الأحد، 17 مايو 2026

الضحك والنسيان


 


 

إذا كانت الكتابةُ قائمةً في أساسها على فعلٍ وحركة الواقع والخيال، فإن الذاكرة تتأرجح كبندول الساعة بين ‏الأزمنة الثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل وهناك الكثيرُ من الإبداع الروائي والشعري القائم ‏على استدعاء زمن الماضي، وكتابته برؤيةٍ مختلفةٍ عن لحظته الزمنية المنقضية وهناك كتاباتٌ ‏إبداعية أخرى كُتبت عن اللحظة الراهنة مستشرفةً بعيون الإبداع آفاق المستقبل.‏

إن الخوف الدائم من الذاكرة والتسلح بدروع النسيان ،هو أسلوبٌ للهروب من سطوة ألم ‏الذكريات؛ ولكن هذه الحيلة الدفاعية التي يمارسها البشر للتخلص من سطوة الذاكرة لا تفلح غالباً ‏في تحقيق النسيان ،فلماذا لا يقوم الإنسان، عوضاً عن ذلك، بمواجهة الذاكرة ووضعها تحت ‏مشرط النقد والاستبصار ومعالجة أعطابها، بدلاً من الهروب من صورها وتداعياتها وكثافة الألم ‏الذي نرزح تحته كلما أغمضنا عيوننا؟ ‏

أن الكثير من رافعي لواء النسيان هم أكثر الناس تذكّراً للتفاصيل، رغم استعمالهم شتى الطرق ‏للتظاهر بأنهم قذفوا سيرة الألم في وادي النسيان السحيق.‏

وربما لأنه، كما قال شاتوبريان: "لا شيء يُنسى"، يمتلك الأشخاص الذين يتجاوزون السبعين أو ‏الثمانين من أعمارهم ،قدرةً مذهلةً على سرد محطاتٍ مؤلمة من حياتهم كالحروب أو النفي أو ‏السجن الذي تعرضوا له في حياتهم؛ وذلك يعطي صورةً حيةً عن مدى تفاعل الذاكرة وعدم ‏قدرتها على النسيان كما قد يلوح للبعض.‏

الإنسان الذي يكون هاجسه النسيان قد يمد جسوراً مع عقله الباطن للتناسي، ولكن لا شيء ‏يُنسى؛ فكل شيءٍ يظل موجوداً هناك في أغوار النفس الإنسانية، ليخرج متقافزاً حراً طليقاً في ‏ساعة اختلاء الإنسان بنفسه، فلا شيء يندثر أو يموت؛ قد تموت المشاعر والأحاسيس تجاه ‏أشخاصٍ نتيجة الأذى أو الألم، وقد ينسى الإنسان ما حمله في داخله من مشاعر مودةٍ بفعل ‏الإساءة والأذى  ، ولكن تبقى تفاصيل الأحداث راسخةً في عمق كل إنسان مهما تظاهر بالتناسي.‏

والإبداع الأدبي الإنساني، في صورةٍ من صوره وفي كثيرٍ من تجلياته، هو تخليدٌ للذاكرة ‏وحمايتها من الزوال عبر قدرة كاتبه ،ومبدعه على إيقاف اللحظة الزمنية ورسمها في لوحةٍ ‏شعرية أو قصصية أو روائية أو مسرحية. ولعل من أبرز الروائيين الكبار الذين جسّدوا قضية ‏الذاكرة والنسيان في العقل البشري، هو الروائي التشيكي ميلان كونديرا في روايته "كتاب الضحك ‏والنسيان"؛ فرغم أن عنوان الرواية يوحي بأجواءٍ من المرح، إلا أنها في الحقيقة روايةٌ محملةٌ ‏بكثيرٍ من الحزن والألم عبر تفاصيل سردها للواقع السياسي والاجتماعي في بلد الروائي "ميلان ‏كونديرا" تحت وطأة الاستبداد.‏

يصلح عنوان رواية كونديرا أيضاً كعنوانٍ عريضٍ للحياة بكل غناها وتفاصيلها فكثيرٌ من البشر ‏يتعرضون في حياتهم لأحداثٍ ومآسٍ مؤلمة بفعل الظروف أو الحظ السيئ، ولكل إنسانٍ نصيبه ‏منها الذي يزيد وينقص؛ فكيف له أن يمتلك القدرة على مواصلة الحياة بقوة إذا لم يتسلح بالدواء ‏الشافي لكل ذلك، وهو الضحك والنسيان؟

إن القدرة على نسيان الأحداث المؤلمة ومداواة كل حزنٍ بضحكٍ نابع من القلب، واختيار الفرح ‏درباً في الحياة، بل واغتصاب لحظات الفرح المارقة من بين أنياب الحياة القاسية، ، ورمي كل شيء خلف ‏ظهره في مقابر الماضي، هو فنٌ من فنون البقاء.‏

فالنسيان نعمةٌ من الله للعقل البشري، كي تجد الذاكرة مرفأً للأمان من أوجاعها، ويمخر الإنسان ‏عباب العمر متزوداً بنسيانٍ مقصودٍ عن سبق إصرار وترصد؛ فتختفي صور كل الوجوه التي ‏لدغته بأذاها، ويلتهمها بحر النسيان العظيم. ‏

ولا ينتشل كل تلك التفاصيل من ذلك البحر المهيب إلا عقلٌ وفكرُ مبدع، متيقظ الحواس، يعمد إلى ‏استخراج كل تلك الصور، والتفاصيل ليرسمها في لوحةٍ إبداعية تجعلنا نقف أمامها مشدوهين، ‏وتملؤنا بالدهشة لأنه فتح أبواب ذاكرتنا التي كادت أن تغرق في بحر النسيان وتنال الرضا ‏والسلام.‏

الضحك والنسيان هو الدواء السحري ،لكل من أدارت لهم الحياة ظهرها وارتشفوا من كؤوس ‏ألمها حتى الثمالة، وهو دواء كونديرا السحري في روايته الرائعة لأبطاله الذين ذاقوا مرارة ‏الحياة في بلدٍ التهم كل الأحلام، وهي رسالته المشفرة لكل قارئٍ لروايته كي يتخذ من عنوانها ‏عنواناً لحياته أيضاً؛ فليس هناك من دواءٍ لمحنة العيش في بلدٍ  منح عبر تاريخه ذاكرةً متخمةً بالظلم والقسوة وبالألم إلا  بمواجهة الذاكرة وعدم الهرب منها ‏ثم يقوم بعد ذلك بكثير من الضحك والنسيان.‏

الضحك والنسيان

    إذا كانت الكتابةُ قائمةً في أساسها على فعلٍ وحركة الواقع والخيال، فإن الذاكرة تتأرجح كبندول الساعة بين ‏الأزمنة الثلاثة: الماضي، وال...