الاثنين، 3 يناير 2022

السيرة الذاتية في الأدب الليبي

إنتصار بوراوى


تعتبر دراسة كتب السيرة الذاتية في ليبيا، من الدراسات الشحيحة والضئيلة. كما أن هذا اللون  الأدبي لم يدخل عالمه الكثيرين، بل اقتصر على مجموعة صغيرة من كتابنا وأدباءنا الكبار الذين كتبوا عصارة ذكريات وتجارب عمرهم في كتب السيرة الذاتية.. ولذلك يعتبر كتاب الصحافية والباحثة نعيمة العجيلي "السيرة الذاتية في الأدب الليبي"  كتاب مهم لأنه خلاصة دراسة  الباحثة في رسالتها للماجستير عن كتب السيرة الذاتية التي صدرت لأدباء وكتاب ليبيين خلال عقود طويلة من الزمن. 

مهدت المؤلفة لكتابها عن السيرة الذاتية،بشرح معنى السيرة الذاتية لغة اِصْطِلَاحَا وفى المعاجم الاصطلاحية العربية القديمة، والمعاجم الأجنبية الحديثة  بعد ذلك قامت بعرض إشكالية مفهوم السيرة الذاتية عند النقاد الغربيين، بداية من "واين شو ميكر” و“ستاروبنسكى" و"فيليب لوجون"، الذى قام بتعريف السيرة الذاتية فى كتابه "ميثاق السيرة فى الأدب“ بأنها: ”حكى استعادى  يقوم به شخص واقعى عن وجوده الخاص وذلك بالتركيز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته“.

أما النقاد العرب كما تقول الكاتبة نعيمة العجيلي فلم تشغلهم مسألة وضع تعريف جامع مانع لفن السيرة الذاتية، وإنما ركنوا إلى إتفاق أشبه بتعريف أكسفورد من حيث أنها "رواية حياة شخص ما مكتوبة بقلمه“.

ثم تعرج الباحثة  للحديث عن علاقة السيرة الذاتية، بالأنواع الأخرى مثل المذكرات اليوميات، والرواية، حيث تقول الباحثة بأنه أحيانا قد يصنف النقاد المذكرات بوصفها نوعا من أنواع السيرة الذاتية، لكنهما يختلفان إذ يمكن لكاتب السيرة الذاتية أن يستعين بمذكراته أو يومياته، ليسترجع من خلالها ذكريات الماضي ولأن كاتب المذكرات يعنى بتصوير الأحداث التاريخية، أكثر من عنايته بتصوير واقعه الذاتي وفى المجمل فأن الفرق بين المذكرات، والسيرة الذاتية  يكمن في مدى ارتباط كل منهما بالأحداث الخارجية من جهة، والتعبير عن الذات أو فعل البوح من جهة أخرى. 

في الفصل الأول من الكتاب تعرض الباحثة لتاريخ السيرة الذاتية في الأدب الغربي الحديث التى يعتبر أول من كتبها القديس أوغسطين عبر كتابه ”الاعترافات" في حوالي عام 399م واصفا نشأته الأولى، ومحبته لأمه وكفاحه ضد الشهوات والخطيئة ولقد تميزت اعترافاته  بالصراحة والتعري النفسي، وتذكر الكاتبة بأن كتاب مارغرى كيمب الذى كتب في أوائل القرن الخامس عشر أول رواية لسيرة ذاتية باللغة الإنجليزية ولكن لم يتم اكتشافه إلا في عام 1934م.

ويرجع كثير من النقاد بداية تقليد السيرة الذاتية، في عصر النهضة إلى كتاب "حياة  بنفتيو تشليني“ وكتاب "الحياة الخاصة  للطبيب الإيطالي جير وينمو كارد انو“.

كما ظهرت سلسلة من السير الذاتية،التي كتبتها نساء من القرن السابع عشر مثل القصة غير الكاملة لليدى لوسى هتشنسون، ومذكرات آن لليدى  فأنشو وعلى الرغم من أن كل هذه السير لم يتم نشرها إلا في القرن التاسع عشر، إلا أنها تقدم صورة واضحة للزمن الذى كتبت فيه.

خلال القرن السابع عشر، وفى القرن الثامن عشر برزت سير ذاتية صارت أعمالا كلاسيكية من الأدب العالمي من بينها، السيرة الذاتية لنجامين فرانكلين وما كتبه الفيلسوف ديفيد هيوم، وسلسلة المذكرات، التي أعدها إدوارد جيبون أما أهم ما كتب في هذا النوع الأدبي في القرن الثامن عشر، فهي اعترافات جان جاك روسو وتذكر الباحثة بأنه ثمة إرهاصات للسيرة الذاتية، في الأدب العربي بدأت منذ القرن الأول الهجري، كانت تعرف باسم الرسائل نظرا للتأثر بالنموذجين اليوناني والفارسي وتخص بالذكر الطبيب اليوناني جال يونس الذى كان أول المتأثرين به الطبيب حنين بن أسحاق الذى قام بترجمة كتبه من اليونانية إلى العربية. 

إضافة إلى ذلك كتب الفيلسوف الطبيب محمد بن زكريا الرازي رسالة دفاعا عن نفسه وهى سيرة جديرة بأن تكون سيرة فيلسوف، وأيضاً كتب ابن الهيثم رسالة سرد فيها تطوره الروحي حتى استقراره، على فلسفة أرسطو طاليس وكتب الطبيب والفيلسوف ابن سينا وعلى بن راضٍ ان المصري، وأيضاً من السير السياسية في القرن الخامس الهجري سيرة الأمير عبد الله بن بلقين، أخر ملوك بن زيري في غرناطة وقد عنون كتابه بالتبيان، أما سير المتصوفة فأهمها سيرة الأمام الغز الى التي ضمنها كتابه "المنقذ من الضلال“. أما القرن السادس الهجري فقد تميز بسير، كثيرة منها كتاب ”الاعتبار“ لأسامة بن منقذ.

وفى الأدب العربي الحديث فلقد كتبت السير الذاتية، عبر الدعاة للحضارة الحديثة بعد أن اتصل العرب بالحضارة الأوروبية، في القرن التاسع عشر  مما أفرز كتاب عرب يحملون لواء النهضة والدعوة للاستفادة، من النهضة العلمية والثقافية وكان رفاعة الطهطاوي على رأسهم وقد بدأ دعوته، عبر كتابة سيرته (تخليص الإبريز فى تلخيص باريز)  خلال سفره لفرنسا، كما كتب فارس الشدياق (الساق على الساق).

وفى القرن العشرين كان لكتاب الأيام، للكاتب طه حسين بصمة في تاريخ السيرة الذاتية وكتب أحمد أمين (حياتي) وكتب العقاد (أنا)، و(حياة قلم) وكتب ابراهيم المازني (قصة حياة)، وميخائيل نعيمة (سبعون). 

وفى الفصل الثاني من الكتاب تدخل الباحثة، إلى موضوعها الأساسي عن السيرة الذاتية في الآدب الليبي وتبدأها بكتاب "الحوليات الليبية"، للمؤلف حسن الفقيه حسن والذى تذكر الباحثة في كتابها: بأن ولادته كانت خلال العام 1781م ولقد تعلم القراءة والكتابة وحفظ القران، وتلقى قسطا من ومبادئ علوم الحساب وامتهن التجارة مع والده ثم عين عضوا فى مجلس الشورى بطرابلس، وسجل حسن الفقيه حسن وقائع أكثر من خمسين عاما يوما بيوم ً، وذكر فيه الأحداث السياسية والإدارية والتنظيمية الحربية البرية والبحرية، والأسعار والعملات والسوق وتجارة القوافل وكذلك الأحداث اليومية والشؤون الاجتماعية الجارية مثل الزواج والطلاق. 

أما الكتاب الثاني الذي تقوم الباحثة بعرضه في دراستها فهو كتاب (رى الغليل في أخبار بنى عبد الجليل) وهو كتاب كتبه (محمد بن عبد الجليل سيف النصر) بعد عشر سنوات من مقتل والده الذي لاقى مصرعه، عقب معركة قادها أبناء فزان ضد الحكم العثماني وقد فرغ الكاتب من تأليفه عام 1852، وقد وصف فيه مصرع والده وكيفية نجاته وفراره خارج البلاد إلى مصر، ويصف خلال رحلته المدن التي تجول بها في صعيد مصر، ثم اسطنبول وفيها تعرض للسجن وهرب منها إلى مالطا ثم تونس ثم للقسطنطينية في الجزائر، حيث أقام فيها وأنشأ دكانا للتجارة وسافر رفقة صديقه الجزائري إلى باريس ولقد نظم فيها قصيدة شعبية واصفا بها فرنسا وهناك أيضاً كتب كتابه (رى الغليل فى أخبار بنى عبد الجليل) وختمه في عام 1852م.

> رصد الباحثة للكتابات الذاتية خلال مرحلة الجهاد ضد الاستعمار الإيطالي

في هذا الجزء من الكتاب تعرض الباحثة، لمجموعة من كتابات المجاهدين الذين حاولوا تخليد الحدث التاريخ بمشاركتهم في الجهاد، أكثر من التعبير عن أنفسهم كما تقول الباحثة ومن وهؤلاء المجاهد أحمد زارم ومحمد حسن عريبي والهادي المشيرقى وعبدالرحمن الجنزوري.

تبدأ الباحثة حديثها عن كتب هذه المرحلة بمذكرات أحمد زارم وهو من المجاهدين الوطنيين الذين سجلوا تاريخ نضالهم ولقد كتب  ثلاثة كتب  منها كتاب (حتى لا يضيع التاريخ)، وكتاب (مذكرات صراع شعب مع مطامع الاستعمار). ولقد صدرت هذه الكتب على التوالي خلال سنوات 1972/1979، وتشكل هذه الكتب عملا واحدا حيث تسرد مسيرته الجهادية منذ عام 1926م حتى نهاية الستينيات.

وتذكر الباحثة بأن أهم ما حدث فى حياة زارم هو تعرفه، على بشير السعداوي  المهاجر إلى سوريا فى عام 1928م، حيث أصبح سكرتيراً للجنة التنفيذية للجاليات الليبية فى تونس ولكنه عاد فى عام 1948م، ليصبح سكرتيراً (لحزب المؤتمر الوطني العام) الذى أسسه السعداوى، ثم أنشأ صحيفة (الحرية) التى كانت لسان حال الشعب للمطالبة بالاستقلال، وهى التي قادت العصيان المدن، حيث تم إلقاء القبض عليه ونفيه إلى تونس وعاد فى عام 1961م, 

> كتب سير الرحلات 

تذكر الباحثة بأن هناك كثير من كتب الرحلات التي كتبها الرحالة الليبيين ومنها في العصر الحديث رحلة الهادي المشيرقى إلى اليابان التي وضع لها كتابا عنوانه (ليبي في اليابان) عام 1957م كما وضع كتاب أخر عن رحلته إلى الهند وهو (مشاهد أتى في الهند) عام 1967م.  وكذلك ما دونه محمد سعيد النشاط عن زيارته لسودان ومصر وألمانيا وموريتانيا فى كتابه (مشاهدات صحفي). وما كتبه الصحفي الأديب نجم الدين الكيب، ضمن كتابه (ذكريات مسافر) وما نشرته السيدة الرائدة فى التعليم والسفر السيدة خديجة عبد القادر فى السلسلة الصحافية التي نشرتها بصحيفة ليبيا الغرب (ليبية في بلاد الإنجليز)<

> كتب السيرة الأدبية الليبية 

شهدت نهايات القرن العشرين تطورا ملحوظا، في كتابة السيرة الذاتية الأدبية فكتب عبد الله الكويرى سيرة حياته الأدبية والفكرية،فى كتابه(الوقعات)، ثم أصدر أمين مازن كتابه (مسارب)  والأديب كامل المقهور فى كتابه(محطات)، وعلى فهمى خشيم في كتابه (هذا ماحدث) وتعرض الباحثة للنبذة قصيرة لكل كتاب من الكتب المذكورة ثم تخصص الفصل الأخير للكتاب لدراسة  فنية تناقش  فيها كتاب (محطات) للأديب كامل مقهور، وكتاب (هذا ماحدث) للأديب على فهمى خشيم. 

كتاب (السيرة الذاتية فى الأدب الليبى) كتاب مهم، للباحثين والدارسين في مجال السيرة الذاتية والأدبية للأدباء الليبيين، وبالتأكيد نحتاج لمزيد من الدراسات عن هذه النوعية من الإصدارات والكتب التي تقدم شهادة أدبية واجتماعية وسياسية  في ليبيا.

الكتاب صدر في عام 2010م، أي منذ أكثر من عشر سنوات ولقد صدرت خلال العشرة سنوات الماضية، الكثير من كتب السيرة الذاتية والمذكرات لأدباء ليبيين وسياسيين تناولوا المراحل السابقة من عمر الوطن، بالتالي فنحن دائماً في حاجة لمثل هذه الدراسات المهمة التي توثق وتحلل هذا اللون الأدبي المهم.


نشر بمجلة الفصول الأربعة العدد (132)، يناير 2022.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

    إنتصار بوراوى تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدا...