الأربعاء، 27 ديسمبر 2023

قسم ليبيا .. بدار الكتب الوطنية وحفظ النتاج الوطني

 



إنتصار بوراوى 

قسم ليبيا هو من الأقسام المهمة في دار الكتب الوطنية، حيث يقوم بتجميع الإنتاج الوطني الليبي ويتكون القسم من عدة وحدات إدارية وهى: وحدة الكتب ،وحدة المطبوعات والوثائق الرسمية، وحدة الدوريات العربية والأجنبية ، وحدة رسائل الماجستير والدكتوراة ووحدة العمل البيبليوغرافي الذي يقوم بإصدار البيبلوغرافيا الوطنية كل عام.

 تولت الأخت نعيمة الشحومى _ التي توفيت منذ أيام _ رئاسة “قسم ليبيا "  في دار  الكتب الوطنية طيلة ثلاثة عقود، وكان  قسم ليبيا  تحت إدارتها ، يضرب به المثل من حيث التنظيم والعمل المهني الملتزم ، والمحافظة على كل مقتنياته من كتب ودوريات مجلات وصحف والنشرات  الرسمية التي تصدر من الدولة  ورسائل الماجستير والدكتوراة  بالإضافة إلى الدوريات الأجنبية بلغات متعددة.

 كانت رئيسة القسم نعيمة الشحومى ، حريصة جداً على مقتنيات القسم، باعتباره يحمل الإرث الثقافي لليبيا  وكانت تعتز جداً بقسمها ، وتعتبر  رئاستها له مصدر فخر لها  وتدافع عنه بشراسة ضد أى محاولة تقصير، أو الإخلال باحتياجاته  من جانب الإدارات المتعاقبة،  وكانت الله يرحمها تعتبر "قسم ليبيا" وكأنه بيتها الثاني الذى تقضى به ساعات طويلة من يومها ربما أكثر، من ساعات وجودها ببيتها وخصوصا عندما تم افتتاح الفترة المسائية بدار الكتب الوطنية حيث كانت تتردد عليه بصورة دورية رغم وجود موظف كلفته بالأشراف عليه فى الفترة المسائية.  

وهبت نعيمة الشحومى سنوات عمرها وشبابها، للعمل بجدية لصالح قسم ليبيا بشكل منقطع النظير ولقد قضيت سنتين في العمل تحت رئاستها قبل أن انتقل من القسم  إلى أقسام أخرى بالدار. 

 عملت في دار الكتب الوطنية مع مجموعة جديدة، من الموظفات  حيث كنا حينها ضمن دماء شابة  جديدة تم ضخها للعمل فى دار الكتب الوطنية في بداية عام  1996م  حيت احتاجت الدار  وقتها إلى طاقات شابة  تعمل، على استكمال العمل المكتبي بأقسامها  ملء النقص في أقسام الدار وقامت رئيسة قسم ليبيا بتدريبنا، على مهارة العمل المكتبي وعندما لاحظت إتقاني ومحبتي للعمل عملت  على تكليفي نائبة لها و مسئولة عن القسم في حال غيابها ، ودخولها فى إجازة  رغم أنه لم يكن قد مر عام فقط على العمل معها بالقسم ،  وكان لقسم ليبيا فى دار الكتب الوطنية دور كبير في اطلاعي على كثير من صحف ودوريات ،العهد الملكي التي كنا نقوم بترتيبها ووضعها فى  أرفف بعيداعن العيون ،خوفا من أن تطالعها تقارير الوشاة فيعملون على تمزيقها أو التخلص منها ، لأن  إظهار أي  منشورات  أوصحف  صدرت بالعهد الملكي  كان من المحرمات  في تلك الفترة ،ومن خلال عملي بهذا القسم استطعت متابعة مايصدر يوميا من صحف فى عموم البلاد والاطلاع على الإصدارات الليبية  الجديدة من الكتب التي كانت تصل للدار أول بأول.

حافظت السيدة نعيمة الشحومى على مقتنيات القسم، وكانت تمنع منعا باتا فتح باب استعارة الكتب من "قسم ليبيا"  ، لمعرفتها بأن فتح هذا الباب سيؤدى إلى ضياع الكتب وكل محفوظات القسم لعدم وجود  ضمان لعودة الكتب أو محفوظات القسم في حال  إعارتها  خارج دار الكتب الوطنية ،على عكس الأقسام  الأخرى بالدار  التي كانت تفتح أبواب الاستعارة بشكل غير فعال مما أدى إلى ضياع ،وعدم عودة كثير من الكتب والدوريات بالأقسام الأخرى.

ونتيجة اتخاذها هذا القرار، تعرضت لكثير من المحاربة ، و ولكنها كانت صلبة وقوية  وعاشقة لعملها  ولديها حب لمعنى وقيمة عمل المرأة، الذى لم تساوم عليه يوما  وضحت من أجله بكثير من الأحلام ، وكانت نموذج للمرأة العاملة الليبية ، حينما كان للعمل قيمة ومعنى ، فهى تعتبر من الجيل الرائد فى العمل الوظيفي بالدولة مع نخبة من زميلاتها  اللواتي  نهضت الإدارة الليبية  الوسطى في كافة مؤسسات الدولة على أكتافهن أسوة بالرجل.

كنت أتمنى أن تكون  دار الكتب الوطنية فى عافيتها، كى تقوم بتكريمها بعد تقاعدها   ولكن للأسف توفيت الأخت نعيمة الشحومى، دون تكريم  وقلبها يحمل المرارة على ما آلت عليه دار الكتب من إهمال  ، وعدم العمل على صيانتها وعودتها للعمل وضياع  قرابة عشر سنوات من عمر دار الكتب الوطنية  و"قسم ليبيا" دون القيام بعمله المنوط به وهو حفظ  النتاج الأدبي والعلمي والثقافي الليبي ، نتيجة إغلاق  مبنى الدار وبالتالي عدم ورود أى نسخة من المؤلفات التي صدرت خلال كل سنوات  إغلاق الدار ،للاحتفاظ بها فى قسم ليبيا كما كانت تعمل الدار منذ  أربعين عام قبل إغلاقها بغرض إجراء أعمال صيانة  لم تتم مطلقا.

 عشرة سنوات صدرت فيها مئات ، الكتب والدوريات سنويا  يعتبر إخلال بالمهمة الرئيسية للدار من خلال "قسم ليبيا" الذى حرصت  رئيسته طيلة قرابة ثلاثين عام ،  على  تقدير أهميته كنواة لدار الكتب الوطنية يتم فيه حفظ النتاج الوطني الليبي ، للاستفادة منه  للباحثين والطلبة والدارسين وليبقى ذاكرة الوطن التي لا تمحى.

والحقيقة أن صمت الأدباء والمثقفين الليبيين ، ولا مبالاتهم للمصير المؤسف  لدار الكتب الوطنية التي تقوم بدور كبير، بحفظ  نتاجهم الأدبى للأجيال المتعاقبة  هو أمر مؤسف فعلا فلم نرى أي تحرك أو حتى  كتابة  مقالات عن دار الكتب الوطنية لمطالبة وزارة الثقافة للقيام بدورها  للاهتمام  بها ،وصيانتها لعودتها للعمل من جديد  كحافظ للنتاج الوطني الليبي الأدبي والعلمي ، وهذا يعطى صورة عن  هروب المثقف الليبى من القيام بدوره  الناقد  لاهمال وتقصير  وزارات الثقافة المتعاقبة تجاه مؤسسة كبيرة وضخمة بحجم وقيمة دار الكتب الوطنية التي تعتبر ذاكرة الثقافة الوطنية  الليبية من خلال  دورها الكبير لعدة عقود  كمكتبة رسمية للدولة تقوم بجمع الإنتاج الفكري الوطني وحفظ نسخ من كافة المطبوعات التي تصدر داخل وخارج الدولة وتقدم خدماتها للباحثين والدارسين فى كافة المجالات  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

    إنتصار بوراوى تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدا...