الخميس، 6 يناير 2022

أول الولع

 


 إنتصار بوراوي


الكلمة النازفة في محراب الصدق، الكلمة المختلفة التي تمشط شعر الخيال وتسرحه في أحلى صورة حينا وتناكشه احيانا أخرى…

الكلمة المخترقة لأنين الروح النازلة بردا سلاما على أرواحنا الباحثة عن معنى في كون وعالم لا يعترف قادته بالمعنى قدر شغفهم بتحقيق انتصارات واهمة لجيوبهم المزدانة بمليارات الدولارات فوق جثث المحلقين الى عليين قرابين فداء لأوطانهم السليبة النائمة في حضن الوجع.

الكلمة التي بها ولها تشغف الروح وتهيم في ذرارى وهطول سراديبها المغلقة وطرقها المكشوفة، الكلمة الثاقبة نسيم الروح بهدوئها وسكينتها حينا والملعونة المطرودة من أوطانها احيانا اخرى، الكلمة المتفردة الحقيقية لا يحلو العشق الا لها.

هي العاشقة المرصودة الأبدية في محرابها، تلملم مساءات العمر رفقتها فتهديها ألفة حضورها الطاغي فلا تملك سوى أن تستجيب لسحرها لتتوسد كتفها، هي أول الولع والانتماء الملتصقة بشظايا الروح الهائمة في ملكوت المختلف.

متهمة هي بارتكاب فجيعة عشقها لها فلا مهرب منها إلا إليها، هاربة هي من القبيلة التي صبت عليها لعناتها لأنها اختارتها طريقا وعشقا وولعا لا فكاك لها عنه.

بعشق العارفين الذين تهجوا أبجدية الحياة بين أحضان تشكلات الحروف تصادق نصوصها القادرة على اختراق لهيب الروح التي تحفر بأظافرها في لحم أيامها وحده النص الحارق الخارق يهز روحها ولا يعود ما كان كما كان.

اللغة المنثورة فوق صفحات الملمس الورقي الدافئ اللغة المتشمسة تحت الملمس البارد لحاسوبها الذي تتشكل صفحاته بالألوان فلا تخلبها صوره البصرية ولا تنقاد لها قدر ما تنقاد وتنجذب بمس سحري غامض لكل بحار اللغة المتشكلة بفيض ابداع جمالي منثور فوق صفحات الحاسوب المتحرك بفعل زرة فأرة ماكرة، هي كل ما يدهش الروح ويطلق دهشة الحواس ويستنفر صفارات الإنذار المعلنة التي ليست بالضرورة سمانية لتصفر في تلافيف دماغها العاشق لأسئلة لن تجد إجابة عليها مطلقا.

اللغة العارفة، اللغة المعرفة، الملغزة، المشفرة، العارية، المستترة، المتلاعبة بحقول الكلمات التي تنكشف ويظهر زيفها مهما اختفت خلف ألف حجاب وحجاب اللغة الرزينة العاقلة، المباركة كبركة النبيين والقديسين، اللغة المارقة الملعونة كلعنة رامبوا في صحاري عدن القصية، اللغة المتشككة بجحيم أسئلة كزنتازاكى اللغة الضاجة بالعشق بجنون قيس في صحاري العرب الغابرة، اللغة الروحية بفيوضات أبن عربي والنفري والمثنوى والسهروردي، اللغة الباحثة عن روحانية الوجود لصانع الرؤى المختلفة بابو كويلو.

اللغة المتفلسفة الهادئة في استشراق الغرب في الشرق، والبحث عن كينونة وطن يريد الأخر محوه من الذاكرة والتاريخ اللغة المخلخلة لنفاق وزيف مجتمعاتنا العربية النائمة على أطلال المجد الغابر والمشرحة بمبضع هشام شرابى.

اللغة المتشظية في نزف الحالمات الناقشات في دفاترهن اضاءتها الخلابة، اللغة المعشوقة التي ارتكبنا تهمة عشق التعاطي مع جمالياتها وطيرنا من أجلها خيارات لاحت في اعمارنا.

من أجلها نذرنا بخور العشق وغصنا في مفاتن هيامنا بأسئلتها، اللغة التي هز مبدعي الأرض جذع نخلتها العامرة، فتساقطت علينا ثمار كلماتها المهدهدة للروح حينا وعربدت بجنونها في سراديب ارواحنا عناقيد شراستها العنيفة احيانا اخرى.

نعترف بأننا احببناك وعشقناك وكنت الموطن والملاذ، وارتعشنا امامك باللهفة والعشق كما ترتعش باقي بنات جنسنا أمام فترينات أفخر تشكيلات الموضة وأرقى صيحات ماركات تلوين وتزويق الوجوه، حلمنا وبعض الحلم خطيئة بأن نرى البعض يصاب بلوثة عشقك كما ابتلينا بعشقك يا أجمل خطايانا.

حلمنا وبعض الحلم خطيئة في عرف الأخرين الذين لم يتذوقوا رعشة عشق جمالك ولم يكتشفوا تجييرات البهلوانين لحروفك لتغطية عين الشمس بغربال الكلمات المتقلبة حسب المصالح.

حلمنا بأن نراك أعلى قيمة وأرفع مكانة في كوكبنا القاسي علك يا أجمل اللغات تزرعين المحبة في قلوب علاها صدأ الحقد والكره، حلمنا وبعض الحلم خطيئة في أوطان تقتل كل الأحلام أن يعشقك الأخرون، لذاتك وبذاتك من غير مطمع في مركز او مال او شهرة زائفة فالعشق لا يكون الا لك صافيا نقيا طاهرا لا غاية فيه سوى عشقك لذاتك لإعلاء قيم الخير والحب والجمال.

حلمنا وبعض الحلم خطيئة أن يعشقك الجميع عله تهجر أدمغتهم العناكب المعششة في خوذات الرؤوس المغلقة منذ قرون، وان يصاب بلوثة مسك كما اصابتنا كل الذين لم يعرفوا طريقك مستسلمين لطراوة التحنيط المخدر للعقول عشقناك يا أجمل ملاذ وأجمل ميناء وأجمل منفى ودفعنا بالكامل ثمن عشقنا لك ولسنا نادمين وأبدا لسنا أسفين.

 


الأربعاء، 5 يناير 2022

موسى حوامدة.. شعرية الوجود الإنساني واغتراب الروح



الشاعر الفلسطيني موسى موامدة ومجموعته سأمضي إلى العدم

 إنتصار بوراوي

حين تقرأ ديوان الشاعر الفلسطيني موسي حوامدة (سأمضي إلى العدم) -الذي صدر في عام2017 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب– سيزداد يقينك بأن ثمة بصمة شعرية لشعراء استثنائيين لا يمكن أن تمر قصائدهم في حياة القارئ الشغوف، بقراءة الشعر مرورا عابرا لأنها تهزه في العمق وتحرك جرح يعتقد بانه قد شفي منه ربما هو جرح الفقد الذي نحاول ترتيقه بالكتابة أو لعله جرح وجودنا الإنساني في اساسه ومعناه.

هذا النوع من الكتابة تحييك وتميتك، لأنها كتابة شرسة قاتلة متوحشة ممتلئة بالعنفوان متمردة على النمطي والمتاح والمتناسل بغزارة يومية.

هي قصائد مكتوبة بحبر الدمع والدم والفرح الشحيح المتمثل في العشق المتوحش العشق المجنون، كتابة تأخذك إلي أعمق ضروب النفس البشرية في كل تحولاتها من ألم وفقد الأحبة وفقد الوطن وغربة الروح واغترابها.

هي كتابة عن الوطن المغدور والوطن المسلوب والوطن البديل وعن الحب والعشق الصوفي والايروتيكي بكل تضادهما وعنفوانهما وتجلياتهما.

كتابة تأخذك إلى الأقاصي في كل شيء، في المشاعر وفي اللغة وفي المجاز وفي الخيال والصور الشعرية المبتكرة ليصبح المتناثر والمتناسل يوميا لمئات الشعراء هو مجرد تقليد وصنعة وأشباه قصائد.

نصوص الشاعر الفلسطيني موسى حوامدة في ديوانه العاشر (سأمضى إلى العدم) نصوص ترميك إلى حافة العدم، العدم الذى يجلل كل شيء حولنا النهايات بكل تراجيديتها، نهاية الطفولة، نهاية الحب، نهاية الحياة والهزائم في أعلى تجسداتها، ضياع الوطن،والضياع في حافة العدم  الذى يجلل كل شيء حولنا، النهايات بكل تراجيديتها، ضياع الأوطان والهزيمة بكل تجلياتها هزيمة الاوطان، هزيمة الاحلام الكبيرة، هزيمة الثورات هزائمنا الشخصية، كلها يكتبها الشاعر في قصيدة القلب والروح في أعمق تجلياتها

كل هزيمة فيها منتصر ومهزوم

إلا هزيمتي فليس فيها سواي

أجمل الهزائم تأتيك ممن تحب

في الحب تخسر القصيدة نصف تمردها

أنا شريك الأنبياء في الخسارة وضحيتهم بين الأتباع

الذات الشعرية بالديوان ذات متمردة، تصل الى الأقاصى في تمردها، فهي تخاطب الله   وتناقشهو تسأله، كما في قصيدة (مثل صديقين نبيلين):

آه يا إله الآلهة

آه يا زيوس العظيم

لا أظنك مقيتاً الى درجة المسخرة

لا أستسيغ وصفك بما لا تحب

دعني أراك بدون حرس

أكتب أسماءك بلا قتلة

أصغي إليك بلا كلمات

وتصغي لي بلا شروط

أحملك ناراً بلا صلبان أوشمعدانات

أغرسك سكيناً في جسدي

تمنحني باباً من أبوابك

سطراً من كتابك

نوراً من عتمتك

وصولجاناً من أساطيرك

لنكن واضِحَيْن بما يليق بصديقين نبيلين

كن نفسك يا حاكم البرق والرعد

كن أبا الآلهة والبشر وسوط النار

ودعني أكون ريحاً تزعزع أغصان الشجر

زوبعةً تخلع البشاعة من الأرض

ولا يكتفى الشاعر بمخاطبة الله، بل يخاطب النبي عيسى ويلقى عليه الأسئلة التي لا أجوبة لها، أو كما يقول سقراط"الأسئلة مبصرة والأجوبة عمياء"، فأسئلة الشاعر في هذه القصيدة هي كعنوان ديوانه تمضي إلى العدم إلى حيث لا إجابات تهدئ روح الشاعر القلقة المتمردة الغارقة في أتون ومحرقة الأسئلة الكبرى العصية عن إيجاد إحابة لها:

آه يا زيوس لم تركتني تحت رحمة الرومان واليهود

لم قذفتَ بي إلى مهد المسيح

ما ديانة الترجي والهوان هذه؟

وأنت يا حامل الصليب

توقف يا ابن أمك

لا تدخلني من ثقب المسلة

لا تقل لي أدر خدك الأيسر

أو قدم خدمات النسيان

لا تقل لي

أطع أولياء الأمر فليست لي شفاه مطواعة

ولا تقل لي غبار كثيف يحجب الحق فاتبعوني

إلى طريق الآلام

الروح الشعرية المتمردة في القصيدة، تبحث عن الطمأنينة واليقين بعيدا عن الله ووصايا الأنبياء، الذين يطلبون من البشر تحمل الألم والهوان والصبر فالذات الشعرية المتمردة للشاعر هي ذات لا تقبل بأنصاف الحلول او الطبطبة على مكمن الداء والألم، وإنما تبحث عن خلاصها الفردي بعقلها وفكرها بعيدا عن الموروثات .

تبدو القصيدة المعنونة بـ(ذاهل عنى) كالألماس في عقد اللؤلؤ المنظوم بقصائد الديوان، عنوان القصيدة يوضح مدى حالة الوجد التي يعيشها الشاعر في قصيدته التي تنضح بعمق وقوة إحساسها ورهافة صورها الشعرية، وقوة ابياتها الشعرية التي يعاتب فيها الشاعر حبيبته ويشرح لها حالة الذهول التي تعتريه لدرجة أنها جعلته يذهل عن نفسه ولا يتفهم ما يحدث لها نتيجة عدم تفهم حبيبته لما يعتريه من هموم وشجون، ويطلب منها تفهم حالته، ومداوة جروحه بمزيد من الصبر والفهم، وسكب ماء حنانها على وحشته

ذاهلٌ عني

عن مطلع الشمس وميعاد الذنوب

ذاهلٌ عن صفاء الخيبة

ورصانة المسافة

وحرير الذكريات

إن لم تعضدي روحي بجروحها

وتسكبي ماءك المستريب على وحشتي

أما القصيدة المعنونة بـ(قربى ذراعك من وجعي) فهي تحمل في صورتها الشعرية جمالية المفارقة الشعرية بمجازها الجميل، فهل لنا أن نتخيل الذراع وهى عضو جسدي ملموس وهى تقترب من شعور معنوي غير ملموس كالوجع، طبعا لا يمكن لمثل هذه الصورة أن ترتسم الا في خيال شاعر مبدع يكتب مشاعره وعواطفه بمداد الروح والقلب فتأتى القصيدة حارة متدفقة بحمم مشاعرها اللاهبة

قربى ذراعك من وجعي

بعت رأسي للفراغ

ولم تعد لدي سوى الأسئلة

نهران يشقان صدري

ويجريان في وريد الكلمات

نهر عذب يحلو بك

ونهر مالح يمجُّ الظلال

ويطفو على زبد الأماني

الشاعر موسى حوامدة يؤنسن الاشياء، ويحاول عبر الشعر أن يفهم الوجود فيحضنه، ويحاكمه ويهجره احيانا، فالروح الشعرية في القصائد محلقة في الأعالى ترى دورة الحياة والفصول والزمن والذكريات برؤية شعرية نافذة الى أعماقها، عين الشاعر الثاقبة ترى ما وراء الظواهر والسطح وتتعمق في الفقد، الحب، الموت، كما في قصيدته التي يرثى فيها والده (لا وداع):

لو تركتَ لي مساحة واحدة

لأحفر لكَ رخامةً على قبرك البعيد

مساحةً أمارس فيها طقوس الحزن الأبيض

أمتطي مهر البكاء

وأجرجر جثة الطفولة صوب النسيان

لو أنك لوحتَ بيدك مرة

ينبش حوامدة أعماق المشاعر، يضعها على طاولة الشعر ويمسك بجوهر الشعر في معناه العميق حين يكتب ذاته وحزنه، والخيبات والخذلان:

وما كان لي أن أنشر شراعي في شواطئ النكران

وأتمطّى مثل قيصر صغير في مياه ليست لي

وأعدِّدَ حسناتِ العاصفة

وهي تقتلع فؤادي اليتيم

وتسحق عافيتي المشبوهة بحمى الخذلان

وهكذا تمضي قصائد الديوان في نغمة تعبق بالأسى على ضياع الجمال من العالم وشيوع القبح، في مرثاة شاعرية رقيقة مثقلة بالعواطف الخصبة كما في قصيدته (لست حزينا):

لست حزيناً لكن قلبي طري

صيَّرتني أمي شاعراً وما بيديّ

أنقى من النقاء جئتُ

ومن البياض كنتُ

ومن الندى رسمتْ وجهي ويدي

وحملتني ما لا أطيق من نقاء السريرة

ومن رائحة العشب في قريتي

ومن رضا الوالدين

والصلاة على النبي

ومن حب فلسطين

أورثتني الهشاشة والدموع

فالسمة الغالبة لمعظم قصائد الديوان، هي امتلاكها لوعى وجودي جارح ورؤية شعرية ثاقبة في معنى الوجود والعدم، تعلو فيها نغمة الأسى على ضياع الأحلام بل موتها مقتولة، والإحساس الخصب بالفقد المريع لوجوه الراحلين من الأهل والأحبة، كل ذلك ممتزج مع روح شعرية قلقة، متمردة ضاجه بفكر وعقل ممتلئ بالأسئلة الكبرى، عن الموت والفقد والوجود والعدم بلغة شعرية جميلة، تتقافز فيها الصور الشعرية من قصيدة لأخرى و يحلق فيها المجاز الشعرى للأقصى، كما روح قصائد الديوان التي تمضى نحو ذروة الادهاش في كل حالاتها الشعرية وفى مقاربة مواضيع الحب والفراق والفقد والموت والخيبات والخذلان والهزائم الشخصية وهزائم الأحلام والأوطان هي اللغة الخاصة بالشاعر موسى حوامدة وبصمته المميزة لقصائده التي ستخلد في تاريخ الشعر العربي ولن تذهب إلى العدم.

الثلاثاء، 4 يناير 2022

يوميات قارئ شغوف

 


 إنتصار بوراوي

ليس من السهل ان تقرأ كتاب “يوميات قارئ شغوف” ويمر معك مرور الكرام وذلك ليس بسبب أن مؤلفه هو الكاتب الرائع “البرتو مانغويل “فقط بل لأنه كتاب هاجسه وولعه وعشقه هو عن القراءة فالكاتب يتجول بالقارئ في رحلة كشف معرفية لذيذة رفقة أجمل الكتب التي قرأها وخطط لقراءتها طيلة عام كامل من القراءة حسب جدول وضعه لنفسه رفقة عناوين حددها للقراءة.

يأسرك هذا القارئ الشغوف العاشق لمتعة القراءة لأنه يقرأ بمحبة وعشق لمؤلفين أحب كتاباتهم ويحلل كتاباتهم بطريقة تذوقية جميلة هي ابعد ما يكون عن القراءة والتحليل الأكاديمي الجاف، الذي يخلو من متعة الدهشة ومتعة القراءة في حد ذاتها تنفيذا لخطوات اكاديمية علمية صرفة او كما يقول في بداية مقدمته للكتاب ” القراءة عبارة عن محادثة، تماما مثلما يبتلى المجانين بحوار وهمى يتردد صداه في اذهانهم، فأن القراء يتورطون ايضا بحوار مشابه.

ثم يذكر الكاتب السبب الحقيقي لتأملاته في هذا الكتاب حين يقول بانه ” قبل سنتين مضت وبعد بلوغي الثالثة والخمسين قررت ان أعيد قراءة كتبي القديمة وقد دهشت مرة أخرى حين لاحظت كيف تبدو هذه العوالم المتراكمة والمعقدة من الماضي انعكاسا للفوضى السوداوية التي يحياها عالمنا المعاصر”

فمانغويل لم يقرر قراءة كتب جديدة ،بل كتبه القديمة التي قرأها في  مقتبل عمره ليسبر غور  تغيرات التاريخ والنفس الانسانية ،من خلال تراكمات تلك الكتب التي اختار ان ينتقيها مختلفة بين الرواية وأدب الرحلات والسيرة والتاريخ والفلسفة ايضا فهو كقارئ انتقائي ليس اسير معرفة ،واحدة وليس هناك اجمل من ان تكون انتقائيا في قراءتك فلا تحصر نفسك في جانب قرائي واحد قد يمنع عنك عمق الرؤية ووعيها وشموليتها ،ويفقدك كقارئ الوعى الجمالي الهائل التي تمنحها لك القراءة الانتقائية التي تعبر عن روح حرة  منطلقة في فضاء المعرفة الانسانية .

تلك هي المطارح التي تأخذنا اليها تأملات مانغويل من خلال كتابه الجميل والدافئ والرائع “تأملات قارئ شغوف في عام من القراءة “فهذا الكاتب المبدع والقارئ المتذوق يتحسس الجمال بكتبه، غائصا في مكامن الجمال بها وناقدا لبعض سطحية بعضها الذي اكتشفه بعد عمق القراءة ومرور الزمن كما يقول في هذا المقطع من الكتاب:

“هناك كتب تتصفحها بمتعة ناسيين الصفحة التي قرأناها ما أن ننتقل الى الصفحة الثانية وكتب نقرأها بخشوع دون ان نجرؤ على الموافقة او الاعتراف على فحواها واخرى لا تعطى سوى معلومات ولاتقبل التعليق، وهناك كتب نحبها بشغف ولوقت طويل لهذا نردد كل كلمة فيها لأننا نعرفها عن ظهر قلب “

كعاشق متيم يتحسس الجمال ويعرف أين مكانه، ويدرك اشعاع الماسة الحقيقية عن المزيفة لهذا يكتب مانغويل ويتحدث، عن علاقته بالكتب كما لو انه يتحدث عن بشر من لحم ودم وهو نفس الإحساس والشعور الذى يراود كل عاشق متيم بالقراءة نحو الكتب

يشبه مانغويل علاقة المغروم بالكتب وقدرتهم على تمييز الكتاب الجيد من الكتاب الرديء بإحساسنا بالبشر تماما في علاقتنا، معهم فثمة اشخاص يلفحونك بوهجهم المعرفي الذي قد يثير داخلك الاسئلة، والنقد والمحاورة وثمة اخرين لا تملك امام معرفتهم سوى الانصات فقط، وثمة اخرون لا يضيفون شيئا لك.

فالكتب كما البشر تماما والقارئ الذي يمتلك حاسة القراءة الجيدة هو الذي يتعامل مع الكتب كما يتعامل مع البشر تماما او كما فعل مانغويل في تأملاته الشغوفة بالكتب

فهو حين يعيد قراءة كتاب قراءه منذ سنوات طويلة يبدو كما لوانه شخص يفتح خزانة الذاكرة على غرف الماضي الذي تفوح عطره الدافئ من خلال استحضار قراءته الاولية لكتبه،  وحين  يتحدث في الفصل الرابع من الكتاب عن أول مرة قرأ فيها كتب شارلوك هولمز مستذكرا تلك القراءة برهافة وذاكرة حساسة  لا يستذكر فحوى القصص فقط بل يتحسس ذكرى المكان والزمان ورائحة الماضي الذى لا يستسلم لطغيانه من خلال استعادة قراءة كتبه القديمة فيه بل  يقوم بكشف نفسى وتحليل لمغزى شغفه بهذا النوع من الكتب او تلك  حين  يسخر من قراءته الاولى لقصص شارلوك هولمز متسائلا عن السبب الاول لشغفه بها في بدايات تأتأة  عشقه  للقراءة وهو نفس السؤال الذى يلوح لنا كقراء حول مغزى افتتاننا الاول بقراءة الكتب البوليسية في بداية تهجينا للقراءة وهو ما يسميه “ادب الهراء العظيم ” في لمحة ساخرة وناقدة لقراءته الاولى لها 

لا يتجول كتاب مانغويل في قراءته وتأملاته حول الكتب بل يربط كل ذلك بيومياته الحياتية والاشخاص الذين يقابلهم من كتاب وادباء يحاورهم حول الكتب التي يكتشف من خلال محاورتهم معه بانهم تشاركوا قراءتها ووعيهم بها ، وكما لو ان الكتاب هو رواية سيرة ذاتية لعاشق مغرم مفتون بالكتب يسجل تأملاته بمتعة يشاركها فيها اصدقائه من الكتاب ،وايضا ملتقطا بعض العبارات الدالة  لروائيين وفلاسفة ومفكرين من مختلف ارجاء العالم يضيفون بشهاداتهم عن معنى وكينونة الكتب والقراءة في حياتهم ،ومن اجمل الالتقاطان التي لفتنني هي مقولة للروائية ” مارغريت يوسنار” عن الكتاب ودورها في حياتها حين تطلق عليه اسم المكان الاول لولادتها :

” المكان الاول لولادتنا هو ذلك المكان الذي نلقى فيه لأول مرة نظرة ذكية على أنفسنا.. موطني الاول كان كتبي “

ولكن مانغويل في نهاية الكتاب يعترف بان اصدقاء ورفاق القراءة هم قلائل جدا لا يتجاوزون الاحدى عشر من رفاقه المولعون مثله بالقراءة.

وفى لغة شاعرية رقيقة يسرد الكاتب محبته للحياة ايضا في تفاصيلها الصغيرة التي قد تلوح امام البعض كأمر عادى ولكن  مع كاتب مثل مانغويل لاشىء يمضى  ولاشى عابر ، بل أن كل ما حوله خلق للتأمل والعيش في جمالياته بسعادة حتى لو كان تذوق لفاكهة مشمش الذى يبدو فعل عادى ، ولكن هذا الفعل بالنسبة لكاتب  يتمتع بحاسة جمالية عالية هو  فعل في منتهى السعادة و يلفتك كقارئ هذا المقطع الحميمي من احد فصول كتابه حين يسرد  ويعدد الاشياء البسيطة اليومية التي تمنحه السعادة حين يقول :” المصادفات حتى المثارة عن عمد ،فرصة لقاء صديق لم اره منذ زمن طويل ،مذاق المشمش  العثور على كتاب كنت ابحث عنه ضوء الغسق في هذا الوقت من السنة ، صوت الريح في مدخنة المنزل ، الهدوء التام والظلام قبل الاستعداد للنوم ، كل هذه هي لحظات غير متوقعة من السعادة “

محبة مانغويل لكتبه هو ما يجعله يهمش على كل كتاب تاريخ قراءته له، ومكان قراته وتوقيعه الشخصي و عليه.

بعد ان تكمل قراءة كتاب مانغويل قد تغمض عيونك مستحضرا عناوين قراءتك الاولى متذكرا احساسك الأول بها، ولكن ربما لن تجد الوقت الكافي او الراحة والجو المحيط بك الذي يساعدك على القيام بنفس خطته التأملية في اعادة قراءة الكتب التي فجرت الاسئلة بداخلك، وربما ساهمت في ان تبقى دائما أسيرا لهذا العشق الذي لا فكاك لك عنه ابدا.

الاثنين، 3 يناير 2022

نجوى بن شتوان و “صدفة جارية”

 الكاتبة نجوى بن شتوان


في مجموعتها القصصية السادسة “صدفة جارية ” تمضي القاصة والروائية الليبية نجوى بن شتوان في الكتابة بأسلوبها المتفرد وببصمتها الخاصة التي تميزت بها في كتابة القصة القصيرة، حيث نسجت مجموعتها القصصية الجديدة التي حوت 33 قصة قصيرة بخبرة قاصة متمكنة، تطرز حرير السرد القصصي بتؤدة وهدوء وبأسلوب امتزج فيه الواقع مع الفانتازيا عبر اقتناص الحوادث اليومية وصنع قصص ممتلئة بالغرابة الملتحمة بالواقع الليبي

في قصة “المواطن الذي سأل سؤالا وجوديا” يبدو صوت المتحدث بالقصة وكأنه يتحدث عن مولود حديث، ولد بإحدى قرى الجبل الاخضر ولكن سرعان ما نكتشف بأن المتحدث بصيغة ضمير الغائب ،هو جدى صغير يتحدث عن ولادته في القرية الجبلية الصغيرة ،وعن غرابة حياة القرويين بالقرية، ، ويفكر تفكيرا وجوديا في قدره الغير منصف الذى جعله ،يولد في بقعة مجنونة من العالم تمزقها الكراهية والحروب.

في هذه المجموعة القصصية تتعدد وتتجدد الفانتازيا في كثير من القصص ولكن تبلغ الفانتازيا الليبية منتهاها في قصة بعنوان “صفقة رتيبة” التي تتحدث عن “فتحية” المرأة النازحة من مدينة تاورغاء التي تضطر للعمل كخادمة في إحدى الفيلات بمدينة بنغازي ، فتعتقد مجموعة إجرامية مختصة بسرقة المنازل بأنها صاحبة الفيلا التي تعمل بها، فتقوم العصابة بخطفها وطلب الفدية من زوجها الذى يخبرهم بأنها مجرد خادمة وليست مالكة الفيلا ،وتموت فتحية برصاصة طائشة وهى رهينة العصابة وقبل أن يقوموا برميها في مكب نفايات مستشفى1200 ، يعملون على تشريح جسدها فيجدون القلب متليف والمرارة ممتلئة صديد والمعدة يتقاسمها رز الصدقات والدقيق الأوكراني المشع والكبد محفورة فيه أغاني علم حزينة مؤلمة، وبسخرية مريرة تلتقط القاصة الحياة التعيسة لامرأة نازحة من تاورغاء هربا من بطش الحرب والانتقام بمدينتها ولكنها تنتهي نهاية تراجيدية ومأساوية في المدينة التي نزحت إليها

أما في قصة “أولياء الله الطيارون ” فتلتقط القاصة حادثة المرأة التي أعتلت نافورة ميدان الغزالة فى مدينة طرابلس، صارخة ومولولة شاكية من الحكومة والساسة لحاجتها للسيولة الممنوعة عن الصرف بالمصارف الليبية ،وعدم قدرتها على إطعام أطفالها ولكن لم يأبه لصراخها أحد من الساسة ،ولم ينتبه لصراخ السيدة إلا الولي الصالح عبد السلام الاسمر الذى تعب من حل مشاكل الليبيين ،فيهرب هو أيضا من ليبيا بعد ان نبش الدو اعش قبره في سخرية ،أقرب للفانتازيا المتشابكة باللامعقول ولكنه الواقع الليبي تماما الذى فاق كل فانتازيا خيال أدباء الفانتازيا واللامعقول فى العالم.

في قصة “بيت القصيد” تتتبع القاصة مسير رصاصة طائشة انطلقت من رجل يعبث ببندقيته فتصيب الرصاصة الطائشة ،رأس والد شاعر معروف يلقى قصائده الغزلية في إحدى المهرجانات العربية، وفى هذه القصة تشير القاصة بروح قلمها القصصي الساخر إلى انفصام بعض الأدباء والمثقفين في ليبيا عن الواقع السياسي الصعب الذى تعيشه البلاد وهروبهم من ملامسة هذا الواقع عبر كتابتهم أو مواقفهم بالهروب إلى نوعية الشعر السطحي والهزيل ،الذى يتغزل بعيون واجساد النساء و تتلبس القاصة روح الرصاصة، وتحاورها وتتكلم على لسانها بسخرية مريرة وتحدق في وجوه أبناء الأب المصاب في المستشفى وتدخل إلى أفكارهم وعقولهم في صورة بانورامية ساخرة معبرة عن واقع العبث واللامعقول الليبي.

كتاب صدفة جارية للكاتبة والروائية نجوى بن شتوان
كتاب صدفة جارية للكاتبة والروائية نجوى بن شتوان

مدينة بنغازي أخذت حيز كبير من قصص المجموعة ربما لأن أغلب المجموعة القصصية كتبت خلال مرحلة الحرب ضد الإرهاب ببنغازي ففي قصة “موفد للإيفاد فقط ” يغوص قلم القاصة في رسم لوحة بانورامية ،عن ملامح الحرب في بنغازي من خلال شخصية طالب موفد للدراسة بالخارج تصله أخبار الحرب ،وقطع الرؤوس من تنظيم الدولة في مدينة بنغازي ،والقذائف التي تتساقط ،على المدنيين المتظاهرين ضد التنظيمات الارهابية ،والأحياء السكنية المدمرة ،والمطارات والموانئ التي أغلقتها الحرب ونفاذ الغاز وطبخ الأهالي طعامهم على الحطب وقطع الكهرباء لأيام متتالية فيشرد ذهن الطالب الموفد للخارج من قاعة الدرس إلى التفكير بحال أمه وأخوته وأخواته في بيتهم تحت قصف أطراف الحرب في مدينته.

قصص المجموعة مهمومة بالشأن الليبي ،وبحالة البلاد السياسية والاقتصادية منذ سقوط نظام القذافي ودخول البلاد في صراعات سياسية ،وحروب متعددة في كثير من المدن الليبية وبعين دقيقة وفاحصة تلتقط القاصة ،الاحداث التي جرت في كثير من المدن الليبية وتشكلها في قصص وامضة ،لا تعتمد على السرد القصصي العادي بل تتلاعب بها وتسخر منها بمرارة ممزوجة بألم ،وتشاكسها بأسلوبها القصصي الساخر فيرى القارئ الأحداث وهى تتقافز أمامه بصورة فنتازيا وغرائبية مع أن أغلب القصص مستقاة من أحداث واقعية حدثت بالبلاد فعلا، و لكن القاصة عملت إسقاطات كثيرة على أحداثها في واقعها الليبي، الذى هو الشغل الشاغل لكل قصص المجموعة التي تبين مدى انهماك الروائية والقاصة نجوى بن شتوان في الالتصاق بقضايا وطنها وأحواله وأحداثه ،وإحساسها بالألم والمرارة التي تنضح من قصص المجموعة التي ارتدت أسلوب الكوميديا السوداء التي تعرى وتكشف مدى الخراب والانهيار في النفوس و بالوطن الذى يغلى فوق صفيح ساخن..

السيرة الذاتية في الأدب الليبي

إنتصار بوراوى


تعتبر دراسة كتب السيرة الذاتية في ليبيا، من الدراسات الشحيحة والضئيلة. كما أن هذا اللون  الأدبي لم يدخل عالمه الكثيرين، بل اقتصر على مجموعة صغيرة من كتابنا وأدباءنا الكبار الذين كتبوا عصارة ذكريات وتجارب عمرهم في كتب السيرة الذاتية.. ولذلك يعتبر كتاب الصحافية والباحثة نعيمة العجيلي "السيرة الذاتية في الأدب الليبي"  كتاب مهم لأنه خلاصة دراسة  الباحثة في رسالتها للماجستير عن كتب السيرة الذاتية التي صدرت لأدباء وكتاب ليبيين خلال عقود طويلة من الزمن. 

مهدت المؤلفة لكتابها عن السيرة الذاتية،بشرح معنى السيرة الذاتية لغة اِصْطِلَاحَا وفى المعاجم الاصطلاحية العربية القديمة، والمعاجم الأجنبية الحديثة  بعد ذلك قامت بعرض إشكالية مفهوم السيرة الذاتية عند النقاد الغربيين، بداية من "واين شو ميكر” و“ستاروبنسكى" و"فيليب لوجون"، الذى قام بتعريف السيرة الذاتية فى كتابه "ميثاق السيرة فى الأدب“ بأنها: ”حكى استعادى  يقوم به شخص واقعى عن وجوده الخاص وذلك بالتركيز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته“.

أما النقاد العرب كما تقول الكاتبة نعيمة العجيلي فلم تشغلهم مسألة وضع تعريف جامع مانع لفن السيرة الذاتية، وإنما ركنوا إلى إتفاق أشبه بتعريف أكسفورد من حيث أنها "رواية حياة شخص ما مكتوبة بقلمه“.

ثم تعرج الباحثة  للحديث عن علاقة السيرة الذاتية، بالأنواع الأخرى مثل المذكرات اليوميات، والرواية، حيث تقول الباحثة بأنه أحيانا قد يصنف النقاد المذكرات بوصفها نوعا من أنواع السيرة الذاتية، لكنهما يختلفان إذ يمكن لكاتب السيرة الذاتية أن يستعين بمذكراته أو يومياته، ليسترجع من خلالها ذكريات الماضي ولأن كاتب المذكرات يعنى بتصوير الأحداث التاريخية، أكثر من عنايته بتصوير واقعه الذاتي وفى المجمل فأن الفرق بين المذكرات، والسيرة الذاتية  يكمن في مدى ارتباط كل منهما بالأحداث الخارجية من جهة، والتعبير عن الذات أو فعل البوح من جهة أخرى. 

في الفصل الأول من الكتاب تعرض الباحثة لتاريخ السيرة الذاتية في الأدب الغربي الحديث التى يعتبر أول من كتبها القديس أوغسطين عبر كتابه ”الاعترافات" في حوالي عام 399م واصفا نشأته الأولى، ومحبته لأمه وكفاحه ضد الشهوات والخطيئة ولقد تميزت اعترافاته  بالصراحة والتعري النفسي، وتذكر الكاتبة بأن كتاب مارغرى كيمب الذى كتب في أوائل القرن الخامس عشر أول رواية لسيرة ذاتية باللغة الإنجليزية ولكن لم يتم اكتشافه إلا في عام 1934م.

ويرجع كثير من النقاد بداية تقليد السيرة الذاتية، في عصر النهضة إلى كتاب "حياة  بنفتيو تشليني“ وكتاب "الحياة الخاصة  للطبيب الإيطالي جير وينمو كارد انو“.

كما ظهرت سلسلة من السير الذاتية،التي كتبتها نساء من القرن السابع عشر مثل القصة غير الكاملة لليدى لوسى هتشنسون، ومذكرات آن لليدى  فأنشو وعلى الرغم من أن كل هذه السير لم يتم نشرها إلا في القرن التاسع عشر، إلا أنها تقدم صورة واضحة للزمن الذى كتبت فيه.

خلال القرن السابع عشر، وفى القرن الثامن عشر برزت سير ذاتية صارت أعمالا كلاسيكية من الأدب العالمي من بينها، السيرة الذاتية لنجامين فرانكلين وما كتبه الفيلسوف ديفيد هيوم، وسلسلة المذكرات، التي أعدها إدوارد جيبون أما أهم ما كتب في هذا النوع الأدبي في القرن الثامن عشر، فهي اعترافات جان جاك روسو وتذكر الباحثة بأنه ثمة إرهاصات للسيرة الذاتية، في الأدب العربي بدأت منذ القرن الأول الهجري، كانت تعرف باسم الرسائل نظرا للتأثر بالنموذجين اليوناني والفارسي وتخص بالذكر الطبيب اليوناني جال يونس الذى كان أول المتأثرين به الطبيب حنين بن أسحاق الذى قام بترجمة كتبه من اليونانية إلى العربية. 

إضافة إلى ذلك كتب الفيلسوف الطبيب محمد بن زكريا الرازي رسالة دفاعا عن نفسه وهى سيرة جديرة بأن تكون سيرة فيلسوف، وأيضاً كتب ابن الهيثم رسالة سرد فيها تطوره الروحي حتى استقراره، على فلسفة أرسطو طاليس وكتب الطبيب والفيلسوف ابن سينا وعلى بن راضٍ ان المصري، وأيضاً من السير السياسية في القرن الخامس الهجري سيرة الأمير عبد الله بن بلقين، أخر ملوك بن زيري في غرناطة وقد عنون كتابه بالتبيان، أما سير المتصوفة فأهمها سيرة الأمام الغز الى التي ضمنها كتابه "المنقذ من الضلال“. أما القرن السادس الهجري فقد تميز بسير، كثيرة منها كتاب ”الاعتبار“ لأسامة بن منقذ.

وفى الأدب العربي الحديث فلقد كتبت السير الذاتية، عبر الدعاة للحضارة الحديثة بعد أن اتصل العرب بالحضارة الأوروبية، في القرن التاسع عشر  مما أفرز كتاب عرب يحملون لواء النهضة والدعوة للاستفادة، من النهضة العلمية والثقافية وكان رفاعة الطهطاوي على رأسهم وقد بدأ دعوته، عبر كتابة سيرته (تخليص الإبريز فى تلخيص باريز)  خلال سفره لفرنسا، كما كتب فارس الشدياق (الساق على الساق).

وفى القرن العشرين كان لكتاب الأيام، للكاتب طه حسين بصمة في تاريخ السيرة الذاتية وكتب أحمد أمين (حياتي) وكتب العقاد (أنا)، و(حياة قلم) وكتب ابراهيم المازني (قصة حياة)، وميخائيل نعيمة (سبعون). 

وفى الفصل الثاني من الكتاب تدخل الباحثة، إلى موضوعها الأساسي عن السيرة الذاتية في الآدب الليبي وتبدأها بكتاب "الحوليات الليبية"، للمؤلف حسن الفقيه حسن والذى تذكر الباحثة في كتابها: بأن ولادته كانت خلال العام 1781م ولقد تعلم القراءة والكتابة وحفظ القران، وتلقى قسطا من ومبادئ علوم الحساب وامتهن التجارة مع والده ثم عين عضوا فى مجلس الشورى بطرابلس، وسجل حسن الفقيه حسن وقائع أكثر من خمسين عاما يوما بيوم ً، وذكر فيه الأحداث السياسية والإدارية والتنظيمية الحربية البرية والبحرية، والأسعار والعملات والسوق وتجارة القوافل وكذلك الأحداث اليومية والشؤون الاجتماعية الجارية مثل الزواج والطلاق. 

أما الكتاب الثاني الذي تقوم الباحثة بعرضه في دراستها فهو كتاب (رى الغليل في أخبار بنى عبد الجليل) وهو كتاب كتبه (محمد بن عبد الجليل سيف النصر) بعد عشر سنوات من مقتل والده الذي لاقى مصرعه، عقب معركة قادها أبناء فزان ضد الحكم العثماني وقد فرغ الكاتب من تأليفه عام 1852، وقد وصف فيه مصرع والده وكيفية نجاته وفراره خارج البلاد إلى مصر، ويصف خلال رحلته المدن التي تجول بها في صعيد مصر، ثم اسطنبول وفيها تعرض للسجن وهرب منها إلى مالطا ثم تونس ثم للقسطنطينية في الجزائر، حيث أقام فيها وأنشأ دكانا للتجارة وسافر رفقة صديقه الجزائري إلى باريس ولقد نظم فيها قصيدة شعبية واصفا بها فرنسا وهناك أيضاً كتب كتابه (رى الغليل فى أخبار بنى عبد الجليل) وختمه في عام 1852م.

> رصد الباحثة للكتابات الذاتية خلال مرحلة الجهاد ضد الاستعمار الإيطالي

في هذا الجزء من الكتاب تعرض الباحثة، لمجموعة من كتابات المجاهدين الذين حاولوا تخليد الحدث التاريخ بمشاركتهم في الجهاد، أكثر من التعبير عن أنفسهم كما تقول الباحثة ومن وهؤلاء المجاهد أحمد زارم ومحمد حسن عريبي والهادي المشيرقى وعبدالرحمن الجنزوري.

تبدأ الباحثة حديثها عن كتب هذه المرحلة بمذكرات أحمد زارم وهو من المجاهدين الوطنيين الذين سجلوا تاريخ نضالهم ولقد كتب  ثلاثة كتب  منها كتاب (حتى لا يضيع التاريخ)، وكتاب (مذكرات صراع شعب مع مطامع الاستعمار). ولقد صدرت هذه الكتب على التوالي خلال سنوات 1972/1979، وتشكل هذه الكتب عملا واحدا حيث تسرد مسيرته الجهادية منذ عام 1926م حتى نهاية الستينيات.

وتذكر الباحثة بأن أهم ما حدث فى حياة زارم هو تعرفه، على بشير السعداوي  المهاجر إلى سوريا فى عام 1928م، حيث أصبح سكرتيراً للجنة التنفيذية للجاليات الليبية فى تونس ولكنه عاد فى عام 1948م، ليصبح سكرتيراً (لحزب المؤتمر الوطني العام) الذى أسسه السعداوى، ثم أنشأ صحيفة (الحرية) التى كانت لسان حال الشعب للمطالبة بالاستقلال، وهى التي قادت العصيان المدن، حيث تم إلقاء القبض عليه ونفيه إلى تونس وعاد فى عام 1961م, 

> كتب سير الرحلات 

تذكر الباحثة بأن هناك كثير من كتب الرحلات التي كتبها الرحالة الليبيين ومنها في العصر الحديث رحلة الهادي المشيرقى إلى اليابان التي وضع لها كتابا عنوانه (ليبي في اليابان) عام 1957م كما وضع كتاب أخر عن رحلته إلى الهند وهو (مشاهد أتى في الهند) عام 1967م.  وكذلك ما دونه محمد سعيد النشاط عن زيارته لسودان ومصر وألمانيا وموريتانيا فى كتابه (مشاهدات صحفي). وما كتبه الصحفي الأديب نجم الدين الكيب، ضمن كتابه (ذكريات مسافر) وما نشرته السيدة الرائدة فى التعليم والسفر السيدة خديجة عبد القادر فى السلسلة الصحافية التي نشرتها بصحيفة ليبيا الغرب (ليبية في بلاد الإنجليز)<

> كتب السيرة الأدبية الليبية 

شهدت نهايات القرن العشرين تطورا ملحوظا، في كتابة السيرة الذاتية الأدبية فكتب عبد الله الكويرى سيرة حياته الأدبية والفكرية،فى كتابه(الوقعات)، ثم أصدر أمين مازن كتابه (مسارب)  والأديب كامل المقهور فى كتابه(محطات)، وعلى فهمى خشيم في كتابه (هذا ماحدث) وتعرض الباحثة للنبذة قصيرة لكل كتاب من الكتب المذكورة ثم تخصص الفصل الأخير للكتاب لدراسة  فنية تناقش  فيها كتاب (محطات) للأديب كامل مقهور، وكتاب (هذا ماحدث) للأديب على فهمى خشيم. 

كتاب (السيرة الذاتية فى الأدب الليبى) كتاب مهم، للباحثين والدارسين في مجال السيرة الذاتية والأدبية للأدباء الليبيين، وبالتأكيد نحتاج لمزيد من الدراسات عن هذه النوعية من الإصدارات والكتب التي تقدم شهادة أدبية واجتماعية وسياسية  في ليبيا.

الكتاب صدر في عام 2010م، أي منذ أكثر من عشر سنوات ولقد صدرت خلال العشرة سنوات الماضية، الكثير من كتب السيرة الذاتية والمذكرات لأدباء ليبيين وسياسيين تناولوا المراحل السابقة من عمر الوطن، بالتالي فنحن دائماً في حاجة لمثل هذه الدراسات المهمة التي توثق وتحلل هذا اللون الأدبي المهم.


نشر بمجلة الفصول الأربعة العدد (132)، يناير 2022.

السبت، 1 يناير 2022

شموس من مدينة درنة

 

إنتصار بوراوى

بالصدفة وقع بين يدي كتاب، بعنوان "شموس من مدينة درنة " للباحثة سليمة بن حمادي وهو كتاب صغير في حجمه، بسيط في إخراجه، ولكن حين استغرقت في مطالعته وقرأته وجدته كبير في مضمونه واكتشفت بأنه يحوي على كنوز معلوماتية لم يهتم أحد بها رغم ان الكتاب صدر منذ عام 2000 م    

الكتاب زاخر بكثير من الأسماء للرائدات الليبيات من مدينة درنة على مدى تاريخ طويل ويبدو واضحا الجهد الذي بذلته باحثة الكتاب في التقصي والرصد لتاريخ منسي ومهمل من الذاكرة الوطنية للنساء الرائدات في بلادنا من كافة المجالات

 ونتيجة لكثرة الأسماء الموجودة بالكتاب أخترت أن أعرض منه بعض الأسماء لوجوه رائدة نسائية من مدينة درنة في التعليم والصحة وفى عالم الكتابة لأن المجال  لا يتسع لذكر جميع الأسماء التي أجرت باحثة الكتاب جهدا دؤوبا في البحث عن سيرتها الذاتية المهنية وصورها وعطاءاتها للوطن كما يبدو من خلال المراجع الصحفية والمقابلات الشخصية مع من لازلن  منهن على قيد الحياة

من أهم الشخصيات الملفتة في الكتاب التي افردت لها الباحثة قسم  من لكتاب هي اول مدرسة افتتحت فصل لتعليم الفتيات في مدينة درنة وهى المعلمةوالمربية الفاضلة مفيدة كارلون

 

فمن هي مفيدة كارلون ؟؟

مفيدة كارلون حسب ما تذكر الباحثة سليمة بن حمادي في كتابها "شموس من بلادي" هي من مواليد حلب بسوريا عام 1892، تلقت تعليمها في بلادها وشاركت في مظاهرات الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي في سوريا ،تزوجت من المرحوم "عبدالله الشويهدى" من مواليد بنغازي الذى كان مهاجرا الى سوريا ،وحين عاد الى ليبيا عادت بمعيته اذ قدم بها ليقيما بدرنة   وبعد تسعة اشهر من استقرارهم بالمدينة توفى وتركها ارملة  وتزوجت بعده بالمرحوم "محمد بن فايد

كانت تجيد اللغتين العربية والفرنسية الى جانب ألملمها بالتركية واليونانية وتعلمت في ليبيا الإيطالية ثم الإنجليزية، وكانت بشهادة جميع عارفيها متدينة صوامة صالحة تشارك قدر الإمكان في الأعمال الخيرية ومنها جمعها للتبرعات لصالح القضية الفلسطينية 1948

بدأت مفيدة الخوجة بتشجيع من زوجها مشوارها فى تعليم البنات بمدينة درنة وفتحت اول فصل دراسي فى عام 1926 وبدأت الخطوة الاولى في تعليم المرأة في مدينة درنة فى عصرها الجديد مجموعة من الطالبات هن

فتحية قدور ..جميلة صوان ..مبروكة بوغرارة ..نفيسة الجاضرة ..غالية بوغرارة ..خديجة اكسيندة ..حلوم مكراز..حميدة صوان ..خيرية الثلثى مبروكة الجاضرة ..مريم كريكش ..غزالة الطيب ..مبروكة بحيرى ..عدوية بوخطوة

فتحت أول فصل دراسي لتعليم البنات فى مبنى بشارع الفنار يقوم عليه حاليا مبنى “مدرسة النصر للبنات"  ورغم  أن نظافة الهندام كانت شرط أساسي الا أنه لم يكن هناك زي مفروض على الطالبات فكن يرتدين الزى الشعبي وكذلك الحقائب فقد كانت حسب ظروف كل طالبة كما كن يحضرن افطارهن من بيوتهن وكان نظام الدراسة خمس سنوات فقط وقد انفردت السيدة "مفيدة الخوجة" بتدريس جميع المواد واستمرت مفيدة فى العطاء حتى عام 1944-1945 ثم استقالت من العمل ولزمت بيتها الى ان توفاها الله وتولت بعدها المرحومة "فتحية شنيب"


نورية سالم الثلثي أول مدرسة ليبية

من بين سيرة الرائدات التي لفتتني بالكتاب  سيرة أول معلمة ومدرسة للبنات في مدينة درنة كما تذكر الباحثة سليمة بن حمادي في كتابها الشيق "شموس من بلادي "  وتذكر الباحثة والكاتبة بأنه فى عام 1931 برز أسم" نورة سالم الثلثى" التي تخصصت في مادة الدين ويرجح أنها تلقت تعليمها على يد والدها الشيخ "سالم الثلثي" احد حفاظ القران الكريم وأحد الذين امتهنوا تحفيظه للطلاب وتعد "نورية سالم الثلثى" أول مدرسة ليبية فى درنة ،وكان معها غزالة عاشور الطيب النويصرى التي درست التمريض في طرابلس لكنها اختارت مهنة التعليم ولطيفة كلفة وفاطمة بحيرى وهن من اوائل المعلمات اللواتي تخرجن من مدرسة "مفيدة الخوجة"

 

خيرية على بن حمادي أول طبيبة ليبية فى درنة

 

تعد "خيرية على بن حمادى" كما تذكر الباحثة سليمة بن حمادى في كتابها اول  امرأة نالت شهادة فى مجال الطب  في تخصص امراض النساء والولادة الى جانب التمريض ايام الاحتلال الإيطالي الاستعماري لليبيا وتلقت التعليم باللغتين  العربية والايطالية ،ومن زميلاتها في الدراسة مرزوقة عزوز ،عائشة الشريف، منى بن خيال، عزيزة القر يتلى ،مرضية الشريف ،مرزوقة قدور ، لطيفة كلفة، امينة الحداد، غزالة بالقاسم، علجية الكواش، مريم اشليمبو ،سالمة الحصادى ،عصرانة ساسى ، ميرى القريتلى، فاطمة استيتة ،حميدة سرقيوة، مبروكة الاسطى عمر، وغيرهن ممن كن يتلقين التعليم على يد المعلمة مفيدة الخوجة ،وكانت الدراسة والسفر خارج المدينة شيئا غريبا على عقلية الرجل الليبي آنذاك ولايقبل به العرف وكان لوالدها المرحوم "على بن حمادي " ولأخيها الاكبر "محمد على بن حمادي" اثر كبير على تشجيعها  ودعمها للسفر إلى طرابلس  للدراسة  وعادت الى درنة  بعد دراستها لمدة سبع سنوات  في طرابلس ،  وقد تحصلت على شهادة رسمية تتضمن تخصصها في مجال طب النساء والولادة الى جانب التمريض  ولقد رشحت للدراسات العليا في ايطاليا لكن والدها لم يوافق وأدت عملها بكل  أخلاص في مجال الطب إلى أن تقاعدت.


أول روائية ليبية ..مرضية النعاس

وتتحدث الباحثة سليمة بن حمادي عن أول روائية ليبية الصحافية والروائية الليبية ابنة درنة الفيحاء الكاتبة مرضية النعاس

ولدت الكاتبة  مرضية النعاس  فى درنة عام 1948 ، وتحصلت  على ليسانس القانون من جامعة قاريونس، وبدأت الكتابة للإذاعة بمذكرات طالبة في برنامج عن الطلبة والمعلمين  كان  يقدمه الأستاذ التربوى الأستاذ "فرج الشويهدى" ، ونشرت انتاجها في صحيفتي الزمان والرقيب  والكاتبة مرضية النعاس هي  اول امرأة ليبية كتبت الرواية ،وذلك عبر روايتها "المظروف الأزرق" ،اصدرت بعدها مجموعة من الروايات والمجموعات القصصية ، "شيء من الدفء" بنات داخلي" "رجال ونساء" "غزالة"  كتبت خلال فترة ستينيات القرن العشرين مقالات صحافية في مجلة "المرأة الجديدة" ونشرت بعدها في مجلة البيت" الاسبوع الثقافي"  وكتبت لمجلات عربية الوعى العربي، الصياد اللبنانية  ، ولتم دراسة أعمالها الروائية عبر كثير من الدراسات والمقالات النقدية كما كانت قصصها ورواياتها مصدر للبحاث والدارسين فى جامعاتنا حيث اتخذها الدارسون للأدب العربي مادة لنيل درجات علمية مثل الدكتور احمد ابراهيم والاستاذة شريفة القيادي والدكتورة سالمة ابراهيم وغيرهم.


الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...