الثلاثاء، 25 يناير 2022

المطرب محمد حسن وأُغْنِيَاته المَنسيّة

 

رغم الأعجاب الجماهيري المنقطع النظير بأغاني المطرب محمد حسن التي غناها عبر إطار الخيمة الغنائية، إلا إن المطرب محمد حسن بدأ حياته الفنية في أواخر الستينيات كامتداد لمطربي الأغنية الليبية، التي بدأت مع روادها من المطربين الكبار وعلى رأسهم رائد الأغنية الليبية المطرب الكبير على الشعالية، السيد بومدين،ومحمد الكعبازى، ومحمد مرشان وعبد السيد الصابرى.  

ثم الجيل الذى بدأ الغناء في الخمسينيات، ومنهم محمد صدقي ومحمد مختار  والطاهر عمر، أحمد كامل ،  أبراهيم حفظى ،سلام قدري، ،محمد خليل ،محمد الزرقاني   ،محمد بوقرين ،محمد الفرجانى ، محمود الشريف ،عبد اللطيف الحويل  وعلى القبرون. 

وجيل الستينيات ومنهم عادل عبد المجيد ،محمد نجم ،عمر المخزومى ، هاشم الهونى ،محمد حسن ،جلال أحمد،محمد السوكنى، أبراهيم فهمى  نورى كمال وأحمد سامى  ومحمد السلينى وخالد سعيد وعطية محسن، ومصطفى حمزة،محمود كريم يوسف عزت  ومحمد رشيد وراسم فخرى. 

المطرب محمد حسن كان من ضمن مطربي، جيل الستينيات الذين عملوا على تحديث الأغنية الليبية والخروج بها من الإيقاع الشعبي، إلى الألحان والإيقاعات ذات اللون العاطفي المعاصر .

وكان في طليعة الملحنين الذين عملوا على إحداث، نقلة في الأغنية الليبية المعاصرة المطرب والملحن محمد مرشان ، الذى كان له دور في تأسيس الأغنية الليبية المعاصرة التي بدأت في عقد الستينيات، رفقة  الملحنين العباقرة كاظم نديم ومحمد الدهماني وإبراهيم أشرف وغيرهم

تجسدت جمالية أغنيات المطرب محمد حسن، حين بدأ مسيرته الفنية بأواخر الستينيات عبر أغنية" ياريح هدي مركبي مياله " من كلمات عبدالعزيز التومي  وألحان يوسف العالم، ثم توالت بعد ذلك أغانيه الجميلة من شعراء غنائيين وملحنين مختلفين ومن هذه الأغاني أغنية:

" ياحمامة طيري وعدى للمحبوب قوليله انى مرايف والشوق ذوبني ذوب "

و أغنيته الجميلة " كان اللوم ينسينا الغوالى مأقى عين سهرانة الليالى " وتجسدت عذوبة الكلما الرقيقة، والطريقة الهادئة في الغناء ورومانسية الصوت وعذوبته في أغنيته الجميلة  "في عمرى أحلى ميعاد لما نلقاك ترجاني تأخذني عيونك لبلاد مليانة أماني "،فالصور الشعرية في كلمات الأغنية ثرية وخصبة ،بتشبيهاتها المجازية الرائعة  مع لحن متدفق راسما عذوبة الحب في بداياته.

أما أغنيته "عنكم غبنا وجينا لكم مدينا أيدينا سامحونا يا أحباب والدمعة الحزينة تغنى عن العتاب" فهي   تتسربل برقتها بحيث يبدو فيها صوت محمد حسن في قمة شجنه وعذوبته.

 أيقونة اغانيه في تلك الفترة حسب ذوقي الخاص، هي أغنيته الجميلة التي لاقت رواج كبير وكانت تذاع بشكل مستمر عبر الراديو " لا تبعدوا عنى ولا تفارقوني وانتو ربيع عمري ونور عيوني"

ومن ضمن أغانيه فى تلك المرحلة أغنية " غبتى ليش ولمن خليتينى " وأغنية " لا نعاتبك ولانلوم ولانقول أه ..نريد نتركك بينك وبين الله"

ومضى المطرب محمد حسن في نفس خطه الغنائي، وازدادت شهرته حين غنى أغنيته الشهيرة  " من طبرق طير ياحمام" 

واستمر المطرب محمد حسن في نفس خطه الغنائي، بصوته العذب وإحساسه الجميل وبالجملة اللحنية المتجددة بين المقامات الغنائية المختلفة   منذ أواخر الستينيات وطيلة السبعينيات التي قدم فيها أوبريت "رحلة نغم " مع الشاعر فضل المبروك ومجموعة من مطربي ومطربات السبعينيات.

في أواسط الثمانينيات تقريبا ابتدع ا المطرب محمد حسن لخيمة الغنائية ودخل في مرحلة بدونة الاغنية الليبية ،وتغيرت طريقة غنائه إلى النبرة العالية عند مخاطبته للحبيبة و التي اختلفت جذريا عن أغانيه في بداياته، وتحولت كلمات وألحان أغانيه إلى لون بدوى صرف وتخلى تماما ،عن ارتداء البذلة الرسمية، والتحف الجرد الليبي التقليدي  ونزع عنه ثوب الحداثة، حتى في حفلاته على مسارح، تونس والمغرب وبريطانيا التي أحياها مع ديكور الخيمة البدوية وفرض اللباس الليبي التقليدي على كل أفراد الفرقة الموسيقية التي ترافقه فى حفلاته داخل البلاد وخارجها.

 وتحول منذ أواخر الثمانينيات إلى عراب البدونة ،في الغناء الليبي رفقة الشعراء على الكيلاني و عبد الله منصور الذين جمدا، الألحان الليبية على لون واحد  لا تجديد ولاتطوير فيه  وانحصر الغناء الليبي، في لونهما الغنائي  وتوارت  الألوان الغنائية الأخرى خلف اللون الوحيد ،الذى احتكره الشعراء  والملحنين الوحيدين في الساحة الفنية واختفت بسببهم الأصوات الغنائية الجميلة ، والملحنين الليبيين من رواد الأغنية الليبية وطمست منذ التسعينيات الأغنية  الليبية الحديثة ، بلونها البنغازى والطرابلسي التي قامت على أكتاف  المطربين والرواد العمالقة الكبار وحلت محلها الأغنية  البدوية كالخيمة والنجع  ضمن خطة ممنهجة لبدونه الأغنية الليبية وحصرها في لون غنائي واحد فقط

واختفت أعمال المطرب محمد حسن الغنائية، التي غناها منذ أواخر الستينيات وخلال عقد السبعينيات من البث التلفزيوني،  وولدت أجيال وراء أجيال وهى  تعتقد أن المطرب محمد حسن لم يغنى إلا أغاني الخيمة الغنائية ولم تعرف شيئا عن  عالمه الغنائي الذى استمر قرابة خمسة عشر عاما مع اللون الحداثي المطور  في الأغنية الليبية

ورغم أن لا أحد ينكر بأن اللون الغنائي ، الذى  قام بغنائه عبر الخيمة الغنائية منذ أواسط الثمانينيات إلى  أخر أغنيه له في حياته، هو لون له شعبية كبيرة  وخلق له بصمة خاصة في الأغنية الليبية ،ولكنه لون واحد ومكرر عمل على حجب الأنواع الموسيقية الأخرى ،ولو أن المطرب والملحن محمد حسن لم يقوم بعمل قطيعة مع  ماضيه الغنائي واستمر في نفس اللون الغنائي الذى بدأ  الغناء به  في أواخر ستينيات القرن الماضي كان سيحدث تطوير في الأغنية الليبية ولم تصاب  بالجمود والانقطاع  باحتكارها في  لون واحد لا تجديد ولاتطوير فيه إلى أن أشرقت أجيال شبابية جديدة بعد عام 2011 ، عملت على وصل ما انقطع من عقود فى الغناء الليبي واختلفت الأنواع وتجددت ولم تعد محتكرة على لون غنائي واحد.

الخميس، 20 يناير 2022

محمود ياسين ... نجم الرومانسية في سينما السبعينيات


إنتصار بوراوى

ولد الممثل محمود ياسين بمدينة بورسعيد فى 2 يونيو 1941وتخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1964 والتحق بالمسرح القومي قبلها بعام.

كان والده موظفا في هيئة قناة السويس، وعاشت العائلة في فيلا ملك لشركة القناة وعندما قامت ثورة يوليو وصدرت قرارات التأميم لهيئة قناة السويس في 1956 آلت ملكيتها إلى الشعب ولكن الأب لم يكره ثورة يوليو رغم خسارته للفيلا التي كان يقطنها مع اسرته بل كان فخورا بالثورة و غرس في ابنه هذا الشعور الوطني والاعتزاز بثورة يوليو 1952 فنشأ الشاب محمود ياسين عاشقا للمعرفة والكتب ومحملا بثقافة الفكر القومي العروبي الذى كان رائجا في ستينيات القرن العشرين .

اكتسح الفنان محمود ياسين السينما المصرية بداية السبعينيات مجسدا في كثير من أفلامه شخصية الشاب العقلاني الرومانسي الناضج والعصامي المكافح الذي يحمل فكر وعقل ممتلئ بالاحترام والتقدير للمرأة  يمتلك ثقافة ومعرفة ،ويحمل بعد إنساني كبير ورسم  من خلال شخصيات أفلامه صورة جميلة للرجل النبيل، الشهم الذي يمتلك حس إنساني عالي  وصورة الرجل المناضل الحقيقي  المدافع عن فكره ومبادؤه،سواء كان صحافيا او محاميا او مدرسا او أستاذ جامعي :كما أن كثير من أفلامه كانت مقتبسة من روايات يوسف السباعي ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ومنها (بين الأطلال اذكريني) ، (ودمي ودموعي وابتسامتي)،( حب وكبرياء)، (أنف وثلاث عيون)

وشاركت كثير من نجمات السينما المصرية بطولة  أفلام محمود ياسين  منهن  شادية فاتن حمامة و ماجدة وسعاد حسنى  وميرفت أمين ونجوى إبراهيم  ونبيلة عبيد ونادية الجندي ،ولكنه كون ثنائيا سينمائيا رومانسيا جميلا  مع الممثلة نجلاء فتحي  أميرة الرقة والرومانسية التي شاركته بطولة أكثر من عشرين فيلم خلال عقد السبعينيات أبرزهن :بين الأطلال أذكريني، رحلة النسيان، سونيا والمجنون، حب أحلى من حب، أنف وثلاث عيون، لا يامن كنت حبيبي، الشريدة، امرأة مقاتلة ، الوفاء العظيم، بدور، الظلال في الجانب الآخر، الشيطان امرأة، حب وكبرياء، العاطفة الجسد

فى بداية الثمانينات جسد الفنان محمود ياسين دور عامل القمامة الذي يتحول لمليونير بعد الانفتاح  في فيلم انتبهوا أيها السادة، وهو دور كان مختلف عن كل أدواره السابقة التي عرفه بها الجمهور العربي وأثبت بهذا الفيلم قدرته على التلون والتجدد كممثل بارع.

كان الفنان محمود ياسين عاشق مغرم بالمسرح فقدم أكثر من عشرين مسرحية في المسرح القومي، كما أن اجادته للغة العربية الفصحى وصوته الرخيم جعله يتصدر بطولة كثير من المسلسلات التاريخية مثل:

جمال الدين الأفغاني، والطريق إلى القدس، وأبو حنيفة النعمان، وطريق النور، ومحمد رسول الله، ابى فراس الحمداني، الزير سالم ومسلسل أبن سينا

وبعد أن انحسرت السينما الرومانسية ودخلت السينما المصرية في طور الواقعية الجديدة والتجريب والتحديث في الرؤية مع جيل جديد من المخرجين في حقبة الثمانينيات اتجه الفنان محمود ياسين للتلفزيون وقدم أكثر من 68 مسلسلا تلفزيونيا

كان محمود ياسين ممثلا من الطراز الرفيع، جسد الفروسية والنبل والوطنية في كثير من أفلامه وبقيت تلك الصورة لشخصياته في الأفلام غير بعيدة عن شخصيته الحقيقية في الحياة التي اتسمت بالاتزان من خلال اخلاصه لأسرته وعائلته وزواجه الذي صمد طيلة 50 عاما خلافا لكل الفنانين الذين عاشوا تقلبات في حياتهم العائلية  وكما لو أن شخصية الممثل محمود ياسين حملت الضدين  في  تركيبتها الرومانسية والعقلانية في امتزاج جميل جذاب ،مع أن الرومانسية تحمل في معناها العاطفة الشديدة والمتهورة أحيانا إلا أنها مع محمود ياسين اكتسبت كثير من العقلانية ، فامتزجت العاطفة بالعقلانية في كثير من ادواره التي جسدها في أفلامه ، والتي يبدو أنه استقاها من شخصيته الحقيقية التي غلب عليها الجانب  العقلاني والرومانسي  الحالم  البعيد عن المغامرات غير المحسوبة، وربما لذلك وجدت أجيال تلك المرحلة في شخصيته نموذج لفتى الأحلام  المختلف عن فتى أحلام سينما الخمسينيات  والستينيات الذين كانوا مفرطين في الرومانسية بشكل مبالغ فيه، ولأن حقبة السبعينيات كانت مثقلة بالتغيرات وبالاصطدام مع التغيير كان لابد لنموذج البطل الرومانسي العقلاني الذى جسده محمود ياسين في أفلامه أن يجد الرواج والنجاح وخاصة في الأفلام الثنائية مع الفنانة نجلاء فتحي حيث جمعتهما كيمياء قوية جعلت المشاهدين  يتصور وجود علاقة حب وارتباط بينهما ولكن الحقيقة هي أن كل منهما كان متزوج وسعيد بأسرته وأبناؤه ولكن  اجادتهما لتجسيد أفلام قصص الرومانسية في سينما السبعينيات جعلت الجمهور يعشقهما بشكل كبير  وكل ذلك يبرهن على إجادة النجمين أداء ادوار الرومانسية بشكل منقطع النظير في الأفلام التي اكتسح بها سينما السبعينيات ليبقى عنوان أجمل أفلامهما "اذكريني"  كلمة راسخة  وخالدة في ذاكرة الجمهور مهما مضت الأيام والسنوات لا يهزمها  الموت  الذى أسدل الستار على رحلته فى الحياة والفن و توفي في 14 أكتوبر 2020م عن عمريناهز  79 عامًا.

 

شيرين عبد الوهاب.. أيقونة التمرد والإحساس الصادق

 



 إنتصار بوراوى

عندما أطلقت المطربة شيرين عبد الوهاب أغنيتها "آه يا ليل" عام 2002، حققت نجاحًا باهرًا واكتسحت سوق الغناء العربي بقوة وتميزت الأغنية المصورة بطريقة الفيديو كليب بأسلوبها المختلف والغريب عن السائد في عالم الكليبات العربية، الذي كان يعتمد على اختيار مغنيات فائقات الجمال يتلوّين ويستجدين الحب والرجل، فيما فاجأت شيرين الجمهور في تقديم أغنية تعبر عن الرفض والتمرد على قلبها الذى كان اختياره خاطىء.

ثورة "جرح ثاني" وتأثيرها

في ألبومها الأول "جرح ثاني"، قلبت شيرين الطاولة وكسرت القوالب التقليدية في الساحة الغنائية. فالفتاة الصغيرة الضئيلة السمراء ذات الملامح غير الجميلة، استطاعت أن تشد انتباه الجميع بأغنيتها الثائرة المتمردة، وبثورتها العارمة على الحب وإعلان تمردها عليه، واصفة الحبيب بأشد الصفات قسوة حين بدأت أول كوبليه من كلمات أغنيتها:

"غلطت مرة وقلت على الرخيص غالي

جرحت قلبي وجرح القلوب الغالي"

في هذه الأغنية، تعلن المطربة قطيعتها مع الحب بعد تجربتها البكر القاسية مع الزوج الذي خذلها وجسدت في تصوير الفيديو كليب القدرة التعبيرية الهائلة لشيرين، والقوة الهائلة من المشاعر التي عبرت عنها. تظهر وهي تغني جالسة على كرسي وسط فراغ معتم، مكلومة، فلا تتمالك دموعها وهي تغني أغنيتها الممتلئة بالمشاعر العميقة والروح العاطفية الجياشة. تتقمص تجسيد الحكاية، أو لعلها تروي قصتها الشخصية، فتجذب المشاهد وتجعله يتعاطف معها.

انطلاقة شيرين وتجددها الفني

تلك كانت انطلاقة شيرين الأولى التي عرفها الناس من خلالها منذ قرابة عشرين عامًا، كفتاة رقيقة مفعمة بالعواطف، أجادت التعبير عن مشاعرها الجياشة بصوتها العذب الدافئ الذي يلمس أوتار الروح. جلب نجاح الأغنية عشق المخذولات اللواتي وجدن فيها تعبيرًا عن أنفسهن. نجحت الفتاة السمراء التي لا تُعنى بجمالها التقليدي في أن تجعل الجمهور لا ينظر إلى شكلها، بل يدخل إلى أعماقها وروحها التي عرتها بكل ثورة وجموح وتمرد.

تعددت واختلفت أغاني شيرين بعد ذلك من حيث المواضيع، فعبرت عن كل حالات الحب، من التمرد والسخط عليه إلى الغرق والاندماج فيه لدرجة الذوبان الكلي لشخصيتها أمام الحبيب. وهنا يكمن سر شيرين ونجاحها على مر السنوات، حيث برعت في قدرتها على التجدد والتحول من أغنية لأخرى. لكن ظلت تلك المشاعر الدافقة في كل حالات أغانيها ودرجة الإحساس العالي هو ما يميز طريقتها في الغناء عن باقي المطربات المصريات. ولذلك أحبها الجمهور، وخاصة جمهور النساء، الذي وجد في أغنيات شيرين تعبيرًا عن كل حالاتهن العاطفية مع الرجل.

البحث عن الحب الحقيقي والثمن الباهظ

أغاني شيرين للحب لم تكن أبدًا بحثًا عن الحب العادي، بل هي أغانٍ دافقة بالمشاعر تجسد الحب الجياش، وهو معبر عن تكوينها الشخصي وشخصيتها التي لا تتخيل حياتها بدون حب كبير، سعت إليه في كل زيجاتها، ولكنها أبدًا لم تجده. يبدو أن كل من اقترن بها كان يريد الارتباط بـ"الدجاجة التي تبيض ذهبًا"، فشيرين مطربة مشهورة ولها وزنها واسمها في سوق الغناء العربي، وتجني ملايين الدولارات من حفلاتها في كل دول العالم، بالإضافة إلى النجاح المنقطع النظير لكل ألبوم يصدر لها.

لكن شيرين، رغم الأموال والشهرة والنجاح والسفر والعيش في أكبر القصور والتنقل بين أغلى وأفخم الفنادق في أجمل عواصم العالم، كانت ترى كل ذلك بلا قيمة بدون الحب ،فعندما تنتهي وتفشل في زواجها، تبحث عن حب وزواج آخر تنسى به خذلانها وفشلها السابق، لأن طبيعة تكوين وتركيبة شيرين العاطفية لم تكن تركز على المال فقط، وإلا لكان بإمكانها أن تتزوج من أحد المليونيرات من رجال الأعمال وتترك تعب الغناء والحفلات وتنعم بملايين الزوج، دون أن تهتم بخياناته أو تمرغه بين أحضان النساء، كما تفعل الكثير من النساء الماديات، وخصوصًا الفنانات اللاتي يرغب في الزواج منهن أغلب رجال الأعمال العرب من مليونيرات البترودولار.

لكن مع الفنانة شيرين كان الأمر مختلفًا؛ فلم تكن الحياة بجانب رجل مليونير لا يهتم بعاطفتها وروحها تعني لها شيئًا، لأنها كانت تبحث عن الحب الحقيقي في قلوب الرجال الذين تزوجتهم ولكنها لم تجده أبدًا، كانت تريد من الرجل الذي ترتبط به أن يحب شيرين المرأة الإنسانة العفوية الصريحة، الدافقة المشاعر الجياشة ولكن كل رجل تظاهر بحبها ،وتزوجها لم يكن يأبه بروحها، كان كل ما يهمه هو شيرين المطربة الناجحة المليونيرة الغنية و"الدجاجة التي تبيض ذهبًا". وهذا ما رفضته شيرين في كل زيجاتها، ولهذا كان مصير زيجاتها الفشل والطلاق بشكل دراماتيكي وفي كل حالة طلاق، كانت شيرين تخرج في الإعلام لتعبر عن حزنها وبكائها نتيجة ما تكابده من انتهاء العلاقة الزوجية التي أعطتها الكثير من قلبها وروحها.

تعاطف النساء ومأزق شيرين العاطفي

تعاطف كثير من النساء مع شيرين، وخصوصًا النساء العاطفيات اللاتي وقعن ضحايا لمثل هذه العلاقات الزوجية المسمومة، التي تدمر كيانهن وتحولهن إلى ضحايا تحت حكم حبيب أو زوج يستغل عاطفتهن الشديدة التي حباها الله بهن للإذلال، وليس لمبادلة الحب الجارف بحب كما يرسمن في أحلامهن.

شيرين، رغم كل نجاحها الفني وعشق الجمهور لصوتها وأغانيها، لم تستطع أن تخرج من روح الفتاة ابنة الحارة ذات التفكير البسيط التي ترى الرجل بصورة "إله معبود"، ولا تراه شريكًا فكريًا وروحيًا وصديقًا قبل كل شيء لذلك، هي دائمًا تصنع من كل زوج تتزوجه "إلهًا من تمر"، تسقط عليه أحلامها ورغباتها، ثم بعد أن تكتشف أنه بشر مثل كل البشر لديه أخطاؤه وأطماعه وخساسته ونذالته، تقوم "بأكله" كما كان يفعل كفار قريش مع آلهتهم التي يصنعونها من التمر.

حلاقة الشعر: عقاب الذات ومحاولة إنكار

حلاقة شيرين لشعر رأسها هي تعبير أيضًا عن عقاب ذاتها، الذات العاطفية الممتلئة بشهوة الرغبات والحب المفرط، والتي أذلتها في علاقاتها مع أزواجها لهذا صرحت بأن حلق رأسها هو تعبير عن قوتها، ولكنها لا تدرك بأن ما تفعله هو حيلة دفاعية كي لا تنهار أو تمضي نحو الانتحار، كما فعلت المطربة الفرنسية داليدا التي انتحرت نتيجة خيباتها في الحب وموت من تحبهم.

حلق الشعر هو محاولة إنكار لأنوثتها وضعفها، لأنه بداخلها تتصارع الأنثى العاشقة التي تذوب لدرجة الانسحاق في الحب، والأنثى القوية التي ترفض أن تذلها أنوثتها وتستعبدها تحت أقدام رجل لا يقدر ولا يحترم ما تهبه له ولا يبادلها نفس قوة مشاعر حبها.

طريق شيرين إلى التوازن

لن تتخلص شيرين من حالة الهوس، في البحث عن الحب الكبير إلا عندما تصل إلى الوعي والمعرفة بأن الرجل ليس إلهًا خارقًا، بل هو بشر وإنسان مثلها لديه عيوبه ونقاط ضعف، فعليها أن لا تقدسه بفعل عواطفها الجارفة التي ترتفع به إلى أعلى درجات الحب ثم تنزله إلى أسفل السافلين بفعل عواطف الكراهية بل عليها أن تبحث عن رجل متزن بعقل راجح يتفهم كل ثورات خصوبة أنوثتها فيحتويها في علاقة زواج صادقة ومتكافئة ومتبادلة بالروح والعقل والقلب، رغم صعوبة العثور عليه في الوسط الفني الذي يعج بالطامعين والباحثين عن الأموال والشهرة والعلاقات الكاذبة البعيدة عن جوهر الإنسان وروحه الحقيقية.


الأحد، 16 يناير 2022

ذكريات معه

 

في كتاب “ذكريات معه” الذي كتبته السيدة تحية كاظم زوجة الرئيس جمال عبد الناصر تبحر السيدة تحية بذاكرتها لتسرد تفاصيل يومياتها مع الرئيس جمال عبدالناصر، وحياتهما المشتركة التي امتدت حتى يوم وفاته، ولقد بدأت السيدة تحية بكتابة ذكرياتها معه كما تذكر في مقدمة الكتاب في الذكرى الثالثة لوفاة زوجها الرئيس جمال عبدالناصر ولكنه لم ينشر إلا فى عام 2011.

الكتاب يتميّز بالسلاسة والبساطة بحيث بدا أقرب لليوميات منه إلى كتاب سيرة ذاتية لزوجة رئيس دولة عربية كبيرة كان لها دور سياسي وتاريخي كبير في المنطقة العربية بحروبها ونكباتها ونكساتها وفي أوج المد القومي العربي وحروبها وسجونها واعتقالاتها للأدباء والمفكرين.

في الصفحات الأولى من الكتاب، تذكر السيدة تحية طريقة تعرّف أسرتها على عائلة جمال عبدالناصر، حيث كانت تربط الأسرة علاقة صداقة قديمة مع عائلة جمال عبدالناصر، وكان يحضر لزيارة عائلتها مع عمه وزوجته التي كانت صديقة لوالدة السيدة تحية، ونتيجة هذه المعرفة تقدم جمال عبدالناصر لخطبتها ثم تزوجها في عام 1944، وكان جمال عبدالناصر وقتها برتبة يوزباشى في الجيش الملكي ومدرسا في الكلية الحربية.

يبدو سرد السيدة تحية في الكتاب لحياتها مع جمال عبدالناصر كرّبة منزل وزوجة محبة، ومطيعة لزوجها، فهي لا تتناقش معه في الأمور السياسية أو غيرها، بل تقوم بدور الزوجة المتفانية طيلة الستة عشرة سنة التي قضتها برفقته، وأنجبت خلالها ثلاثة أبناء و أبنتين .

ولكنّ السيدة تحية كما تقول في الكتاب لا تعرف خبايا اجتماعات زوجها الرئيس أو لقاءاته السياسية حتى قبل أن تحدث ثورة 1952، فهي لم تكن تفهم سبب جلبه للسلاح أثناء حرب فلسطين وتخزينه، بالبيت إلا بعد أن أخبرها بأنه سيمضي للحرب بفلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي، حيث تمت محاصرته مع فرقته العسكرية في الفلوجة لمدة خمسة أشهر إلى أن تم فك الحصار عنهم ورجوعهم إلى مصر

وفي الشهور التي كان يجهز فيها جمال عبدالناصر ،مع رفاقه الضباط لانقلاب 23 يوليو لم تسأله عن الأسلحة، التي يقوم بتخزينها بالبيت أوعن كثرة زيارات واجتماعات الضباط في منزلهم ،إلى أن تفاجأت بإعلان الثورة عبر الإذاعة ورأت صور زوجها في اليوم الثاني، برفقة ما سمّي “بمجلس قيادة الثورة “وأدركت بأن حركة الدبابات التي حاصرت قصر الملك فاروق كان يقودها زوجها اليوزباشى جمال عبدالناصر.

السيدة تحية في الكتاب تكتب بروح الزوجة المحبة، العاشقة لزوجها التي ترى فيه كل العالم والدنيا، وترى كل قراراته صائبة فهي كما تذكر في الكتاب لا تتدخل  بمعرفة ما يدور من شئون سياسية ،مع أن بعض اجتماعاته ولقاءاته بمساعديه والقادة العسكريين كانت تتم في البيت، وتذكر السيدة تحية أنها لم تعرف بقرار تأميم قناة السويس إلا بعد أن سمعت جمال عبد الناصر يعلنه بصوته الرنان في الراديو.

طيلة الكتاب تروي السيدة تحية يوميات حياتها الزوجية مع الرئيس جمال عبدالناصر مواعيد الأكل، ساعات عمله بالمكتب بالبيت، قضاؤها معه في مشاهدة السينما والأفلام التي يحب مشاهدتها معها، رحلاتها الصيفية مع الأولاد للإسكندرية، ومن خلال الكتاب تكشف عن الجانب المجهول ليوميات الرئيس كزوج محب لبيته وأطفاله وعن هوايته المتمثلة في عشقه للتصوير، ومشاهدة أفلام السينما، وسماع أغاني أم كلثوم وعبد الحليم، ومرافقتها له في سفراته إلى الدول الأخرى حيث كانت أول زيارة رسمية لها برفقته، إلى يوغسلافيا التي استقبلهم فيها الرئيس تيتو وتذكر ارتباكها في التعامل ،مع بروتوكولات استقبال زوجات الرؤساء ومساعدة جمال عبدالناصر لها للتقليل ،من توترها وارتباكها كما تذكر أيضاً أن الرئيس جمال عبدالناصر لم يكن يقبل الهدايا ،إلا من الرؤساء العرب، ويفضل أن تكون رمزية أما هدايا السيارات والعربات والطائرات، التي أهداها له بعض الرؤساء فلقد سلّمها جميعها لخزانة الدولة.

ومن بين أكثر فصول الكتاب أهمية ، الفصل الذي تحدثت فيه عن نكسة يونيو وعن تأثير ذلك اليوم على الرئيس ،حيث أخذ أدوية مهدئة كي ينام، ولكنها لم تذكر أي تفاصيل مهمة حول ذلك اليوم المصيري، في تاريخ مصر والعرب وإنما عرضت بسرعة لما أطلعه عليها الرئيس، من إحباطه لمحاولة عبدالحكيم عامر الانقلاب عليه بعد نكسة يونيو، فى شهر سبتمبر من صيف عام 1967.

و تذكر السيدة تحية في الكتاب ،أنه في صيف 1968 مرض الرئيس ورافقته في رحلة علاجه إلى جورجيا وشفي من مرضه ،ولكن أصابته أول نوبة قلبية في صيف 1969، حيث رقد في السرير لأيام وكان الأطباء يتناوبون على علاجه حيث طالبوه بالراحة، ولكنه بعد أسبوعين قام من السرير وقام باستقبال القادة المسئولين عن حرب الاستنزاف وتابع أخبار الجبهة يوميا معهم، واستمر يجهد نفسه كما تقول زوجته السيدة تحية دون أن يأخذ قسطا من الراحة، وفي سبتمبر 1969 جرت معركة أيلول الأسود التي حدثت فيها اعتداءات من الأردن على الفلسطينيين، وقام الرئيس جمال عبدالناصر بعقد قمة عربية في فندق الهيلتون وعمل طيلة الأربعة والعشرين ساعة على الوفاق بين الطرفين وفي آخر يوم بعد انتهاء القمة وتوديع الرؤساء الضيوف ،بالمطار تذكر السيدة تحية بأن الرئيس دخل ليرتاح وينام ولكنه طلب الدكتور قبل ذلك، ولاحظت السيدة تحية كما تقول امتقاع وجه الدكتور ومرافقيه من الأطباء وحالة ارتباك بينهم، وبعد ساعات أسلم الرئيس جمال عبدالناصر الروح في هدوء وسلام.

وعن موته تقول الزوجة المحبة المتفانية في محبة رفيق عمرها في نهاية كتابها الذي أنهت كتابته في ذكرى وفاته الثالثة “سأظل أبكيه حتى أرقد بجانبه في جامع جمال عبدالناصر بمنشية البشرى وقد جهز لي مكان القبر بجانبه كما طلبت”.

وسواء أحب الكثيرين  جمال عبدالناصر أو كرهه البعض الأخر، إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة أنه كان حالم كبير كانت لديه أحلام كبيرة بتحرير فلسطين وبالوحدة العربية وربما كانت أكبر أخطائه أنه كان مستفردا برأيه لتحقيق أحلامه وتنفيذ قناعاته ولكنه كان حقيقيا مع نفسه ومع قناعاته، ولم يبدل جلده كما فعل الكثيرون، بل ظل وفيا لمبادئه وقناعاته، ولم يكن مزيفا مثل القذافي بل كان حقيقيا تأثر بنكسة 1967 حين رأى أحلامه وهي تتساقط وتقتل بأيدي الأصدقاء قبل الأعداء، فلم يحتمل قلبه كل ذلك وصمتت دقات قلبه وانسحب من الحياة بهدوء، وفي هذه السيرة واليوميات التي كتبتها زوجته السيدة كشفت الكثير من الجوانب الإنسانية في شخصيته الكريزمية التي لا يمكن أبدا مقارنتها بالمزيفين والمشوهين أمثال القذافي الذي حاول تقليده بشعارات كاذبة مزيفة لا علاقة لها بحقيقة حكمه المدمر للبلاد وربما السيدة تحية لم تكشف الكثير من الأسرار عن الحياة السياسية لمصر بتلك الحقبة المليئة بالأحداث الكبيرة في تاريخ مصر والعرب إلا أنها كشفت عن جوانب شخصية، وأحداث وتفاصيل صغيرة في حياة جمال عبدالناصر لم يكن من الممكن معرفتها إلا من خلال ذكرياتها التي طرحتها في الكتاب.


الخميس، 13 يناير 2022

نجوى بن شتوان والقصة الساخرة اللاذعة


 إنتصار بوراوي

نجوى بن شتوان قاصة وروائية من مدينة بنغازي، رسخت أسلوباً وبصمة خاصة بها، من خلال إصداراتها المتوالية (قصص ليست للرجال)، (طفل الواو)، (الملكة)، بالإضافة لإصدارها لرواية بعنوان (وبر الأحصنة)، ومسرحية بعنوان (المعطف)، ومجموعة شعرية بعنوان (الماء فى سنارتي). فهي كاتبة متعدَّدة التجارب، ولديها حس المغامرة الإبداعية، وهوس بالكتابة في كافة تجلياتها الإبداعية.

‎تمضى القاصة نجوى بن شتوان في مجموعتها القصصية الثالثة (الملكة) التي صدرت منذ أشهر عن مجلس الثقافة العام، بأسلوبها القصصي نفسه القائم على السخرية اللاذعة، وانتقاءها للقطات قصصية من المجتمع، وتشكيلها عبر قلمها الناقد المحمل بكثير من الحياد في التعاطي مع صور الحياة حولها، فالقاصة تكتب شخصياتها بحياد تام، مع تشفير قصصها برموز ودلالات مختلفة تمنح نصوصها شفرات مميزة.

تحتوى مجموعتها القصصية الجديدة (الملكة)، على أكثر من مائة نص قصصي، اعتمدت القاصة فيه على أسلوب التجريب والتمكن والاحتراف فى كتابة القصة القصيرة، فالنصوص تنضح بخبرة ونضج فني اكتسبته القاصة من سنوات طويلة في كتابة القصة القصيرة، وهى تفاجئ القارئ الذي تعود على نمط محدَّد بالكتابة القصصية للمرأة الليبية، متكون فى كثير من محاور خطوطه على مناغاة الحبيب والشكوى من غيابه أو هجره أو خيانته. ولكن القاصة نجوى بن شتوان تقلب طاولة الفكرة المسبقة عن كتابة المرأة في ذهن قارئها عبر ولوجها لعالم مناكفة ومشاكسة الأطر التقليدية والاعتيادية للصيرورة الاجتماعية التي استنامت لخطوط متفق عليها ضمنيا دو ن ورق مكتوب.

‎القاصة توخز اللحم المهترئ للمجتمع وتناكشه وتستفزه بسخرية لاذعة، وتكتب بعض قصصها بضمير المتكلم للرجل وذلك نادر في كتابة المرأة الليبية، كما فى قصتها (صورة مقطعية لفارس)، حيث تلتقط الكاتبة بفنية وذكاء قصة الزواج بالطريقة التقليدية في المجتمع الليبي، وبتلاعب فني جميل تسبغ على القصة حسًا ساخرًا ثم تنهيها نهاية مفتوحة، كما تفعل في أكثر نصوص المجموعة، تاركة القارئ في حالة دهشة ومحاولة إجابة عن الأسئلة المعلقة التي تركتها القصة في ذهنه، بحيث تعمد إلى نقل فكرة مجتزأة من الحياة، ثم تترك النهايات مفتوحة أمام فكر وذهن القارئ.

‎كما أن القاصة تدخل لمنطقة التجريب فى كتاباتها القصصية، حين لا تتقيد عند رسم شخصياتها القصصية في المجموعة ببشر من لحم ودم، وإنما تستعير الأشياء من حولها وتتلاعب بها بحس فني وبطريقة مبتكرة، كما فعلت في نصها القصصي (نمو طفيلي)، حيث صورت في هذا النص حذاء تنمو فيه محموعة من الأنوف التي هي كناية عن تدخل الآخرين في مسيرة حياتها، مما يجعلها تتخلص من حذائها وتمشي حافية دونه كي تتخلص من كل تلك الأنوف التي تحرمها من خصوصيتها الإنسانية.

قصص القاصة نجوى بن شتوان لا تحمل أي إطار زماني أو مكاني محدَّد، وإن كانت تلمح في مرور عابر لمدينة بنغازي، حتى وإن استعارت لها اسمًا آخر، كما فعلت في قصتها الساخرة المحملة بلغة لاذعة (نزلاء الشوكة)، بحيث لا تخلو ومضتها القصصية من سخرية فيها الكثير من الطرافة، كما هو أسلوبها في مجموعاتها القصصية (وظيفة الشوكة إنها أول لبنة فى وكالة الأنباء البشرية، فمن يؤمونها هم أكثر النَّاس دراية بأحوال النَّاس، وهم ذاكرة تسجيلية حيّة عن كل صغيرة وكبيرة صادقة وكاذبة).

‎ثم تقول في مقطع أخير من قصتها بأسلوب ساخر لاذع: (لو أنك أحصيت مجموع ما في توخيرا من شوك وغادرتها لتنظرها من نافذة كوكب آخر كيف تبدو، فإنك سترى شعبا يقيم في الشارع، ويتشبع بثقافته وأبعاده، وليس من الممكن إبعاده عن شارعيته أبدا!!).

بسخرية لاذعة ممزوجة بمرارة موجعة تكتب القاصة نجوى بن شتوان قصصها، تناكش مجتمعها .. تشاغبه .. تناوشه .. تعري عيوبه وأمراضه، وبحياد تام، دون أن تتورط في التماهي مع الشخصيات القصصية التي تتابع ركضها فوق صفحات أوراقها البيضاء، تناكف القاصة الشخصيات والأماكن، والتفاصيل اليومية برؤية تأملية ساخرة لاذعة أحيانا.

‎وفي لوحات قصصية أخرى تستحضر كقارئ في ذهنك بعض من لوحات (أدواردو جاليانو) القصصية، العابقة بالنفس التأملي في الكون والوجود، وهو أسلوب أصبح ينتهجه كثير من كتاب القصة الحديثة، الذين تخلوا عن الأساليب التقليدية في القصة القصيرة، من حيث ترتيب الشخصيات والوصف والعقدة والحدث بخط سردي واحد، نقرأ ذلك مثلا في إلتقاطتها القصصية المعنونة بـ(ميلاد الأرقام) 

(في عصور ما قبل الإحصاء، صعد رجل وامرأة إلى جبل ليحصوا عدد السكانبعد سنوات نزل عشرات الأطفال الذين لم يعرفوا شيئا عن ذاك الرجل وتلك المرأة).

‎يتداخل الواقعي مع الفنتازي في كثير من نصوصها القصصية، وتفيض القصص بلغة مشذبة مجردة محايدة، دون مماهاة عاطفية بالشخصيات أو الأحداث، في تخلص واضح من فنون السرد التقليدية.

‎فالنصوص متشظية بشكل مختلف، ومحملة في بعضها ببعد ترميزي مشفر، خلف لغة صارمة حادة. أحيانًا لا تخفي معانيها العميقة عن القارئ الشغوف بقراءة النتاج القصصي القديم والحديث. يمكن أن نقرأ ذلك في نص قصصي تأملي جميل بعنوان (ردم وحفر)، وقصتها (إفراط في التأنيث).

نصوص الكاتبة نجوى بن شتوان في مجموعتها القصصية الثالثة  (الملكة)، محملة برؤية مميزة ومختلفة وتشكل إضافة قوية وجديدة في المدونة السردية القصصية للكاتبة الليبية، وأكيد أن السنوات القادمة سوف تشهد كتابات روائية وقصصية للكاتبة تضعها في مصاف القاصات والروائيات العربيات في الوطن العربي، لأن قلمها يحمل الكثير من التجريب والحس الفني العالي، بالإضافة لإمتلاكه القدرات الإبداعية العالية في القص المَّميز والمختلف.

الأحد، 9 يناير 2022

أحمد فكرون.. نورس الأغنية الليبية

إنتصار بوراوى 


بدأ المطرب أحمد فكرون الغناء في مسقط رأسه مدينته بنغازي  فى عام 1970، عندما أنشأ فرقة موسيقية مع مجموعة من أصدقاؤه  وغنى في مسارح المدارس والجامعة ثم سافر إلى لندن من أجل دراسة اللغة الإنكليزية، وخلال إقامته ببريطانيا تعرف على موسيقيين وكون فرقة موسيقية.  

و ﻓﻲ ﺳﻨﺔ 1975سجل أﻟﺒﻮﻣﻪ ﺍﻷﻭﻝ ‏( ﺃﻭﻋﺪﻧﻲ ‏) ﻓﻲ لندن ،ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﺻﺪﺭ أﻟﺒﻮﻣﻪ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ نسيان  فى عام 1977م وأسطوانة ( ﺷﻮﺍﺭﻉ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ‏) ﻓﻲ ﺳﻨﺔ 1982،ﺛﻢ أﻟﺒﻮﻣﻪ ﺍﻟرابع ‏(ﻛﻠﻤﺎﺕ ﺣﺐ‏) ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1986  وفى عام 1991صدر له ألبومه الخامس ‏(ﺍﻧﺘﻈﺎﺭ‏)، ثم أﻟﺒﻮﻡ ( ﺳﻨﺪﺑﺎﺩ ‏) ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1996 وفى ﻋﺎﻡ 2002 صدر له أﻟﺒﻭﻡ ‏(ﻋﻴﻮﻥ ﺳﺎﻟﻤﺔ‏) ،ثم أﺻﺪﺭ ﺑﻌﺾ ﺍﻻﻏﺎﻧﻰ ﺍﻟﻤﻨﻔﺭﺩﺓ  ﺑﻌﺪ ﻏﻴﺎﺏ  ﺑأﺳﻠﻮﺑﻪ ﻭﺒﺼﻤﺘﻪ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺍﻟﺘﻰ أﺣﺒﻬﺎ ﻋﺸﺎﻗﻪ، ﻋﺒﺮ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ أﻏﺎﻧﻰ ﻣﻨﻬﺎ ” ﺍﻟﻨﻮﺭﺱ ” ﻭﺳﻠﻔﻨﻰ ﺍﻟﻘﻤﺮ ” ﻭﻣﺶ ﻛﻔﺎﻳﺔ ” ﻭﺃﻏﻨﻴﺔ “ﻋﻮﺍﻡ” وﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍلأﻏﺎﻧﻲ ﻳﺮﺣﻞ ﺑﻌﺸﺎﻗﻪ ﻓﻰ ﺩﻧﻴﺎ ﺍﻟﺨﻴﺎﻝ ﺭﻓﻘﺔ ﻟﺤﻦ ﻭﻛﻠﻤﺎﺕ  أغانيه  ﻓﻴﻔﺠﺮ ﺑﺪﺍﺧﻞ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﻊ ﻛﻞ ﺯﺧﻢ ﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﻭﺍﻟﻌﻮﺍﻃﻒ ﺍﻟﺘﻰ ﻟﻢ ﺗﻘﺘﻠﻬﺎ ﺍﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﻭﺍﻟﻌﻤﺮ ﺩﻭﻥ أﻥ ﻳﺠﺪ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﻟﺬﻟﻚ ﺍﻻﻧﺪﻣﺎﺝ ﺍﻟﻜﻠﻰ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ ﻣﻊ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺼﻮﺕ ﺍﻟﻠﻴﺒﻰ ﺍﻟﺒﻨﻐﺎﺯﻯ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ ربما لأﻧﻪ ﻳﺤﻤﻞ ﺑﺪﺍﺧﻠﻪ أحلام  أﻳﺎﻡ ﺍﻟﺨﻮﺍﻟﻰ ،ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻤﺮ أﻭ لأﻧﻪ ﺍﺑﻦ ﻣﺪﻳﻨﺔ ﺭﺣﻞ ﻋﻨﻬﺎ ﻭﺗﺮﻛﻬﺎ ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﻋﺎﺷﺖ ﻓﻰ ﻗﻠﺒﻪ،ﻭﻟﻢ ﻳﻨﺴﺎﻫﺎ أﻡ ﻫﻰ  كلمات أﻏﺎﻧﻴﻪ ﺍﻟﻤﺤﻤﻠﺔ ﺑﺎﻟﺘﻮﻕ ﻟﻠﺤﺮﻳﺔ ﺍلإﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﺑﺤﺜﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﺍلخيرﻓﻰ ﻗﻠﻮﺏ ﺍﻟﺒﺸﺮ.

 ﻤﻊ ﺻﻮﺕ أﺣﻤﺪ ﻓﻜﺮﻭﻥ ﻻﻳﻤﻜﻦ أﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺣﻴﺎﺩﻳﺎ أﺑﺪﺍ،ﻭﺧﺎﺻﺔ ﺍﺫﺍ ﻛﻨﺖ ﻣﻦ ﻋﺸﺎﻗﻪ ﻭﻣﺤﺒﻴﻪ ﺍﻟﻘﺪﺍﻣﻰ ﻭﻛﻤﺎ ﻟﻮ إﻥ ﺻﻮﺗﻪ ﻭإﺣﺴﺎﺳﻪ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ ﻳﺰﺩﺍﺩ ﻣﻊ ﺍﻟﻌﻤﺮ ﺗﻌﺘﻘﺎ ،ﻭﻟﻤﻌﺎﻧﺎ ﻛﺎﻟﻤﺎﺳﺔ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ ﻓﻰ ﺻﺪﻓﺘﻬﺎ ﺍﻟﻤﻌﺰﻭﻟﺔ ﺍﻟﺘﻰ ﻻﻳﻠﻤﺲ ﺭﻭﺣﻬﺎ إﻻ ﻣﻦ ﺗﺤﻤﻞ ﻣﺸﺎﻕ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ إﻟﻴﻬﺎ، ﻫﻜﺬﺍ ﻫﻮ ﻏﻨﺎﺀ أﺣﻤﺪ ﻓﻜﺮﻭﻥ، ﺑﻌﻴﺪ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺎﺩﻯ ﻭﺍﻟﻤﺴﻄﺢ ﺑﻞ ﻳﺰﺩﺍﺩ ﻓﻰ ﻋﻤﻖ ﺟﻤﺎﻟﻴﺎﺗﻪ ﻣﻊ ﻣﺮﻭﺭ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﻭﺍﻟﺴﻨﻴﻦ، فأضاف بخبرته ﺍﻟﺤﻴﺎﺗﻴﺔ ﻭﺗﺠﺮﺑﺔ ﺍﻟﻐﺮﺑﺔ ﻭﺍﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﻤﺎﻝ ﻓﻰ ﺍﻏﻨﻴﺘﻴﻦ ،ﻣﻦ أﺟﻤﻞ أﻏﺎﻧﻰ ألبومه " ﻋﺎﺑﺮ ﻳﺎﺯﻣﺎﻥ ﺑﻴﻨﺎ ﻭﻓﻴﻨﺎ "ﻭأﻏﻨﻴﺔ ” ﺍﻟﻨﻮﺭﺱ ” ﺍﻟﺘﻰ ﻳﻠﻤﺲ ﺑﻬﺎ أﻋﻤﺎﻕ، ﻛﻞ ﻣﻬﺎﺟﺮ ﻭﻣﻐﺘﺮﺏ ﻋﻦ ﻭﻃﻨﻪ وﻳﻐﻨﻰ ﺑإﺣﺴﺎﺱ ﺑﻜﺮ ﻛﺄﻧﻪ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﺎﺏ ﺍﺑﻦ ﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ عاما ، فى أﻏﻨﻴﺘﻪ الأولى ﺍﻟﺘﻲ قام بتصويرها وهو يسير ﺑﺪﺭﺍﺟﺘﻪ ﺍﻟﻨﺎﺭﻳﺔ ،بين ﺸﻮﺍﺭﻉ ﻭﺳﻂ ﺍلبلاد ﻭﻣﻌﺎﻟﻤﻬﺎ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ، ﻣنطلقا بالغناء ﺑﺼﻮﺗﻪ ﺍﻟﻤﺨﻤﻠﻲ أﻏﻨﻴﺘﻪ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ “ﺍﻭﻋﺪﻧﻰ” ،التي نالت عند صدورها نجاحا ساحقا بين جمهور الشباب الليبى .

فى أﻏﺎﻧﻴﻪ الأخيرة يستعيد فكرون، ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻟﻤﺘﻮﺛﺒﺔ ﺍﻟﻌﺎﺷﻘﺔ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ ﻭﻛﺄﻧﻪ ﻳﺑﺮﻫﻦ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﻋﻠﻰ أﻥ ﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﺍﻭﺍﻟﻌﻮﺍﻃﻒ ﻻﻳﻤﻜﻦ ﺍﻥ ﺗﺸﻴﺦ ﺍﻭ ﺗﻬﺮﻡ.

اﻟﻤﺘﺘﺒﻊ لانتاج المطرب أحمد فكرون  ﺍﻟﻐﻨﺎﺋﻲ، ﻳﻜﺘﺸﻒ ﺑﺄﻥ أﻏﻠﺐ أﻏﺎﻧﻴﻪ  ﺗﺘﻐﻨﻰ ﺑﺤﺐ ﻏﻴﺮ ﻋﺎﺩﻯ ﻭﺑﻤﺸﺎﻋﺮ إﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺗﺤﺾ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﺤﺐ ،  وغنى للوطن وليس لشخص من خلال أغنيته الشهيرة  “يابلادى حبك موالى” وغنى لفلسطين وجرح ألمها الكبير وغنى للأرض أغنيته الشهيرة ” حلوة الصورة لك يا انسان “وغنى للبنان عندما كانت في أوج حربها الأهلية في ثمانينات القرن الماضي أغنيته الشهيرة التي كتبها  الشاعر فرج المذبل ” لبنان يالبنان يادمعة في حكاية ياضيعة الإنسان “، وغنى عن ضحايا قنبلة "هيروشيما” و للبطل الليبي عمر المختار ،وجاب أحمد فكرون مسارح الدول الأوروبية بأغانيه في لندن وباريس وروما بحفلات كبيرة فيما كان محاربا ومقصيا من نظام وإعلام بلاده.

من بين أغانيه المفردة الأخيرة تميزت أغنيته ” ﻣﺶ ﻛﻔﺎﻳﺔ “ ،ﻭﻛﺄﻧﻬﺎ ﺍﻏﻨﻴﺔ ﺍﻟﺤﺐ ﺍﻟﻤﻔﻘﻮﺩ ﺭﺑﻤﺎ لأﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﺣﺐ ﺻﻐﻴﺮ ﻭﺿﺌﻴﻞ ،أﻭ ﺣﺐ ﺧﺎﺋﻒ ﻭﻣﻬﺰﻭﻡ ﻭإﻧﻤﺎ هو ﺣﺐ ﻛﺒﻴﺮ ﺰﺧﻢ ﺍﻟﻌﺎﻃﻔﺔ ﻭإﺣﺎﺳﻴﺲ ﻭﻛﺄﻧﻪ ﻳﻐﻨﻲ ﻟﺰﻣﻦ ﻻﺷﺒﻴﻪ ﻟﻪ ﻭﻟﻌﺸﺎﻕ ﻻﺷﺒﻴﻪ ﻟﻬﻢ ﻭﻣﺤﺒﻴﻦ ﻣﺨﺘﻠﻔﻴﻦ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺎﺩﻯ ﻭﺍﻻﻋﺘﻴﺎﺩﻯ، ﻳﺮﻭﻥ ﻓﻰ ﺍلآﺧﺮ ﺳﺮ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﻧﺴﻎ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺗﻠﻚ ﻫﻰ أﻏﻠﺐ ﻣﻌﺎﻧﻰ، ﻛﻠﻤﺎﺕ ﻣﻄﺮﺏ ﺍلأﻏﻨﻴﺔ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﻴﺔ ﻓﻰ ﻟﻴﺒﻴﺎ أﺣﻤﺪ ﻓﻜﺮﻭﻥ التي استقى أغلب كلماتها الغنائية الشعرية، من الشاعر الغنائي فرج المذبل وشعراء مبدعين  أخرين مثل الشاعر صالح عباس،والشاعر نبيل الجهمى، والشاعر الصيد الرقيعى،فكانت أﻏﺎﻧﻴﻪ أﺷﺒﻪ ﺑﺎﻟﺤﻠﻢ ﺍﻭ ﺭﺑﻤﺎ أقرب للأﺳﻄﻮﺭﺓ ﻻﻋﻼﻗﺔ ﻟﻬﺎ ﺑﺎﻟﻮﺍﻗﻊ،ﻛﻤﺎ أﻥ ﻧﻮﻉ ﺍﻟﻠﺤﻦ ﺍﻟﺬﻯ ﻏﻨﺎﻩ ﺍﺣﻤﺪ ﻓﻜﺮﻭﻥ ﻓﻰ ﺍﻏﻨﻴﺔ ” ﻣﺶ ﻛﻔﺎﻳﺔ  ﻳﺒﺪﻭ ﻗﺮﻳﺒﺎ ﻣﻦ ﻟﺤﻦ ﺍﻟﻜﺎﻧﺘﺮﻯ ﺑﺎﻟﺮﻳﻒ ﺍﻻﻣﺮﻳﻜﻰ ﻭﻫﻮ ﻧﻮﻉ ﻏﻨﺎﺀ ﺟﻤﻴﻞ ﻭﻫﺎﺩﻯﺀ ﻭﻳﻠﻤﺲ ﺟﻤﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻟﻬﺎﺩﺋﺔ ﺍﻟﻤﺒﺘﻌﺪﺓ ﻋﻦ ﺍﻟﻀﺠﻴﺞ.

استقى  المطرب أحمد فكرون بعض من أشعارأغانيه ،من الموروث الليبى والشعر الشعبى مثل أغنية (أرحم بوي) للشاعر عبد المطلب الجماعي، وأغنية " سلف مردود " للشاعر الشعبى حسن الاقطع، وأغنية (سوف الجين) للشاعر أحمد بورميلة المعداني وأغنية (طاحن نجوم الليل )،و (ياشمس ياشموسة وياقمر علالى )  ومن هذا الموروث والفولكلورقام بتحلين أغانيه بألحان موسيقى الجاز والكانترى ومزج بين الروح الشرقية والغربية بأسلوب متفرد حمل بصمته الخاصة

أغاني أحمد فكرون الأخيرة ملونة بجمال، الإحساس والصوت ﺍﻟﺬﻯ ﻟﻢ ﻳﺘﻐﻴﺮ ﺭﻏﻢ ﻣﺮﻭﺭ ﺍﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﻭﺍﻟﺰﻣﻦ ﻭﻛﻞ ﻣﻄﺒﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺗﻐﻴﻴﺮﺍﺗﻬﺎ، أغانى مضفورة بالتجدد والتنوع والاختلاف فى لحن كل أغنية عن الأخرى، وذلك التميز وسم ألحانه المتنوعة والمختلفة طيلة تاريخه الغنائي الفني، فلكل أغنية لحن وروح غنائية مختلفة عن الأخرى توقدها تلك ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻟﻜﻮﻧﻴﺔ بفنه ﺍﻟﺘﻲ ﻏﻨﻲ ﻓﻴﻬﺎ للحب وللوطن و ﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻦ ﻭﺣﺮﺏ ﻟﺒﻨﺎﻥ وللإنسان وللسلام، روح  فنية متجددة استمرت مشتعلة ولم تخبو على مر العقود وهي نفسها ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺣﺒﺒﻨﺎﻫﺎ ﻓﻰ اﺑﻦ ﺑﻨﻐﺎﺯﻯ ،ﺍﻟﺬﻯ ﺗﺮﻛﻬﺎ ﻭﺭﺣﻞ ﻋﻨﻬﺎ كنورس ليرفرف بفنه بعيدا على المسارح الأوروبية، ﻭﻟﻜﻨﻪ لم يرحل بقلبه وعقله ومضمون أغانيه عن ليبيا ومدينته  وهذا ماجعله خالدا ﻓﻲ ﻗﻠوب ﻣﺤﺒﻴﻪ ﻭﻋﺸﺎﻗﻪ على مدى السنوات.


الخميس، 6 يناير 2022

أول الولع

 


 إنتصار بوراوي


الكلمة النازفة في محراب الصدق، الكلمة المختلفة التي تمشط شعر الخيال وتسرحه في أحلى صورة حينا وتناكشه احيانا أخرى…

الكلمة المخترقة لأنين الروح النازلة بردا سلاما على أرواحنا الباحثة عن معنى في كون وعالم لا يعترف قادته بالمعنى قدر شغفهم بتحقيق انتصارات واهمة لجيوبهم المزدانة بمليارات الدولارات فوق جثث المحلقين الى عليين قرابين فداء لأوطانهم السليبة النائمة في حضن الوجع.

الكلمة التي بها ولها تشغف الروح وتهيم في ذرارى وهطول سراديبها المغلقة وطرقها المكشوفة، الكلمة الثاقبة نسيم الروح بهدوئها وسكينتها حينا والملعونة المطرودة من أوطانها احيانا اخرى، الكلمة المتفردة الحقيقية لا يحلو العشق الا لها.

هي العاشقة المرصودة الأبدية في محرابها، تلملم مساءات العمر رفقتها فتهديها ألفة حضورها الطاغي فلا تملك سوى أن تستجيب لسحرها لتتوسد كتفها، هي أول الولع والانتماء الملتصقة بشظايا الروح الهائمة في ملكوت المختلف.

متهمة هي بارتكاب فجيعة عشقها لها فلا مهرب منها إلا إليها، هاربة هي من القبيلة التي صبت عليها لعناتها لأنها اختارتها طريقا وعشقا وولعا لا فكاك لها عنه.

بعشق العارفين الذين تهجوا أبجدية الحياة بين أحضان تشكلات الحروف تصادق نصوصها القادرة على اختراق لهيب الروح التي تحفر بأظافرها في لحم أيامها وحده النص الحارق الخارق يهز روحها ولا يعود ما كان كما كان.

اللغة المنثورة فوق صفحات الملمس الورقي الدافئ اللغة المتشمسة تحت الملمس البارد لحاسوبها الذي تتشكل صفحاته بالألوان فلا تخلبها صوره البصرية ولا تنقاد لها قدر ما تنقاد وتنجذب بمس سحري غامض لكل بحار اللغة المتشكلة بفيض ابداع جمالي منثور فوق صفحات الحاسوب المتحرك بفعل زرة فأرة ماكرة، هي كل ما يدهش الروح ويطلق دهشة الحواس ويستنفر صفارات الإنذار المعلنة التي ليست بالضرورة سمانية لتصفر في تلافيف دماغها العاشق لأسئلة لن تجد إجابة عليها مطلقا.

اللغة العارفة، اللغة المعرفة، الملغزة، المشفرة، العارية، المستترة، المتلاعبة بحقول الكلمات التي تنكشف ويظهر زيفها مهما اختفت خلف ألف حجاب وحجاب اللغة الرزينة العاقلة، المباركة كبركة النبيين والقديسين، اللغة المارقة الملعونة كلعنة رامبوا في صحاري عدن القصية، اللغة المتشككة بجحيم أسئلة كزنتازاكى اللغة الضاجة بالعشق بجنون قيس في صحاري العرب الغابرة، اللغة الروحية بفيوضات أبن عربي والنفري والمثنوى والسهروردي، اللغة الباحثة عن روحانية الوجود لصانع الرؤى المختلفة بابو كويلو.

اللغة المتفلسفة الهادئة في استشراق الغرب في الشرق، والبحث عن كينونة وطن يريد الأخر محوه من الذاكرة والتاريخ اللغة المخلخلة لنفاق وزيف مجتمعاتنا العربية النائمة على أطلال المجد الغابر والمشرحة بمبضع هشام شرابى.

اللغة المتشظية في نزف الحالمات الناقشات في دفاترهن اضاءتها الخلابة، اللغة المعشوقة التي ارتكبنا تهمة عشق التعاطي مع جمالياتها وطيرنا من أجلها خيارات لاحت في اعمارنا.

من أجلها نذرنا بخور العشق وغصنا في مفاتن هيامنا بأسئلتها، اللغة التي هز مبدعي الأرض جذع نخلتها العامرة، فتساقطت علينا ثمار كلماتها المهدهدة للروح حينا وعربدت بجنونها في سراديب ارواحنا عناقيد شراستها العنيفة احيانا اخرى.

نعترف بأننا احببناك وعشقناك وكنت الموطن والملاذ، وارتعشنا امامك باللهفة والعشق كما ترتعش باقي بنات جنسنا أمام فترينات أفخر تشكيلات الموضة وأرقى صيحات ماركات تلوين وتزويق الوجوه، حلمنا وبعض الحلم خطيئة بأن نرى البعض يصاب بلوثة عشقك كما ابتلينا بعشقك يا أجمل خطايانا.

حلمنا وبعض الحلم خطيئة في عرف الأخرين الذين لم يتذوقوا رعشة عشق جمالك ولم يكتشفوا تجييرات البهلوانين لحروفك لتغطية عين الشمس بغربال الكلمات المتقلبة حسب المصالح.

حلمنا بأن نراك أعلى قيمة وأرفع مكانة في كوكبنا القاسي علك يا أجمل اللغات تزرعين المحبة في قلوب علاها صدأ الحقد والكره، حلمنا وبعض الحلم خطيئة في أوطان تقتل كل الأحلام أن يعشقك الأخرون، لذاتك وبذاتك من غير مطمع في مركز او مال او شهرة زائفة فالعشق لا يكون الا لك صافيا نقيا طاهرا لا غاية فيه سوى عشقك لذاتك لإعلاء قيم الخير والحب والجمال.

حلمنا وبعض الحلم خطيئة أن يعشقك الجميع عله تهجر أدمغتهم العناكب المعششة في خوذات الرؤوس المغلقة منذ قرون، وان يصاب بلوثة مسك كما اصابتنا كل الذين لم يعرفوا طريقك مستسلمين لطراوة التحنيط المخدر للعقول عشقناك يا أجمل ملاذ وأجمل ميناء وأجمل منفى ودفعنا بالكامل ثمن عشقنا لك ولسنا نادمين وأبدا لسنا أسفين.

 


الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...