السبت، 28 يونيو 2025

لغة الصمت

 

 

إنتصار بوراوى

للصمت حديث ولغة لا يفقههما سوى عارفيه. للصمت سطوة وسلطة مُحمّلة بلغة تتجاوز لغة الكلام العادي والمتداول. حين يغدو الكلام مجرد سيل من الكلمات المكررة عبر أفواه تتداول الاعتيادي والمكرر حتى الملل والرتابة، عندها يصبح الصمت حديثًا آخر ولغة أخرى نتدثر بها في صومعة الروح المكتفية بذاتها عن بهرجة الكلمات الملونة.

يغدو الصمت هروبًا واعيًا عن سبق إصرار من تفاصيل اليومي الذي نتعايش معه بفعل الضرورة الحياتية، وننتبذ مكانًا قصيًا رافضين المتداول المُعشِّش بتراتبيته المقيتة في تفاصيل حياتنا اليومية المُحمّلة بالمتناقضات. نقف مدهوشين أمام تلك الصيرورة الغريبة، لنفس التفاصيل والملامح والصور المتكررة، مهما تغيرت الوجوه والشخصيات.

ونكتشف بمرور الزمن أن ثمة عطبًا في تفاصيل الواقع حولنا يجعل الغالبية تتعايش معه، بل يصبحون بمرور الوقت، ودون وعي أحيانًا، ضمن نسيجه. وقد تفقد الحياة بعض مبرراتها الإنسانية، وتقف اللغة قاصرة وعاجزة بكل ثرائها عن أن تزودنا بهبتها كي نرسم بالكلمات مدى دهشة الطفولة التي لم تمت فينا، رغم كل الخراب المريع حولنا. حينها يغدو الصمت خيارًا وجوديًا، ابتعادًا عن محيط عبثي فاقت تفاصيل زئبقيته خيال عباقرة السرياليين بلوحاتهم المشهورة.

يقف الصمت بسطوته القوية بعيدًا عن ساحة السواد، تاركًا المجال للعبة أن تتكرر ولا جديد تحت شمس كوكبنا التي تراقب من بعيد عبثية وسذاجة اللعبة. تتكسر الكلمات على شفاهنا وتضمحل اللغة، وتتعثر الرؤى، بينما يحل الصمت شاهدًا رئيسيًا على ما يجري. تصمت الأبجدية، يصمت الكلام، لا شيء سوى الصمت وبعض من هدوء التأمل، بعيدًا عن صخب الضوضاء المفتعلة والكاذبة. ربما منحة التأمل الصامت تعيد ترتيب عشوائية الذاكرة وتملأ ثقوبها، كصمت الطبيعة التي تمنح الروح وهجها وألقها من جديد وتنثر علينا مطر محبتها دون حسابات الربح والخسارة.

السبت، 21 يونيو 2025

المطرب وحيد سالم.. الصوت الشجي الذي اعتزل وانطفأ مبكرًا

 

 

إنتصار بوراوى

كان المطرب وحيد سالم في بداية عشرينياته حين بدأ الغناء بأغنيته الليبية الشهيرة "خدعونا"، التي لاقت نجاحًا عريضًا. تبعتها مجموعة من الأغاني الناجحة منها: "من الهاتف مال قلبي لقلبه"، "إيش يهم خليهم يقولوا"، و"هذه أنغام حبي وبالهاتف مال قلبي لقلبك"، و"صابرين احنا ع السية"، و"مكتوب والله مكتوب"، وأغنية "نسيتي اليوم وإلا تذكريني" وغيرها. حققت هذه الأغاني نجاحًا كبيرًا عند صدورها، وأغلبها من كلمات الشاعر فرج المذبل وألحان الملحن إبراهيم أشرف. كما قام المطرب وحيد سالم بتلحين مجموعة من أغانيه.

لكن من المؤسف أن  المطرب وحيد سالم توقف عن الغناء في منتصف الثمانينيات نتيجة لظروف يعرفها الكثيرون في تلك المرحلة ، ولم يكن هو الوحيد الذي ترك الساحة الفنية واعتزل الغناء؛ فخلال تلك الفترة وتحديدًا منذ نهاية الثمانينيات، ابتعد كثير من المطربين بمختلف الأجيال عن الغناء وبحلول عقد التسعينيات، ذوى نتاجهم الفني وانحصر في بضعة أغانٍ قليلة، وتوجه البعض منهم إلى غناء المالوف مع فرقة حسن العريبي، مثل الفنانين راسم فخري، ولطفي العارف، وعلي القبرون، نتيجة لتوقف دعم إنتاج الأغاني العاطفية الخاصة بهم والبعض الآخر ترك البلاد بسبب محاربة ومنع إذاعة لونه الغنائي، مثل المطرب أحمد فكرون، أو بسبب عدم الدعم، مثل المطرب إبراهيم فهمي. فيما اعتزل البعض الغناء، مثل المطرب محمد نجم ونوشي خليل. واختفى مطربون آخرون عن الساحة الغنائية، منهم سلام قدري، وخالد سعيد، وأحمد كامل، وغيرهم الكثير.

سيطرة فن الخيمة الغنائية وتأثيرها

منذ بداية التسعينيات، تسيد فن الخيمة الغنائية المشهد الليبي، واحتكر الغناء الليبي في شخصيات محددة مثل الشاعر والملحن علي الكيلاني والشاعر عبد الله منصورو أصبح الغناء الليبي ذا لون واحد لا شريك له، واختفى التنوع والاختلاف في أشكال الغناء الليبي. حتى الأصوات النسائية الليبية القليلة، التي تعد على أصابع اليد، كان عليها أن تنضم بعد عقد الثمانينيات إلى جوقة النوع نفسه، وإلا حُرمت من الدعم الإنتاجي المادي وتصوير أغانيها. بل تم استجلاب أصوات نسائية من تونس وسوريا والأردن لغناء لون الخيمة الغنائية، ثم الجلسة الليبية التي تكونت أغلبها من الإيقاع واللحن الغنائي نفسه مع اختلاف الأصوات. أغلب تلك الأصوات اختفت تمامًا من المشهد الغنائي الليبي بعد ثورة فبراير وانتهاء ممولي برنامج الجلسة الليبية.

الإهمال وحرمان الفنانين من الاستمرارية

إن ما قام به نظام القذافي منذ بداية التسعينيات ،من إهمال وحجب لمطربي الأغنية الليبية البنغازية والطرابلسية بشكلها الحداثي الأنيق، واحتكار الغناء الليبي في لون واحد حرم المطربين والمطربات الليبيين من الاستمرارية، وأجبرهم على الابتعاد والانعزال والتوقف، وحرمهم من مراكمة تاريخ غنائي خاص بهم. تمت محاربة جميع مطربي الريادة والأجيال التالية بطريقة سرية وخفية وغير ظاهرة.

لكن تراثهم الغنائي، منذ عقد الخمسينيات وحتى أواخر الثمانينيات، ظل راسخًا وموجودًا في أذهان محبيهم الذين يسترجعون ،أغانيهم عبر البرامج الإذاعية أو الصفحات الفنية في مواقع الإنترنت المختلفة، وعلى رأسها موقع "سماعي" الذي يقوم قسمه الليبي بأرشفة وتوثيق الطرب الليبي وعلى الرغم من  المحاربة، والجحود والتجاهل لهذا التراث الغنائي على مدى عقود إلا أنه لم يذهب للعدم بل لا يزال موجودًا وخالدًا.، ونتمنى أن يعمل قطاع الإعلام بالدولة أو القطاع الخاص على استحداث قناة ،على غرار قنوات "ماسبيرو زمان" المصرية، وقناة "ذكريات" السعودية، وقناة "الريان القديم" القطرية، وقناة "طرب" العراقية، لتهتم بإعادة بث أغاني عقود الريادة وما بعدها، كما فعلت الدول الأخرى المهتمة بتاريخها وهويتها الفنية.

تحرر المشهد الغنائي بعد الثورة التكنولوجية

كان يمكن للإنتاج الغنائي للأغنية الليبية ،أن يستمر لولا حالة البتر العنيفة التي تعرضت لها الأغنية الليبية الحديثة، واحتكار الغناء واللحن والشعر الغنائي الليبي على لون واحد قد يكون لهذا اللون جمهور ومريدون، ولكنه أقصى جميع الألوان الأخرى طيلة أكثر من عشرين عامًا. إلى أن حدثت ثورة الاتصالات، التي منحت الشباب إمكانية نشر أغنياتهم عبر فضاءات اليوتيوب وتحقيق مشاهدات عالية، دون وصاية إعلام الدولة واحتكار القناة الواحدة لنوع غنائي واحد ،فتواجدت أغانٍ مثل الراب والأغنية الشبابية الراقصة الخفيفة وأغاني المرسكاوي والأغنية الطربية على كافة منصات الإنترنت الموسيقية، هذا ما حُرمت منه أجيال مطربي عقود الريادة وما بعدهم، الذين لم يجدوا إلا المحاربة والإهمال والجحود وعدم الدعم، مما اضطرهم لترك الساحة والاعتزال مبكرًا كما حدث مع المطرب وحيد سالم.

الثلاثاء، 17 يونيو 2025

حين فقدنا الرضا

 



للأدب العالمي الكلاسيكي مذاقٌ خاص لا يتذوقه إلا عشّاقه المهووسون بكل ما يخلب الذات الشغوفة بالمعرفة الجمالية. ورواية «حين فقدنا الرضا» للأديب العالمي جون شتاينبك، لا تأسر عقل القارئ وفكره بأسئلتها الأزلية المحبوكة عبر فسيفساء إبداعية ثرية بالمعاني الإنسانية فحسب، بل تفتح أمامه مغارةً من المعرفة بتفاصيل فكر الآخر أيضاً.

الروائي الأمريكي جون شتاينبك حائز على جائزة نوبل للآداب في عام 1962م، وله كثير من الروايات العالمية التي شكلت بصمة قوية في تاريخ الأدب الروائي العالمي. ومن أشهر رواياته التي تُرجمت إلى العربية: «عناقيد الغضب»، و«شرق عدن» (وليس العاقر)، و«مراعي السماء»، و«شارع السردين المعلب»**.

تطرح رواية «حين فقدنا الرضا» السؤال الأكبر الذي واجه البشرية منذ بدايتها وحتى الألفية الجديدة؛ ألفية التقدم الإنساني عبر منتجاته الصناعية ووسائل راحته المترفة، التي ليست بالضرورة ممثلةً للخير الإنساني، بل ربما تحمل في طياتها بذور الشر المنطلق من معقله منذ جريمة قابيل الأولى. وهي الجريمة التي تثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن البشر في الأصل سلالة القاتل قابيل، على حد تعبير الشاعرة المصرية هدى حسين.

تستكشف الرواية سطوة المال في حياة الإنسان؛ بوصفه قوة وسلطة يسعى إليها البشر في سباق محموم لمزيد من النفوذ والراحة والمتعة. فإلى أي مدى يمكن للإنسان أن يتخلى عن مبادئه، ويقتل الخير الفطري بداخله، ويمحو إنسانيته من قاموس حياته، ويدوس في طريقه على الآخرين من أجل الوصول إلى قوة المال وسطوته؟ هذا ما ترصده الرواية التي تدور أحداثها حول إيثان، الموظف المخلص لزوجته وطفليه، الذي يقع تحت وطأة صراع نفسي عميق حين يعجز عن تلبية متطلبات زوجته المهووسة بتقليد أصحاب الجاه والمال.

يدفعه إصرارها الشديد إلى التفكير في طريقة للحصول على الثروة، فيخطط لسرقة مصرف البلدة الصغيرة التي يعيش فيها، مبرراً فعلته بالقول إن ضحية هذه الجريمة لن تكون أشخاصاً، بل المال نفسه. ويرسم الكاتب بفنية مذهلة خطوات البطل نحو تحقيق هدفه دون أن تشعر زوجته بما يختمر في ذهنه. ورغم أن ارتباكه بدأ يظهر عليه، إلا أنها لم تستطع قراءة بداية سقوطه في نظرات عينيه الواجفة، لانشغالها بتطلعاتها المادية، بل كانت تستفزه بكلماتها اللاذعة قائلة: "إني لأتساءل إذا كنت ستصبح رجل أعمال قط! إنك شديد الحساسية". لم تدرك أنه كان يخطط بهدوء ليصبح أثرى رجل في البلدة، ولكن بطريقته الخاصة.

يعدل البطل عن فكرة سرقة المصرف، وبدلاً من ذلك، يشِي بصاحب عمله ليحل محله، ثم يغدر بصديق طفولته تحت ستار المساعدة ليستولي على أرضه. وبهاتين الخطوتين، يحقق حلم الوصول إلى الثروة التي تهبط بين يديه بسلاسة. لكن شيئاً في داخله يُشعره بوضاعة النفس وتأنيب الضمير، لأنه فقد إحساسه بالنبل الذي كان يغمر روحه، أو كما تقول إحدى شخصيات الرواية: "إن بعضاً من أنبل النبلاء ليسوا سوى حشرات زاحفة، فليس بالضرورة أن تقترن الثروة بالنبل، فالمال لا قلب له".

تجسد الرواية بتفاصيلها صورة لانعدام رضا إنسان العصر الحديث ولهاثه وراء المال. فبطل شتاينبك هو صورة لأي إنسان على كوكبنا في هذا العصر، الذي يركض في سباق محموم للحصول على المال الوفير بطرق قد تكون غير إنسانية، دون تفكير في الآخرين الذين قد يدوسهم في طريقه. لقد كسب بطل الرواية المال، ولكنه خسر نفسه وفقد رضاه عنها.

تطرح الرواية فكرة قوة المال كمطمع إنساني يتحقق عبره الإحساس بالسلطة، وكيف يتحول إلى غاية في حد ذاته، يصبح الباحث عنه مستعداً لأن يوقع عقداً مع الشيطان (كما فعل فاوست) للوصول إليه، حتى لو كان الثمن هو خسارة نفسه.

إن الجميل في رواية شتاينبك هو تصوير حركة الضمير الذي يتأرجح بين الوخز والرضاوهذه الثيمة القوية أبدع الروائيون الكبار في تعريتها وجعلها محور أعمالهم، كما في مسرحيتي «هاملت» و**«ماكبث»** لشكسبير، ورواية «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، التي كان العقاب الحقيقي فيها للبطل القاتل هو تأنيب الضمير الموجع، وليس عقوبة السجن ذاتها.

لقد اعتمد الأدب الكلاسيكي على رسم ملامح الشخصية ،وتحليلها عبر الحوار والسرد التقليدي، حيث يظهر البطل وهو يصارع ضميره، حين كان لا يزال في دواخل البشر بقايا ضمير ينازعهم عند إيذاء الآخرين، أما روائيو الحداثة، فقد أدركوا واقع الحياة المختلف الذي غدا فيه الضمير الإنساني وكأنه يعيش لحظات احتضاره الأخيرة، لتتحول الشخصيات إلى أشباه مسوخ كمسخ كافكا.

ونتيجة لذلك، أصبحت الشخصيات التي تحمل الخير والحب ،والجمال شخصيات كلاسيكية تجاوزها زمن الطمع والزيف، وغدت فكرة وجود شخصيات ذات ضمير حي يؤنبها حين تؤذي الآخرين، مجرد حبر على ورق، مندثرة ومنتهية، تجاوزها الزمن تماماً كما تجاوز الرواية التقليدية نفسها، وأصبحت الرواية الحديثة تعتمد في كتابتها على رسم التشظى والفصاميات والتحولت بصورة أكثر اتساق مع عصر وزمن التشظى وغياب المعايير وانعدام الضمير الذى يعيشه البشر.

 

الخميس، 22 مايو 2025

فيلسوف العقل والعلم والتفكير الناقد

 إنتصار بوراوى 





بالأمس تلقّى الوسط الثقافي الليبي خبر إصابة الدكتور الحصادي بمرض السرطان. ‏وقد كان وقع هذا الخبر مؤلمًا على الوسط الثقافي والعلمي ، لأنه يتعلق ‏بواحد من أعمدة الفكر  والفلسفة في ليبيا.

وفي الوقت الذي تزداد فيه الحاجة إلى التفكير العقلاني والفلسفي في المشهد الليبي المضطرب، يبقى اسم الدكتور نجيب الحصادي بارزا ليس فقط  كفيلسوف وأكاديمي رصين، بل كرمز ثقافي ظل ثابتًا على مبادئه، مدافعًا عن قيم العقل والتنوير والتفكير الناقد .

تعرفتُ إلى فكر وفلسفة  الدكتور نجيب الحصادي خلال دراستى فى جامعة قاريونس في التسعينيات، عندما كنت طالبًة في شعبة الصحافة بقسم الإعلام. آنذاك، كان قسم الفلسفة يقيم نشاطًا ثقافيًا أسبوعيًا يتضمن ندوات ونقاشات ومحاضرات فلسفية، وكنت أتردد على قاعة  المحاضرات لحضور تلك الندوات  وهناك  تابعت ندوات ونقاشات أبرز أساتذة القسم وعلى رأسهم الدكتور محمد بوروين والدكتور نجيب الحصادى الذى تميزت محاضراته بحضور الجمهور الكثيف الذي كان يملأ القاعة، من طلاب وأساتذة، لما كان يتمتع به من أسلوب هادئ وجذاب  فى الطرح ، وعقل ثاقب، وفكر فلسفي عميق استطاع إيصاله بأسلوبه المميز  إلى  المتلقي المتعطش للفلسفة والفكر والمعرفة .

فيما بعد، عندما عملت في دار الكتب، وجدت مجموعة من كتب وإصدارت الدكتور الحصادي ضمن أرفف قسم الفلسفة وكان لابد لى أن أغوص فيها  وأقرأها بتمعن وعلى رأسها كتابه المهم "التفكير الناقد"، الذي ترك أثرًا عميقًا في رؤيتي للعالم، ورسّخ لدى  أهمية العقل النقدى ليس فى قراءة الكتب فقط بل  في فهم الواقع والحياة  والناس من حولى .

الدكتور نجيب الحصادى  لم يكتفِ بالتنظير الأكاديمي و إصدار المؤلفات والترجمة بل  ساهم في صياغة رؤى مستقبلية لوطنه  من خلال لجنة الثقافة بمجلس التخطيط الوطني، حيث شارك في إعداد "رؤية ليبيا 2025" و"ليبيا 2040"، وهي مشاريع كان يمكن أن تشكل خارطة طريق عقلانية لمستقبل الوطن، لو أن أصحاب القرار أولوا الفكر اهتمامًا حقيقيًا.

أنتج الدكتور نجيب الحصادى ، أكثر من عشرين مؤلفًا فلسفيًا، وترجم ما يزيد عن خمسة وثلاثين كتابًا في المنطق وفلسفة العلم ونظرية المعرفة والتفكير الناقد ، إضافة إلى مئات المقالات والأبحاث المنشورة عربيًا ودوليًا.

ورغم قسوة المرض، إلا أن ثقتنا كبيرة في أن الدكتور نجيب، بعزيمته وإرادته سينتصر على هذا التحدي كما انتصر دائمًا بالفلسفة على التسطيح و بالفكر على الجهل، وبالعقل على التعصب، وبالمنهج على الفوضى

 

الأحد، 18 مايو 2025

غناء المرسكاوي الليبي بين الإقصاء والتشويه

 إنتصار بوراوى



كتب الكثيرون عن فن غناء المرسكاوي وتجادلوا حول أصوله ومنبعه، وانقسموا قسمين في محاولة البحث عن أصوله ومنبعه؛ فبعضهم كان مع الرأي القائل بأنه غناء قادم من الأندلس وجاء مع هجرة الأندلسيين إلى ليبيا، ومنهم من رأى بأنه غناء قادم من عمق صحراء مرزق، وربما يكون هذا الرأي أقرب للصواب نتيجة التشابه الواضح بين المرسكاوي والغناء المرزقي الذي ربما استمد اسم " المرسكاوي" منه بعد تحريف الكلمة

ولكن أيًا كان منبع وأصل فن غناء المرسكاوي، إلا أنه لم ينتشر ويحظَ بالرواج والعشق والنجاح بين الناس إلا بعد أن خرج ،على يد أساطين الشعراء والملحنين والمطربين من الشرق الليبي، وتحديدًا من أحياء ومناطق بنغازي، منذ خمسينيات القرن الماضي وسرعان ما انتشر في مدن الشرق الليبي، وتحديدًا درنة والبيضاء ومصدر إلهامه ونجاحه  كان مطربوه الرواد أمثال سيد بومدين ومجايليه، وكانت لأغلب أحياء بنغازي منذ ستينيات وسبعينيات وثمانينيات ،القرن الماضي صولات وجولات مع فن المرسكاوي وكانت تلك الفترة الذهبية لهذا النوع من الغناء الشعبي.

 وشهدت أغلب بيوت العائلات البنغازية ،حفلات كل أولئك المطربين في أفراح أبنائهم بأحياء الصابري ووسط البلاد وخريبيش والبركة والرويسات وسيدي حسين والماجوري والسلماني والوحيشي وبوهديمة، وحتى حي الفويهات الغربية الذي كان أرقى حي في بنغازي ويعتبر حي الأغنياء والفيلات الفارهة، كان لمطربي المرسكاوي وفرقهم الشعبية مكانة في ليالي أفراحهم ومناسباتهم الاجتماعية السعيدة، ولقد كان هناك طقس اجتماعى شائع   في الأعراس في حقبة الثمانينيات ، يسمى بيوم "الماجب"، وهو يوم مخصص لاستقبال العريس وأصدقائه وأقاربه على عزومة غداء، في بيت أهل العروس ومعهم مطرب وفرقة المرسكاوي التي تعتبر من أساسيات يوم "الماجب" في الأعراس البنغازية خلال حقبة الثمانينيات.

ورغم جمالية غناء المرسكاوي وقربه من عامة الشعب، إلا أنه كان فنًا متجاهلًا ومقصيًا من إعلام الدولة وحفلات النظام السابق طيلة عقود حكمه ، سواء  في حفلات أعياده الوطنية مثل أعياد 2 مارس وأعياد الجلاء،أو أعياد ذكرى انقلابه السنوية،وهي حفلات ضخمة كان يحييها المطربون الليبيون، وأكبر مطربي الوطن العربي من سوريا وتونس ولبنان والمغرب والجزائر بأغانيهم العاطفية المشهورة، و كانت تقام الحفلات لعدة أيام وأسابيع ولكن لم يكن  يُجلَب مطلقًا ،في هذه الاحتفاليات الضخمة أي مطرب من مطربي المرسكاوي، عدا عن المهرجان  اليتيم للنهر الصناعي، الذى  أقيم خلال  عامي 1983- 1984 في بنغازي. وربما يُعزى تجاهل وإقصاء مطربي فن المرسكاوي، من تلك الحفلات على مدار الأربعين عامًا من حكم النظام السابق ،إلى عدم تذوق القذافي شخصيًا لهذا اللون من الغناء الذي لا يناسب ذائقته الفنية التي كانت تميل للفن الشعبي، للمنطقة الوسطى ومن مدينة سرت تحديدا  مسقط رأسه وموطن أهله وقبيلته، ولذلك حظي شعراء وملحنو تلك المنطقة بالرعاية والبروز وأُغدقت عليهم الأموال لإنتاج برامج "النجع"، وغيرها من البرامج الغنائية  التي كانت  تروج، لفن تلك المنطقة فيما تم تجاهل وإقصاء كل أنواع الغناء الأخرى ومنها، الفن الشعبي المرسكاوي ومطربيه المعروفين   من الحفلات الرسمية للدولة ومن الإعلام الرسمي،  الذى كان متحكم في كل شيء ومن المعروف  بأن للقذافي تذوقًا شخصيًا في الغناء، كما أنه كتب شخصيًا عدة أشعار وقصائد فصحى وعامية غناها بعض كبار مطربي الوطن العربي، ولكن رغم كل المحاربة والإقصاء لغناء المرسكاوي من الإعلام الرسمي للدولة، إلا أنه كان لغناء المرسكاوى  حاضنة شعبية كبيرة ورواج لأشرطة مطربيه بين الناس الذين يتلقفون، صدورها  أشرطة بشغف وحب ويحفظون  أغانيها عن ظهر قلب ،وتصدح بها أجهزة التسجيل في بيوتهم ومن سياراتهم وفي رحلاتهم بين جبال الجبل الأخضر الساحرة، ويرقص عليها الشباب في المناسبات الاجتماعية  وفتيات المدارس الإعدادي والثانوية  في رحلاتهن الربيعية المدرسية  .

‏ في الستينيات برزت الأصوات الذهبية لسيد بومدين وعلي الجهاني (عليويكة) ‏وحميدة الوداوي والشهير بحميدة درنة ،الذين كان لهم الفضل في تأسيس غناء المرسكاوي في مدينة ‏بنغازي       

 وفي السبعينيات ظهر جيل آخر أشهرهم، عبد الجليل القندوز الذي كان علامة من علامات غناء المرسكاوي في بنغازي،‏ وكذلك المطربين  ‏حسن بشون وعبد الحميد ‏الكيلاني وناجي ميلاد وسعد الوس .‏

‏ وفي الثمانينيات بزغت نجوم كثيرة في سماء أغنية المرسكاوي، منهم إدريس ‏الدرسي الذي ذاع صيته بأغنيته الشهيرة "يعوض علينا الله"، وكان من أبرز مطربي تلك المرحلة من بنغازى جمال عاشور، ‏وسمير الكردي وبن عيسى العقوري وأحميدة بونقطة ومفتاح بوحليقة والمهدي ‏طريو،،  وبشير المسلاتى ،والمهدي اللهيلع من مدينة البيضاء ‏

وفي التسعينيات ظهر إبراهيم الصافي، وإدريس الدرسي والمهدي البرعصي الذي حقق شهرة كبيرة بأغانيه ولكنه اعتزل عام 1992، وبرز صاحب الحنجرة الذهبية المطرب مفتاح معيلف والمطرب طارق الزياني وفوزي الصغيرونة ومحمود الشبلي ومفتاح الفهري وعقيلة رضوان ورمضان ونيس واقدورة حبيب .

 وفي الألفية الجديدة برزت أسماء مجدي السنوسي والمطرب رمزي الشهوبي، الوحيد تقريبا  من جيل مطربي الألفية الجديدة، الذي حافظ على غناء المرسكاوي بشكله الأصيل بعد أن طاله التشويه والمسخ، من شباب الغناء الشعبي في الألفية الجديدة، وبعد أن توفي كثير من مطربي المرسكاوي من أجيال السبعينيات والثمانينيات واعتزل البعض منهم رغم تحقيقهم شهرة واسعة بأسلوب غنائهم المميز للمرسكاوي، وعلى رأسهم المطرب إبراهيم الصافى ولكن لازال الكثير، من مطربي جيل التسعينيات في مجال غناء المرسكاوي رغم التعتيم الإعلامي عليهم وعدم دعوتهم في الحفلات والمهرجانات الرسمية للدولة إلا أنهم لازالوا مستمرين في غناء لون المرسكاوي بشكله الأصيل الذي يحظى بمحبة واسعة من الجمهور منهم مفتاح معيلف وأقدورة حبيب، وطارق الزياني ومفتاح الفهرى ومحمود الشبلي وفوزي الصغيرونة وعقيلة رضوان ورمضان ونيس.

 ولعل المهرجان الثاني لأغنية المرسكاوي الشعبية، الذى أقيم في بنغازى منذ أيام قد أعاد الاعتبار لهذا الفن الذي لاقى الكثير من التجاهل والإقصاء من وزارات الإعلام والثقافة ولكن المؤسف بأن المهرجان، لم تتواجد فيه كثير من الأصوات، التي لها تاريخ منذ التسعينيات في غناء المرسكاوي، منهم  المطرب مفتاح معيلف ورمضان ونيس وطارق الزياني وأقدورة حبيب وعقيلة رضوان وغيرهم ،من المطربين الذين لازالوا محافظين على غناء المرسكاوي بشكله الأصيل، دون تشويه وتحريف ومسخ له كما يفعل شباب الألفية الثانية الذين يقومون بمهزلة، ومسخ فن المرسكاوي بغنائهم في صالات الأفراح مع المطربات الشعبيات ،ويعملون على سرقة تراث أغاني رواد فن المرسكاوي الراحلين ومسخهن وتشويههن وخلطهن بأغاني النساء، وهو أسلوب أضحى رائجًا تحت دعوى التطوير والعمل على سرعة الرتم، في أستوديوهات الأجهزة الحديثة الخالية من الآلات الموسيقية العتيدة التي تعطي لفن المرسكاوي، طعمه وقيمته الأصيلة فما يقوم به مطربو الصالات والباحثون عن المال السريع من تشويه فن المرسكاوي بأغانٍ ركيكة تافهة تعتمد على السجع وتشابه الكلمات لا علاقة له بغناء المرسكاوي، بل هو فن هجين يعمل على تشويه ذائقة الجمهور وتسطيحه وترويج التفاهة والركاكة في الكلمات والألحان التي تعتمد على نجاحها، كتريند سرعان ما ينتهي كفقاعة الصابون، ليبقى فن المرسكاوي الذي صدح وتعالى في ليالي بنغازي، وأيامها الملاح وتحت سمائها بأصوات مطربي النقشة القديمة هو الأصيل والباقي، الذي لازالت الأجيال تستمع إليه وتروج له عبر صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الطربية ، كنوع من أنواع المحافظة عليه وحمايته من الاندثار والتشويه والمسخ، الذي يقوم به  بعض المغنين الشباب من أجل المال والربح السريع.. ليبقى الفن الأصيل أصيلًا وخالدًا دائمًا مهما تمت محاربته أو إقصاؤه أو تشويهه.

 

السبت، 10 مايو 2025

سر فى الصحراء... للرحالة روزيتا فوربس

إنتصار بوراوى



فى كتاب "سر فى الصحراء" للرحالة روزيتا فوربس تتحدث روزيتا عن بداية
دخولها لبرقة التى تصفها بأرض السنوسى بالقول:
دخلنا على أننا غرباء حجاج على أرض السنوسى لا اعتراض لنا على ضيافتهم لم يكن لدينا الحق فى دخول أشد بلاد العالم حراسة الامير والخفير البدوى والشيخ الكل يتعين عليهم إثبات حسن النية والطوية قبل أن تسمح لهم الطرق المتجهة صوب الجنوب بالدخول إلى المدينة المقدسة الكفرة
كان جوازنا الوحيد إلى المرور هو حبنا للعرق العربى وتعاطفنا مع عاداتهم وعقيدتهم ودينهم لم نجرؤ على تقديم أى دفع من الدفوع الأخرى لم نطلب سوى حق البدوى فى التنقل مع إبله إلى حيث تناديه الصحراء و استجاب سيدى ادريس لرغبتنا من منطلق رؤية صوفية قال سيدى السنوسى :العرب يحسون بمن يحبهم وهم يستجيبون لهذه الرابطة ستمضون بلا ضرر
وبنظرة تحليلية مستندة على خبرة قوية بالبشر وطبائعهم تقدم الرحالة وصف الشخصية السنوسبة بقولها:
الإنسان بحاجة إلى صبر لاينفذ وفهم لاينفذ أيضا قبل أن ينجح فى اختراق تحفظ السنوسيين فهم أناس صامتون وفى أى اجتماع من الاجتماعات العربية قد لايكون الكلام ضروريا والناس بعد أن يتبادلوا كيف حالك التى تتكرر عشرات المرات وطيب يلتزمون الصمت المطبق ويروحون يحملقون فى الفضاء وهم يحتسون الشاى الاخضر الثقيل ومن المعروف أنوالصحراء تولد التحفظ والإنسان إذا ماترحل وحيدا أياما أو أسابيع عدة دون أن يرى إنسانا ودون تبادل ولو كلمة مع شخص آخر يتعلم التواصل مع نفسه ومع ربه ويضع قلبه فى غرفة محكمة الغلق ص166
وصف الملك إدريس السنوسى
تصف الرحالة روزيتا السيد إدريس السنوسى ونظرة الناس له بالقول:
الناس ينظرون إلى السيد أدريس باعتباره منقذا ومخلصا لبلاده جاء السيد إدريس إلى المقدمة فى لحظة رأى خلالها السنوسى أن مشروع الأرض كلها أصبح فى أيادى أوربية واستطاع السيد أدريس من خلال سياسته الحاذقة المحافظة على قوة شعبه الذى يحترمه لصداقته مع بريطانيا، الشعب يتطلع إلى السيد إدريس على أنه يحافظ على ليبيا للسنوسيين ..
وفى فصل أخر من كتابها الممتع تتحدث الرحالة عن علاقة البدو الليبيين بالسيد إدريس
كان السيد إدريس محبوبا بين الناس وبدأت أعماله تتخذ الطابع الأسطورى فقد أصبحت له سلطة وقوة كبيرة
والأمير ذائع الصيت بسبب عدله وصبره ..متشدد وقاس مثل أسلافه لكن هذه القسوة تحصل بسبب صبره الذىى لاينفذ الذى يتجلى فى دراسة وفحص كل أركان القضية قبل إصدار الحكم وهذا يعد أمرا ضروريا فى ساحة العدالة القرآنية وهى الدستور الوحيد العين بالعين والسن بالسن
لو لم يكن سيدى ادريس مسلما حقا ومتصوفا عظيما بحق لما حصل على ولاء اتباع والده فى الوقت الذى أكسبته سياسته الخارجية الذكية واسعة الأفق احترام العنصر الحديث
ومن خلال لقاؤها وحديثها مع الناس تستقى الرحالة معلومات عما مافعله السيد المهدى بالكفرة بعد حلوله فيها فتقول فى فقرة لها بالكتاب بأنهم تحصلوا على معلومات حول ماقام به السيد المهدى بالكفرة حيث أدخل إليها الزهور والفواكه والخضروات والحمام والبط وزراعة الحبوب وهو الذى قام ببناء القلعة فى قرية التاج والتى يصل عمق الآبار بها إلى ستين قدما
والسيد المهدى هو الذى أنشأ طريق القوافل المنتظمة إلى واداى وهو الذى شجع على توسيع نطاق التجارة بين السودان وبرقة وهو الذى اكتشف بطريقة عجيبةوجدا الآبار على الطريق الجنوبى
منزل سيدى بن على
يعد منزل سيدى بن على بالجغبوب أبهى مافى الواحات السنوسية نظرا لأن هذا المنزل بلونه الأبيض يبهر الأعين فى ضوء الشمش هذا المنزل له قبة لامعة ومئذنة عالية وبه رواق ذو عقد مفتوح هو رواق منزل سيدى إدريس الذى يرتفع فوق جدران الزاوية الضخمة الشبيهة بجدران القلعة
الجغبوب
تكتب الرحالة روزيتا عن بلدة الجغبوب والتى تصفها بأنها :ليست بلدة أو مدينة بالمعنى المتعارف عليه جغبوب عبارة عن مبنى واحد ضخم له جدران سميحة بلا نوافذ ويحيط بمتاهة من الأحواش والممرات والمدارس الخاصة بإقامة الطلبة والمنازل الكبيرة الخاصة بالأسرة السنوسية هذا بالإضافة إلى المسجد الكبير وقبة سيدى على
الجغبوب ليست مركزا سياسيا أو تجاريا مثل الكفرة أو جالو ..تتمتع جغبوب بالسلام الحالم الذى يحوى مدينة جامعية صغيرة زملاء هذه الجامعة وحدهم هم الذبن يحظون بالتقدير والاحترانة وهم عبارة عن شيوخ ملتحين يرتدون شيلانا بيضاء اللون فضفاضة من فوق ثيابهم خضرة الحشيش الاخضر أو الزرقاء زرقة نيلية ،طلبة هذه الجامعة هم عبارة عن شيوخ ملتحين يرتدون شيلانا بيضاء اللون فضفاضة من فوق ثيابهم خضرة الحشيش الاخضر أو الزرقاء زرقة نيلية ،طلبة هذه الجامعة شخصيات جادة يتعاملون مع الكتب بجدية ومحبة
وبالإضافة إلى الطلبة الذين درسوا فى زوايا السنوسية واصل كثير من الطلبة الليبيين دراستهم فى الجامعة الليبية التى افتتحت فى عام 1955 وكانوا اللبنة الأولى فى بناء ليبيا الحديثة ودولة الأستقلال

الاثنين، 5 مايو 2025

البحث عن الهوية

 إنتصار بوراوى



الكتاب المعنون "أمي مرآتي" أو "بحث الابنة عن الهوية" للمؤلفة وعالمة النفس الأمريكية نانسي فرايدي، هو كتاب يتناول عالم المرأة وهواجسها وأحلامها. إذ يكشف، من خلال مجموعة من الدراسات المعمقة، أن مشاعر المرأة واحدة في جميع أنحاء الكرة الأرضية، رغم الاختلافات الثقافية والفكرية والدينية بين كل امرأة وأخرى في العالم.

ويعرض الكتاب العلاقة الحميمة بين الأم وابنتها، والتفاصيل الدقيقة لتلك العلاقة منذ بلوغ الفتاة حتى زواجها. ومن الاستدلالات النفسية الطريفة في الكتاب اكتشافه، من خلال دراسات بحثية متعددة، بأن الأم الأمريكية تسعد لزواج ابنتها وتعتبر ذلك انتصارًا شخصيًا لها وإكمالًا لصورتها الذاتية.

في فصل "الرجل.. ذلك اللغز"، تسرد الكاتبة قصة أول علاقة حب لها في سن الرابعة عشرة، والتي ظلت ذكراها تلاحقها حتى بعد تعدد تجاربها في الحياة. وتقول الكاتبة بأن مقولة "المرأة بمفردها لا شيء" هي رسالة تنتقل من الأمهات لبناتهن في أغلب ثقافات العالم، مهما اختلفت واتسعت الفروقات بين ثقافة وأخرى.

وتعترض الكاتبة في الكتاب على فكرة حرية الرجل وحده في الاختيار بين هذه أو تلك، وعلى فكرة أنه دائمًا على المرأة أن تكون في وضع المحبوبة أو المهجورة. وكذلك تحاول دحض النظرية النفسية التي تقول بأن البنت دائمًا في حالة بحث عن الرجل الذي يشبه أباها. ولكن إذا استثنينا هذه النقطة التي يبدع فيها المحللون النفسيون، فإن الكتاب به تحليل نفسي عميق عن فكرة تعايش المرأة مع فكرة عدم وجود الرجل في حياتها.

ومن خلال دراسة المحللة النفسية لعديد من الحالات، تكشف الباحثة بأن المال هو سبب من أسباب انهيار زيجات كثيرة. وأظهرت الكاتبة من خلال دراستها بأن الرجل الأمريكي يطلب من المرأة أن تشارك براتبها معه في مصروف البيت، ويكره استقلاليتها المادية!

مجمل كتاب "بحث الابنة عن الهوية" هو رد على الفكر النسوي المحافظ الذي يرى ضرورة الرجل في حياة المرأة. فالباحثة والعالمة النفسية تقول في الكتاب:

 

"بأن فكرة أن الرجال ضروريون بشكل مطلق لأية قيمة يمكن أن نمتلكها محبوكة في نسيج الواقع النسوي.. بحيث أن معظم النساء اللواتي يفكرن في رفضها يظهرن كمن يحاولن رفض قانون الجاذبية!"

وتذكر العالمة النفسية بأنه عادة لا تعترف الأم الصالحة في ثقافتنا أمام ابنتها أبدًا بأنه من الممكن لها ألا تتزوج، أو بأن فكرة الزواج ليست الفكرة الأمثل. كما أن الخوف وانعدام الثقة بالرجل اللذين تلقنهما بعض الأمهات لبناتهن يتم إسقاطهما على كل رجل يظهر في حياة الفتاة، فالفتاة غالبًا ما تكون غاضبة على الرجال جراء ما فعله رجل بأمها.

وتقول مؤلفة الكتاب بأن "النساء اللواتي يهمهن العمل يخشين غالبًا العلاقة مع الرجل لئلا يفقدن دافع العمل وحافزه لديهن.. فبعد أن تتذوق المرأة لذائذ الاستقلالية، تصد الرجل عنها خشية أن تمتصها علاقة تابعة مع الرجل".

إن الفكرة الثقافية عن تبعية المرأة تعيد تغذيتها التربية الطفولية عندها، وهذا أخطر الفخاخ التي تقع فيها النساء، وقد نسميه الخيار الأنثوي المعهود. ويقول هذا الخيار أن المرأة تستطيع متى شاءت أن تتخلى عن نفسها وتوكل أمر العناية إلى رجل، إذن لماذا تصارع لكي تبني لنفسها أصلًا؟ إن هذا الامتياز المزعوم مزروع عميقًا في نفوسنا كنساء، بحيث أننا نستخدمه بلا داع غالبًا كورقة رابحة في لحظات الخسارة (ص256).

من خلال قراءة الكتاب، يظهر جليًا العالم الواسع للمرأة الذي أجرت مؤلفة الكتاب عنه دراسات مستفيضة، والذي بدأته بالبحث عن علاقة المرأة بذاتها وبأمها وبجسدها.. وبالحب الأول.. وبالرجل ذلك اللغز، وسنوات العزوبية والزواج والولادة لتكرار دائرة حياة أمها من جديد.

من خلال كل أبواب الكتاب، ترمي المؤلفة، عن طريق الاستدلال النفسي والمقابلات الشخصية للنساء، إلى القول بأن اختيار المرأة للبقاء وحدها دون رجل في حياتها ليس كارثة كما تروج المجتمعات التقليدية بقوانينها وأعرافها الاجتماعية، وأن من حق المرأة التي لم تجد الشريك الذي يناسب فكرها وعقلها وتنسجم معه روحيًا وجسديًا أن تعيش وحدها، ولا تسمح للمجتمع بأن يهزمها.. ويخنقها في زاوية الهدم الذاتي، أو كما تقول مؤلفة الكتاب عن تلك النوعية من النساء: "هن نساء يأخذن أمورهن على عاتقهن ويعشن بسعادة دون رجل البتة. إن جزءًا من الاحترام الذي تحققه هؤلاء النسوة يعود إلى إدراكهن كيف حلت بعض النساء هذه المشكلة.. أن تحيا المرأة بدون رجل باقتناع ورضا واختيار تام."

جمهورية كأن.. تشريح روائي للثورة المجهضة

  إنتصار بوراوى ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، هي نقطة تحول كبرى في التاريخ العربي المعاصر حيث شكّلت مادة خصبة للأدباء، لاستكشاف ...