إذا كانت الكتابةُ قائمةً في أساسها على فعلٍ وحركة الواقع والخيال،
فإن الذاكرة تتأرجح كبندول الساعة بين الأزمنة الثلاثة: الماضي، والحاضر،
والمستقبل وهناك الكثيرُ من الإبداع الروائي والشعري القائم على استدعاء زمن
الماضي، وكتابته برؤيةٍ مختلفةٍ عن لحظته الزمنية المنقضية وهناك كتاباتٌ إبداعية
أخرى كُتبت عن اللحظة الراهنة مستشرفةً بعيون الإبداع آفاق المستقبل.
إن الخوف الدائم من الذاكرة والتسلح بدروع النسيان ،هو أسلوبٌ للهروب
من سطوة ألم الذكريات؛ ولكن هذه الحيلة الدفاعية التي يمارسها البشر للتخلص من
سطوة الذاكرة لا تفلح غالباً في تحقيق النسيان ،فلماذا لا يقوم الإنسان، عوضاً عن
ذلك، بمواجهة الذاكرة ووضعها تحت مشرط النقد والاستبصار ومعالجة أعطابها، بدلاً
من الهروب من صورها وتداعياتها وكثافة الألم الذي نرزح تحته كلما أغمضنا عيوننا؟
أن الكثير من رافعي لواء النسيان هم أكثر الناس تذكّراً للتفاصيل،
رغم استعمالهم شتى الطرق للتظاهر بأنهم قذفوا سيرة الألم في وادي النسيان
السحيق.
وربما لأنه، كما قال شاتوبريان: "لا شيء يُنسى"، يمتلك
الأشخاص الذين يتجاوزون السبعين أو الثمانين من أعمارهم ،قدرةً مذهلةً على سرد
محطاتٍ مؤلمة من حياتهم كالحروب أو النفي أو السجن الذي تعرضوا له في حياتهم؛
وذلك يعطي صورةً حيةً عن مدى تفاعل الذاكرة وعدم قدرتها على النسيان كما قد يلوح
للبعض.
الإنسان الذي يكون هاجسه النسيان قد يمد جسوراً مع عقله الباطن للتناسي،
ولكن لا شيء يُنسى؛ فكل شيءٍ يظل موجوداً هناك في أغوار النفس الإنسانية، ليخرج
متقافزاً حراً طليقاً في ساعة اختلاء الإنسان بنفسه، فلا شيء يندثر أو يموت؛ قد
تموت المشاعر والأحاسيس تجاه أشخاصٍ نتيجة الأذى أو الألم، وقد ينسى الإنسان ما
حمله في داخله من مشاعر مودةٍ بفعل الإساءة والأذى ، ولكن تبقى تفاصيل الأحداث راسخةً في عمق كل
إنسان مهما تظاهر بالتناسي.
والإبداع الأدبي الإنساني، في صورةٍ من صوره وفي كثيرٍ من تجلياته،
هو تخليدٌ للذاكرة وحمايتها من الزوال عبر قدرة كاتبه ،ومبدعه على إيقاف اللحظة
الزمنية ورسمها في لوحةٍ شعرية أو قصصية أو روائية أو مسرحية. ولعل من أبرز
الروائيين الكبار الذين جسّدوا قضية الذاكرة والنسيان في العقل البشري، هو الروائي
التشيكي ميلان كونديرا في روايته "كتاب الضحك والنسيان"؛ فرغم أن عنوان
الرواية يوحي بأجواءٍ من المرح، إلا أنها في الحقيقة روايةٌ محملةٌ بكثيرٍ من
الحزن والألم عبر تفاصيل سردها للواقع السياسي والاجتماعي في بلد الروائي
"ميلان كونديرا" تحت وطأة الاستبداد.
يصلح عنوان رواية كونديرا أيضاً كعنوانٍ عريضٍ للحياة بكل غناها
وتفاصيلها فكثيرٌ من البشر يتعرضون في حياتهم لأحداثٍ ومآسٍ مؤلمة بفعل الظروف أو
الحظ السيئ، ولكل إنسانٍ نصيبه منها الذي يزيد وينقص؛ فكيف له أن يمتلك القدرة
على مواصلة الحياة بقوة إذا لم يتسلح بالدواء الشافي لكل ذلك، وهو الضحك
والنسيان؟
إن القدرة على نسيان الأحداث المؤلمة ومداواة كل حزنٍ بضحكٍ نابع من
القلب، واختيار الفرح درباً في الحياة، بل واغتصاب لحظات الفرح المارقة من بين
أنياب الحياة القاسية، ، ورمي كل شيء خلف ظهره في مقابر الماضي، هو فنٌ من فنون
البقاء.
فالنسيان نعمةٌ من الله للعقل البشري، كي تجد الذاكرة مرفأً للأمان
من أوجاعها، ويمخر الإنسان عباب العمر متزوداً بنسيانٍ مقصودٍ عن سبق إصرار
وترصد؛ فتختفي صور كل الوجوه التي لدغته بأذاها، ويلتهمها بحر النسيان العظيم.
ولا ينتشل كل تلك التفاصيل من ذلك البحر المهيب إلا عقلٌ وفكرُ مبدع،
متيقظ الحواس، يعمد إلى استخراج كل تلك الصور، والتفاصيل ليرسمها في لوحةٍ
إبداعية تجعلنا نقف أمامها مشدوهين، وتملؤنا بالدهشة لأنه فتح أبواب ذاكرتنا التي
كادت أن تغرق في بحر النسيان وتنال الرضا والسلام.
الضحك والنسيان هو الدواء السحري ،لكل من أدارت لهم الحياة ظهرها
وارتشفوا من كؤوس ألمها حتى الثمالة، وهو دواء كونديرا السحري في روايته الرائعة
لأبطاله الذين ذاقوا مرارة الحياة في بلدٍ التهم كل الأحلام، وهي رسالته المشفرة
لكل قارئٍ لروايته كي يتخذ من عنوانها عنواناً لحياته أيضاً؛ فليس هناك من دواءٍ
لمحنة العيش في بلدٍ منح عبر تاريخه ذاكرةً
متخمةً بالظلم والقسوة وبالألم إلا بمواجهة
الذاكرة وعدم الهرب منها ثم يقوم بعد ذلك بكثير من الضحك والنسيان.
