السبت، 1 يناير 2022

شموس من مدينة درنة

 

إنتصار بوراوى

بالصدفة وقع بين يدي كتاب، بعنوان "شموس من مدينة درنة " للباحثة سليمة بن حمادي وهو كتاب صغير في حجمه، بسيط في إخراجه، ولكن حين استغرقت في مطالعته وقرأته وجدته كبير في مضمونه واكتشفت بأنه يحوي على كنوز معلوماتية لم يهتم أحد بها رغم ان الكتاب صدر منذ عام 2000 م    

الكتاب زاخر بكثير من الأسماء للرائدات الليبيات من مدينة درنة على مدى تاريخ طويل ويبدو واضحا الجهد الذي بذلته باحثة الكتاب في التقصي والرصد لتاريخ منسي ومهمل من الذاكرة الوطنية للنساء الرائدات في بلادنا من كافة المجالات

 ونتيجة لكثرة الأسماء الموجودة بالكتاب أخترت أن أعرض منه بعض الأسماء لوجوه رائدة نسائية من مدينة درنة في التعليم والصحة وفى عالم الكتابة لأن المجال  لا يتسع لذكر جميع الأسماء التي أجرت باحثة الكتاب جهدا دؤوبا في البحث عن سيرتها الذاتية المهنية وصورها وعطاءاتها للوطن كما يبدو من خلال المراجع الصحفية والمقابلات الشخصية مع من لازلن  منهن على قيد الحياة

من أهم الشخصيات الملفتة في الكتاب التي افردت لها الباحثة قسم  من لكتاب هي اول مدرسة افتتحت فصل لتعليم الفتيات في مدينة درنة وهى المعلمةوالمربية الفاضلة مفيدة كارلون

 

فمن هي مفيدة كارلون ؟؟

مفيدة كارلون حسب ما تذكر الباحثة سليمة بن حمادي في كتابها "شموس من بلادي" هي من مواليد حلب بسوريا عام 1892، تلقت تعليمها في بلادها وشاركت في مظاهرات الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي في سوريا ،تزوجت من المرحوم "عبدالله الشويهدى" من مواليد بنغازي الذى كان مهاجرا الى سوريا ،وحين عاد الى ليبيا عادت بمعيته اذ قدم بها ليقيما بدرنة   وبعد تسعة اشهر من استقرارهم بالمدينة توفى وتركها ارملة  وتزوجت بعده بالمرحوم "محمد بن فايد

كانت تجيد اللغتين العربية والفرنسية الى جانب ألملمها بالتركية واليونانية وتعلمت في ليبيا الإيطالية ثم الإنجليزية، وكانت بشهادة جميع عارفيها متدينة صوامة صالحة تشارك قدر الإمكان في الأعمال الخيرية ومنها جمعها للتبرعات لصالح القضية الفلسطينية 1948

بدأت مفيدة الخوجة بتشجيع من زوجها مشوارها فى تعليم البنات بمدينة درنة وفتحت اول فصل دراسي فى عام 1926 وبدأت الخطوة الاولى في تعليم المرأة في مدينة درنة فى عصرها الجديد مجموعة من الطالبات هن

فتحية قدور ..جميلة صوان ..مبروكة بوغرارة ..نفيسة الجاضرة ..غالية بوغرارة ..خديجة اكسيندة ..حلوم مكراز..حميدة صوان ..خيرية الثلثى مبروكة الجاضرة ..مريم كريكش ..غزالة الطيب ..مبروكة بحيرى ..عدوية بوخطوة

فتحت أول فصل دراسي لتعليم البنات فى مبنى بشارع الفنار يقوم عليه حاليا مبنى “مدرسة النصر للبنات"  ورغم  أن نظافة الهندام كانت شرط أساسي الا أنه لم يكن هناك زي مفروض على الطالبات فكن يرتدين الزى الشعبي وكذلك الحقائب فقد كانت حسب ظروف كل طالبة كما كن يحضرن افطارهن من بيوتهن وكان نظام الدراسة خمس سنوات فقط وقد انفردت السيدة "مفيدة الخوجة" بتدريس جميع المواد واستمرت مفيدة فى العطاء حتى عام 1944-1945 ثم استقالت من العمل ولزمت بيتها الى ان توفاها الله وتولت بعدها المرحومة "فتحية شنيب"


نورية سالم الثلثي أول مدرسة ليبية

من بين سيرة الرائدات التي لفتتني بالكتاب  سيرة أول معلمة ومدرسة للبنات في مدينة درنة كما تذكر الباحثة سليمة بن حمادي في كتابها الشيق "شموس من بلادي "  وتذكر الباحثة والكاتبة بأنه فى عام 1931 برز أسم" نورة سالم الثلثى" التي تخصصت في مادة الدين ويرجح أنها تلقت تعليمها على يد والدها الشيخ "سالم الثلثي" احد حفاظ القران الكريم وأحد الذين امتهنوا تحفيظه للطلاب وتعد "نورية سالم الثلثى" أول مدرسة ليبية فى درنة ،وكان معها غزالة عاشور الطيب النويصرى التي درست التمريض في طرابلس لكنها اختارت مهنة التعليم ولطيفة كلفة وفاطمة بحيرى وهن من اوائل المعلمات اللواتي تخرجن من مدرسة "مفيدة الخوجة"

 

خيرية على بن حمادي أول طبيبة ليبية فى درنة

 

تعد "خيرية على بن حمادى" كما تذكر الباحثة سليمة بن حمادى في كتابها اول  امرأة نالت شهادة فى مجال الطب  في تخصص امراض النساء والولادة الى جانب التمريض ايام الاحتلال الإيطالي الاستعماري لليبيا وتلقت التعليم باللغتين  العربية والايطالية ،ومن زميلاتها في الدراسة مرزوقة عزوز ،عائشة الشريف، منى بن خيال، عزيزة القر يتلى ،مرضية الشريف ،مرزوقة قدور ، لطيفة كلفة، امينة الحداد، غزالة بالقاسم، علجية الكواش، مريم اشليمبو ،سالمة الحصادى ،عصرانة ساسى ، ميرى القريتلى، فاطمة استيتة ،حميدة سرقيوة، مبروكة الاسطى عمر، وغيرهن ممن كن يتلقين التعليم على يد المعلمة مفيدة الخوجة ،وكانت الدراسة والسفر خارج المدينة شيئا غريبا على عقلية الرجل الليبي آنذاك ولايقبل به العرف وكان لوالدها المرحوم "على بن حمادي " ولأخيها الاكبر "محمد على بن حمادي" اثر كبير على تشجيعها  ودعمها للسفر إلى طرابلس  للدراسة  وعادت الى درنة  بعد دراستها لمدة سبع سنوات  في طرابلس ،  وقد تحصلت على شهادة رسمية تتضمن تخصصها في مجال طب النساء والولادة الى جانب التمريض  ولقد رشحت للدراسات العليا في ايطاليا لكن والدها لم يوافق وأدت عملها بكل  أخلاص في مجال الطب إلى أن تقاعدت.


أول روائية ليبية ..مرضية النعاس

وتتحدث الباحثة سليمة بن حمادي عن أول روائية ليبية الصحافية والروائية الليبية ابنة درنة الفيحاء الكاتبة مرضية النعاس

ولدت الكاتبة  مرضية النعاس  فى درنة عام 1948 ، وتحصلت  على ليسانس القانون من جامعة قاريونس، وبدأت الكتابة للإذاعة بمذكرات طالبة في برنامج عن الطلبة والمعلمين  كان  يقدمه الأستاذ التربوى الأستاذ "فرج الشويهدى" ، ونشرت انتاجها في صحيفتي الزمان والرقيب  والكاتبة مرضية النعاس هي  اول امرأة ليبية كتبت الرواية ،وذلك عبر روايتها "المظروف الأزرق" ،اصدرت بعدها مجموعة من الروايات والمجموعات القصصية ، "شيء من الدفء" بنات داخلي" "رجال ونساء" "غزالة"  كتبت خلال فترة ستينيات القرن العشرين مقالات صحافية في مجلة "المرأة الجديدة" ونشرت بعدها في مجلة البيت" الاسبوع الثقافي"  وكتبت لمجلات عربية الوعى العربي، الصياد اللبنانية  ، ولتم دراسة أعمالها الروائية عبر كثير من الدراسات والمقالات النقدية كما كانت قصصها ورواياتها مصدر للبحاث والدارسين فى جامعاتنا حيث اتخذها الدارسون للأدب العربي مادة لنيل درجات علمية مثل الدكتور احمد ابراهيم والاستاذة شريفة القيادي والدكتورة سالمة ابراهيم وغيرهم.


الأربعاء، 29 ديسمبر 2021

الْـكِـتَابَةُ واسْتِشْرَافُ الْمُسْتَـقْـبَل

 


  انتصار بوراوي

 كنت منذ أيام مُنكبّة على قراءة بعض الروايات التي صدرت قبل عام 2011 م لبعض الروائيين الليبيين فلاحظت أن ثمة استشراف في رواياتهم لما حدث فعلا في عام 2011م  وكل ذلك يعطينا دلالة على إن الكتابة الإبداعية الشعرية والروائية والمسرحية ليست فقط بحثا عن الحقيقة بل هي أيضاً تحليق في مفازات الخيال واستشراف للمستقبل.

في رواية “الأيام الأخيرة لعلاج” للروائي الليبي محمد العريشية يروي الكاتب تفاصيل المصير الدموي لقرية “علاج” في مدينة سرت وهي القرية التي يقطنها الكاتب في ضواحي سرت ،تذهلك تفاصيل الرواية وما يحدث للقرية من دمار وحرب فهنا عين الروائي رأت بعين العارف مالا يراه البشر العاديّون و رسم خياله مالم يكن في الحسبان أبدا وماوقع وحدث  في سرت بعد ثورة فبراير.

وفي رواية القاصة و الروائية “نجوى بن شتوان ” “وبر الأحصنة” ثمة رؤية مستقبلية للبلاد وكيف ستنقلب إلى فوضى بفعل استبداد حاكمها ،كل ذلك في لغة مشفرة ومحملة بكثير من الرموز والمجاز والخيال الذي تبدع الروائية في نسجه برواياتها.

 الروائي محمد الأصفر فى روايته “سرة الكون”  استشرف وقوع حرب أهلية في البلاد وقصف للطيران الأمريكي والغربي وحالة من الهلع والهروب لأهل البلاد ولحالة التناحر بين قبائلها ومدنها وانتشار الأسلحة بين أيدي الناس.

الرؤية الاستشرافية لدى بعض الروائيين الليبيين كانت واضحة في كثير من الروايات ولكن أغلب من كانت لهم هذه الرؤية الثاقبة للزمن، ولاستقراء لحال البلاد قبل الانفجار والزلزال العظيم الذي حدث في عام 2011م، لم ينشروا رواياتهم داخل البلاد نتيجة قمع الرقابة والسلطة ،فمثلا هذه الروايات الاستشرافية الثلاثة التي قرأتها نشرت في دور نشر عربية ولم يقرأها كثير من القراء الليبيين.

أيضاً هناك قلة من الشعراء المميزين ،في خارطة الشعر الليبي كتبوا بعين الرائي عن مستقبل البلاد في ظل القمع والفساد الذي أكل كل شيء في البلاد قبل 2011م مما أدى في النهاية لانهيارها بهذا الشكل المأساوي الذي تعيشه اليوم ولكن مشكلة الليبيين أنهم شعب غير قارئ، وغير متابع للنتاج المختلف ،الذي يقرع نواقيس الخطر وهذا ما يحدث حاليا من حالة عدم استشراف أفق ما يحدث من تفكك للبلاد وغلبة أصوات القمع وفرض الرأي الواحد وانتشار ثقافة الإفلات من العقاب وكأن دوائر الزمن في الوطن تعود للوراء دائماً ولا تريد أبدا أن تتعظ من المآسي والنهايات التراجيدية من نشر ثقافة القمع وكبت الحريات في البلاد وتغوّل الأيدلوجية الدينية المتطرفة وتشكلها في ميليشيات باسم الله والدين فأحرقت البلاد وعاثت بالفساد والخراب فيها.

هنا يقف دور الأدب في أعلى تجلياته وهو البحث عن الحقيقة والتنوير وعدم موالاة أي سلطة سياسية أو دينية ،فالأديب والكاتب ليس كلب حراسة للسلطة مهما كان اسمها أو نوعها ،بل هو دائماً في الجانب النقيض لها، دوره تنويري ويحمل رؤية استشرافية للمستقبل تقرع أجراس الخطر وتنبه النيام من غفلتهم ،أما التصفيق والتطبيل والهيحان غير العقلاني الذي يعمل على تضليل الناس فهو ليس دور الأديب والكاتب الحقيقي ،وإنما هو دور الكتبة مدفوعي الأجر من أجل حضور المهرجانات المزيفة والمتزلفة لكل سلطة جديدة تستلم مقاليد الحكم واللهاث خلفها في الفنادق الفخمة لأجل بضعة سفريات في هذه العاصمة أو تلك ومعها حفنة من الدولارات ،ليبقى الأدباء الحقيقيين حاملين مشاعل التنوير والحرية ، هم وحدهم القابضون على جمر الوعي يسيرون في درب نشر الحقيقة واستشراف الواقع بكل دراميته وفانتازيته ووجعه مهما كانت الخسائر في طريقهم الطويل.

” أنتَ قُلْتَ ” … رواية الحب القاتل

 


انتصار بوراوي 

“أنت قلت” هى رواية كتبتها الكاتبة الهولندية كوني بالمن وقامت بترجمتها الشاعرة التونسية  لمياء المقدم، وصدرت هذا العام ضمن سلسلة الجوائز في الهيئة العامة للكتاب المصرية ، فى الرواية تحاول الروائية الغوص في عالم وتفاصيل أشهر ثنائي في عالم الشعر والحب الشاعران سيليفيا بلاث و البريطانى تيد هيوز .

كانت سيليفيا بلاث في الرابعة والعشرين من عمرها  في عام 1956 حين سافرت من أمريكا إلى انجلترا للدراسة في جامعة كامبريدج حيث التقت هناك لأول مرة بالشاعر الشاب  تيد هيوز الذي كان في بداية حياته ،وحدث بينهما انجذاب وقصة حب عنيفة انتهت بالزواج  واستمرا زوجين لمدة سبع سنوات، ولكن  العلاقة الزوجية بينهما كانت متطرفة ومضطربة بانفعالات غيرة سيليفيا وعبث الشاعر تيد هيوز  وحين اكتشفت الشاعرة  سيليفيا خيانة زوجها تيد طلبت الطلاق منه وبعد عام من طلاقهما  انتحرت بوضع رأسها في فرن الغاز في عام 1963 ،وتذكر الكاتبة الهولندية كوني بالمن في هامش بآخر الرواية بأن روايتها هى  سيرة ذاتية عن قصة الشاعرين ،جمعتها من خلال قراءتها ومتابعتها لنتاج الشاعرين، والديوان الأخير لهيوز والمجموعات الشعرية والرواية واليوميات التى تركتهن الشاعرة خلفها قبل انتحارها

الشاعر الانجليزى تيد هيوز الذى ظل صامتا طيلة حياته ولم يتحدث عن انتحار زوجته  يتحدث في هذه الرواية بصوت عال ومسموع، فالصوت الميهمن في الرواية هو صوت الشاعر بضمير المتكلم يروي خلال الرواية تفاصيل العلاقة المخفية فيشد أنفاس القارىء الذي يتابع السرد الجميل الذي تبدع الكاتبة فيه حيث تتقمص الكاتبة روح تيد هيوز وتتكلم عن مشاعر الشاعر  وأحاسيسه وأفكاره ،فالكاتبة منحته صوتا كي يعيد سيرة حكاية علاقة الحب والزواج التى استمرت لمدة سبع سنوات ،وكي يعيد النظر في شخصية زوجته المنتحرة الشاعرة سيليفيا بتحليل أعمق من نظرته الأولى وبداية معرفته بها التي كانت سطحية في البداية أو كما يقول الراوي تيد هيوز في مقطع من الرواية ( من عرفها ظاهريا لم يكن ليتكهن أبدا بأنها تخفى بداخلها مقاتلة شرسة وأنها أكثر بكثير من تلك الفتاة الأنيقة التي ترفع شعرها في ذيل حصان) ص28



ثم يسرد صوت الراوي وقائع لسيليفيا في تجارب خطيرة وقفت فيها أمام الموت وجها لوجه دون خوف بل وبرغبة جامحة به ،كل ذلك منح بداخله رغبة في حمايتها لإدراكه بهشاشتها الداخلية ، وكثيرا  ما يقطع الراوي تسلسل أحداث الرواية التى يسردها عبر صوت المتكلم الشاعر تيد هيوز ليحلل كل محطات العلاقة منذ بداية اللقاء الأول مرورا بيوم زواجه بها إلى آخر لحظة رآها فيها فيعمد أحيانا إلى تحليل ذلك  عبر مفاتيح كثيرة يحاول عن  طريقها فك  شفرة شخصية زوجته السابقة والأسباب الحقيقية التي قادتها للانتحار  ويستذكر  رموز وإشارات الأحلام التي راودته خلال معرفته بها وقبل أن يتزوجها والتي تحمل مضمون تحذيري من زواجهما حين يتحدث عن ذلك بالقول:

(كنت أصدق أحلامي وأبحث لها عن تفسيرات ،ودربت نفسي على تذكرها منطقة اللاوعي لدى الشاعر هى مخزن معادل  للمعرفة  في استعارات قديما قدم الزمن، وعليه أن يألفها ويتألف معها وعليه أن يجرؤ على  فك ألغازها  لأنها تملك حقيقته)

صوت الراوي الشاعر هيوز يسيطر على كل الرواية فى نفي تام لصوت سيليفيا ورؤيتها للعلاقة حيث جرد الراوي سيليفيا من حقيقتها المجهولة وصورها كامرأة مريضة ومحتالة حتى في كتابة الشعر ، وذلك في كلماته عنها في الصفحة  46  من الرواية “لم تكن تملك الكثير من الخيال فكل رموزها وصورها واستعاراتها المنمقة ابتاعتها بحرفية من مجلد روجيه”

يروي هيوز بطل الرواية تفاصيل الحياة اليومية ،المشتركة مع سيليفيا بعد زواجهما وعيشهما فى شقة صغيرة بلندن ،حيث عمل الشاعر مدرس لطلبة ثانوية وواصلت هي دراستها الجامعية العليا في جامعة كامبردج ، تلك التفاصيل الصغيرة التي توضح طبيعة علاقتهما الممتلئة عشق وحب ونشاط وحيوية ومشاركة في البيت وفى طباعة كتاباته الشعرية  و إرسالها لدور النشر، وتشاركهما في قراءة الكتب معا ومناقشتها  ثم يروي صوت الشاعر  تفاصيل الإرباكات التي حدثت لعلاقتهما نتيجة نفور أخت الشاعر تيد هيوز لسيليفيا والمعاملة الجافة السيئة التي قابلتها بها منذ أن تعرفت عليها ونوبات غيرتها وشكوكها المتوالية  .        مؤلفة الرواية كوني بالمن ترسم صورة الشاعرة سيليفيا فى الرواية كمخطئة ومتشككة دائما بينما ترسم  صورة الشاعر تيد هيوز ،وكأنه الحمل الوديع الذى يعاني من غيرة وشكوك زوجته دون أي تعاطف من كاتبة الرواية، لما عانته الشاعرة من ألم وكمد نتيجة نزوات زوجها والتي انتهت بالظهور الدراماتيكى للشاعرة “اسيا ملفيل ” فى حياتهما فكانت كالقشة التي قصمت ظهر الزواج وأنهته .

 حيث أعجب بها  تيد هيوز ووقع بغرامها وصارح زوجته برغبته في الابتعاد عنها وعن ولديهما ،لعيش تجربته الغرامية مع حبيبته الجديدة “اسيا ملفيل” وتعمدت المؤلفة أن تضع الإطار المجهول لما حدث فعلا بين الشاعر تيد هيوز وصديقة العائلة الجديدة الشاعرة اسيا ملفيل ،في إطار سردي يجعل القارىء يتعاطف مع خيانة هيوز ويضع لها مبررات ، فهى لم تمنح جانب من الرواية لما انتاب سيليفيا من قهر وألم وأحساس بالغدر والخذلان من زوجها الذى تزوجته بعد أن خاضت معه قصة حب رائعة وتشاركت معه فى زواج لمدة سبع سنوات، أنجبت خلاله بنت وولد بل جعلت صوت الراوي المهيمن على الرواية الشاعر تيد هيوز يضع الحجج والتبريرات     لا نتحارها بعيدا عن مسؤوليته تماما ،ولم تكتف مؤلفة الرواية بذلك فى دفاعها المستميت عن الشاعر بل إنها مرت بسرعة في سردها عن النهاية التراجيدية لزوجته التالية التى أنهت حياتها بالانتحار أيضا مع ابنتها بوضع رأسها بالغاز ، بنفس طريقة موت زوجته السابقة وذلك عبر أسطر مقتضبة  يتحدث فيها الشاعر عن الحادثة المفجعة بقوله ” بعد مرور سبع سنوات على لقاءنا الأول حاولت حبيبتى ليليث  المعذبة أن تحصل على حياة في مستوى حياة زوجتى السابقة عبر تقليد موتها بالحرف والانتهاء إليه وفى  الثالث والعشرين من شهر مارس 1969وضعت رأسها في الفرن وقتلت نفسها ومعها ابنتنا شورا ذات الأربع سنوات”

بأسلوب حيادي وقاس  تروي المؤلفة على لسان صوت الراوي تيد هيوز تفاصيل موت الزوجة الثانية بنفس الطريقة التي أنهت بها زوجته السابقة حياتها واضعة تفسير غير إنساني على لسانه بقوله :”بأنها رغبت بالموت والانتحار لأنها رغبت بالحصول على شهرة  زوجة زوجها السابقة  بعد انتحارها” وهو تفسير غير إنساني ومعبر عن رغبة ملحة لدى الروائية  لإيراد تبريرات لشخصية الشاعر تيد هيوز الغامضة التي أصابت لعنته كل امرأة أحبته  ولكن الرواية حسب مطالعتي ، لم تفلح بكل جمال وانسياب سردها بأن تهب القارىء تعاطفا مع بطل الرواية والصوت الراوي المهيمن على الرواية التى حاولت الكاتبة عبر استعارة صوته إيجاد  مساحة للتعاطف معه ،وتبرئته من مسؤوليته  فى المصير التراجيدى لكل إمرأة أحبها وأحبته بعنف ،لتبقى أسرار النهايات التراجيدية لنساء الحب القاتل والمسموم والمدمر لشاعر البلاط الملكى البريطانى ميتة ومدفونة مع أبطالها إلى الأبد.

لينا الطيبى تهز الحياة

 









إنتصار بوراوي 

 ثمة شيء فى شعر الشاعرة السورية لينا الطيبى يأسر قارئها و يأخذ معه هفيف الروح لعلها الصوفية العالية المرتسمة  فى قصائدها، أوأبجدية تفاصيل روحها المشعة عبر نصوصها الشعرية ، التي تمنح القارىء أحساسا بانه  يجوس بداخل روح شعرية صافية كقطعة الماس مبهرة عبر مجموعة قصائدها المنشورة فى ديوانها الشعرى “أهز الحياة” ، نلملم خيوط القصائد التي  تنسجها الشاعرة من هدير الفقد وتواجه بها التلاشي في زمن تآكل المشاعر  الإنسانية وتشوهها

أهز الحياة هو عنوان الكتاب الذي يحتوى على مجموعة قصائد  قصيرة وطويلة تبداها الشاعرة بقصيدة نعناع الأهل” التي نلمح فيها توق شفاف وشعرية عالية تناجى مذاق صور الآهل والأحبة الذين تستقى الشاعرة فيضهم الدافق من أنين أرواحهم داخلها فالأهل مغروسون فى خلايا جيناتها مهما أبتعدت عنهم:

الأمل فى ضحكة الأهل

أصواتهم تحفر وتحفر

أصواتهم تأخذ بأيدينا وتمر بأيدينا

ينهض الأهل فينا

يتناسلون فى دمعة اعيننا يربتون على ألواح أكتافنا

وكأن الذات الشعرية هنا تستشعر الذنب لفقدان الأهل نتيجة غربة المكان فتجترح اهاتها الممزوجة بالحنين لزمن الطفولة ولنعناع الشاى فى  فنجان الأهل

الأهل فى البعيد يستعيدون ذكرياتنا

يستنطقون الحجر فى غيبة أصواتنا

و تهز الشاعرة الحياة بتأمل الأمكنة التي تركتها خلفها وتحدق فيها من على بعد:

من بعيد وقفتُ
أُحدق بالممرات الكثيرة التي تركتُ
بالأشجار التي تمايلتْ عند خطوتي
بالماء الذي موجته أحجاري الصغيرة
بالسفن التي عبثت بأحلامي
بالشمس تجدل أسمرها
بالقمر يضوي
وبالنجمة تنحدر لتلامس ما كان شباكي
من بعيد نظرتُ
يدي تهزّ الحياة
وقلبي  ينتفض

هنا تبدو روعة قدرة الشاعرة على عدم ترك الحياة  تهزها أنما هي التي تهزها بقدرتها الفائقة على تأملها من بعيد لترى بوضوح أكثر فالأشجار  تتمايل عند خطوتها وأحجارها الصغيرة  حركت المياه الراكدة  وحتى السفن لم تحطم أحلامها وانما عبثت بها فى مرور عابر ، الشاعرة بيدها  تهز الحياة اليد هنا هي  صورة للفعل  الذي هو فعل الكتابة الشعرية التي تواجه بها الموت والفقد .

كل مقطع فى القصيدة يبدأ بعبارة من بعيد لتؤكد الشاعرة على  ان النظر  لكل شىء من على بعد مسافة   يهب الذات  وضوح اكثر ويمنحها قدرة على  التناغم مع الكون أكثر  فى  قصيدتها المعنونة ب”صمت يتمم ركعتي”نجد النفس الصوفي عاليا لدى الشاعرة فى هذه القصيدة التي تناجى الله عند انكسار حلم الحبيب الذي  تلاشى حضوره في حياتها على حائط الغدر

في كل مرة حلمتُ
ردّني الله إلى ركبتي
جلستُ، وصليتُ
وتساقط تعب عن كتفي
كنتُ حلمتُ بالسنونوة
تخطفُ قمحها من راحتي
أتلمسُ جناحيّ
وأتلمسُ الطيران في جناحيها.

الله كان يحبني.

كطائر السنونو الذى يرحل باحثا عن قمح الحياة تهاجر الشاعرة بانخطاف الروح فى ركعة الحب إلى وجه الله  لتتقمص وحدتها بعد ان غدا  صهيل الأخر يرتجف فى العراء لينسج الصمت مسارب حياتها ولكنها بوجد صوفى جميل تعلن بأن الله يحبها.

فى قصيدتها المعنونة ب” ناهض الألم”  يتبدى الحزن والوجع الذي يسربل جسد هذه القصيدة التي  تعرى وجع الروح  في  قسوتها على ذاتها قبل قسوتها على الأخر

لم تكن وجوهنا التي تعرتْ
غير وجوهنا التي تعرت
ولم يكن شعاعنا غير الشعاع
لم يكن موتنا غير موتنا
ولم نكن أكثر مما..
جمع الماضي انفراطه في راحاتنا.

ما أجلّ من قسوة علينا هي قسوتنا.

أمل وأنكسار ماكان

الروح هنا تحاول النهوض من جديد  من ألم الانكسار وانفراط ماكان وفى صفاء روحى تنشد الشاعرة نشيد الحياة  عبر كشفها العرفانى الجوانى  للوجوه التى انكشفت وغدت مجرد ماضى انفرط بقسوة فى راحة اليد.

فى قصيدتها الطويلة” مقتطفات لسيرة طويلة من تاريخ الروح” تأبجد الشاعرة كل مضامين الفقد ، ،و تتهجى الحياة بدون الأخر الذى انفرط و سقط من الماضى والحاضر والمستقبل ، بينلوب الشعر هنا لاتنتظر رجوع أوديسها  وإنما هى تنسج عبر حبكة شعرها نشيد الفقد العظيم لرفيق الروح الذى سقط فى عتمة الطريق بينلوب الشاعرة  هنا تحيك كفن الفراق ولا تنتظر "أوديسها" الذى قصم روحها بفعل الخيانة

أرسم ذكرياتي على جدار كبير
لأمحو كل ما مضى
لأستقبل الآتي بنشوة الحلم
وبالماء والماء والماء.
أزيّن فوضى الرفوف
وأهبط
لأكتب من جديد:
هذا التاريخ أنتَ
صنعته وصنعتني
وحفرت به الألم
وأنهضته بالسطوع وواريتني.

حزن العاشقة التى تصرخ فى وجه عاشقها الذى قتلها بالتخلى وكأنها صوت جثة القتيلة وهى تصرخ فى وجه قاتلها  فهى لاترسم الذكريات لكى تحتفظ بها بل  لكى تمحوها وتنزعها من ذاكرتها  لتستقبل الأتى بالحلم.

لعل قصيدة نزوة تبدو وكانها مكملة لقصيدة”  ناهض الألم  ” التى تعبق بنف
س الروح الشعرية المصلوبة فوق عمدان  الغدر والروح المكلومة المتفجعة على أفتراق روحين بفعل  نزوة عابرة:

ولأجل نزوة
امضى قتلاً من عبورها
ذهبتَ بالماضي الى مقبرة الموتى
وأقفلتَ المستقبل بمفتاح الخيانة

ففعل الخيانة يقصم الروح العاشقة والمحبة ، فكيف حين تكون روح شاعرة  وزوجة هى أليفة الأنسجام الفكرى والروحى  للأخر الذى أهداها الأذى، الشاعرة فى هذه القصيدة تعلو و تعلو بتراجيديا فعل الخيانة الذي قد يرتكبها الأخر ولو فى نزوة عابرة غير مدرك بأنه يقصم روح قريبة جدا منه :

ولأجل نزوة
تركتَ قلبي يخون ذكرياته
ويكّذب ضحكاته
ويصفع رقته
بخنجر من موت

تتبدى القسوة المفرطة فى فعل الأخر الذى يحول كل ماكان الى كذبة كبيرة  ويهوى بصفعته على الرقة والحنان والمحبة  بخنجر الغدر

لأجل نزوةٍ صغيرةٍ
عابرة، ربما
تركتَ يدي إلى مقتل
وروحي في مهب شقاء
وقلبي إلى فحمةٍ سوداءَ
تشعله
وتطفئ بدخانها
ما تصاعد من نداء.

لأجل نزوة صغيرةٍ
أقفلتَ الستائر
وأزحتَ الشمس
وأهلتَ التراب على الذكريات والصور

ولأجل نزوة عابرة
جمعتَ الخواتم
وسوَّرتَ حفيف البكاء بصرخة مكتومة

تذهلنا الشاعرة فى هذه المقاطع  بمدى العشق الذى  أمتلك روحها   فتنشج  بصوت فجائعى مكروب مصير كل جنون الحب فى قلبها  الذى يكاد يكون غير قابل للتصديق وأقرب للخيال  وتستدعى صور ماكان وما انتهى بفعل نزوة عابرة  و الجميل والمؤثر أنه لاوجود للكراهية لأو الحقد فى قصائدها رغم فعل الخيانة من الأخر فقط ثمة ألم  عاصف وقوى  زلزل اركان العاشقة المتولهة بمن احبته ومناجاة مكلومة  محفوفة ببكاء لايهدأ دون قدرة على إطلاق صرختها المكتومة على فعل القتل لروحها العاشقة والمتولهة بالحبيب ،ثمة روح صافية  حلقت فوق مشاعر البغض والكراهية ونسجت مشاعر متاملة فى فعل خيانة رفيق الروح  الشاعرة “لينا الطيبى ”  فى ديوانها “أهز الحياة”  بدت فى قصائدها   روح شاعرة صادقة متأملة شفافة  ترصد وجوه الأهل والأحبة والأمكنة وتبكى موت الحب بغنائية عالية وعاطفة كاسحة تهدر فى روح قارئها بشجن عميق محمل بوجد صوفى يتماهى فى حالة العشق بالأخر لدرجة  كادت أن تصل لحد الفناء فيه عبر مجموعة  قصائدها التى هزت شجرة الحياة بفعل التأمل بهدوء وعمق فيها فتساقطت  في يدها كل ثمارها المبهجة والمؤلمة.

 

الثلاثاء، 28 ديسمبر 2021

محظية” بين الواقع والفنتازيا


مناقشة رواية اغتصاب محظية لعائشة الأصفر.
مناقشة رواية اغتصاب محظية لعائشة الأصفر.

ربما اول ما يجذب القارئ لرواية “اغتصاب محظية” للروائية الليبية عائشة الأصفر هو اسمها الملفت الذي يثير في الذهن عدة أسئلة عن فحواها.

فاسم محظية المقترن بعنوان الرواية يحمل معنى الامرأةٌ التي تُفضَّل على غيرها في المحبَّة وبالأخصّ عند أمير أو مَلِك أو رَجُلٍ ذي سلطان، ولطالما كانت المرأة المحظية في التاريخ العربي هي العشيقة، ولكنها في الرواية هنا هي أبنة أمير وزوجة حاكم البلاد.

 اقتران اسم محظية بفعل الاغتصاب يجعل ذهن القارئ يتخيل بأن محتوى وفحوى الرواية يدور حول جريمة جنسية يحدث فيها فعل اغتصاب لبطلة الرواية “محظية”، ولكن ما أن نتوغل بقراءة الرواية سنكتشف بأن العنوان رمزي وبه إسقاط قصدته الروائية باختيارها له بهذا الشكل الصادم للقارئ لأول وهلة.

تبدأ الرواية بحديث لصوت الراوي الذي يتحدث عن نفسه وعن ولادته وعلاقته بالآخرين، ونمضي قليلا في القراءة لنكتشف أن صوت الراوي المتحدث هو أصبع وليس شخصية من لحم ودم

وبأسلوب فانتازي تحملنا الروائية إلى عالم وحياة الأصبع الذى تطلق عليه اسم زايد ، وهو الأصبع السادس في يد شخصية “ابوستة” الذى تفرد الروائية مساحة لسرد  حكايته مع الأصبع ومحظية والأمير حيث يختلط الواقع بالخيال في سرد القسم الأول من الرواية التي تتحدث بصوت الراوي “الأصبع زايد”، الذى هو في الحقيقة ليس إلا الأخ التوأم “لابوستة” الذى لم يسمح له بالتحقق والخروج للحياة من رحم أمهما ،وتحول إلى أصبع سادس في يده ، حيث بدا كجاسوس على أخوه حيث يشاهد كل تفاصيل حياته اليومية حتى الحميمية بفراش زوجته وحين يضيق بوستة من اصبعه ويشعر بالحرج من وجوده بيده امام زوجته محظية يقوم ببتره لينمو الأصبع في حوض مائي ثم يتحول إلى شجرة أصابع وتتقافز الفانتازيا عبر صور متعددة من خلال أصبع زايد وحكاياته وروايته للأحداث حوله ومحبته لمحظية التي تزوجها شقيقه “بوستة” بعد أن قتل والدها الأمير، وفى تفاصيل بارقة يلوح زمن القص بأنه في زمن الاستعمار الإيطالي ، حيث يبدو الأمير وكأنه اسقاط على شخصية الأمير إدريس السنوسي ومحظية التي لم تنجب” لأبو ستة ” الأبن وكأنها ترمز لليبيا التي غدت محظية ورهينة “بوستة” الذى يغتصب خيراتها ويستولى على كل الأراضي والكروم وبيت الأمير الذى غدر به وقتله و استولى علي حكم البلاد وعلى ابنته محظية بالزواج

فتبدو محظية وكأنها اسقاط على ليبيا التي يتوالى عليها المغتصبون لأرضها وخيراتها وتعذيب شعبها وقهره بالظلم والسجون وكبت الحريات.

تتدخل الصور عبر فضاء الفانتازيا الروائية في القسم الأول من الرواية ثم يكشف لنا القسم الثاني بأن كل تلك الحكاية التي رحلت بنا بين بيت ابوستة ومحظية والأصبع زايد ليست إلا هلوسات في عقل شخصية بطل الرواية الرئيسي زايد الذي وقع ضحية تفجير بمقر عمله بالشركة وبقي مصلوبا على نافذة مكتبه إلى حين حضور سيارة الاسعاف التي حملته للمستشفى ليدخل في عالم فنتازيا الأحلام التي تختلط بها صورة حبيبته الجليلة بمحظية التي تغزو أحلامه وهذياناته.

في الجزء الثاني من الرواية يدخل السرد في عالم أكثر اتساق ورسم واضح للشخصيات وللزمن حيث تنتقل الرواية لزمن آخر هو زمن جهاز المحمول والفيلات الفخمة التي تم بناؤها بعد هجر شوارع المدينة القديمة التي سكنها المهاجرين غير الشرعيين وانتشرت فيها الجريمة والمخدرات والسطو المسلح  

وتدور احداث القسم الثاني من الرواية في شركة الاستثمار التي يعمل بها بطل الرواية زايد الذى ترك عالم الصحافة بعد ان اقفلت الدولة صحيفته وانتقل للعمل في شركة استثمارية يكتشف من خلالها عالم الوساطة ولعبة المصالح ، وفيما تستمر زميلته في الجامعة والفتاة التي احبها في المضي بعالم الصحافة وكتابة مقالاتها النارية عن الفساد والمفسدين، يختار هو طريق السلامة والمال وتحدث بينهما حوارات ونقاشات عن الطريق الذى اتخذه كل واحد منهما بأسلوب فلسفي كثيرا ما تحيل إلى مناقشاتهما في الجامعة حين كانا يشاركان في المحاضرات التثقيفية بالجامعة .

وتمضى الرواية في سرد قصة حياة زايد باللحى الذي نشأ به وتبدو صورة شخصية جليلة شبيهة بصورة محظية التي تزوره بأحلامه طيلة وجوده بالمستشفى.

تختلط الصور والشخصيات في عقل وفكر بطل الرواية ولكن تبقى الجليلة هي الحقيقة الراسخة التي يراها أمامه وتتجسد حضوريا في ايامه بأفكارها ومقالاتها وجرأتها وشجاعتها ، وتختم الرواية بنهاية مفتوحة بعد التفجير الكبير الذى دمر الشركة الاستثمارية وحولها إلى حطام في رمزية لانفجار الفساد ،بصوت الممرضة وهى  تخبر بطل الرواية “زايد” بأن كل ما يتحدث عنه من حكايات وقصص عن بوستة ومحظية وحضور الجليلة ليس إلا هلوسات وهذيان نتيجة إصابته بالتفجير ووجوده بالمستشفى  وهكذا تنتهى الرواية بشكل موازى مع الفانتازيا التي تداخلت مع الصور السيريالية طيلة تفاصيل السرد بالرواية التي نكتشف من خلالها أن للاغتصاب وجوه كثيرة  فليس الجسد الأنثوي فقط من يتم اغتصابه بل أن البلدان أيضا تغتصب حين يستولى عليها حكام ظالمين يسومون أهلها سوء العذاب والظلم ولعل محظية في الرواية هي وجه ليبيا المغدورة التي يتوالى انتهاك روحها قبل جسدها   عبر الأزمان والعهود.

الاثنين، 27 ديسمبر 2021

القاص خليفة الفاخرى .. والكتابة التى لا تخون الروح

 



إنتصار بوراوى

القاص خليفة الفاخرى هو جوهرة مضيئة في تاريخ الكتابة السردية في ليبيا فمع القاص  خليفة الفاخرى ،قفزت القصة القصيرة قفزة نوعية حديثة، تقوم على التكثيف والاختزال وروح السخرية ،وكان القاص خليفة الفاخرى كبيرا  بأحلامه الشاسعة  بالعدالة والحق والخير، ثائرا  يستكشف الواقع من حوله ويكتب عنه قصصه الهادئة الأقرب إلى الومضات البارقة وفى لغة مقتصدة ومكثفة يشحن قصصه القصيرة برؤيته الفكرية للحياة والناس ،وجودة كتابته تكمن في أسلوب رؤيته  للموروث الذي يعتمل  بمجتمعه الذى يقرأه بعمق ثم يعيد صياغته برؤية  قصصية ناقدة.

في القصص التي كتبها القاص خليفة الفاخرى في ستينيات القرن العشرين  نتشمم عطر الماضى  لمدينة بنغازى حيث  شوارع المدينة القديمة  ونسائم الصيف  بالبيوت التى بنيت خلال العهد العثمانى والأيطالى و روائح حكايات ناسها البسطاء “سي عمر” و”السائق خالد  والحارس الليلي والسكير ووجوه أهلها البسطاء العاديين الذين يبحثون عن نقطة ضوء في أرضهم.

ثمة رومانسية وغنائية في قصص الفاخرى ،فالراوي في جميع القصص هو نفس الشخصية المتمردة على مجتمعها، ولكنه ليس التمرد المبنى على الرفض المطلق للإرث الفكري والحضاري وإنما الرفض والتمرد على القيم المتخلفة من أجل التغيير  المبنى على العلم والعقل والتنوير الفكرى .

في قصته “الوجه الأخر للقمر”يتحدث الراوي عن  الفتاة التي أحبها في رسالة طويلة يصفها بالجمال والدفء ولكن لا وجود لأمرأة  حقيقية  في هذه القصة أو غيرها من قصص خليفة الفاخرى ،المرأة موجودة فقط في أحلامه وأفكاره أو فى وجه فتاة مارة بالشارع ،لكل ذلك تخلو قصص خليفة الفاخرى من ملامسة عالم المرأة  لطبيعة المناخ الأجتماعى والديني والفكري الذي كان منغلقا نوعا ما

في إحدى قصصه المعنونة ب فتاة جميلة “يتخلى القاص عن صوت الراوي الرجولي ليكتب قصة بصوت فتاة من بنغازي تتحدث فيها عن مدينتها وعن نفسها بصورة نرجسية فائقة وبأسلوب تقريري يظهر عدم أهتمام الكاتب بالمرأة الليبية في ذلك الوقت لذلك  يتجه بطل قصص خليفة الفاخرى بفكره وذهنه إلى وجوه النساء الأوربيات بجمالهن وحريتهن والى مدن الغرب الأوروبية بجمالها  وحيويتها إلا أن هناك دائما شيء في داخله يشتاق للوطن بشوارعه المهترئة وحكايا البشر البسطاء الذين يبدو كأبطال الملاحم الإغريقية ببؤسهم وعراكهم الدائم مع أقدارهم .

الفاخرى في قصصه كان محملا  بهواجس المنبوذين والمهمشين فيرسمهم فى  قصصه القصيرة جدا في مجموعته القصصية “موسم الحكايات ” بطريقة مكثفة ومختزلة و بروح شعرية هائلة وفى قصتة “العذاب “يمزج   الحقيقة بالخيال فى رؤية فانتازية ، ليعبرمن خلالهاعن حالة الانسحاق التي غاص فيها “سى عمر”عند رؤيته لمتناقضات الموروث الاجتماعي المنافق ، وهكذا هى قصص الفاخرى فى مجموعاته القصصية ..تلامس الوجع وتكتبه بقلم رؤيوى سابق لعصره، وبصدق جميل ،وكما يقول أد وارد غاليانو :”في لغة الهنود الحمر الكلمة تعنى الروح وكل من يكذب أو يبدد الكلمات يخون الروح”، فأن الفاخرى كان صادقا حتى منابت العظم كما عرفنا من خلال قراءة سيرة حياته ،ومن مجموعاته القصصية ومقالاته وكان متطابق فى كتابته مع حياته فى صدق نادر ، وعاش مبتعدا ومنعزلا عن ضجيج وتزلف الوسط الثقافى طيلة عقود حكم القذافى ، مشتغلا في محرابه بالكتابة والأبداع القصصى وترك خلفه نتاج قصصى معبر عن مجتمعه ومشاكله وقضاياه و بيئته  إلى أن توفاه الله في يونيو 6 يونيو 2001 ولكن القاص خليفة الفاخرى لم يمت بل ينام هادئا تحت تربة مدينته التى أحبها وسقاها من روحه وفكره إلى أخر يوم في عمره

حميدة العنيزى رائدة تعليم الفتيات في بنغازي

 

إنتصار بوراوي

 يشرع كتاب ” المرأة الليبية ابداع واشعاع” للمؤلفة أمينة حسين بن عامر في رصد تفاصيل الحياة المهنية لرائدة من رائدات التعليم في بلادنا وهي السيدة حميدة طرخان التي عرفت باسم حميدة العنيزى.

قام بتقديم الكتاب الكاتب والدكتور “وهبي البوري” الذي أبدى في بداية مقدمته أسفه على التجاهل والنسيان، للسيدة حميدة العنيزى التي فتحت الأبواب المغلقة امام تعليم الفتاة الليبية، في مدينة بنغازي ويتأسف الدكتور في مقدمته لعدم ذكر اسمها، في المحافل والتنظيمات النسائية الحديثة وعدم إطلاق أسمها على أي مدرسة في مدينتها بنغازي التي أحبتها وعشقتها وبذلت كل عطائها، من أجل تعليم فتياتها في فترة وحقبة زمنية.

ولدت المربية “حميدة العنيزى” في عام 1892 م بمدينة بنغازي، وفى سنة 1911 م أوفدت إلى “المعهد النسائي العالي” بمدينة اسطنبول التركية وعادت بشهادة التعليم العالي بعد أربع سنوات دراسية درست وحفظت فيها القران وأجادت اللغة التركية إلى جانب اللغة العربية ومنذ أن رجعت إلى بلادها تطوعت لتعليم الفتيات في منزلها.

في عام 1924 افتتحت الحكومة الإيطالية بليبيا مدرسة بنات لتعليم اللغة الإيطالية واللغة العربية والقران الكريم وفن الخياطة والتطريز وكان مقر المدرسة شارع عثمان بحيح في وسط مدينة بنغازي القديمة وتولت السيدة حميدة العنيزى إدارة هذه المدرسة.

نشاطها وجهودها لفتح المزيد من المدارس

تعرض مؤلفة الكتاب لجهود المربية “حميدة العنيزى” في تولى إدارة مدارس أخرى في بنغازي، حين اسست الإدارة البريطانية أول فصل دراسي للبنات في بنغازي واسندت الى المربية ” حميدة العنيزى” مهمة مديرة تعليم ثم موجهة تربوية ثم تولت مديرة لأول مدرسة للبنات في عهد الأدارة البريطانية

افتتحت أول مدرسة ابتدائي للبنات في مدرسة أطلق عليها اسم ” الأميرة ومدرسة اخرى في منطقة البركة، ثم بدأت تعد أوائل الفتيات اللاتي تحصلن على قسط من التعليم لإدارة هذه المدارس.

أسندت إدارة مدرسة “الأميرة” الى المربية “فضيلة بومنير”، أما مدرسة البركة فلقد اسندت اداراتها الى المعلمة والمربية الرائدة بديعة فليفلة.

وفي منتصف الخمسينات  من القرن العشرين وعندما كانت المربية “حميدة العنيزى تتولى ادارة تعليم البنات بنضارة المعارف راودتها فكرة  التوسع بإنشاء معهد المعلمات العام  ،و عرضت الفكرة على وزارة التعليم فتمت الموافقة  على  انشاء المعهد ، الذى كانت الدراسة فيه  لمدة سنتين بعد اتمام الشهادة الابتدائية، ويذكر الكتاب بأن  السيدة “حميدة العنيزى” كانت تقوم بتشجيع الأهالي والفتيات ،على دخول معهد المعلمات وخصصت منحة  شهرية لكل طالبة لشراء الكتب والمؤلفات الدراسية  ومن خريجات الدفعة الأولى من رائدات التعليم النسائي في ليبيا والتي أظهرتهن الصور التوثيقية في الكتاب: معيتيقة الفرجانى، نجية اليمنى، مباركة الورفلى، فاطمة الودانى، نوارة الشريف، حليمة بوراوى.

لم تكتفى السيدة “حميدة العنيزى” بالأشراف على انشاء معهد المعلمات الذي أصبحت الدراسة فيه بعد ذلك أربع سنوات، انما افتتحت مدرسة اعدادية وثانوية في الفترة المسائية، ومع أنها وجدت اعتراض من أولياء الأمور في البداية ولكن مع الوقت تحمس أولياء الأمور لمواصلة تعليم بناتهم في المراحل الإعدادية والثانوية.

 وكذلك قامت المربية حميدة العنيزى بترشيح ثلاث طالبات لبعثة دراسية الى مصر وطالبتين لبعثة دراسية الى بريطانيا.

افتتاح جمعية النهضة النسائية بنغازي

تأسست الجمعية النسائية الجديدة عام 1954  برئاسة المربية” حميدة العنيزى” وعضوية 12 سيدة من النساء الفاعلات في العمل الوطني وتذكر المؤلفة  في الكتاب بأن: “اجتماع الجمعية الأسبوعي كان بشكل منتظم تتدارس فيه عضوات الجمعية مع الرئيسة كل الخدمات التي يمكن تقديمها للمجتمع ففي عيد الأضحى تقدم  المساعدات الى الأسر الفقيرة  لشراء الأضحية  وملابس العيد وفى عيد الفطر تجمع الزكاة لتوزيعها على المستحقين وفى المولد النبوي تقدم القناديل و الملابس والألعاب  للأطفال المحتاجين ، وتستطرد المؤلفة عن مناشط الجمعية التي كانت تقيم  ندوات ادبية وفكرية وثقافية  يقيمها اساتذة  معروفين  بعطائهم الفكري والتربوي مثل:

المرحوم يوسف الدلنسى
المرحوم الأستاذ عبد القادر طه الطويل
المرحوم فرج الشويهدى
المرحوم طالب الرويعى.

 لا تتوقف حين تقوم بقراءة الكتاب لمحاولة التقاط انفاسك وانت تسبح كقارئ في متابعة رصد فضاء النشاط والحيوية والمعرفة التي كانت تقوم به المعلمة والمربية “حميدة العنيزى”فى كافة الأوجه التربوية والإنسانية 

توفيت المناضلة والرائدة ” حميدة العنيزى” في 15-اغسطس -1982م عن عمر يناهز التسعين، بعد ان قضت ما يقارب الستين عاما من عمرها وهي تهب العطاء والحب لما فيه خير المرأة من اجل تعليمها ودراستها.

حين يتملى القارئ  بالصور التوثيقية المصاحبة للسرد التاريخي والنضالي للرائدة الفاضلة  يرى وجوه ممتلئة حب وعزم  للعلم والدراسة  بثيابهن الأنيقة و تسريحاتهن الجميلة  ، لم يكن محجبات الشعر ولكنهن كن  محصنات الروح والقلب  ومتحجبات بالقيم  الداخلية ، جميلات رائعات بأرواحهن المشعة بالحب والرغبة في التعلم والمعرفة وكفاءة العمل بصدق وعطاء وناضلن  تحت ظروف اجتماعية صعبة كانت تنظر إليهن بدهشة واستغراب وفى ظروف بلد يعيش تحت وطأة المستعمر ولكنهن رغم كل ذلك  وثقن  بأنفسهن وبحقهن  في التعليم والمعرفة ونالن بعد وقت كل احترام وتقدير المجتمع الذي كان ينظر إليهن بدهشة وتعجب  صورة جميلة للفتيات الليبيات هي ما نحب ان نراهن عليها دائما متحصنات بعفتهن وقيمهن التربوية ومتمسكات بحقهن في الدراسة والتعليم  هن أولئك جداتنا وأمهاتنا اللواتي  كن بالإضافة لكل ذلك أمهات صالحات عملن على تربية اولادهن على القيم الإنسانية والحس الوطني العالي بمحبة العمل كقيمة ورسالة وطنية قبل كل شيء ،و رغم أن الكتاب لا يورد تواريخ الأحداث بدقة الا أنه كتاب توثيقي وسردي قيم وجميل لقيمة تعليمية كبيرة في تاريخ التعليم في بلادنا.

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

    إنتصار بوراوى تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدا...