حزنه" حيث
تقول:
أتوضأ بماء الحنين
أحبه كصلاة
أقيم الليل في غيابه
أرتل آيات الشوق
في عتمة ليله
يتجلى في قصيدتها التناص مع النص الديني، في
التركيبة الدلالية للصور الشعرية، فالوضوء هو فعل طهارة للصلاة، استخدمته الشاعرة
كدلالة على طهارة الحب، وجعلت "ماء الحنين" عنصرًا مطهرًا لحبها، وصورت
حبها له كالصلاة اليومية التي يقوم بها المؤمن فالصلاة هنا صلاة اشتياق وحب غامر، ارتفع
فيها المحبوب إلى مقام المعبود، فأصبح السهر والاشتياق إليه بمثابة قيام الليل ،
وفى عبارتها "أرتل آيات الليل"،
يتضح التناص اللغوي مع ترتيل القرآن حيث
يتحول الشوق إلى نص مقدس، يُتلى في محراب العشق، وهي حالة صوفية أنثوية تزاوج بين
الروحانية والرغبة المضمرة ، فقصائد الشاعرة زينب البرعصي ،لا تركن إلى أسلوب شعرى
واحد، وإنما لكل قصيدة حالتها الشعورية المتفجرة وكل نص يحمل تيمته وصبغته الخاصة .
في مقطع من قصيدتها "ذئب القصيدة" تقول
الشاعرة:
أنا ليلى
فستاني الأحمر
أغوي الريح
لم أضع طريق جدتي في الغابة
الذئاب لا تولد من الجوع
بل من خوف الأمهات
فستاني الأحمر كان جلد الرغبة الأول
كنت أختبر الذئب
هل أنا شهية أم فريسة؟
وكتبت جلدي من جديد
أنا ليلى بنت الغابة
الراكضة خلف صوت العواء
تحفظ منابت الشيح والقندول
صوت غناوة أبيها أهزوجة
تتكاثر بها قصائدها تحت فستانها
أنا حارسة الغابة
والذئب ليس خرافة
فالذئب نائم بين ذراعي
وأنا أحرس الحكاية
في هذا النص، تقوم الشاعرة بقلب الحكاية التقليدية الذكورية
لقصة "ليلى والذئب" فليلى هنا ليست الفتاة الخائفة التي تتجنب الخروج إلى الغابة، كى لا يصادفها الذئب بل هي امرأة
قوية خرجت لتواجه الذئب رافضةً الوصاية الاجتماعية،
التي ترى في خروج المرأة إلى العالم والحياة والاقتراب من الرجل مكمن للخطر، ليلى في قصيدة الشاعرة زينب البرعصى تركض مع الذئب كما تقول
كلاريسا بنكولا في كتابها الشهير "الركض مع الذئاب "،معلنة ذاتها الحرة،
ومدركة بأن الحرية مسؤولية، وأن بإمكانها أن تقترب من الذئب وتعرى ذاتها أمامه دون خوف من التهامها ، فهي تؤنسن الذئب حتى ينام بين ذراعيها كحمل وديع لأنها
نزعت منه ذئبيته بقوة الحب ،وحين تكتب في
نصها "نزعت وصاية اللغة وكتبت جلدي من جديد"، فهي تعلن نزع وحذف السردية القديمة وتخلق سردًا شعريًا
جديدًا، تستعيد فيه الجسد واللغة ،والذاكرة وتتحول فيه من رمز الفريسة إلى ذاتٍ
تملك الحكاية وتعيد كتابتها بشكل مختلف عن الحكاية الذكورية التقليدية.
وفي قصيدتها "لو كنت مذيعة تحاورك" تتقن
الشاعرة الخلق الشعرى بلعبة شعرية متخيلة حين تقول:
لو كنت مذيعة تحاورك
لسألتك كيف شربت الشعر؟
وكيف تخرج القصائد
من رحم الشعر كالولادة؟
ومن حبيبتك التي تركض
بين أشجار القيقب والأرز
تمارس الحب معها
على عشب الروح الأخضر
لتتلون القصيدة بلونها الخمري
تتخذ الشاعرة هنا دور المحاورة، وتمزج بين الطبيعة
والشعر، فاللغة مجازية ثرية بالصور الشعرية وتشبّه الشعر بسائل يُشرب، وتجعل
القصائد تولد من رحم الشعر، وتشبه الروح بالأرض التي ينبت عليها العشب، لترفع فعل
الحب من الجسدي إلى الروحي.
أما في قصيدتها "جغرافيا الجسد" فتبلغ
اللغة الشعرية ذروة الجرأة حيث يتحول الجسد إلى وطن :
حين فككت أزرار قميصي
الساتان الفضية
تذكرت شامةً وحيدة
على ظهري لم يقبلها أحد
وحقل الخوخ الذي تأملت أزهاره
في الربيع بحزن
قائلة: لمن تنضجين يا حبات الخوخ؟
تنتظرين رجلًا يأكله الحزن
ليبكي على صدري
رجلًا يكتبني كرواية
يعيشها حتى النخاع
في هذه القصيدة يتحول الجسد، من وعاء للشهوة والإنجاب
إلى جسد واعٍ بذاته، فدلالات المفردات بالنص التلال/ السهول/المياه/ حقل الخوخ توحي
بأن الجسد وطنٌ يحتاج إلى من يدرك قيمته، والرجل في القصيدة هو متخيَّل ومنتظر،
وليس حاضرًا فعليًا لتؤكد الشاعرة أن اكتمال معنى الجسد/الوطن مؤجّل حتى يأتي
الشريك الحقيقي الذي "يكتبها" بالوعي والمعرفة، فــأن تعرف جسدك كما
تقول الشاعرة في نهاية القصيدة هو كنز المعرفة.
تشير الشاعرة في قصيدتها "قصائد مهربة"
بأن ماتكتبه من قصائد قد لا تستسيغه العقلية المجتمعية التي تفرض موانعها ،
ومحرماته على كتابة المرأة الشعرية باعتبار أن كتابة الشعر يه تعرية للذات
الإنسانية ، والأنثوية فتقول في مقطع من قصيدتها:
الشعر
هو أن ألدك
من جديد
كلما لمستني
فأنت قصائدي المهربة
غير القابلة للنشر
أحفظها
عن ظهر ذاكرة
في هذه القصيدة الومضة يظهر المعنى الدلالى لكلمة "ألدك " كتعبير عن التجديد
المستمر للحب ثم تشبه الشاعرة حبها له
"بالقصائد المهربة "لتظهر خصوصية حبها الذي يبدو في قلبها كقصائد ممنوعة
من النشر ،لأن المجتمع الذكوري يفرض
قيوده على إعلان الحب في قصائد الشاعرة ،بخلاف تعامله مع الرجل
الشاعر الذى يتباهى في قصائده بعلاقاته
المتعددة وليس بعلاقة قائمة على الوفاء والإخلاص لرجل واحد كما تفعل الشاعرة في
قصائدها .
وتتنقل قصائد زينب البرعصي بين الحنين، وذكريات
الطفولة والفقد وأوجاع درنة والقصائد الإنسانية إلى قصائد الحب الصوفي، وأخرى
تستحضر شخصيات نسائية من ذاكرة المدينة وعبق ماضيها. وتتنوع روح قصائدها بين
الصوفية العالية، والشغف والرغبة الحسية.
قصائد
الشاعرة تحتفى بالحياة، والحب، والإنسان، والبحث عن العدالة الإنسانية المفقودة في
قصائد مثل "إسماعيل الأخير" وأيرينا"، و"ذات الرداء الأزرق"
وقصيدة "طريق النحل" كما تحفل قصائدها بمفردات الطبيعة، من وحي الحياة بمدينتها
درنة بطبيعتها الساحرة بشلالها وواديها وجبالها، وحين نقوم بتفكيك مفردات قصائدها
سنلمح صور شعرية لطبيعة درنة وضواحيها الساحرة مثل الأشجار/ الشيح/ الزعتر/صوت
جداء الماعز/حقل الخوخ/النهر /الغابة/ البطوم /الشمارى/ أشجار الأرز والقيقب
فالطبيعة في قصائد الشاعرة زينب البرعصى ، ليست وصف
خارجي، بل هي جزء من هوية القصيدة المرتبطة بالمكان وبالمدينة ، في تماهى لذاتها
الأنثوية مع الطبيعة كرمز للخصب والنماء فالأنوثة في نصوصها، متحدة مع جماليات
الطبيعة حولها وكما تتعاقب فصول السنة تتعاقب وتتبدل المشاعر في قصائدها ،بين رقة
نسيم ربيع العاطفة ، وجفاف وذبول فقد
الصيف، وسقوط أوراق وجوه الخريف ، وأمطار ورياح شتاء الحب وعواصفه، بحيث تبدو نصوصها فعل من
أفعال الخلق ،التي تصبح فيها الذات
الأنثوية للشاعرة رحما للقصيدة تنجبها من رحم قلبها ، المحتفى بالتفاصيل الصغيرة
وبالطبيعة وبالمكان وبالحب والحياة .