الأربعاء، 29 ديسمبر 2021

الْـكِـتَابَةُ واسْتِشْرَافُ الْمُسْتَـقْـبَل

 


  انتصار بوراوي

 كنت منذ أيام مُنكبّة على قراءة بعض الروايات التي صدرت قبل عام 2011 م لبعض الروائيين الليبيين فلاحظت أن ثمة استشراف في رواياتهم لما حدث فعلا في عام 2011م  وكل ذلك يعطينا دلالة على إن الكتابة الإبداعية الشعرية والروائية والمسرحية ليست فقط بحثا عن الحقيقة بل هي أيضاً تحليق في مفازات الخيال واستشراف للمستقبل.

في رواية “الأيام الأخيرة لعلاج” للروائي الليبي محمد العريشية يروي الكاتب تفاصيل المصير الدموي لقرية “علاج” في مدينة سرت وهي القرية التي يقطنها الكاتب في ضواحي سرت ،تذهلك تفاصيل الرواية وما يحدث للقرية من دمار وحرب فهنا عين الروائي رأت بعين العارف مالا يراه البشر العاديّون و رسم خياله مالم يكن في الحسبان أبدا وماوقع وحدث  في سرت بعد ثورة فبراير.

وفي رواية القاصة و الروائية “نجوى بن شتوان ” “وبر الأحصنة” ثمة رؤية مستقبلية للبلاد وكيف ستنقلب إلى فوضى بفعل استبداد حاكمها ،كل ذلك في لغة مشفرة ومحملة بكثير من الرموز والمجاز والخيال الذي تبدع الروائية في نسجه برواياتها.

 الروائي محمد الأصفر فى روايته “سرة الكون”  استشرف وقوع حرب أهلية في البلاد وقصف للطيران الأمريكي والغربي وحالة من الهلع والهروب لأهل البلاد ولحالة التناحر بين قبائلها ومدنها وانتشار الأسلحة بين أيدي الناس.

الرؤية الاستشرافية لدى بعض الروائيين الليبيين كانت واضحة في كثير من الروايات ولكن أغلب من كانت لهم هذه الرؤية الثاقبة للزمن، ولاستقراء لحال البلاد قبل الانفجار والزلزال العظيم الذي حدث في عام 2011م، لم ينشروا رواياتهم داخل البلاد نتيجة قمع الرقابة والسلطة ،فمثلا هذه الروايات الاستشرافية الثلاثة التي قرأتها نشرت في دور نشر عربية ولم يقرأها كثير من القراء الليبيين.

أيضاً هناك قلة من الشعراء المميزين ،في خارطة الشعر الليبي كتبوا بعين الرائي عن مستقبل البلاد في ظل القمع والفساد الذي أكل كل شيء في البلاد قبل 2011م مما أدى في النهاية لانهيارها بهذا الشكل المأساوي الذي تعيشه اليوم ولكن مشكلة الليبيين أنهم شعب غير قارئ، وغير متابع للنتاج المختلف ،الذي يقرع نواقيس الخطر وهذا ما يحدث حاليا من حالة عدم استشراف أفق ما يحدث من تفكك للبلاد وغلبة أصوات القمع وفرض الرأي الواحد وانتشار ثقافة الإفلات من العقاب وكأن دوائر الزمن في الوطن تعود للوراء دائماً ولا تريد أبدا أن تتعظ من المآسي والنهايات التراجيدية من نشر ثقافة القمع وكبت الحريات في البلاد وتغوّل الأيدلوجية الدينية المتطرفة وتشكلها في ميليشيات باسم الله والدين فأحرقت البلاد وعاثت بالفساد والخراب فيها.

هنا يقف دور الأدب في أعلى تجلياته وهو البحث عن الحقيقة والتنوير وعدم موالاة أي سلطة سياسية أو دينية ،فالأديب والكاتب ليس كلب حراسة للسلطة مهما كان اسمها أو نوعها ،بل هو دائماً في الجانب النقيض لها، دوره تنويري ويحمل رؤية استشرافية للمستقبل تقرع أجراس الخطر وتنبه النيام من غفلتهم ،أما التصفيق والتطبيل والهيحان غير العقلاني الذي يعمل على تضليل الناس فهو ليس دور الأديب والكاتب الحقيقي ،وإنما هو دور الكتبة مدفوعي الأجر من أجل حضور المهرجانات المزيفة والمتزلفة لكل سلطة جديدة تستلم مقاليد الحكم واللهاث خلفها في الفنادق الفخمة لأجل بضعة سفريات في هذه العاصمة أو تلك ومعها حفنة من الدولارات ،ليبقى الأدباء الحقيقيين حاملين مشاعل التنوير والحرية ، هم وحدهم القابضون على جمر الوعي يسيرون في درب نشر الحقيقة واستشراف الواقع بكل دراميته وفانتازيته ووجعه مهما كانت الخسائر في طريقهم الطويل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...