الأربعاء، 5 يناير 2022

موسى حوامدة.. شعرية الوجود الإنساني واغتراب الروح



الشاعر الفلسطيني موسى موامدة ومجموعته سأمضي إلى العدم

 إنتصار بوراوي

موسى حوامدة.. شعرية الوجود الإنساني واغتراب الروح

 

حين تقرأ ديوان الشاعر الفلسطيني موسى حوامدة (سأمضي إلى العدم) —الذي صدر في عام 2017 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب— سيزداد يقينك بأن ثمة بصمةً شعريةً لشعراء استثنائيين لا يمكن أن تمر قصائدهم في حياة القارئ الشغوف بقراءة الشعر مروراً عابراً؛ لأنها تهزه في العمق وتحرك جرحاً يعتقد بأنه قد شفي منه، ربما هو جرح الفقد الذي نحاول رتقه بالكتابة، أو لعله جرح وجودنا الإنساني في أساسه ومعناه.

هذا النوع من الكتابة تحييك وتميتك ،لأنها كتابة شرسة، قاتلة، متوحشة، ممتلئة بالعنفوان، متمردة على النمطي والمتاح والمتناسل بغزارة يومية.

هي قصائد مكتوبة بحبر الدمع والدم والفرح الشحيح المتمثل في العشق المتوحش، العشق المجنون؛ كتابة تأخذك إلى أعمق ضروب النفس البشرية في كل تحولاتها من ألم، وفقد الأحبة، وفقد الوطن، وغربة الروح واغترابها. هي كتابة عن الوطن المغدور، والوطن المسلوب، والوطن البديل، وعن الحب والعشق الصوفي والإيروتيكي بكل تضادهما وعنفوانهما وتجلياتهما.

كتابة تأخذك إلى الأقاصي في كل شيء؛ في المشاعر، وفي اللغة، وفي المجاز، وفي الخيال والصور الشعرية المبتكرة، ليصبح المتناثر والمتناسل يومياً لمئات الشعراء هو مجرد تقليد وصنعة وأشباه قصائد. نصوص الشاعر الفلسطيني موسى حوامدة في ديوانه العاشر (سأمضي إلى العدم) نصوص ترميك إلى حافة العدم؛ العدم الذي يجلل كل شيء حولنا، النهايات بكل تراجيديتها: نهاية الطفولة، نهاية الحب، نهاية الحياة، والهزائم في أعلى تجسداتها، ضياع الوطن، والضياع في حافة العدم الذي يجلل كل شيء حولنا، النهايات بكل تراجيديتها، ضياع الأوطان، والهزيمة بكل تجلياتها، هزيمة الأوطان، هزيمة الأحلام الكبيرة، هزيمة الثورات، هزائمنا الشخصية؛ كلها يكتبها الشاعر في قصيدة القلب والروح في أعمق تجلياتها:

 

كل هزيمة فيها منتصر ومهزوم

إلا هزيمتي فليس فيها سواي

أجمل الهزائم تأتيك ممن تحب

في الحب تخسر القصيدة نصف تمردها

أنا شريك الأنبياء في الخسارة وضحيتهم بين الأتباع

 

الذات الشعرية بالديوان ذات متمردة، تصل إلى الأقاصي في تمردها، فهي تخاطب الله وتناقشه وتسأله، كما في قصيدة (مثل صديقين نبيلين):

 

آه يا إله الآلهة

آه يا زيوس العظيم

لا أظنك مقيتاً إلى درجة المسخرة

لا أستسيغ وصفك بما لا تحب

دعني أراك بدون حرس

أكتب أسماءك بلا قتلة

أصغي إليك بلا كلمات

وتصغي لي بلا شروط

أحملك ناراً بلا صلبان أو شمعدانات

أغرسك سكيناً في جسدي

تمنحني باباً من أبوابك

سطراً من كتابك

نوراً من عتمتك

وصولجاناً من أساطيرك

لنكن واضِحَيْن بما يليق بصديقين نبيلين

كن نفسك يا حاكم البرق والرعد

كن أبا الآلهة والبشر وسوط النار

ودعني أكون ريحاً تزعزع أغصان الشجر

زوبعةً تخلع البشاعة من الأرض

 

ولا يكتفي الشاعر بمخاطبة الله، بل يخاطب النبي عيسى ويلقي عليه الأسئلة التي لا أجوبة لها، أو كما يقول سقراط: "الأسئلة مبصرة والأجوبة عمياء"، فأسئلة الشاعر في هذه القصيدة هي كعنوان ديوانه تمضي إلى العدم، إلى حيث لا إجابات تهدئ روح الشاعر القلقة المتمردة الغارقة في أتون ومحرقة الأسئلة الكبرى العصية عن إيجاد إجابة لها:

 

آه يا زيوس لمَ تركتني تحت رحمة الرومان واليهود؟

لمَ قذفتَ بي إلى مهد المسيح؟

ما ديانة الترجي والهوان هذه؟

وأنت يا حامل الصليب

توقف يا ابن أمك

لا تدخلني من ثقب المسلة

لا تقل لي أدر خدك الأيسر

أو قدم خدمات النسيان

لا تقل لي

أطع أولياء الأمر فليست لي شفاه مطواعة

ولا تقل لي غبار كثيف يحجب الحق فاتبعوني

إلى طريق الآلام

 

الروح الشعرية المتمردة في القصيدة تبحث عن الطمأنينة واليقين بعيداً عن الله ووصايا الأنبياء الذين يطلبون من البشر تحمل الألم والهوان والصبر؛ فالذات الشعرية المتمردة للشاعر هي ذات لا تقبل بأنصاف الحلول أو "الطبطبة" على مكمن الداء والألم، وإنما تبحث عن خلاصها الفردي بعقلها وفكرها بعيداً عن الموروثات.

تبدو القصيدة المعنونة بـ (ذاهلٌ عني) كالألماس في عقد اللؤلؤ المنظوم بقصائد الديوان، عنوان القصيدة يوضح مدى حالة الوجد التي يعيشها الشاعر في قصيدته التي تنضح بعمق وقوة إحساسها ورهافة صورها الشعرية، وقوة أبياتها الشعرية التي يعاتب فيها الشاعر حبيبته ويشرح لها حالة الذهول التي تعتريه لدرجة أنها جعلته يذهل عن نفسه ولا يتفهم ما يحدث لها نتيجة عدم تفهم حبيبته لما يعتريه من هموم وشجون، ويطلب منها تفهم حالته، ومداواة جروحه بمزيد من الصبر والفهم، وسكب ماء حنانها على وحشته:

 

ذاهلٌ عني

عن مطلع الشمس وميعاد الذنوب

ذاهلٌ عن صفاء الخيبة

ورصانة المسافة

وحرير الذكريات

إن لم تعضدي روحي بجروحها

وتسكبي ماءك المستريب على وحشتي

 

أما القصيدة المعنونة بـ (قربي ذراعك من وجعي) فهي تحمل في صورتها الشعرية جمالية المفارقة الشعرية بمجازها الجميل، فهل لنا أن نتخيل الذراع وهي عضو جسدي ملموس وهي تقترب من شعور معنوي غير ملموس كالوجع؟ طبعاً لا يمكن لمثل هذه الصورة أن ترتسم إلا في خيال شاعر مبدع يكتب مشاعره وعواطفه بمداد الروح والقلب، فتأتي القصيدة حارة متدفقة بحمم مشاعرها اللاهبة،تعد هذه الصورة من أبرز تجليات الابتكار المجازي في الديوان، حيث يلتقي العضوي (الذراع) بالمعنوي (الوجع).

فالشاعر لا يطلب المواساة بالكلمات، بل يطلب تماساً فيزيائياً بين جسد الحبيبة و"جسد الوجع" وتكمن الدلالة البلاغية في النص بتحويل الوجع إلى حيز مكاني يمكن الاقتراب منه أو لمسه  مما يعكس رغبة وجودية في ترويض الألم وجعله جزءاً من التجربة الحسية المعاشة، لا مجرد فكرة ذهنية طائر

 

قربي ذراعك من وجعي

بعت رأسي للفراغ

ولم تعد لدي سوى الأسئلة

نهران يشقان صدري

ويجريان في وريد الكلمات

نهر عذب يحلو بك

ونهر مالح يمجُّ الظلال

ويطفو على زبد الأماني

 

الشاعر موسى حوامدة يؤنسن الأشياء، ويحاول عبر الشعر أن يفهم الوجود فيحضنه، ويحاكمه ويهجره أحياناً، فالروح الشعرية في القصائد محلقة في الأعالي ترى دورة الحياة والفصول والزمن والذكريات برؤية شعرية نافذة إلى أعماقها، عين الشاعر الثاقبة ترى ما وراء الظواهر والسطح وتتعمق في الفقد، الحب، الموت، كما في قصيدته التي يرثي فيها والده (لا وداع):

 

لو تركتَ لي مساحة واحدة

لأحفر لكَ رخامةً على قبرك البعيد

مساحةً أمارس فيها طقوس الحزن الأبيض

أمتطي مهر البكاء

وأجرجر جثة الطفولة صوب النسيان

لو أنك لوحتَ بيدك مرة


ينبش حوامدة أعماق المشاعر، يضعها على طاولة الشعر ويمسك بجوهر الشعر في معناه العميق حين يكتب ذاته وحزنه، والخيبات والخذلان:


وما كان لي أن أنشر شراعي في شواطئ النكران

وأتمطّى مثل قيصر صغير في مياه ليست لي

وأعدِّدَ حسناتِ العاصفة

وهي تقتلع فؤادي اليتيم

وتسحق عافيتي المشبوهة بحمى الخذلان

 

وهكذا تمضي قصائد الديوان في نغمة تعبق بالأسى على ضياع الجمال من العالم وشيوع القبح، في مرثاة شاعرية رقيقة مثقلة بالعواطف الخصبة كما في قصيدته (لست حزيناً):

 

لست حزيناً لكن قلبي طري

صيَّرتني أمي شاعراً وما بيديّ

أنقى من النقاء جئتُ

ومن البياض كنتُ

ومن الندى رسمتْ وجهي ويدي

وحملتني ما لا أطيق من نقاء السريرة

ومن رائحة العشب في قريتي

ومن رضا الوالدين

والصلاة على النبي

ومن حب فلسطين

أورثتني الهشاشة والدموع

فالسمة الغالبة لمعظم قصائد الديوان هي امتلاكها لوعي وجودي جارح ورؤية شعرية ثاقبة في معنى الوجود والعدم، تعلو فيها نغمة الأسى على ضياع الأحلام بل موتها مقتولة والإحساس بالفقد المريع لوجوه الراحلين من الأهل والأحبة، كل ذلك ممتزج مع روح شعرية قلقة، متمردة ضاجة بفكر وعقل ممتلئ بالأسئلة الكبرى، عن الموت والفقد والوجود والعدم بلغة شعرية جميلة، تتقافز فيها الصور الشعرية من قصيدة لأخرى ويحلق فيها المجاز الشعري للأقصى، في مقاربة مواضيع الحب والفراق والفقد والموت والخيبات والخذلان والهزائم الشخصية وهزائم الأحلام والأوطان .

التمرد الوجودي عند موسى حوامدة ليس صراخاً عبثياً، بل هو "وعي جارح" بحقيقة الفقد والضياع. هو تمرد الشاعر الذي يرى نفسه "شريك الأنبياء في الخسارة"، لكنه يرفض أن يكون "ضحيتهم"، فيحول خساراته إلى ديوان شعر يخلد اسمه، متحدياً بذلك "العدم" الذي كان ينوي المضي إليه

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

    إنتصار بوراوى تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدا...