الخميس، 16 ديسمبر 2021

شادية وأسطورتها الفنية والشخصية

إنتصار بوراوي

بدأت الفنانة والمطربة الرقيقة شادية التمثيل والغناء فى السابعة عشر من عمرها  بفيلم " أزهار واشواك" في عام  1947 م ،وأبدعت شادية في تجسيد الشخصيات بالسينما فى كل مراحل حياتها، بداية من التلميذة الشقية العاشقة لابن الجيران وابنة الخادمة التى ترفض الفوارق الطبقية التى تمنعها من الأرتباط بالرجل الذى أحبته إلى الفتاة الواعية التى ترفض الزواج من ابن عمها بطريقة تقليدية وغيرها من الأدوار المتنوعة.

كانت بطولة أغلب أفلامها فى مرحلة خمسينيات القرن العشرين ، مع الممثل كمال الشناوي الذى شكلت معه ديو فنيا ومثلت معه قرابة 30 فيلم ،ثم انتقلت إلى مرحلة النضج فى أفلامها مع روايات نجيب محفوظ فى زقاق المدق" و " اللص والكلاب ، أما مرحلتها االفنية مع صلاح عبد الفقار فى مرحلة ستينيات القرن العشرين فلقد كانت قفزة أخرى فى مجال التمثيل ، بالتالى فأن المشاهد عايش شادية فى كل مراحل عمرها الذى منحته  إلى فنها الغنائى، ورسمت كل تجاربها مع الحب عبر أغنياتها لأنها كانت صادقة فى حياتها الشخصية كما هى تماماً فى فنها وإغنياتها، فشادية لم تغنى للحب لأن الغناء العاطفى بالضرورة مرتبط بالحب  وإنماهى غنت الحب لأنها كانت مؤمنة به كقيمة ومعنى لوجودها، لهذا هى لم تفعل مثل كثير من الفنانات اللواتى تزوجن من مليونيرات أو رجال أعمال ،بل عاشت الحب بقلبها وروحها وتزوجت دائماً بمن عاشت معه قصة حب .

كان هناك كثير من المطربات اللواتى اتجهن للتمثيل فى السينما منذ بداية السينما المصرية مثل أم كلثوم وليلى مراد ورجاء عبده ونجاة على وصباح وفائزة أحمد ونجاة الصغيرة وغيرهن  فلقد ارتبط الغناء فى تلك المرحلة بفن السينما لكن ما ميز شادية عن كل هذه الأسماء أن أغلبهن كان التمثيل يأتى فى المرحلة الثانية بعد الغناء لديهن لكن الفنانة شادية اختلفت عنهن بارتباط غناءها بالتمثيل السينمائي لهذا مثلت في 120 فيلم أغلبهن في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

ومن خلال قراءة سيرة حياة الشخصية نعرف بأنها أحبت ابن الجيران فى سن السابعة عشر من عمرها ولكنه توفى فى حرب 48م ، و أثرت تلك القصة على حياتها ولكنها لم تمنعها من الحب مجددا فأحبت عماد حمدى الذى يكبرها ب20 عام وتزوجته، رغم رفض أهلها له لفارق السن بينهما  ولكن الممثل عماد حمدى كان غيور وصفعها ذات مرة أمام أصدقائه ، فتركته وطلبت الطلاق منه بعد أن مات الحب فى قلبها تجاه عماد حمدى لأنه ضربها ، فرغم أنها عاشقة حتى الذوبان ولكن حين يحصل مايهين كرامتها، تتخلى عنه ولو كانت تذوب فى محبته، ونفس الموضوع حصل مع قصة الحب الثانية فى حياتها التى كللت بالزواج من ممثل بالإذاعة المصرية وافترقا بسبب اكتشافها بأنه متزوج منذ سنوات ولديه أطفال وليس كما عازب كما أوهمها.  

كانت قصة الحب الكبيرة والأخيرة فى حياة شادية ،هى قصة حبها وزواجها من الممثل صلاح ذو الفقار والتى دامت لمدة تسع سنوات ، فلقد كان هناك انسجام كبير بينهما  وثمة تشابه كبير فى شخصياتهما من حيث الصدق فى الإحساس والمشاعر والقلب الأبيض  وخفة الدم والروح عند كليهما، وفروسية صلاح ذو الفقار وقوة شخصيته باعتباره كان ضابط طيران قبل أن يكون فنان وربما شخصيته القوية الرحبة هى التى جعلته يستوعب شخصية شادية بكل غزارة أحساسها ، وخصوبة عواطفها ودلالها وصدقها المفرط لذا شكلا ثنائي رائع ومثلا أجمل أفلامهما خلال حقبة الستينيات ،ولكن وكما لو أن الله لا يمنح الانسان كل ما يشتهيه  وضرورة أن يحدث النقص فى الدنيا، فأن شادية أجهضت مرتين ولم تستطيع الإنجاب ،وربما هذا كان سبب من أسباب طلاقها من صلاح ذو الفقار وبعد ذلك لم تدخل شادية فى قصة حب  ولم تتزوج مطلقا  وقررت أن تتوقف عن الحب والزواج وتحصر حبها فى عائلتها وأخوتها وأخواتها وأولادهم .

فى سنة 1972م كانت شادية فى الواحدة والأربعين من عمرها ، حين تم طلاقها من الممثل صلاح ذو الفقار وتقريبا انتهت المرحلة الذهبية من حياتها الفنية التى قاربت الربع قرن منذ عام 47الى عام 72، فلم تمثل بعد ذلك إلا بضعة أفلام خلال حقبة السبعينيات وفيلم واحد فى الثمانينيات ،وبضعة أغاني جميلة وراسخة حتى اليوم مثل "قولوا لعين الشمس وآخر ليلة" ، و"غاب القمر" وأنهت حياتها الفنية بالنجاح المدوى لمسرحية " ريا وسكينة.

عاشت شادية  تجارب قوية مع الحب والزواج والخيبات والفراق رسمتهن كلهن فى أغنياتها  فجاءت أغنياتها دافقة بالأنوثة العاشقة الخصبة بعواطفها ،الباحثة عن الحب الكبير الذى يفوز بكنزها، وينهل من بئرها العميق  ولكن شادية كما كل العاشقات فى كل قصص التاريخ الإنسانى ، لم تهنأ بالحب أبدا فما أن تعثر عليه حتى يذوب من ين يديها ويموت فى قلبها ، لأن كرامتها كانت تقف دائماً لحبها بالمرصاد وماكانت لترضى لأن يهين أحد ، كنز الحب بقلبها أو يقلل من قيمته ،تلك هى أسطورة شادية الشخصية التى أراها من زاوية رؤيتى الشخصية كإمرأة بأنها هى منبع الجمال فى فنها، وهى المحرك والدينيمو الذى رسم لها هذه الصورة فى أذهان عشاقها كعاشقة امتلكت فى صوتها قوة الأحساس والمشاعر وصدقها وحرارتها ، حرارة الصدق والدفء فى أغنياتها هو الذى جعلها تنجح فى تحويل تلك الكلمات إلى جسد وروح فى كل حالاتها ، وهنا مكمن الجمال  والأسطورة فى خلود صوت وأغنيات شادية وفى قرارها العظيم بأن تتوقف تماماً عن الفن وتعتزله وهى فى سن الخمسة والخمسين ، كى تحافظ على الصورة الجميلة التى تركتها فى ذهن جمهورها ، كأيقونة للجمال وشفافية الروح وكملكة للغناء   الخفيف الدافق بالمشاعر في أجمل معانيه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

    إنتصار بوراوى تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدا...