الاثنين، 27 ديسمبر 2021

سيرة حياة بنت الوطن السيدة خديجة الجهمي

 




شهد عام 2006 صدور كتابين عن الرائدة الإذاعية والصحافية خديجة الجهمي، وذلك لأنه صادف ذكرى مرور عشر سنوات على رحيلها. الكتاب الأول بعنوان (خديجة الجهمي نصف قرن من الابداع)، من اعداد الاستاذة حميدة بن عامر، التي سبق وأصدرت كتاب عن رائدة تعليم الفتيات في بنغازي السيدة حميدة العنيزى. أما الكتاب الثانى فهو من اعداد الاستاذة الباحثة أسماء الأسطى، وهو بعنوان (أنا خديجة الجهمي).

 كتاب الاستاذة حميدة بن عامر عبارة عن لقاءات صحافية وحوارات مع مجايليها من الاعلاميين والاعلاميات، وتلميذاتها من الاذاعيات والصحافيات، رفقة سرد بسيط لسيرتها المهنية، فيما كان كتاب الباحثة أسماء مصطفي الأسطى سرد لحياة السيدة خديجة الجهمي الشخصية والمهنية، بالحوار المباشر والمسجل معها شخصيا.
تورد الباحثة في مقدمتها للكتاب سبب اختيارها لسرد السيرة الذاتية لرائدة حقوق المرأة في ليبيا، ورائدة الاعلاميات والصحافيات الليبيات بنت الوطن خديجة الجهمي، كما تقول في مقدمة كتابها: عندما صدر كتاب (ورقات مطوية) لعمى محمد الأسطى متضمنا السيرة الذاتية التي سبق نشرها في صحيفة الأسبوع الثقافي عام 1976 أهديتها نسخة منه وكتبت لها في الصفحة الاولى ان تحذو حذوه وتكتب سيرتها الذاتية.
بعد ذلك انشغلت الباحثة كما تقول في مقدمة الكتاب بالتزاماتها الاسرية والامومية الى ان هاتفتها السيدة خديجة الجهمي واتفقتا على ان تتحدث السيدة خديجة الجهمي على سجيتها وتقوم الباحثة بتسجيل سيرتها على اشرطة تسجيل، تقوم بعد ذلك الباحثة بتفريغها، والذي اثمر عن صدور الجزء الاول من هذه السيرة الذاتية، ولكن الباحثة اسماء الاسطى لم تكتف بما أجرته من تسجيل حى وسردى للسيرة الذاتية للسيدة خديجة الجهمي شخصيا وانما اعتمدت كما تقول في كتابها على ما تركته السيدة من رسائل عند عزيزة الشيبانى، التي استلمتها منها الباحثة بعد وفاة السيدة خديجة الجهمي.

ومن المعروف ان السيدة عزيزة الشيبانى كانت قد اصدرت كتابا عن السيدة خديجة الجهمي بعنوان (بنت الوطن) نشرت فيه بعض من سيرتها الذاتية وبعض من كتاباتها وخواطرها.
وتذكر الباحثة اسماء الاسطى بأن كل مقتنيات السيدة خديجة الجهمي لازالت موجودة في مخازن ذويها، وانها تستحق ان ينِشأ متحف خاص بها باعتبارها اول من دافع عن حقوق المرأة واول اذاعية وصحافية واول مؤسسة لمجلة مختصة بالمراة.
تورد الباحثة في الصفحات الاولى من كتابها كلمة الاستاذ منير البعباع الذي ابدى تحسره على تجاهل تاريخ خديجة الجهمي النضالى الطويل وما عانته من من شقاء في طفولتها وشبابها، وكفاحها في وقت الحرب والصعوبة الاجتماعية التي واجهتها في حياتها، وانها تستحق ان تكون من ضمن الاسماء التي يشاد بها ليس على المستوى المحلى بل على المستوى العربى والعالمى.

* السيرة الذاتية للسيدة خديجة الجهمي كما روتها شخصيا

تذكر مؤلفة كتاب (الذاكرة والفلسفة) في فصل من فصول كتابها يتحدث عن السيرة الشخصية، كلمات لكاتبة السيرة ستورم جيمس في سيرتها الذاتية المعنونة بـ (رحلة الى الشمال) تقول فيها: حين يعيش الرجل او المرأة حياة غير اعتيادية او يلعب دورا في مشروع عظيم ما فانه لا يحتاج الى تقديم اسباب اخرى تدعوه الى تسجيل ما مربه، ولأن السيدة خديجة الجهمي امتلكت مشروعا كبيرا نذرت له كل حياتها فإن تجميع بعض الباحثات لسيرتها الذاتية هو عمل تستحقه هذه المرأة العظيمة، وما قامت به السيدة عزيزة الشيبانى والأستاذة أمينة بن عامر هو مجهود كبير من أجل اضاءة كثير من الجوانب الشخصية والمهنية لها.
ولكن كتاب (انا خديجة) للباحثة أسماء الاسطى هو كتاب مختلف عن الكتابين السابقين لأنه سيرة السيدة خديجة الجهمي بروايتها وبكلماتها، لذا جاء الكتاب دافقا حيويا ممتعا في قراءته بحيث تستحضر روح السيدة خديجة الجهمي بصفحات الكتاب وكأنها تتحدث بجانبك حين تسرد بلهجة بنغازية بسيطة كل صفحات حياتها الشخصية والمهنية بصدق وعفوية وبساطة بنت البلاد الأصيلة التي كونت اسما كبيرا لها بجهدها وكفاحها وتعبها وفتحت الطريق أمام أجيال كثيرة بعدها للتعلم ومعرفة الحقوق التي أعطاها لها الله، وكان العرف المجتمعي يحرمه منها. وأيضا لروحها الإنسانية الخيرة التي ظهرت من خلال اهتمامها بمشاكل وقضايا الناس عبر برنامجها الاذاعى الأول والرائد في البرامج الاذعية الاجتماعية والذي كان بعنوان (أضواء على المجتمع).
تبدأ السيدة خديجة الجهمي سيرتها في كتاب (أنا خديجة الجهمي) بذكر سنة ميلادها الذي كان في مدينة بنغازي، فجر يوم الجمعة 7 رجب الموافق 15/3/1921 ثم تتحدث عن والدها بالقول: أبى رجل متعلم بالنسبة لجيله، فهو يقرأ ويكتب باللغتين العربية والايطالية، رغم انه لم يدخل مدرسة قط، وكان يعمل في مطبعة يصفف الحروف ويطبع الجريدة التي كانت الإدارة الايطالية تصدرها انذاك وهى جريدة (بريد برقة). ثم تسترسل السيدة خديجة في الحديث عن والدها بحنان ومحبة حين تقول عنه في مقطع تالي من الكتاب: كان والدي شاعرا رقيقا وسيما أبيا، ذا شخصية قوية، عطوفا كريما وقد احبنى كثيرا. وتسرد السيدة خديجة تفاصيل العائلة الخاصة وطريقة زواج والدها من أمها وطفولتها في بيت الجد الذي عاش والداها فيه لمدة طويلة، ثم تصف بسلاسة وجمال بيت العائلة الذي تقول عنه: يقع بيتنا في شارع الكيش، وهو زقاق صغير يتكون من بيوت متشابهة محصورة بينه وبين زنقة البعباع. بيتنا ككل البيوت، له نفس الهندسة التقليدية التي تبدأ بممر طويل يتوقف عند سقيفة تفتح على ساحة في وسط البيت، وفي كل ضلع من أضلاعها المربعة دارين أرضيته مرصوفة بالاسمنت.

وتسرد السيدة خديجة الجهمي بعفوية ملامح البيت من الداخل وتصف تفاصيله عبر منمنات دقيقة احتفظت بها ذاكرتها طازجة حية وكأنها ابنة اللحظة وكأنها لازالت تلك البنت الصغيرة التي تتجول في ربوع ذلك البيت وتغني لحصالتها باللغة الايطالية الأغنية التي علمتها لها مدرسة اللغة الايطالية. وتتحدث عن بنغازي بحنان غامر وحب دافق حين تسترجعها ذاكرتها: كانت مدينة صغيرة جدا، ولم يكن بها سوى شارع رئيسي واحد يصل وسط المدينة بالبركة إحدى ضواحيها، رغم أن المسافة بينهما لا تزيد عن كيلومتر ونصف إلا إننا كنا نعتبرها سفرا كلما اضطررنا لقطعها، أما عدد سكانها انذاك فلا يزيد عن عدد سكان حي في ضواحي مدينة كبيرة، الا انها كانت بالنسبة لي مدينة كبيرة جدا قضيت فيها ربع قرن من عمري.
وتسهب السيدة خديجة الجهمي في وصف أسواق المدينة التي كانت كما تقول: الأسواق الوحيدة في ذلك الوقت التي يقبل عليها المشترين من كل المناطق مثل سوق الفندق وسوق الحشيش. والحديث عن سوق الحشيش حديث ذو شجون فهو اكبر أسواق المدينة ويقع وسط الحي على مساحة مربعة تقريبا، منه تمتد طرق تؤدى إلى شارعي سالم الزوبيك ومقام ولى سمى الشارع باسمه هو عثمان بحيح. كان السوق ولا يزال له اكبر الأثر في خيالي بل في حياتي، ففي ساحته لعبت، ومن الحوانيت التي على جانبيه ابتعت لاسرتى جل ما تحتاج له.
وتمضى السيدة خديجة في سردها الممتع الجميل لكل زوايا المدينة والأشخاص المعروفين بالمنطقة، في استدعاء حميم ومذهل ويعبر عن ذاكرة صافية وذهن متقد بالرغم من أنها سردت سيرة حياتها وهى متجاوزة للسبعين من عمرها الا انها تذكر تفاصيل حدثت معها وهى طفلة في السابعة من عمرها مع الجيران والاهل باسلوب عفوى ممتع يجعل القارئ يواصل قراءة كل تلك الذكريات المنهمرة لزمن اخر وعالم اخر وناس غير الناس بشغف وحب. وفي رواية دقيقة لتفاصيل اليومية في البيت والشارع وطريقة التسوق وانواع الاكلات التي كان تعدها العائلات في تلك الفترة الزمنية عبر لوحة بانورامية جميلة تعبر عن وعى مبكر منذ طفولتها بمجريات الاحداث السياسية حولها حيث تتحدث عن استشهاد شيخ الشهداء عمر المختار، في عام 1931. كما ان وعيها المبكر وفطنتها وذكاءها سانده ما كانت تتحصل عليه من مجلات مهربة من مصر، لان حيازة المجلات كانت تهمة في ذلك الوقت، فكانت تطالع مجلة الرسالة، الثقافة، الأزهر، الاسلام، الاثنين، الدنيا، الكواكب، روز اليوسف.
ومع إطلالة عام 1934 تقول السيدة خديجة الجهمي: احضر لي والدي راديو كبير، نسمع عبره إذاعة مصر بصعوبة اثناء الليل، كما يصلنا بوضوح بث راديو بارى وراديو طنجة باعتبارهما مركزا دوليا.

* عمل النساء في البيوت

السيدة خديجة الجهمي في صباها
السيدة خديجة الجهمي في صباها

تسرد السيدة خديجة الجهمي لدور المرأة وعملها من داخل البيت في تلك الفترة الزمنية من عقد ثلاثينات القرن العشرين عند العائلات الليبية التي بدأت صناعات بسيطة تقليدية للأحذية والبلغ. والبلغة جمعها بلغ، والرقعة هي التي تنتعلها النساء وهى حذاء يصل الى ما تحت الركبة تشبه البوت او الجزمة ونص الرقعة، اما الصباط حيث تأتى النساء بالقطع المفصلة والمقصقصة من الجلود لتتحول بأناملهما بواسطة اداة ذات رأس حاد تسمى المشفة حيث تستعمل لحرم الجلد الذي يطرز فيما بعد بخيوط رفيعة من الجلد ذاته او بخيوط ملونة، بينما تقوم عائلة سيدى فرج بصنع اسرجة الخيول التي تطرزها النساء بخيوط من الذهب والفضة ليبيعها سيدى فرج في دكانه بسوق الحشيش. اما خالتي سعدة وبناتها وزوجة ابنها فهن جميعا في بيت اخر يصنعن الثياب الخاصة بالرجال من الصوف الذي يقمن بغزله ونسجه، كما تعمل نساء اخريات في صنع الجوارب من القطن او الجدائل المستعارة من الصوف المصبوغ باللون الاسود، كما ان هناك نساء اخريات يعملن في فن الدانتيل او الكروشيه الذي تصنع منها انصاف اكمام وياقات المريول، ذلك القميص القصير الذي يلبس تحت الزى الشعبى للنساء.

* شخصيات من معالم مدينة بنغازي

تورد السيدة خديجة الجهمي شخصيات شعبية معروفة بمدينة بنغازي في أوائل القرن العشرين محفورة في ذاكرة أهل المدينة الأوائل ومنها كما تتحدث السيدة خديجة شخصية محضية والتي تصفها بالقول: هي امرأة ضخمة الحجم تمشى كالمجنونة في الشارع تكلم نفسها ولا تؤذى احدا. وعبابودة ملامحه تشبه الصوماليين يلبس جلابية مفرطة الطول ينتعل صباطا او شبشبا ويرتدى فوق كل ذلك جاكبيتى. ثم تتحدث بصورة طريفة عن ثريا التي تقول عنها جاءت من البادية، لكنتها غريبة سمراء ذات تقاطيع رقيقة بوجهها استطالة تقترب في عمرها من الخامسة والثلاثين حلوة. وبطة المغنية اليهودية، زوجها خموس له دكان قبالة شارعنا يعمل لحاما وتسهب السيدة خديجة في الحديث عن كل شخصية بعفوية وطيبة وحياد وموضوعية كما رأتهم عين الطفلة وكما احتفظت بهم في الذاكرة عين المرأة الكبيرة.

* نشوب الحرب العالمية الثانية

تقول السيدة خديجة الجهمي في سيرتها الذاتية: عندما نشبت الحرب العالمية الثانية كنت في العشرينات من عمري، ولم أغادر مدينتي سوى مرتين، واحدة إلى القوا رشة والأخرى إلى قمينس. وتتحدث في مقطع اخر من الكتاب عن مغادرة عائلتها من بنغازي إلى منطقة القوارشة عند نشوب الحرب العالمية الثانية: غادرنا إلى القوارشة مع جدي البعباع حيث عملت هناك كممرضة متطوعة لأنني أتقن ضرب الحقن ومداوة الجروح وتضميدها. كان جدي يناديني مداعبا جيجا وهو اسم عجوز أرمينية كانت تحقن بالإبر وهى معروفة في أوساطنا الأسرية. كان هذا العمل تطوعي اى بلا مقابل فكيف نعيش أنا وامى واختى جازية وربيعة؟ لم يكن من المنطقي أن نكون في عنق جدي الذي يعول أربعة اسر غيرنا. عندها أخرجت آلة أو ماكينة الخياطة وبدأت العمل. لم يكن هناك قماش، لكن المظلات التي تسقطها الطائرات في الحرب الدائرة – وهى من نسيج الحرير الطبيعي وتخاط بشكل دائري – أوحت بالحل، فلم يكن من الصعب فتق الخياطة الأصلية وإعدادها قطعا من القماش، كما كنت أصبغها بالألوان وأفصلها إلى سواري رجالة وقفاطين، بذلك صار لدى الكثير من المال الذي لا يحقق اى شيء ففي السابق الألف فرنك يمكن المرء من شراء منزل الا انه في زمن الحرب لا يأتى برغيف خبز.

* سفرها الأول إلى مصر

بعد انتهاء الحرب رجعت السيدة خديجة الجهمي رفقة عائلتها إلى بنغازي ولكن والدها لم يرجع وإنما سافر إلى مصر، ثم توفت أمها بعد ذلك، وعاشت رفقة أختها ربيعة وجازية في بيت عمها محمد على دغيم، وطرأت عليها فكرة السفر لوالدها في مصر برفقة اختها ربيعة، فطلبت من عمها أن يصحبها إليه وكان يعدهم خيرا ولكنه لم يفعل. تقول السيدة خديجة الجهمي في سرد تفاصيل سفرها إلى مصر: قررنا أنا واختى ربيعة أن نسافر دون صحبته بل ودون علمه، خرجنا من البيت صباح يوم الخميس 1-11-1946 دون عدة ولاجواز سفر، بدون مال وبدون تقدير لمخاطر الرحلة التي عزمنا القيام بها من بنغازي عند الساعة العاشرة صباحا. كنت متنكرة في زى عجوز بدوية تضع غطاء على وجهها وتتوكأ على عكاز. وتروى السيدة خديجة الجهمي تفاصيل الرحلة الخطرة التي قضتها طيلة يوم كامل إلى أن وصلت إلى مصر، والتقت بوالدها ومكثت في بيته بعد أن اكتشفت أن والدها قد تزوج من امرأة مصرية، و أنجب منها أربعة أبناء.

في هذا الفصل من الكتاب تسترجع السيدة خديجة الجهمي رحلتها مع التعليم والقراءة حيث تذكر بأنها دخلت إلى المدرسة في سن السابعة اى في سنة 1928 وتقول عن تلك المرحلة: عندما بلغت السابعة من عمري رأى أبى ضرورة الالتحاق مع تلك القلة المدرسة، وبفضله انخرطت مع عشر تلميذات أغلبهن غير ليبيات، البعض أمهاتهن من تونس والبعض الاخر من أصول كريتلية، كنا ثلاث بنات ليبيات الاصل فقط. أختان يعمل والدهما قاضيا في الشق الشرقى من البلاد جاءتا من طرابلس هما بهيجة وسكينة ميلاد العرادى وأنا، رفض الناس دخولى الى المدرسة، ووقفوا موقف الهجوم على والدى، إلا إن أبى لم يكن يشابه أبناء جيله في نظرتهم وتفكيرهم تجاه البنات، عادة يصل عدد التلميذات الى 25 في الغالب، وما ان يصلن الى الصف الثالث حتى ينحسر عدد التلميذات، الى اربع أو خمس تلميذات فقط. مدرستنا عبارة عن بيت فيه عدة حجرات للدراسة، وهى ايطالية المنهج والادارة، تتخللها حصتان في الاسبوع للغة العربية وقواعد النحو والقران الكريم، درستها على يد الشيخ محمود بن مسعود، اما باقى العلوم مما يتعلق بتاريخ الرومان وجغرافيا إيطاليا والرياضيات، فتدرس لنا باللغة الايطالية. تبلغ مدة الدراسة خمس سنوات، تبدأ بأول وثانى تحضيرى ومن ثم اول وثانى وثالث ابتدائى، بعدها يتوقف سلم التعليم في بنغازى للبنات، اما البنين فتتاح لهم ثلاث سنوات اخرى للصنائع. انخرطت في فصول المدرسة الملوكية الابتدائية للبنات المسلمات، ولكنى توقفت عن تعليمى الابتدائى عامين امضيتهما في البيت ولم اعد اذهب للبيت، وصرت اطرز المحارم الخاصة برؤوس النساء، ثم عدت للمدرسة مرة اخرى حيث نلت الشهادة الابتدائية للصف الخامس وعمرى حينذاك 14 سنة.

* رسالتها إلى الزعيم الفاسيشتى موسيلينى

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن رسالة تطالب فيها موسيلينى بالرحيل وجيوشه عن ليبيا، بعثتها إلى مجلة (ليبيا المصورة) في عام 1939 ولكنها لم تنشر، عند ذلك تقول السيدة خديجة الجهمي راوية تفاصيل الحادثة التي أدت للتحقيق مع والدها: أعقبتها برسالة مفتوحة للزعيم الفاسيشتى موسيلينى أوضح فيها استيائي من وجود الاستعمار، وأعلن فيها عن رغبتي في طرده وجيوشه من بلادي. تقول السيدة خديجة هذا المقال عرضني لتعنيف أبى لي بعدما خضع لتحقيقات مرهقة.

* رحلتها الثانية الى مصر

تقول السيدة خديجة الجهمي عن سبب سفرها مرة ثانية إلى مصر بعد عودتها منها: كنت متحفزة دائما لاكمال تحصيلي العلمي، خاصة بعد ما عاد والدي إلى ليبيا فسافرت في 10/8/1952 الى مصر مرة ثانية، برفقة أختي ربيعة مع ابنتها سعاد البالغة من العمر أربع سنوات وأقمنا في بيت أقارب لنا في القاهرة، هناك بدأت أبحث عن عمل بعدما تعرفت على صديقة تدعى إنصاف سرى، وهى زوجة منصور باشا فهمى التي تعد أول امرأة في مصر كلفت بإدارة المدرسة السنية حيث طمأنتني بأنها ستتوسط لي لدى وكيل وزارة التعليم لأعمل كمعلمة وأواصل تعليمي. استقبلنى المعنى واسمه جعفر وسألني عن المؤهل ؟ قلت: خامس ابتدائي ايطالي وبمجاملة المصريين المعروفة أضاف أنا مقتنع بأنك أفضل من أية مدرسة هنا إلا إن الملف يحتاج لـ .. قاطعته بشكرا وخرجت.
تمضى السيدة خديجة الجهمي في سرد مسيرة أيامها في مصر وبحثها عن العمل إلى أن قادتها المصادفة للعمل خياطة في بيت الممثلة ليلى رستم وهى المذيعة المصرية في الإذاعة الانجليزية وخريجة الجامعة الأمريكية التي عرفت بجمالها وثقافتها العالية، وأكملت السيدة خديجة الجهمي دراستها فخاضت امتحان الشهادة الابتدائية ثم الإعدادية.

* نادي الشباب الليبي

كان لدى السيدة خديجة الجهمي نشاط وافر وعدم رغبة في الركون للسكون والرتابة في حياتها، وذلك يتضح من خلال نشاطها الذي وزعته بين الدراسة والعمل، ولم تكتف بذلك بل انضمت لنادي في مصر اسمه (نادي الشباب الطرابلسى)، كما تقول ثم تغير اسمه إلى (نادي الشباب الليبي). تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن هذا النادي بالقول: كان النادي يضم فريقين، فريق يدرس في الجامعات المصرية، والاخر في الجامع الأزهر الشريف، ويخيل لي انه كانت بينهما بعض الحساسية، ففي كل يوم خميس من كل أسبوع أتردد على هذا النادي، فوجئت بأن الجمعية العمومية تعقد اجتماعها لاختيار أعضاء لمجلس الإدارة وبأنهم انتخبونى للرئاسة ضد مصطفي التريكى. اعتذرت ولم يقبل اعتذارى الجامعيون الذين يمثلهم: محمود كامل المقهور، منصور الكيخيا، شوقى كانون، عثمان الكاديكى، أحمد نجم، الدغيس، وغيرهم. أما الازهريون فيمثلهم: محمد التركى التاجورى، مصطفي التريكى، واخرون. بعد التصويت فاز مصطفي التريكى مما أعفانى من هذه المهمة.

* محاضرة لها عن المرأة تثير معركة

الراحلة خديجة الجهمي
الراحلة خديجة الجهمي

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن محاضرة القتها في النادى اثارت معركة بين الطلبة الجامعيين وذوى التوجه الاسلامى المتشدد. تسرد السيدة خديجة الجهمي تفاصيل ما حدث من خلال هذه الفقرة في الكتاب: في زيارة لى للنادى أقترح على من في النادى إلقاء محاضرة، رغم انى لست مستعدة لها، لا ثقافيا ولا علميا، فأعددت كلمة بسيطة قلت في اولها انى اثبت وجود اختكم الليبية بينكم وهى بعنوان المرأة في الاسلام، كتبتها فيما يقارب ثلاث صفحات جمعت بعض معلوماتها من المراجع، وبينما انا في منتصف المحاضرة دخل الشيخ … وقاطعنى بالقول: مع احترامى للآنسة خديجة الجهمي، لعن الله قوما ولوا امرهم امرأة، ونسج على هذا المنوال لمدة ساعتين حتى احتدم الخلاف بين الفريقين إلى حد الاشتباك. كان كامل المقهور من ضمن اثنين أو ثلاثة يحاولون فض الاشتباك وإصلاح الموقف الذي عرفت فيما بعد أن أحدهم أخبره بأن خديجة قالت بأن المرأة يجب أن تكون قاضيا وحاكما الخ .. رغم انى كنت أدعو لأن تعرف وتتعلم المرأة القرأة والكتابة.

* زواج السيدة خديجة الجهمي وطلاقها

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن زواجها بالقول بانه كان نكتة. وتسرد قصة زواجها بالقول: تزوجت من رجل فاضل، سورى الجنسية، مقيم في مصر اسمه محمود خليل السباعى، وهو ارمل له ولد وبنت احببتهم واحبونى. وتتحدث السيدة خديجة عن العوامل التي دفعتها لهذا الزواج منها ان اقامتها في مصر كانت مهددة، فاضطرت لان تتزوج من الرجل صاحب مشغل الخياطة الذي عملت فيه. وتقول في فقرة اخرى: استمرت هذه الزيجة عاما واحدا تقريبا، لم تتحقق فيها أمومتى حينما وضعت بنتين توأمين ماتا فور الولادة. وعندما توفي والدى اردت العودة الى ليبيا، لكن زوجى ابقانى هناك، ثم قررت العودة بدونه لأنه كان يتابع قضايا تتعلق بمحلات يملكها في مصر، فلم أنتظر مرافقته لى وعدت الى ليبيا. وتحصلت بعد ذلك على طلاقها منه.

* مشكلة رجوعها للعمل في التعليم

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن المعاناة التي تعرضت لها بعد عودتها من مصر التي قضت خمس سنوات فيها، ومعها شهادة الثقافة والشهادة الاعدادية، ولكنها تفاجأت بأن المدة التي تغيبت فيها عن عملها بالتعليم ستعيدها لدرجة الصفر فرفضت العودة للتعليم.

* ثانى صوت نسائى في الاذاعة في عام 1956

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن عملها بالاذاعة من خلال العرض الذي قدمه لها الاستاذ محمود للعمل في الاذاعة ولكنها ترددت مخافة رفض عائلتها، كما تقول في هذا المقطع: لم أخبر أحدا بهذا العرض، حتى جاءتنى السيدة حميدة العنيزى تقول لى لماذا التشدد في الرفض اليس افضل من التعليم بثمانية جنيهات؟ فقلت لها: تعلمين بأننى أتحصل بالخياطة على مبالغ اكبر ولكن لن أعمل بالاذاعة. قالت: لكن جدك البعباع موافق. قلت: ولكن عائلة ابى لن يوافقوا.
بذلك التدخل من حميدة العنيزى بدأت العمل في الاذاعة، ولكن عائلة عمى لم تكن راضية عن عملى كمدرسة فكانت مجازفة كبرى دخولى للإذاعة. حينها كان ابن عمى عبد القادر شابا متحمسا فقال مهددا: نخش عليها في نص الليل نقبض روحها. فلم أخف، وفكرت ثم ذهبت الى عائلة عمى رحمهم الله: تعال اقتلنى اما تهددنى لا. فخجل وقال: حشمتينا يقولوا الناس بنت عمك تخدم في الاذاعة. قلت له: تعال وتبعنى واحكم.
وتسرد السيدة خديجة الجهمي دخولها الاول للإذاعة في بنغازى والتي كان المسؤول الاول فيها مستر فليشر السكرتير الاول بالسفارة البريطانية، ثم قيامها بتقديم برنامج (اضواء على المجتمع) الذي استمر لمدة 18 عاما بعد ذلك، واصبحت اول مذيعة تقرأ الاخبار في الاذاعة الليبية، واول من اعد برنامجا يذاع على الهواء للأطفال بعنوان (ركن الاطفال). بعد ذلك توالت البرامج التي قدمتها في الاذاعة:
صور من الماضى يتحدث عن سيرة المجاهدين – سل طبيبك – ندوة الاذاعة – اسهر معانا – ربع ساعة – يا فتاح يا عليم – صباح الخير – فكر معى – ركن المرأة – من حياة الناس – جولة الميكرفون – لقاءات مع الفنانين العرب، بالاضافة لاعداد الكثير من التمثيليات الاذاعية.

* دورة اذاعية في تونس

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن الدورة الاذاعية التي تم فيها إيفاد ثلاثة عشر رجلا وهى العنصر النسائى الوحيد بينهم في عام 1960 والتي استمرت لمدة 100 يوم حيث سافرت اولا من بنغازى الى طرابلس، ثم من طرابلس الى تونس وتتحدث بروح انسانية جميلة عن لقاءها بمدير الاذاعة الشاذلى القليبى وتدريبها رفقة المذيعين والمذيعات من تونس وعن لقاءها بالرئيس التونسى الحبيب بورقيبة.

* إقامتها في طرابلس

بعد عودتها من تونس إلى بنغازي وجدت ان الأسرة قد قررت تزويج أختها ليلى، وهى لم تتجاوز الخامسة عشر من عمرها، فعارضت ذلك ولكن الاسرة لم تأبه لذلك، فقررت السفر والعيش مع أخيها بالرضاعة منير البعباع رفقة زوجته وأولاده، وتتحدث في هذا الفصل عن بداية عملها بالإذاعة في طرابلس وعن اصطدامها بالرفض من قبل العاملين من الرجال بالإذاعة لها، إلى أن استطاعت بإخوتها واحترامها أن تكسبهم كأخوة، ثم تتحدث عن مشكلة لهجتها البنغازية ومحاولة إزاحتها من البرامج، وتتحدث عن حادثة طريفة لذلك كما تذكرها في سيرتها الذاتية: كلفني المراقب أن أتولى (ركن المرأة) بسبب أن المذيعات الموجودات كن يتعاركن عليه فالخلاف حوله قائم بصورة دائمة سواء في اذاعة بنغازى او طرابلس. ومن ضمن فقرات هذا الركن الذي توليته لمدة عشرين يوم فقط فقرة بعنوان ايش ناكلوا بكرة وصلتنى على اثره رسالة رسمية مضمونها الاتى: لازم تحترمى المجتمع الذي تخاطبينه. المفروض مادمتى تتكلمى باللهجة الدارجة ان تقولى شن ناكلوا غدوة مش كيف ما تقولى.

* نظمها للزجل والشعر الشعبى

نظمت خديجة الجهمي كثير من الزجل الشعرى كما تتحدث في سيرتها الذاتية ولكنها لم تحتفظ بالكثير منه مكتوبا ولكنها اوردت في كتابها قصيدة (نصيحة) عن ضرورة تعليم الفتاة وعدم منعها من القراة والكتابة، باعتبار ان ذلك يعمل على تقدم المجتمع، بالاضافة لكتابتها لكثير من كلمات الاغانى وبذلك هى تعتبر اول امراة ليبية كتبت كلمات اغانى، ومنها اغنية نور القلب والجوبة بعيدة، وغيرها من االاغانى الاجتماعية واغانى الاطفال.

* اصدارها لأول مجلة ليبية عن المرأة

تولت السيدة خديجة الجهمي الاشراف على اصدار مجلة المراة في 5/1/1964 وتعاون معها من المحررين رباب ادهم، عمر الجعفرى، عبد الله القويرى، يوسف الشريف، كامل عراب، محمد عكاشة، محمد غضبان، واخرون ثم التقت بعد ذلك بصديقة عريبى، فوزية بربون. وفي لمحات بارقة قصيرة تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن باقى الصحفيات اللواتى التحقن بالصحيفة في بداية صدورها وكن من المؤسسات لها، ومنهن من اصبحت اسم معروف في عالم الكتابة القصصية والروائية تقول عن كل اسم منهن:
مرضية النعاس: كانت موظفة في المطبوعات ولكونها ام لاطفال وتقيم في طرابلس بعيدا عن اهلها واهل زوجها، طلب منى زوجها ان تعمل معى وهى قلم جيد
نادرة العويتى: جاءنى اخوها صبرى الذي يعمل معنا في المطبوعات وقال لى اريدها ان تعمل ولو بدون مقابل.
شريفة القيادى: جيدة وجدية جدا.
نزهات القريتلى: كانت تجيد الايطالية أكثر من الايطاليين أنفسهم.
زهرة الفيتورى: جاءت بعد عام من صدور المجلة كطباعة في البداية، حيث كان والدها يعارض عملها اخذتها معى والحقتها بدورة تصوير فوتوغرافي لتصبح مصورة صحافية بالمجلة.
ثم تسرد السيدة خديجة الجهمي تفاصيل العمل بالمجلة الذي كانت تقوم به، بالموازاة مع عملها في الاذاعة المسموعة، واستمرارها في اعداد وتقديم برنامج اجتماعى معنى بحل المشاكل الاجتماعية للمستمعين من الجنسين، بعنوان (أضواء على المجتمع).

* تفاصيل العمل اليومي بمجلة المرأة

السيدة خديجة الجهمي
السيدة خديجة الجهمي (أرشيفية عن الشبكة)

تقول السيدة خديجة الجهمي في هذه الفقرة من الكتاب عن تفاصيل العمل بالمجلة: يوميا أتابع المجلة بالمرور على المطبعة لأرى المادة التي تمت طباعتها، حيث كان الجمع يدويا لا مرئيا وبعدها أذهب إلى مكتبي في المجلة بمجرد صدور العدد، أذهب للموزع في شارع الوادي، أحمل معي الأعداد في سيارتي لتسويقها وأحيانا اذهب للمطار لأرسل المجلة إلى بنغازي وسبها واتأكد من ذلك. كم تمنيت ان تصبح المجلة مدرسة وان تكون مجلة (المرأة) مثل مجلة الهلال.

* مجلة الامل

انبثقت مجلة الأمل كما تقول السيدة خديجة الجهمي عن مجلة البيت، كما اسماها الصادق النيهوم بعد قيام الثورة الليبية باعتبار أن لا تكون المرأة منفصلة عن الاسرة. وبدأت مجلة الأمل في 22/6/1975 واستلمتها لطفية القبائلى مع زهرة الفيتورى ومحمد الزوواى.
بكل هذا الزخم التاريخي، للحياة الشخصية، والمهنية للسيدة خديجة الجهمي ينتهي الجزء الأول من كتاب السيرة الذاتية لها، الذي صدر منذ أكثر من عامين. ولقد قصدت أن اعرض لهذا الكتاب بهذا الشكل المفصل وحاولت لملمة أهم، المحطات المذكورة في هذا الكتاب الجميل الذي يستحق القراءة، لأنه يتحدث عن امرأة ليبية كافحت وناضلت، من اجل أن تتعلم وتنشر العلم والتعليم ليس من اجل المرأة فقط، كما يعتقد البعض، وإنما كافحت من اجل مجتمع بكامله، حاربت ذهنية الأعراف والتقاليد، التي كبلت كل من الرجل والمرأة، وكانت رؤيتها ومبدأها الذي سارت عليه هو التعويل على التعليم للجنسين باعتباره الطريق الوحيد كي ينهض المجتمع، وينفض عنه غبار الافكار البعيدة عن روح وجمالية الاسلام الذي لا يحارب التعليم والمعرفة، لذا لم يكن من الغريب أن تكون أول محاضرة عامة لها والتي أثارت معركة بين اتجاهين من التفكير، بعنوان (المرأة في الاسلام).

الا نحتاج في هذا الوقت من تاريخ بلادنا لأن نستضيء بمثل هذه الرموز الوطنية، التي مثلتها السيدة خديجة الجهمي التي لم تبحث عن مصلحتها الشخصية، أو اتخذت مناصبها الإعلامية، كوسيلة للربح المادي أو التكسب من خلاله، بل عاشت وسط الناس ووهبت نفسها لمساعدتهم عبر العمل الاذاعى والصحافي طيلة حياتها، فكانت بحق كما أطلق عليها بنت الوطن، لأنها عشقت الوطن فوهبت نفسها له. ومن المثير للأسى أنه لم يتم حتى الآن إنشاء متحف خاص بها كما أشارت واقترحت الباحثة في مقالتها المنشورة بالملحق الثقافي، وخاصة أن السيدة خديجة الجهمي كما تقول الباحثة تركت كثير من المقتنيات والأعمال المكتوبة الخاصة بها والتي لم تنشر في كتب حتى اليوم.





زيت القناديل...رشاد الهوني

 





إنتصار بوراوى

كما عودنا الأستاذ سالم الكبتي باهتمامه الغامر بالحفر في تاريخ الذاكرة المنسية لرواد الثقافة الليبية واصداره للكتب التي تحتفي وتبحث في الجوانب المجهولة لحياة رواد الكتابة والصحافة ببلادنا ،لا زال الباحث مستمرا فى هذا الطريق الصعب حيث صدر له منذ فترة قصيرة كتاب عن رائد من رواد الصحافة الليبية الصحافي “رشاد الهوني” بعنوان ” زيت القناديل رشاد الهوني سيرة ونصوص”


يقوم الباحث والكاتب سالم الكبتى بتصدير كتابه بمقدمة عن الصحافي والأديب رشاد الهوني ذاكرا في مقدمته بأن الكتاب:” خطوة أولى تتوخى الإبانة عن دوره والكشف عن تاريخه وتراثه الأدبي والمهني الذي أهمل ولحق به وبآخرين أمثاله جحود ونسيان غير مبررين، ويتساءل الباحث عن سبب هذا التجاهل والجحود والنسيان لكثير من رواد الصحافة والكتابة في تلك المرحلة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي الذي شهد زخما فكريا ومعرفيا وثقافيا هائلا ظهرت بعض ملامحه فى كثير من الصحف الصادرة في تلك المرحلة والتي كانت أبرزها صحيفة الحقيقة
رشاد الهوني هو من الجيل الذي ولد في ثلاثينات القرن العشرين الجيل الذي شكل ظاهرة في خمسينيات القرن العشرين كما يقول الباحث سالم الكبتى رفقة أسماء كثيرة زخرت بها تلك المرحلة مثل ” عبد القادر أبو هروس، عبد المولى دغمان ، رجب الماجرى ، على الرقيعى ، مفتاح الشريف، يوسف الدلنسى ، على عميش ، عبد القادر القويرى ، كامل المقهور، على وريث، حسن صالح، طالب الرويعى، محمد المطماطى ، راشد الزبير، عمر الشيبانى، يوسف الشريف، الصادق النيهوم، وغيرهم ومن بين كل هؤلاء كما يذكر الباحث بان : رشاد الهونى امتاز فى هذا الجيل بأنه واحد من كتاب المقالة الصحافية فى ليبيا وخارجها ”
ويسرد الباحث لتشكيلة البيئة والأسرة التي ولد بها الصحافي رشاد الهونى التي تعود فى اصولها الى مدينة هون بالجنوب الليبي ثم هاجرت لفترة للإسكندرية بجمهورية مصر العربية مع الوالد الشيخ : البشير السنوسي الهوني الذى أصدر عدة مؤلفات في مصر منها ” ليس فى الإمكان أبدع مماكان” و” النور الساطع والبرهان القاطع في الرد على المبشرين “وكتاب ” البحث الجليل فى تناقض آيات التوراة والأنجيل” و” الاتحاد الأوربي والغرض منه” و”مذكرات سائح” وسواها من مؤلفات اتجهت في مجملها لطرح ومناقشة موضوعات فكرية تختص بالدفاع عن الأسلام”ص18
ويذكر الكتاب بانه لم يكن الوالد فقط له تأثير على شخصية وفكر وتكوين الصحافي رشاد الهونى وإنما كان أيضا لدعم ومساندة أخوه الكبير محمد دور كبير في صقل شخصية الصحفي رشاد الهوني وخاصة بعد ان قام بتأسيس صحيفة الحقيقة في 7-3-1964 التي أصبح الصحافي رشاد الهوني مديرا لها في عام 1966 وكتب فيها مقالته الأسبوعية الثابتة بعنوان ” من يوم ليوم””
وصحيفة الحقيقة تأسست عام 1964 وتوقفت مطلع 1972 ولأن الصحافي رشاد الهوني كان مغرما ومولعا بمهنة الصحافة فلقد أسس في لندن عام 1977 صحيفة العرب استكمالا لحلمه الصحفي الذي انقطع عام 1972
في الباب الثاني من الكتاب تكتب الصحافية والإذاعية “حميدة البرانى” مقالة عن زوجها الراحل ” رشاد الهونى” مبينة خفايا من مواقفه الإنسانية مع الأخرين وفى مقالتها كتبت السيدة حميدة البراني بمنتهى الحب والعرفان للجميل للزوج والأنسان قبل الصحفي والأديب الذي يعرفه الناس حيث كتبت:
وأنا أكتب عن رشاد الهوني فأنى أجد نفسى عاجزة عن التجرد والحياد عجزت أن أراه بغير عيون المحبة
وبغير قلب العاشقة
وبغير وفاء التلميذة والمريدة
ثم تسرد الصحافية حميدة البرانى” لمسيرة الحياة رفقة رفيق العمر لمدة 27 عاما الذي كان كما تقول الصديق والمعلم وكل الأهل
وتحدثت الإعلامية حميدة البراني عن تأسيس صحيفة العرب في عام 1977 والخروج منها فى عام 1979 ولكن الشي ء المفقود في كتاب زيت القناديل “والحلقة المفقودة في سيرة الصحافي رشاد الهوني في الكتاب والتي لم يذكرها الباحث والكاتب الأستاذ سالم الكبتي أو زوجته و الكتاب الأخرين الذين قدموا شهادات عن الصحافي الراحل هي جزئية التحدث عن أسباب ترك واستقالة الصحافي رشاد الهوني من صحيفة العرب التي قام هو نفسه بتأسيسها!
ويكتب الأستاذ ” سالم قنيبر ” عن رفيق وصديق عمره رشاد الهونى ستة مقالات مطولة ولكن الأستاذ سالم قنيبر حشد مقالاته الثلاث الأولى بكثير من نصوص الكتب عن الموت عند المصريين واليهود والمسلمين ولا اعرف ما علاقة ذلك بالكتاب !
وفى مقالته الرابعة ” قبل أن تصدر الحقيقة ” يعود الاستاذ سالم قنيبر بذاكرته ليسرد مسيرة الصداقة و العمل مع رشاد الهوني فى بنغازي عام 1958 عندما عين مسجل لكلية الآداب بجامعة بنغازي فيما عين رشاد الهوني مسجلا لكلية التجارة والاقتصاد ويفصل الأستاذ سالم قنيبر في مقالته الرابعة لملمح عام عن الحال الثقافية والصحافية والتعليمية لمدينة بنغازي في تلك الفترة وعن انتقاله للعمل رفقة رشاد الهوني في عام 1962 الى “شركة أسوا” فى البريقة وعن تأثر الصحافي والأديب رشاد الهونى بالجو العام لهذه الشركة النفطية وكتابته لقصة اقرب للمقالة عن تأثير ظهور النفط فى البلاد وهو لم يكن قد تجاوز عامه الخامسة والعشرون من عمره
ويفسح الكتاب أيضا مجالا لمقالة كتبها الصحافي اللبناني ” سمير عطالله” عن فترة عمله بصحيفة الحقيقة التي لم تدوم سوى سبعة أشهر فقط ولكنها كانت كافية لتظل راسخة في ذاكرته ليكتب عنها بعذوبة وحنين بعد أربعين عاما ذاكرا فيها بعضا من تفاصيل عمله اليومي بصحيفة الحقيقة
ويكتب الدكتور ” محمد أحمد وريث” عن فترة عمله بصحيفة الحقيقة وتفاصيل العمل بالمطبعة الحكومية في مقرها القديم بجانب مستشفى الصدرية قبل ان تكبر الصحيفة وتصبح “دار الحقيقة” ويصبح لها مطبعة بالفويهات الغربية وتتحول الى جريدة يومية مشهورة وواسعة الانتشار
ويدلى كل من الشاعر عبد الرزاق الماعزى وابوبكر الهوني وحسن فؤاد وبكر عويضة شهادات قصيرة سريعة عن بعض تفاصيل مقاربتهم للصحافي رشاد الهوني وعن دور صحيفة الحقيقة كصحيفة مستقلة بتلك الفترة في كشف كثيرمن الفساد وعن الرواج الذي حظيت به الصحيفة خاصة حين كان يكتب بها الكاتب صادق النيهوم مقالاته النارية والناقدة للمجتمع الليبي
الجزء الثاني من الكتاب يفرده الباحث والكاتب ” سالم الكبتى” لنشر جزء من كتابات الصحافي والأديب رشاد الهوني في مجال القصة القصيرة و المقالة الصحافية حيث احتوىالجزء الثاني من الكتاب على 18 قصيدة شعرية و14 قصة قصيرة وأكثر من 60 مقالة صحافية نكتشف حين نقرأها بتمعن مدى قوة وصلابة الصحافي رشاد الهوني في طرح كثير من المواضيع التحى تهم رجل الشارع العادي والتي تناقش تفاصيل حياته اليومية ومشاكله الاقتصادية والاجتماعية في ستينيات القرن الماضي بروح وثابة لا تعرف في الحق لومة لائم كاشفا أوجه الفساد في بعض الأجهزة الحكومية والشركات كما في مقالته ” ماذا يزرع السماسرة ” التي اظهر فيها حقيقة ما يجرى داخل شركة أسوا النفطية ، كما نقرأ من بين مقالاته مقالة قوية يدافع فيها رشاد الهوني عن كتابات الصادق النيهوم ويوسف القويرى وغيرها من المقالات التي هي غيض من فيض كتابته لمقاله الأسبوعي الذى يذكر فى تاريخ الصحافة الليبية باعتباره صاحب اسلوب مميز يجمع بين المعلومة والخبر والفكرة المختزلة دون إسراف أو تطويل أو قصر مخل بالمواضيع التي يطرحها أمام الرأي العام الذى كان يتابع صحيفة الحقيقة بشغف
كتاب ” زيت القناديل ” للباحث والكاتب سالم الكبتي هو كتاب يستحق القراءة وينبى ء عن جهد شخصي لمعده ومن المفترض ان تكون هناك مؤسسات ثقافية تتكفل بمثل هذا الجهد الذى يقوم به الباحث سالم الكبتي بحب وعشق للتاريخ الليبي في كافة المجالات بعمله في صمت وبعيدا عن الأضواء وبدون ضجيج وبحب لجميع من أعطى بصدق وحب لليبيا ونام في أروقة الجحود والنسيان الليبي المعهود.

 

الأحد، 26 ديسمبر 2021

فيروز جارة القمر


إنتصار بوراوى

مالذى جعل فيروز متفردة بين كل المطربات العربيات ؟ولماذا كل عام فى مثل هذا اليوم يحتفل العرب بيوم ولادتها من بين كل الفنانات العربيات الأحياء منهن والأموات على مر تاريخ الغناء العربى ؟
يبدو السؤال غريبا لأننا تعودنا على أن نحب فيروز دون أن نسأل عن ماهية السر الفيروزى ولكن الإجابة موجودة ومتاحة فنحن لانسأل كيف ينهمر المطر أو كيف تتلاعب الغيوم فوق صدر السماء الزرقاء أو كيف تتلاطم أمواج البحر !
هذه هى فيروز وكأنها جزء من الطبيعة وليست محض بشر لأنها جمعت فى صوتها وغناؤها كل هذه العناصر الطبيعية الموجودة على الأرض منذ الأزل وهضمتها فى جسدها النحيل وروحها الشفافة ثم وهبتنا صوت الطبيعة فى كافة تجلياتها عبر مسيرة غناؤها الطويلة .
فيروز تاريخ طويل من الغناء فى كافة أشكاله وأنواعه وفيما أتصور لم تجمع مطربة عربية فى غنائها مجموعة مواضيع مختلفة وثرية كما فعلت فيروز مع الرحابنة ،فهى غنت أغانى الصباح ،والأغانى المصاحبة لقهوة المساء ،وأغانى الحب والأشتياق والأنتظار وأغانى لوعة الحروب ،وأغانى الدعوة للسلام وشجب الحروب
كما قدمت كل الألوان الغنائية سواء الطربية أو الخفيفة والأغنيةالمقتبسة من الألحان الغربية ،والقصائد القوية لكبارالشعراء العرب والموشحات الأندلسية والأغانى الوطنية عن لبنان وفلسطين وسوريا ومصر ،وقدمت مجموعات مسرحيات غنائية كاملة لانظير لها فى المسرح العربى ،هى بذلك طاقة غنائية من الحياة والنور هائلة عصية على الوصف .
ولكن مالذى يجلبه صوت فيروز لمشاعرنا وأحاسيسنا ؟
صوت فيروز يجلب لنا صوت حفيف الشجر ..صوت هبوب الرياح فى ليالى الخريف حتى تكاد تسمع صوت خشخشة الأوراق المتساقطة من الشجر ..
صوت فيروز هو صوت الغابات..صوت خرير الأنهار ..صوت الينابيع ..صوت المطر ..صوت زقزقة العصافير فى الصباح المشرق البهى، صوتها يجعلك تستنشق رائحة طين الأرض فى الأحراش والجبال والغابات وتلمس قطرة الندى فوق الزهور والورود المتفتحة للحياة ،هى رقة المرأة فى قمة تجليات العشق ،وصوت سمو ورفعة المرأة وكبريائها دون قواميس الغيرة وحب الأنتقام أو الشكوى من الخيانة التى تعج بها الأغنية العربية،لأن الأغنية الفيروزية هى أغنية مصنوعة من الخيال والحلم لا علاقة كبيرة لها بالواقع البشرى بل هى أقرب للحلم والخيال ،فالحب فى الأغنية الفيروزية هو حب رفيع ومتعال وكبير وشاسع وأكبر من المشاعر الضيقة وأقصى صورة له فى تمرده على الحبيب هو فى العتاب اللطيف و”ضاق خلقى ياصبى”
أو فى الحنين للماضى “فى كانوا ياحبيبى” وصوت الحاضر والمستقبل فى “ياسلام على بكرة ياسلام”
صوت فيروز هو صوت الحالم بالحرية و”ياحرية يازهرة برية ياحرية”
صوت فيروز ..هو صوت الشوق الذى لعب وتلاعب فى قلوبنا فى صباحات الشتاء الممطرة،وصوت الحنين فى ليالى الشمال الحزينة
وكما تقول فيروز :
شو بيبقى من الليل
وشو بيبقى من الشجر
وشو بيبقى من الشوارع
وشو بيبقى من السهر
من الحكى ومن الضحكو من البكى
أكيد الذى يبقى هو صوت فيروز ،فوق الأزمنة وفوق الأمكنة وفوق كل التغيرات وتقلبات الوجود
فيروز هى صوت الناى الذى يبقى بعد أن يفنى الوجود
فيروزتنا الجميلة ..كل عام وأنت بخير ياقيثارة السماء .

الخميس، 23 ديسمبر 2021

استنساخ الروايات الكلاسيكية

 


إنتصار بوراوى

كتابة أجزاء تالية لكل ما ينجح في جانب الإبداع الإنساني  من فنون  مختلفة سواء كانت أفلام  سينمائية أو مسلسلات تلفزيونية  ، هي موضة رائجة في سوق الشركات العالمية التي تستثمر النجاح والرواج  للجزء الأول من  أي  عمل فنى بالاستمرار لإنتاج أجزاء  تالية منه  ،ولكن  هل من المجدي  ان  تطال هذه اللعبة الانتاجية  أيضا  الروايات  الكلاسيكية القديمة ،التي  كتبت في فترات تاريخية سابقة لم تكن فيها الشركات الكبرى،ن قد استحوذت على أسواق العالم عبر العولمة الاقتصادية من شبكات تلفزيون وسينما ، وأنترنت وغيرها من شبكات الاعلام المختلفة فى العالم

الا يساهم ذلك في إزالة ذلك السحر الجميل لتلك الروايات الخالدة التي تركت أثر   إبداعي على مر الزمن بروح مؤلفها وكاتبها الأصلي وبروح الزمن الذي كتبت ضمن سياقه النفسي والتاريخي .

 مثلا هل نستطيع ان نزيح من الذاكرة صورة سكارليت الشقية المتمردة  بطلة رواية  ” ذهب مع الريح ”  للكاتبة الأمريكية مارغريت ميتشل،  بنهايتها المفاجئة والمعلقة على عتبة الزمن كسؤال يتيم ومفجوع  دون اجابة، وهى النهاية التي جعلت الرواية تكتسب قوتها وبريقها وشغف ،عشاق الفن الروائي العالمي بها لأنها نهاية ربما اكثر غنى ومعنى دلالي جمالي و تأثيري، من النهايات التقليدية لكثير من الروايات العالمية ولأنها اقترنت بقصة حب مشاغبة جميلة ،كانت هي مصدر التشويق والجمال بالرواية وما كان لها سوى  أن تشبه سوى ابطالها فقط.

وهل حصد الجزء الثاني من الرواية نفس النجاح للرواية الأم المكتوبة بقلم وروح وفكر كاتبتها؟

لا طبعا لم يحصد الجزء الثاني من الرواية، الذى كتبته  الكاتبة الأميركية الكسندرا ريبلينفس عام 1991م نفس نجاح الجزء الأول، الذى كتبته مؤلفته الأصلية لأن بصمة  فكر وخيال الكاتب الحقيقي للعمل الأصلي، مثل بصمة الأصبع لكل انسان على هذه الارض مستحيل  وجود  نسخة أخرى تطابقها عند أي انسان اخر  كذلك فأن الرواية التي يكتبها الروائي  ، لن  تتكرر مرة اخرى مهما استجلبت   دور النشر الكبيرة احدث الورش الفنية  من كتاب مهرة لاستنساخ، أجزاء أخرى مكملة للنص الأصلي لأن النكهة الحقيقية للرواية، بكل عناصرها الفنية التي  كتبت ضمن سياقها التاريخي والنفسي  ،مستحيل ان تتكرر مرة اخرى مهما جند الكاتب الثاني للرواية خياله وفنه وقدرته الابتكارية  لإضفاء بهارات المتعة والجذب للجزء الثاني منها.

حين قرات منذ أيام بأن ثمة تخطيط حالي لإصدار جزء ثاني من رواية” ربيكا”   للكاتبة الانجليزية “دافن دى موريه “، ستكتبها كاتبة انجليزية منتقاة سرح بي خيالي لذكرى وطعم تلك الرواية المرهفة المشاعر العابقة بالجمال الصافي الخلاب لروح بطلتها البسيطة الشفافة التي وهبت الحب المطلق للزوج الغامض الذي أبدع في نسج صورته كرجل محب يحيا على ذكرى زوجته السابقة، لتصدم البطلة في نهاية الرواية باكتشاف جثة الزوجة التي قام الزوج بقتلها.

 طبيعة السرد الروائي للرواية الرائعة  ” ربيكا”  وضع القارئ في جو من جمالية المكان الريفي الذي ابدعت الكاتبة في رسمه، لينطبع في ذهن قارئها وكأنه يتأمل لوحة للفنان الفرنسي “مونيه”، حيث  الوصف البارع  للطبيعة الخلابة والاشجار المتهادية بحفيفها المتأرجح على عتبة الزمن، بلغة  سردية  شفافة ندية .

 كاتبة الرواية هي الانجليزية دافن دو مورييه التي ولدت عام 1907 وهي ابنة الممثل المسرحي الانكليزي الشهير جيرالد دو مورييه

 كان أول كتاب لها عن والدها بعنوان: صورة قلمية”، ولكن روايتها ربيكا نالت النجاح لأنه ثمة روح جمالية شفافة لبطلة الرواية تعبق من كلماتها المتسللة عبر أحداث الرواية كما في هذا المقطع من الرواية : لقد تأكدت الان ان السعادة ليست شيئا يباع او يشترى او يمنح وليست هي المال او القصور بل هي نوعية التفكير وراحة البال.

جمالية الرواية الكلاسيكية تكمن في إنها كانت أمينة لروح عصرها، ومعبرة عن روح الزمن الذى كتبت فيه،  ذلك الزمن  الذى لم يكن قد  شهد تشظى الانا الانسانية في عالم اليوم  المتصارع والمتسارع ، والذى  تحللت فيه القيم  الإنسانية  وغدت  القيم الاستهلاكية واللهاث خلف الماديات ، هي  سمته  البارزة والذى رصدته الرواية الحديثة   عبر   صياغتها لأشكال جديدة ،عبر ثيمات أسلوبية متجددة من المونولوج الداخلي الى الرموز والاستعارات ،ومن خلال بنية سرد حداثية تعتمد على التشظي واللعب بالزمن والشخصيات أيضا، بخلاف أمهات  كلاسيكيات الروايات العالمية الواقعية التي تعتمد على حدث واحد تدور حوله الرواية بكل شخصياتها القليلة وهو الأسلوب الذي تجاوزته كل أنواع الروايات الحداثية.

ربما لهذا لازالت مثل هذه الروايات تجد النجاح بين القراء الجدد عند كل طبعة جديدة لها باعتبارها صدى لروح أزمنة كانت تحتفى بروح الانسان قبل أي شيء و غدا البحث عن هذا الصدى الغابر ، كالبحث عن زمن بروستى ضائع لن  يعود وكل محاولة لاستنساخ مثل هذه الروايات  العالمية، بكتابة  اجزاء جديدة منها غبر مؤلفين أخرين لن يبعث روح الحياة بشخصياتها التي  بقيت حية بذاكرة قرائها بقوة وتأثير أسلوب وفكر ووهج خيال روح كاتبها الأصلي.

رباب أدهم.. ودروب الحياة بين عمان وبيروت وطرابلس

 


إنتصار بوراوى

في كتاب “دروب الحياة” للسيدة رباب أدهم تتجلى السيرة الذاتية التي تؤرخ لمسيرة حياة امرأة تعتبر رائدة من رائدات العلم والتعليم بليبيا وناشطة فى مجال حقوق المرأة فى خمسينيات القرن العشرين عبر جمعية النهضة النسائية

تبدأ المؤلفة كتابها وسيرتها الذاتية بالحديث عن والدها من خلال سردها لسيرة حياته وتفاصيل انضمامه الى صفوف المجاهدين في بلدته التي خاض فيها عدة معارك ضد الإيطاليين صحبة أبناء عشيرته “المداهنة” من قبيلة اولاد غيث ومطاردة القوات الإيطالية له ومحاولة القبض عليه وإحراق ممتلكاته ومنازل أسرته ومزارعها فى زليتين.

وتذكر الكاتبة فى كتابها “دروب الحياة” بأن والدها ولد فى طرابلس وتلقى تعليمه الابتدائي في مدارسها العثمانية وأثناء ذلك، التحق والده بالجيش التركي وترقى الى رتبة ضابط وبعث فى مهمة عمل إلى إسطنبول، ثم سوريا فاصطحب معه أسرته وهناك فى سوريا واصل والدها دراسته بالمدارس التركية فى سوريا.

 جمعية الدفاع الطرابلسي البرقاوي

تتحدث الكاتبة فى هذا الجزء من السيرة عن جمعية الدفاع الطرابلسي البرقاوي التي تم أنشاؤها فى دمشق والتي أنضم إليها، والدها بعد هجرته من ليبيا الى سوريا وتفصل نقاط الوثيقة التي ذكرت فيها أهداف الجمعية، ومنها عرض جرائم الاحتلال الاٌيطالي وطلب المؤازرة من دول العالم للخلاص، منه وتكونت اللجنة التنفيذية من الأعضاء المؤسسين: بشير السعد اوى،عمر شنيب، عبد الغنى باج فنى،فوزى النعاس وبعد السلام ادهم وآخرون وانتخب بشير السعد آوى رئيساً لها والسيد عبد السلام ادهم نائبا له في رئاسة فرعها بالأردن.

 هجرة العائلة إلى الأردن

تمضي السيدة رباب أدهم في سرد تفاصيل حياتها بذاكرة يقظة، لتروى تفاصيل حياتها منذ أن أستقر والدها، في الأردن بقرية “المفرق” فى عام 1925 وزواجه من والدتها الليبية أبنة الأسرة التي هاجرت إلى عمان بعد الاحتلال الإيطالي لليبيا وهى عائلة الحاج “محمد المبروك الجهمى” وتم زواج والدها ووالدتها فى عام 1933حيث تركت والدتها بيت والدها في عمان واستقرت مع زوجها في قرية “المفرق”

 الحياة فى الأردن بين قرية “المفرق” و“عمان

تصف الكاتبة بدقة متناهية البيت ،الذى قطنت به العائلة في قرية المفرق ومدرستها الابتدائية وتفاصيل مدرساتها وأسماءهن، وطريقة ملابسهن والأحداث اليومية بالمدرسة وصديقات الطفولة، والحياة بالقرية والصلة بالجيران الذين كان منهم بعض العائلات الليبية التي هاجرت للأردن، مثل أسرة على باشا العابدية، ومحمد على الأوجلى، ومحمد بن عيسى وغيرهم، ثم تتحدث الكاتبة عن انتقالها للعاصمة عمان حيث بيت جدها للالتحاق بالدراسة، في المدرسة الثانوية للبنات لعدم وجود مدرسة ثانوية فى قرية المفرق، وتسرد السيدة رباب أدهم بأسلوبها الشيق الجميل تفاصيل كثيرة عن الحياة فى بيت جدها لأمها وهى العائلة الليبية من “آلِ الجهمى” التى هاجرت الى الاردن هربا من الاستعمار الإيطالي.

في بيت جدها بعمان تنطلق رباب لحياة أكثر أتساع ورحابة، من حياتها مع أهلها بقرية المفرق حيث الاجواء المتفتحة في العاصمة عمان،فى أواخر أربعينيات القرن العشرين وتصف بدقة شوارعها ومبانيها مدرستها الثانوية وأسماء صديقاتها وذهابها معهن الى السينما والمسرح ، وصف المؤلفة الدقيق للأشخاص والمدينة تجعل  القارئ يصاب بالدهشة من قوة ذاكرة المؤلفة اليقظة التي تسرد كثير من التفاصيل الدقيقة التي قد يتصور المرء بأن الذاكرة قد تسقطها بفعل طول المدة الزمنية ولكن ذاكرة الكاتبة حاضرة بدقة، وبأسلوب سردي جميل وسلس تصف المؤلفة أجواء التفتح  والنشاط الفكري والثقافي لمدينة ،عمان في اربعينيات القرن العشرين حيث تتحدث بحب عن مدينة عمان :

“مدينة عمان تتميز بخاصية قد تكون الفريدة من نوعها في العالم العربي فهي محاطة بالجبال من كافة النواحي ومعظم، بيوتها مقامة على تلك الجبال وكنا ونحن صغار نصعد تلك الجبال مشياً على الاقدام، لندرة المواصلات العامة من جهة ولعدم امتلاك أسرنا للسيارات التي كانت قِصراً، على فئة محدودة جداً من الناس

بيوت عمان القديمة التي بناها الشركس، كانت في اغلبها خشبية وما عاداها من بيوت يستخدم الحجر في بنائها على نطاق واسع، وهذا ما يكسب منازلها صفة الفخامة فالحجر يضفي على المباني طابع الأُبهة والفخامة

ومنزلنا في شارع الهاشمي كان يقع عند سفح جبل الجوفة قريباً من المدرج الروماني وفندق فيلادلفيا العريق، وغير بعيد عن سيل عمان وللوصول الى شارعنا أو بالأصح حارتنا السكنية المتفرعة من الشارع الهاشمي كان لزاما علينا اجتياز جسر صغير مقام فوق السيل هذا الجسر لا يغادر مخيلتي ابداً – جسر العسبلي فقد كنت اجتازه كل يوم في طريقي الى المدرسة، والعودة منها أوللذهاب الى أي جهة أقصدها وكثيرا ما كان يحلو لي الاتكاء، على إحدى حافتي الجسر والنظر الى مياه السيل المتدفقة تحته ورؤية الأطفال، في فصل الصيف وهم يسبحون ويمرحون وفي منطقة غير بعيدة عن منزلنا كان يوجد نبع للمياه، يقصده البعض ممن لم تصل شبكة المياه بيوتهم للتزود بالماء “

وتتحدث الكاتبة أيضا عن التقاليد العائلية للجيران، والصديقات من شركس وفلسطين وأردنيين وتقاليد وعادات الأردنيين في رمضان ،والاحتفاء به بعمان في أواخر أربعينيات القرن العشرين إلى نهاية دراستها الثانوية في عام 1953 والتي توجت بحصولها على الشهادة الثانوية، ومن ثم قرار والدها للعودة إلى ليبيا بعد الاستقلال لعمله مع حكومة الاستقلال، واستقراره في الوطن وتصف المؤلفة مشاعر الأسى والحزن التي انتابتها فى يوم مغادرتها للأردن ،التي ولدت فيها ودرست فيها المرحلة الابتدائية والثانوية و تذكر الصعوبة التي وجدتها في ترك حياتها وعالمها وصديقاتها والأردن التي كانت بمثابة الوطن بالنسبة لها.

العودة إلى ليبيا

ويستمر مشوار التعليم في حياة المؤلفة، حيث كان والدها مصرا على تعليمها وأخواتها إلى أعلى المراحل الدراسية، وذلك يعتبر تفكير متقدم في ذلك الزمن حيث كان والدها منفتح بتفكيره، ويحمل احترام كبير للمرأة ويؤمن بمساواتها بالرجل وعدم اختلافها، عنه في قدراتها العلمية والتعليمية لذا كان أصراره على ضرورة مواصلة أبنته، دراستها للمرحلة الجامعية، وقام بتسجيلها فى طلب البعثة للدراسة الجامعية في الجامعة الامريكية فى بيروت وذكرت المؤلفة بعض تفاصيل تسجيلها فى البعثة من خلال ألأسطر التالية:

لقد رأى والدى أن تكون دراستي في جامعة انجليزية او أمريكية لإيمانه إن أتقان لغة اجنبية تمنح الشخص فرصا لإثراء ثقافته وحانت الفرصة حينما أعلنت النقطة الرابعة عن نيتها إيفاد طلبة وطالبات للدراسة على نفقتها بالجامعة الامريكية فى بيروت وتقدمت بأوراق وقبلت وحصلت على البعثة فى بداية اكتوبر سنة 1954 وكان معى أربعة من الطلبة الليبيين هم كامل عريبى، بشير بلاوين، محمد جميل، زهري المنتصر وزميل من بنغازى المهدى المطردى

وبهذا تعتبر السيدة رباب أدهم من الطالبات الرائدات الليبيات في الدراسة بالجامعة الامريكية في بيروت وحققت السبق كأول فتاة ليبية تدرس ببالجامعة الامريكية فى بيروت الأمريكية.

لبنان والدراسة فى جامعة بيروت الأمريكية

تستمر الكاتبة بأسلوب سلس ودقيق في، رواية تفاصيل دراستها بالجامعة الامريكية ببيروت وحياتها في القسم الداخلة للبناتـ، مع زميلات الدراسة من سوريا ولبنان ويظهر بوضوح سعة الفكر والتفتح الذهني ،المبكر للمؤلفة التي ترجع لولادتها و تربيتها في بيت متفتح، يحض على العلم والمعرفة وعلى استقلالية المرأة ومواصلتها لتعليمها فى بلد بعيد، فهي لا تجد صعوبة أبدا في التأقلم مع حياة الغربة واندمجت مع الحياة الجامعية ومع زميلاتها وزملاءها الطلاب، بكل أريحية وانسجمت مع أجواء بيروت وكانت كما تذكر في  سيرتها تقضى ،أغلب عطلاتها السنوية بالسفر وحدها إلى بيت جدتها في عمان أو بالسفر، إلى بيت صديقتها في مدينة حمص وأحيانا تبقى في القسم الداخلي وتقضى وقتها، في التجول مع صديقاتها في الاسواق او الحدائق ومسارح ودور السينما ببيروت ،وتكشف المؤلفة عن توجهها الناصري واتجاهها القومي العروبي نتيجة تأثرها البالغ، بشخصية جمال عبد الناصر في تلك الحقبة من عقد الخمسينيات التي كانت تضج، بالأحداث السياسية الكبيرة بالوطن العربي وبالفكر العروبي القومي والناصري، وتنهى المؤلفة فصول سيرتها عن دراستها في الجامعة الأمريكية ببيروت بلحظة تخرجها، بعد أربع سنوات ونصف من الدراسة لتتحصل على بكالوريوس التربية في علم التاريخ فى فبراير عام 1959، لتعود بعد ذلك لليبيا للعمل كمدرسة في معهد المعلمات وثانوية طرابلس للبنات.

 جمعية النهضة النسائية

بعد أن قامت السيدة حميد العنيزى بتأسيس جمعية النهضة النسائية في بنغازي وانضمت إليها مجموعة من رائدات العمل النسائي، أفتتح فرع لها بطرابلس ترأسته مجموعة من الأخوات صالحة ظافر، عائشة الفقيه حسن، سيدة الفقيه حسن، خديجة عبد القادر وغيرهن وأثناء عطلة السيدة رباب أدهم صيف 1957 و1958 كما تقول السيدة رباب فى كتابها تم انضمامها إلى الجمعية التي أصبحت بعد سنوات سكرتيرة ثم رئيسة لها

 تعيينها مديرة معهد المعلمات ومدرسة طرابلس الثانوية

وتسهب السيدة رباب ادهم في سرد، سيرتها الذاتية في هذه المرحلة التي حصل بها إصدار قرار تعيينها مديرة لمعهد المعلمات، ومدرسة طرابلس الثانوية فى عام 1962لتبدأ ً بذلك مرحلة عطاء طويلة للتعليم، ولتكون بذلك أول ليبية تتولى منصب مديرة معهد المعلمات وثانوية طرابلسً للبنات، بعد قرار تلييب الإدارة في بداية ستينيات القرن العشرين، ورغم جسامة المهمة وخاصة لأنها كان عليها الاهتمام بالبيت أيضاً بعد زواجها وإنجابها أول أبناءها، إلا إن دعم زوجها الإذاعي المثقف السيد عيسى بالخير، كان له دور بقيامها بمهمتها في إدارة المعهد والمدرسة بنجاح وفى العمل كسكرتير رئيسة جمعية النهضة النسائية فى طرابلس، وقيامها بمهمات في الجانب الاجتماعي للمرأة، وحضورها مع رائدات الجمعية النسائية في بنغازي وطرابلس ومشاركتهن فى الملتقيات النسائية للمرأة مثل مؤتمر الاتخاذ النسائي التونسي عام 1960 ومؤتمر المرأة الأفريقي-الأسيوي سنة 1961

  سيرة حياة السيدة رباب أدهم التي سردتها بأسلوب قصصي جميل في كتابها “دروب فى الحياه ” هي  قصة حياة رائدة من رائدات التعليم في بلادنا أعطت للوطن حصيلة دراستها وتعليمها العالي في بواكير، بناء دولة الاستقلال وقادت صرح مؤسسة تعليمية خاصة بالفتيات في فترة زمنية، كان تعليم الفتيات فيها يعد عيبا ومن المحرمات ولكن السيدة رباب ادهم بعقلها وفكرها، وعلمها صنعت اسم للمرأة الليبية وكان يمكن لعطاءها أن يستمر لو لم  يحدث الانقلاب  في عام 1969، الذى عمل على التدخل فى الشأن التعليمي وفرض في عام 1976على طالبات الثانوية والمعاهد حصص الدراسة العسكرية وارتداء الزى العسكرى،وأقحم اللجان الثورية في مسيرة العلم والتعليم والمدارس بعقد دوراتهم العقائدية، التي شوهت العملية التعليمية فى ليبيا وعدم احترامهم لمسيرة السيدة رباب ادهم ،واحترام قرارتها وحريتها في إدارة المدرسة كما كانت تفعل في العهد الملكي، ووصلت ذروة التخريب للتعليم في ليبيا وفوضويته حين صدرت قرارت الزحف الثوري، على مؤسسات الدولة وإدارتها من عناصر اللجان الثورية الذين لا علاقة لهم بالتخصص فكان يوم الزحف على إدارة المعهد في عام 1981،ونتيجة لكل هذه القرارات التخريبية الفوضوية الممنهجة للتعليم قررت السيدة رباب أدهم التقاعد ثم سافرت مع زوجها بعد خسارة شركته وأعماله نتيجة الزحف الثوري أيضاً إلى مصر،ثم إيطاليا ورجعت في بداية ثورة 17 فبراير لتكتب سيرة حياتها العلمية والتعليمية، التي توثق لتاريخ نضالي للمرأة في مجال العلم والتعليم وحقوق المرأة، عبر نشاطات جمعية النهضة النسائية وهو كتاب سيرة ذاتية  ويعتبر أيضا  وثيقة أرخت لمراحل وعقود طويلة من العمل المهني والاجتماعي من خلال سرد أدبى بسيط وسلس وجميل.

دار الكتب الوطنية …. ذاكرة الوطن المهملة

 

انتصار بوراوي

المكتبة الوطنية حسب تعريف خبراء اليونسكو هي المكتبة التي لديها واجب جمع وحفظ الإنتاج المكتوب لأي دولة خدمة لصالح الأجيال القادمة ولهذا سميت المكتبة الوطنية بالمكتبة القطرية، أي المكتبة الخاصة بقطر ما وواجباتها محددة في جمع الإنتاج الفكري الوطني وتنظيمه وحفظه والتعريف به

وللبحث على فكرة إنشاء دار الكتب الوطنية في ليبيا رجعنا إلى أهم الكتب التي عرضت لدراسة تاريخية وعلمية مكتبية إحصائية موثقة عن دار الكتب الوطنية وهو كتاب بعنوان #” دار الكتب الوطنية بنغازي.. دراسة ميدانية لواقعها وسبل النهوض بها” للباحث الدكتور إدريس مختار القبائلي، والكتاب هو أطروحة جامعية لإنجاز رسالة الماجستير في المكتبات عن دار الكتب الوطنية قدمت في عام 2000 بقسم المكتبات والمعلومات بجامعة قاريونس .

في بداية كتابه البحثي الدراسي القيم يورد الباحث إدريس القبائلي لمقابلة أجراها مع الأستاذ طاهر الشويهدى مفتش المكتبات سابقا الذى تحدث عن بواكير فكرة إنشاء دار الكتب الوطنية في بنغازي بالقول : بأن فكرة إنشاء دار الكتب الوطنية بدأت بمبادرة من السيد احمد بزامة في منتصف ستينيات القرن العشرين الذى بادر بالاتصال بعميد بلدية بنغازي لإنشاء مكتبة عامة فقام بتخصيص قطعة أرض كانت ملعبا للكرة وبعد ذلك تم الاتصال بالمهندس المصري د نصارى كامل من جامعة عين شمس لوضع الخرائط والتصميم للمكتبة بمساعدة المهندسين فتحي جعودة والشريف بن عامر ،وبعد فترة تغير المشروع ليكون مكتبة وطنية على ان تخدم الغرضين معا ورصدت للمشروع ميزانية تقديرية بلفت000 ,450دينار وفى منتصف الستينيات، كانت خرائط المشروع جاهزة بعد ان رسي المشروع على إحدى الشركات الوطنية للمقاولات، ولكن المشروع توقف لدراسته بعد سبتمبر 1969

وفي فقرة أخرى من الكتاب يتحدث الدكتور محمد فنوش عن بداية بناء وتنفيذ مشروع دار الكتب في مدينة بنغازي بعد ان تم استدعاء مجموعة من الخبراء من ألمانيا وإيطاليا وأمريكا ، وبدا الدكتور محمد فنوش مع مجموعة من الموظفين بالعمل رسميا وتجميع كتب ومحفوظات دار الكتب الوطنية بداية من عام 1973 قبل بناء مقرها الكبير وذلك بشقة صغيرة بها بعض المكاتب في إحدى عمارات وسط البلاد ، لقد صدر قرار انشاء الدار على عدة بنود منها: ان تنشأ دار الكتب الوطنية وفقا لأحكام القرار على هيئة ذات شخصية اعتبارية تسمى “دار الكتب الوطنية “ويكون مقرها القانوني مدينة بنغازي وتتمتع الدار بشخصية اعتبارية وذمة مالية وتتبع أمانة اللجنة الشعبية العامة للإعلام والثقافة ،وتحددت أهداف الدار في اقتناء وحفظ كل ما يصدر في ليبيا والإشراف على قانون الإيداع وإصدار البيوغرافيا الوطنية الجارية والمراجعة وغيرها من أهداف عامة للدار

و تم الانتهاء من بناء مقر دار الكتب الوطنية في بنغازي في عام 1979و، حيث انجز مبنى دار الكتب الوطنية من أربع طوابق احتوى كل طابق على مجموعة من اقسام الكتب والدوريات والوثائق من بينها المجموعات الوطنية الليبية والمجموعات العربية والمجموعات الأجنبية والدوريات وقسم المجموعات الخاصة الذي يحتوي مجموعات وثائق الهيئات الدولية مثل هيئة الامم المتحدة ومنظمة جامعة الدول العربية والوحدة الافريقية ومنظمة التحرير الفلسطينية واليونيسكو وقسم التبادل والإهداء وقسم الإيداع والشئون الفنية وقسم الفهارس وقسم الرقم الوطني الموحد

و هناك قسم مهم أيضا يحوى كنوز من الوثائق والدوريات النادرة كان يطلق عليه ابان عهد القذافي قسم “محدود التداول ” و لا يسمح بدخوله والاطلاع عليه إلا بتصريح وأذن من مدير الدار وهو قسم مهم وتاريخي لانه يحتوي على كثير من الوثائق التاريخية الخاصة بالعهد الملكي ودولة الاستقلال مثل مراسلات الملك وديوانه الملكي والإصدارات من الصحف والمجلات ووثائق وزارات تلك المرحلة.

و في عودة منا لكتاب واطروحة الباحث مختار القبايلى لمعرفة اعداد واحصائية مجموعات الكتب بدار الكتب الوطنية حسب السجلات في عام 1999 سنة الدراسة والبحث نجد انها كانت كالتالى :

الكتب العربية 18209 كتاب

الكتب الأجنبية باللغات الانجليزية والفرنسية وغيرها 16300

الدوريات العربية 266

الدوريات الأجنبية 134

الرسائل الجامعية 201 والرسائل الجامعية الأجنبية 143

المطبوعات الرسمية3220 عربية 1150اجنبية

المجموعات الخاصة العربية 1364

المجموعات الخاصة الأجنبية 3032

بالإضافة إلى 125 مخطوط

استمرت دار الكتب الوطنية في العمل منذ عام 1973الى أواخر عام 2013 ،وخلال كل تلك العقود كانت دار الكتب الوطنية تعانى من عدم اهتمام الدولة بها وتكاد تقتصر كتبها ودورياتها على ما تم تجميعه في بداية تأسيسها، وعلى نتاج الإصدارات الليبية سنويا في ليبيا وخارجها من كتب وصحف ومجلات ودوريات مختلفة ،وذلك كان هو رافدها وعملها الأساسي كحافظ ومخزن للنتاج الوطني الليبي طيلة كل تلك العقود ولم تتاح للدار المشاركة في معارض الكتب العربية إلا بصورة عارضة وعابرة ، دون ان يتم تخصيص ميزانيات لشراء كتب جديدة سنويا ورفد الدار بالدوريات و بالكتب الحديثة ، ولم يتم الموافقة على تخصيص مبلغ لشراء منظومة مكتبية حديثة عوضا عن المنظومة القديمة التي تعمل بنظام “الدوس ” الذى لم يعد مستخدم في علم المكتبات وتقنية المعلومات ومنظومات المكتبات ،ورغم كل ذلك كانت الدار تعمل وتمنح خدماتها لطلاب المدارس والجامعات وطلاب الدراسات العليا الذين كانوا يتقاطرون عليها من كل المدن الليبية، إلى أن تقرر في أواخر عام 2013 تفريغ دار الكتب الوطنية من كل محتويات كتبها ومحفوظاتها ونقلها لمخازن في اطراف المدينة لغرض صيانة مقرها بالكامل

ثم دخل مقر الدار تحت وقع الاشتباكات والحرب التي جرت منذ أواخر عام 2014 في بنغازي ولكن وبحمد لله ورعايته ، لم يتعرض مقر الدار للهدم او التدمير ونجا المبنى الكبير الضخم من الحرب ،و رغم مرور عامين على انتهاء الحرب في بنغازي لازالت دار الكتب الوطنية دون خطوة جدية للعمل على صيانة مقرها بالإضافة إلى التهديد الذى طال كتبها ومحفوظاتها التاريخية ، نتيجة عدم تسديد إيجار مخازن الكتب.

دار الكتب الوطنية هي معلم من معالم بنغازي، الثقافية والوطنية وتستحق ان يكون لها الأولوية في النظر لصيانتها والاهتمام بحال كتبها وكنوزها ومحفوظاتها التاريخية، ورغم كل هذا السوء الذى نشعر به نتيجة تجاهل قيمتها وتاريخها وعملها إلا أنه لا زال لدينا أمل كمثقفين وعشاق لتاريخ بلادنا بأن ثمة مسئولين وطنيين حقيقيين سيلتفتون للدار ويضعونها تحت أولوية الاهتمام بعد كل الإهمال والإجحاف والجحود الذى تعرضت له طيلة تاريخ عملها كمنارة للعلم والثقافة في ليبيا .

المرجع

# دار الكتب الوطنية بنغازي ..دراسة ميدانية لواقعها وسبل النهوض بها إعداد إدريس مختار القبائلي .. منشورات جامعة قاريونس2008


إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

    إنتصار بوراوى تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدا...