مالذى جعل فيروز متفردة بين كل المطربات العربيات ؟ولماذا كل عام فى مثل هذا اليوم يحتفل العرب بيوم ولادتها من بين كل الفنانات العربيات الأحياء منهن والأموات على مر تاريخ الغناء العربى ؟
يبدو السؤال غريبا لأننا تعودنا على أن نحب فيروز دون أن نسأل عن ماهية السر الفيروزى ولكن الإجابة موجودة ومتاحة فنحن لانسأل كيف ينهمر المطر أو كيف تتلاعب الغيوم فوق صدر السماء الزرقاء أو كيف تتلاطم أمواج البحر !
هذه هى فيروز وكأنها جزء من الطبيعة وليست محض بشر لأنها جمعت فى صوتها وغناؤها كل هذه العناصر الطبيعية الموجودة على الأرض منذ الأزل وهضمتها فى جسدها النحيل وروحها الشفافة ثم وهبتنا صوت الطبيعة فى كافة تجلياتها عبر مسيرة غناؤها الطويلة .
فيروز تاريخ طويل من الغناء فى كافة أشكاله وأنواعه وفيما أتصور لم تجمع مطربة عربية فى غنائها مجموعة مواضيع مختلفة وثرية كما فعلت فيروز مع الرحابنة ،فهى غنت أغانى الصباح ،والأغانى المصاحبة لقهوة المساء ،وأغانى الحب والأشتياق والأنتظار وأغانى لوعة الحروب ،وأغانى الدعوة للسلام وشجب الحروب
كما قدمت كل الألوان الغنائية سواء الطربية أو الخفيفة والأغنيةالمقتبسة من الألحان الغربية ،والقصائد القوية لكبارالشعراء العرب والموشحات الأندلسية والأغانى الوطنية عن لبنان وفلسطين وسوريا ومصر ،وقدمت مجموعات مسرحيات غنائية كاملة لانظير لها فى المسرح العربى ،هى بذلك طاقة غنائية من الحياة والنور هائلة عصية على الوصف .
ولكن مالذى يجلبه صوت فيروز لمشاعرنا وأحاسيسنا ؟
صوت فيروز يجلب لنا صوت حفيف الشجر ..صوت هبوب الرياح فى ليالى الخريف حتى تكاد تسمع صوت خشخشة الأوراق المتساقطة من الشجر ..
صوت فيروز هو صوت الغابات..صوت خرير الأنهار ..صوت الينابيع ..صوت المطر ..صوت زقزقة العصافير فى الصباح المشرق البهى، صوتها يجعلك تستنشق رائحة طين الأرض فى الأحراش والجبال والغابات وتلمس قطرة الندى فوق الزهور والورود المتفتحة للحياة ،هى رقة المرأة فى قمة تجليات العشق ،وصوت سمو ورفعة المرأة وكبريائها دون قواميس الغيرة وحب الأنتقام أو الشكوى من الخيانة التى تعج بها الأغنية العربية،لأن الأغنية الفيروزية هى أغنية مصنوعة من الخيال والحلم لا علاقة كبيرة لها بالواقع البشرى بل هى أقرب للحلم والخيال ،فالحب فى الأغنية الفيروزية هو حب رفيع ومتعال وكبير وشاسع وأكبر من المشاعر الضيقة وأقصى صورة له فى تمرده على الحبيب هو فى العتاب اللطيف و”ضاق خلقى ياصبى”
أو فى الحنين للماضى “فى كانوا ياحبيبى” وصوت الحاضر والمستقبل فى “ياسلام على بكرة ياسلام”
صوت فيروز هو صوت الحالم بالحرية و”ياحرية يازهرة برية ياحرية”
صوت فيروز ..هو صوت الشوق الذى لعب وتلاعب فى قلوبنا فى صباحات الشتاء الممطرة،وصوت الحنين فى ليالى الشمال الحزينة
وكما تقول فيروز :
شو بيبقى من الليل
وشو بيبقى من الشجر
وشو بيبقى من الشوارع
وشو بيبقى من السهر
من الحكى ومن الضحكو من البكى
أكيد الذى يبقى هو صوت فيروز ،فوق الأزمنة وفوق الأمكنة وفوق كل التغيرات وتقلبات الوجود
فيروز هى صوت الناى الذى يبقى بعد أن يفنى الوجود
فيروزتنا الجميلة ..كل عام وأنت بخير ياقيثارة السماء .
الأحد، 26 ديسمبر 2021
فيروز جارة القمر
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة
إنتصار بوراوى تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدا...
-
إنتصار بوراوى زينب البرعصي شاعرة تكتب الشعر بماء القلب، وتتجلى في نصوصها تلك المشاغبة الجميلة للحياة وللتفاصيل والأشياء من حولها، ...
-
إنتصار بوراوى تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...
-
إنتصار بوراوى بالأمس تلقّى الوسط الثقافي الليبي خبر إصابة الدكتور الحصادي بمرض السرطان. وقد كان وقع هذا الخبر مؤلمًا على الوسط الثقافي وا...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق