الخميس، 16 ديسمبر 2021

تونس مفتاح ..الحاضرة رغم الغياب

 إنتصار بوراوى



لازال صوت وأغنيات المطربة تونس مفتاح التي انطلقت في سبعينيات القرن الماضي بصوتها العذب الجميل ، يلقى رواج ومحبة ومتابعة عند كثير من الجمهور الليبي  رغم  مرور الزمن  والسنوات  الطويلة على اعتزالها الغناء .  

وحين دخل الأنترنت للبلاد وانتشر في أوائل الألفية، عمد عشاق الفن الليبي إلى توفير أغلب أغانيها على اليوتيوب، وأصبحت متاحة للأجيال التي صاحبت أغانيها وهى في سن الطفولة او المراهقة والصبا، وللأجيال الجديدة التي وجدت في لونها الفني الرقة والجمال واللحن الرشيق الذى جعلها مقربة منهم أيضا.

وهذا سر من أسرار محبة الجمهور لفنها، وأغنياتها، فلون المطربة تونس مفتاح الفني قام على اكتاف هرمين من أهرامات الشعر والتلحين في ليبيا هما الشاعر الغنائي فضل المبروك، وزوجها الملحن فرحات فضل الله يرحمهما الذين قدما لتونس مفتاح أروع إبداعاتهما الفنية.

كانت انطلاقة المطربة تونس مفتاح  الكبيرة ،حين غنت وهى في الرابعة عشرة من عمرها تقريبا  أغنية  "انسيتك يالبعيد"،بصوتها المغرد الشادي ، فجذبت أذن المستمع قبل المتفرج ورغم صغر سنها ،إلا أنها غنت الأغنية بكل جوارحها وأحاسيسها وتقمصت حالة العاشقة، التي تخلت عن حبيبها الذى لم يكن يستحق حبها فكانت فعلا الطفلة المعجزة في زمانه، فكيف لطفلة في ذلك العمر أن تغنى، بكل تلك المشاعر الدافقة والعواطف الملتهبة لو لم تكن لديها موهبة عشق الغناء، ومحبته فهي لم تكن تغنى للحبيب كما في كلمات الاغنية ،بل تغنى للجمهور والناس وتعلن لهم جميعا بأنها مطربة تمتلك صوت يدخل للقلب بدون حواجز بعفويته وحرارة عواطفه وتعبيراته المتدفقة بالحب، وبمقياس ذلك الزمن"سبعينيات القرن العشرين" كان ذلك منتهى الجرأة والتمرد من  فتاة صغيرة في العمر ، ليس في الصوت فقط الغامر بالمحبة والعشق بل في كلمات الأغنية، نفسها التي تعلن التمرد على الملاء وإعلان نسيان الحبيب بطبقة صوت عالية  ،وبكل جرأة تعلن تلك الصبية الصغيرة ليس فقط نسيانها له بل تخبره، بأن "أنظارها دارن صوب جديد" أي أنها تقول له بكل أنفة  وكبرياء واعتداد بالنفس أنها لم تعد تريده ومحته تماما من ذاكرتها  وعاقبته بالنسيان لأنه ابتعد عنها وتركها فبالتالي هو لا يستحق حبها وفيض عواطفها الدافقة ، ولا تكتفى كلمات الأغنية بذلك بل تصرح معلنه بأنها  أحبت شخص أخر  وهذا اللون الغنائي  جديد على أذن المستمع الليبي الذى كانت مشاركة المطربة الليبية فيه شحيحة أساسا ، لذلك تم الاستعانة بمطربات عربيات طيلة عقد الستينيات لغناء ما يكتبه الشعراء الغنائيين  تعبيرا ،عن عواطف المرأة  ومشاعرها في الحب  وكانت أغلب الأغاني تدور حول عشق الحبيب، ومحبته أو الشكوى من هجره والتذلل والتوسل لرجوعه ، ومافعله الشاعر المبدع الراحل في كلمات  الأغنية أنه فجر كل الموروث في الشعر الغنائي الليبي بأغنية تتكلم بلسان المرأة  متحدية الحبيب الهاجر  بإعلان النسيان ، ولقد أبدع ابن الجبل الأشم الشاعر" فضل المبروك "  في رسم كلمات الأغنية التي بدت و كأنها كانت مكتوبة، لصوت تونس مفتاح الطازج فى بكارته والذى يجلب إلى مستمعه  رائحة الشمارى، وخرير النهر واخضرار الطبيعة عبر صوتها اليانع ،فمن كانت يمكن أن تغنى تلك الكلمات التي تحمل معها أجواء المكان ولهجته إن لم تكن تلك الموهبة الجوهرة التي عثر عليها الشاعر فضل المبروك والملحن فرحات فضل فتمسكا بها، وعملا على صقل تجربتها وتدريبها على الغناء وكيفية غناء مخارج الحروف حتى تمكنت، وأصبحت نجمة كبيرة لسنوات، قدمت خلالها أجمل أغانيها وأصبحت أي أغنية جديدة تغنيها تجد طريقها للنجاح والرواج الكبير  بين الناس عند إذاعتها ، لقد أحب الجمهور صوت أبنة الجبل الأخضر بدفئه ورقته وعاطفته الجياشة، وايضا لاختلاف مضامين أغانيها التي أبدع كلماتها الشعرية الغنائية الشاعر فضل المبروك فمن أغنية "سريبى نا وياك سريب" إلى أغنية  "مراسيلك غير امتى تجي" ، و"عارف ليش ما اترد السلام " و "لاتلومنى ولاتقولى غرت بيا "، " كان المحبة عيب هذا عيبى  سوا نعيش والا نموت راضي بعيبى"

الجملة اللحنية عند فرحات فضل رشيقة، فلا مط وتطويل فيها، وذلك شكل نوع من أنواع تطوير الأغنية الليبية الحديثة، فأغلب ألحان فرحات فضل هي سابقة لعصرها فالألحان طربية، ولكنها خفيفة ورشيقة وليس بها مط وإعادة والحقيقة أن ملحني تلك الفترة أضافوا كثير للأغنية الليبية وعملوا على تطويرها ويرجع تطوير الجملة اللحنية الليبية إلى الملحنين المبدعين المجددين أبراهيم أشرف وأبراهيم فهمي وفرحات فضل ويوسف العالم وعبد الجليل خالد وغيرهم من الملحنين الليبيين الكبار  

وكل ذلك انعكس على غناء تلك المرحلة التي شهدت تطور ملحوظ وزخم بين المطربين والمطربات مثل محمد حسن وعادل عبد المجيد، وحيد سالم ، عبير مصطفى طالب ،راسم فخرى ،واحمد سامى ،سالمين الزروق ،وفاطمة احمد

وكان لصوت تونس مفتاح مكانته، وربما كانت درة أغانيها التي عشقها الناس ونالت رواج كبير هي أغنية "لا تغيب “وخاصة، عندما قامت بتصويرها فوق جسر وادى الكوف المطل على تلال وجبال الحبل الاخضر، وصدح صوتها مغنيا يشدو كالكروان

ماتغيب خليك قريب

متغيب يالورد العاطر

ماتغيب عنى ماتغيب

ومهما تحدثنا عن والعذوبة والجمال، في كلمات والحان هذه الأغنية فسيبدو ذلك ضئيلا أمام جمالها الذي أكتمل، بصوت تونس مفتاح الزاخم بالعواطف والأحاسيس وبقدرتها على ترجمة كل ذلك الدفق في كلمات الأغنية بإحساس عالي من الوجد والعذوبة التي كانت الماركة المسجلة، لصوتها العذب المعبر عن شخصيتها الرقيقة الدافئة .

وربما الفنانة تونس مفتاح أكثر مطربة ليبية ،غنت للوطن فقط فكل اغانيها الوطنية ليس فيها اسم رئيس البلاد وإنما كانت اغنياتها عن الوطن في حد ذاته دون تمجيد للأشخاص  ومنها أغنيتها الوطنية الجميلة :

بعيونى نصونك ياوطنى تهون الروح ولا مانهونك ياوطنى"

واغنيتها "يابلادنا ربوعك ديما فيها الهنا والخير والتبسيمة، وفى اغنيتها "ضنا بلادى ياحد الزين" ويكمن ذكاء الشاعر فضل المبروك، وعبقريته في الغناء للوطن ووصف جمال ربوعه وأماكنه دون الانزلاق، في التمجيد لحاكم البلاد أو محاولة رسم أغنية على مقاس الحاكم، وربط الوطن بوجوده أو أحلاله محل الوطن وربما لهذا لم تكن أغاني تونس مفتاح الوطنية تذاع كثيرا، رغم جمالها وتعبيرها عن عشق الوطن بصحاريه وجباله وناسه البسطاء الطيبين.

صوت تونس مفتاح قادم من مغارة الجمال، واحتوى كنوز كثيرة نثرتها المطربة طيلة مسيرتها الفنية التي انتهت مبكرا نتيجة ظروف كثيرة، ولو لم تنقطع مسيرة تحديث الأغنية الليبية ، عبر ملحنيها الكبار  وتنحصر الأغنية الليبية في  اللون البدوي الذى استثئر به  كل من على الكيلاني وعبد الله منصور الذين قاما بتهميش كل الألوان الأخرى ،وحصر كل الضخ الإعلامي في لونهما، وجلب المطربين والمطربات العربيات اللواتي لا يجدن حتى اللهجة الليبية بإتقان مثل المطربات الليبيات فقط   لغناء لونهما، وتهميش  الأصوات الكبيرة الجميلة والشعراء والملحنين المجددين والمطورين في الأغنية الليبية ،لولم يحدث كل ذلك  ماكنا فقدنا كثير من الأصوات الليبية  الجميلة  والملحنين والشعراء الكبار الذين اختاروا العزلة والابتعاد عن المجال وهم في عنفوان  عطائهم الفني الإبداعي الكبير، ومنهم بالتأكيد مطربتنا الرائعة الجميلة تونس مفتاح التي تركت  بصمة في تاريخ الأغنية الليبية  بصوتها العذب وأسلوبها المميز في غناء الأغنية الليبية ,

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

    إنتصار بوراوى تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدا...