عندما أطلقت المطربة شيرين عبد الوهاب أغنيتها "آه يا ليل" عام 2002، حققت نجاحًا باهرًا واكتسحت سوق الغناء العربي بقوة وتميزت الأغنية المصورة بطريقة الفيديو كليب بأسلوبها المختلف والغريب عن السائد في عالم الكليبات العربية، الذي كان يعتمد على اختيار مغنيات فائقات الجمال يتلوّين ويستجدين الحب والرجل، فيما فاجأت شيرين الجمهور في تقديم أغنية تعبر عن الرفض والتمرد على قلبها الذى كان اختياره خاطىء.
ثورة "جرح ثاني" وتأثيرها
في ألبومها الأول "جرح ثاني"، قلبت شيرين الطاولة وكسرت القوالب
التقليدية في الساحة الغنائية. فالفتاة الصغيرة الضئيلة السمراء ذات الملامح غير الجميلة،
استطاعت أن تشد انتباه الجميع بأغنيتها الثائرة المتمردة، وبثورتها العارمة على الحب
وإعلان تمردها عليه، واصفة الحبيب بأشد الصفات قسوة حين بدأت أول كوبليه من كلمات أغنيتها:
"غلطت مرة وقلت على الرخيص غالي
جرحت قلبي وجرح القلوب الغالي"
في هذه الأغنية، تعلن المطربة قطيعتها مع الحب بعد تجربتها البكر القاسية
مع الزوج الذي خذلها وجسدت في تصوير الفيديو كليب القدرة التعبيرية الهائلة لشيرين،
والقوة الهائلة من المشاعر التي عبرت عنها. تظهر وهي تغني جالسة على كرسي وسط فراغ
معتم، مكلومة، فلا تتمالك دموعها وهي تغني أغنيتها الممتلئة بالمشاعر العميقة والروح
العاطفية الجياشة. تتقمص تجسيد الحكاية، أو لعلها تروي قصتها الشخصية، فتجذب المشاهد
وتجعله يتعاطف معها.
انطلاقة شيرين وتجددها الفني
تلك كانت انطلاقة شيرين الأولى التي عرفها الناس من خلالها منذ قرابة
عشرين عامًا، كفتاة رقيقة مفعمة بالعواطف، أجادت التعبير عن مشاعرها الجياشة بصوتها
العذب الدافئ الذي يلمس أوتار الروح. جلب نجاح الأغنية عشق المخذولات اللواتي وجدن
فيها تعبيرًا عن أنفسهن. نجحت الفتاة السمراء التي لا تُعنى بجمالها التقليدي في أن
تجعل الجمهور لا ينظر إلى شكلها، بل يدخل إلى أعماقها وروحها التي عرتها بكل ثورة وجموح
وتمرد.
تعددت واختلفت أغاني شيرين بعد ذلك من حيث المواضيع، فعبرت عن كل حالات
الحب، من التمرد والسخط عليه إلى الغرق والاندماج فيه لدرجة الذوبان الكلي لشخصيتها
أمام الحبيب. وهنا يكمن سر شيرين ونجاحها على مر السنوات، حيث برعت في قدرتها على التجدد
والتحول من أغنية لأخرى. لكن ظلت تلك المشاعر الدافقة في كل حالات أغانيها ودرجة الإحساس
العالي هو ما يميز طريقتها في الغناء عن باقي المطربات المصريات. ولذلك أحبها الجمهور،
وخاصة جمهور النساء، الذي وجد في أغنيات شيرين تعبيرًا عن كل حالاتهن العاطفية مع الرجل.
البحث عن الحب الحقيقي والثمن الباهظ
أغاني شيرين للحب لم تكن أبدًا بحثًا عن الحب العادي، بل هي أغانٍ دافقة
بالمشاعر تجسد الحب الجياش، وهو معبر عن تكوينها الشخصي وشخصيتها التي لا تتخيل حياتها
بدون حب كبير، سعت إليه في كل زيجاتها، ولكنها أبدًا لم تجده. يبدو أن كل من اقترن
بها كان يريد الارتباط بـ"الدجاجة التي تبيض ذهبًا"، فشيرين مطربة مشهورة
ولها وزنها واسمها في سوق الغناء العربي، وتجني ملايين الدولارات من حفلاتها في كل
دول العالم، بالإضافة إلى النجاح المنقطع النظير لكل ألبوم يصدر لها.
لكن شيرين، رغم الأموال والشهرة والنجاح والسفر والعيش في أكبر القصور
والتنقل بين أغلى وأفخم الفنادق في أجمل عواصم العالم، كانت ترى كل ذلك بلا قيمة بدون
الحب ،فعندما تنتهي وتفشل في زواجها، تبحث عن حب وزواج آخر تنسى به خذلانها وفشلها
السابق، لأن طبيعة تكوين وتركيبة شيرين العاطفية لم تكن تركز على المال فقط، وإلا لكان
بإمكانها أن تتزوج من أحد المليونيرات من رجال الأعمال وتترك تعب الغناء والحفلات وتنعم
بملايين الزوج، دون أن تهتم بخياناته أو تمرغه بين أحضان النساء، كما تفعل الكثير من
النساء الماديات، وخصوصًا الفنانات اللاتي يرغب في الزواج منهن أغلب رجال الأعمال العرب
من مليونيرات البترودولار.
لكن مع الفنانة شيرين كان الأمر مختلفًا؛ فلم تكن الحياة بجانب رجل مليونير لا يهتم بعاطفتها وروحها تعني لها شيئًا، لأنها كانت تبحث عن الحب الحقيقي في قلوب الرجال الذين تزوجتهم ولكنها لم تجده أبدًا، كانت تريد من الرجل الذي ترتبط به أن يحب شيرين المرأة الإنسانة العفوية الصريحة، الدافقة المشاعر الجياشة ولكن كل رجل تظاهر بحبها ،وتزوجها لم يكن يأبه بروحها، كان كل ما يهمه هو شيرين المطربة الناجحة المليونيرة الغنية و"الدجاجة التي تبيض ذهبًا". وهذا ما رفضته شيرين في كل زيجاتها، ولهذا كان مصير زيجاتها الفشل والطلاق بشكل دراماتيكي وفي كل حالة طلاق، كانت شيرين تخرج في الإعلام لتعبر عن حزنها وبكائها نتيجة ما تكابده من انتهاء العلاقة الزوجية التي أعطتها الكثير من قلبها وروحها.
تعاطف النساء ومأزق شيرين العاطفي
تعاطف كثير من النساء مع شيرين، وخصوصًا النساء العاطفيات اللاتي وقعن
ضحايا لمثل هذه العلاقات الزوجية المسمومة، التي تدمر كيانهن وتحولهن إلى ضحايا تحت
حكم حبيب أو زوج يستغل عاطفتهن الشديدة التي حباها الله بهن للإذلال، وليس لمبادلة
الحب الجارف بحب كما يرسمن في أحلامهن.
شيرين، رغم كل نجاحها الفني وعشق الجمهور لصوتها وأغانيها، لم تستطع أن
تخرج من روح الفتاة ابنة الحارة ذات التفكير البسيط التي ترى الرجل بصورة "إله
معبود"، ولا تراه شريكًا فكريًا وروحيًا وصديقًا قبل كل شيء لذلك، هي دائمًا تصنع
من كل زوج تتزوجه "إلهًا من تمر"، تسقط عليه أحلامها ورغباتها، ثم بعد أن
تكتشف أنه بشر مثل كل البشر لديه أخطاؤه وأطماعه وخساسته ونذالته، تقوم "بأكله"
كما كان يفعل كفار قريش مع آلهتهم التي يصنعونها من التمر.
حلاقة الشعر: عقاب الذات ومحاولة إنكار
حلاقة شيرين لشعر رأسها هي تعبير أيضًا عن عقاب ذاتها، الذات العاطفية
الممتلئة بشهوة الرغبات والحب المفرط، والتي أذلتها في علاقاتها مع أزواجها لهذا صرحت
بأن حلق رأسها هو تعبير عن قوتها، ولكنها لا تدرك بأن ما تفعله هو حيلة دفاعية كي لا
تنهار أو تمضي نحو الانتحار، كما فعلت المطربة الفرنسية داليدا التي انتحرت نتيجة خيباتها
في الحب وموت من تحبهم.
حلق الشعر هو محاولة إنكار لأنوثتها وضعفها، لأنه بداخلها تتصارع الأنثى
العاشقة التي تذوب لدرجة الانسحاق في الحب، والأنثى القوية التي ترفض أن تذلها أنوثتها
وتستعبدها تحت أقدام رجل لا يقدر ولا يحترم ما تهبه له ولا يبادلها نفس قوة مشاعر حبها.
طريق شيرين إلى التوازن
لن تتخلص شيرين من حالة الهوس، في البحث عن الحب الكبير إلا عندما تصل
إلى الوعي والمعرفة بأن الرجل ليس إلهًا خارقًا، بل هو بشر وإنسان مثلها لديه عيوبه
ونقاط ضعف، فعليها أن لا تقدسه بفعل عواطفها الجارفة التي ترتفع به إلى أعلى درجات
الحب ثم تنزله إلى أسفل السافلين بفعل عواطف الكراهية بل عليها أن تبحث عن رجل متزن
بعقل راجح يتفهم كل ثورات خصوبة أنوثتها فيحتويها في علاقة زواج صادقة ومتكافئة ومتبادلة
بالروح والعقل والقلب، رغم صعوبة العثور عليه في الوسط الفني الذي يعج بالطامعين والباحثين
عن الأموال والشهرة والعلاقات الكاذبة البعيدة عن جوهر الإنسان وروحه الحقيقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق