الخميس، 24 يوليو 2025

ـأقفاص فارغة

 

 


إنتصار بوراوى

الشاعرة المصرية فاطمة قنديل، أستاذ مساعد للنقد الأدبي الحديث بقسم اللغة العربية في كلية الآداب، وشاعرة لها بصمة في جيل شعراء وشاعرات جيل الثمانينيات ، فلقد أصدرت أكثر من سبعة دواوين شعرية حصلت على درجتي الماجستير والدكتوراه عن أطروحتين جامعيتين ومنذ مدة صدرت روايتها الأولى "أقفاص فارغة" عن دار الكتب خان، وتروي هذه الرواية سيرة شبه ذاتية عن قصة حياتها وعلاقتها بعائلتها، تحديدًا الأم والإخوة الذكور والأزواج.

وربما أول ما يلفت في الرواية هو عنوانها المتضاد "أقفاص فارغة"، فالقفص يرمز للقيد والاحتجاز والحرمان من الحرية، بينما فراغها يشير إلى تحرر الشخص من القفص ولكن بقى كرمز للقيد، الذى أراد احتجاز بطلة الرواية داخل كل تلك الأقفاص قفص ذكور العائلة، قفص الحب، قفص الزواج ،  كلها أقفاص جمعتها الكاتبة في عنوان متضاد ورمزت إليها بعنوان ملفت ويحمل دلالات متضادة ليرمز إلى مضمون الرواية ودلالتها السردية.

في "أقفاص فارغة"، تتخلى الشاعرة فاطمة قنديل، عن لغتها الشعرية المعهودة وتتعقب تفاصيل حياة أسرة من الطبقة المتوسطة، والتي هي سيرة حياة عائلتها وتصور الكاتبة الحياة اليومية لشخصيات الرواية من خلال سرد دقيق، لتفاصيل عائلية من إصابة والدتها بمرض السرطان، وما تلا ذلك من مشاعر الخوف والرعب ،التي سيطرت عليها في مواجهتها لهذا المرض الشرس ورغم الألم الذي يفيض من صفحات الرواية، إلا أن السرد الممتع يغطي مراحل زمنية طويلة، تمتد منذ بداية الستينيات وحتى الألفية الجديدة، مقدماً بانوراما شاملة لعائلة مصرية من الطبقة الوسطى وما تعرضت له من هزات اقتصادية واجتماعية على مدار العقود المتتالية

تبدأ الرواية بذكريات الطفولة مع الوالدين والعائلة، ثم يتطور السرد الروائي لينتقل إلى مراحل أخرى من عمر بطلة الرواية. تعمل الروائية، على تعرية المشاعر والأحاسيس بعمق وصراحة كاشفة حقيقة علاقات الإخوة والعائلة والأقارب، التي تسقط جميعها في امتحان مرض الأم. وتتجلى القسوة الإنسانية بكل بشاعتها، من خلال تخلي الأخ عن دفع مصاريف العلاج الكيماوي لوالدته، وسفره وتخليه عن والدته وأخته في محنة المرض الشرس.

وتروى سردية الرواية عودة الأخ الأكبر بعد عشرين عامًا، من سفره وانقطاع أخباره عن العائلة تاركاً قلب والدته يحترق لغيابه حتى وفاتها، و يتنقل السرد الروائي ببراعة بين زمن خمسينيات القرن العشرين إلى ستينيات المد القومي والنكسة، وسبعينيات ،الانفتاح الاقتصادي وأثره على الطبقة المتوسطة ، ويتدفق السرد الروائي  ليرصد كل المشاعر القاسية والمؤلمة، من تخلي الإخوة والأقارب، ثم مرض الأم وفقدان البيت نتيجة انتقالهم من منطقة إلى أخرى، والعلاقة المضطربة القائمة على العنف والاستغلال من الزوج، فكل تلك الظروف القاسية حملتها بطلة الرواية كثقل فوق أكتافها وفي قلبها ومع ذلك، لم يكسرها هذا الثقل أو يحطمها وهنا تكمن قوة سيرة الرواية وعظمتها؛ فبالرغم من كل الظروف القاهرة التي عاشتها بطلة الرواية، إلا أنها لم تتخل عن والدتها كما فعل إخوتها الذكور الذين خذلوها وخذلوا والدتهم في محنة مرضها.

وإنما استمرت مساندة وداعمة لوالدتها، تقوم على خدمتها أثناء مرضها وحتى آخر رمق في حياتها، كما تصف علاقتها بها في هذا المقطع من الرواية: "أدركت أنني أريد أن أستعيدها، لم تكن تلك السيدة النائمة طوال الوقت تشبه أمي، حتى حين كنت أضع رأسي على صدرها لألعب دور طفلتها"

في الوقت نفسه، واصلت البطلة تحقيق حلمها في الكتابة والدراسة الجامعية، واستطاعت التحقق كشاعرة من خلال كتابة قصائدها وإصداراتها الشعرية، كافحت من أجل إنجاز رسالتي الماجستير والدكتوراه، وأصبحت أستاذة جامعية، وقهرت كل الظروف وتخلصت من علاقاتها السامة مع أقرب الأقربين، و تحررت من كل الأقفاص قفص ذكور العائلة، وقفص الحب المخذول من الأزواج الذين خذلوها بعد ارتباطها بهم ، وقفص ثقل المجتمع وعاداته وتقاليده الرثة و حققت ذاتها بإرادتها وصبرها وقوتها ،التي استمدتها من شخصية والدتها الوحيدة التي رافقتها طيلة مشوار حياتها ولم تخذل رفقتها معها، ولم يأخذها منها إلا الموت.

رواية "أقفاص فارغة"، التي حصلت على جائزة نجيب محفوظ للأدب من الجامعة الأمريكية بالقاهرة هي رواية كشف وشجاعة في تعرية الذات الإنسانية المتقلبة بين الأنانية وحب الذات والاستغلال الإنساني وخذلان أقرب الأقربين، بأسلوب سردي واقعي، تتلاقى فيه ثنائية القيد الذى يرمز إليه بالأقفاص الفارغة من الدفء والمحبة ،ومنها قفص  ذكور العائلة الأنانيين /قفص الحب المخذول/ قفص الزيجات الفاشلة/  قفص الذكريات المؤلمة كلها قيود حاصرت بطلة الرواية، ولكن كل هذه الأقفاص أصبحت فارغة لامعنى لها ، بعد طول مجاهدة ومكابدة وتحرر الطائر منها التي هي بطلة الرواية وكاتبتها التي كتبت تفاصيلها في روايتها التي رصدت فيه تفاصيل رحلة الألم إلى منتهاه كي تتخلص من ثقله في روحها ،وتتحرر من كل الأقفاص التي أرادت تكبيل روحها الحرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأحد، 6 يوليو 2025

الرواية... سيرة حب لا تنقطع

 إنتصار بوراوى



الرواية عالم رحب واسع، لديها القدرة والإمكانية على منح قارئها متعة المعرفة والإدهاش عبر الغوص في العوالم المختلفة للمجتمعات الإنسانية، في كافة بلدان وقارات العالم، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم التي قد لا يكفي عمر واحد لمعرفتها. بل يحتاج الإنسان إلى حيوات أخرى كي يعيش المعرفة التي تهبها له قراءة الرواية.

وربما التعريف الأقرب للرواية هو ما قاله الروائي عبد الرحمن منيف عنها في إحدى كتاباته: "تعتبر الرواية في عصرنا إحدى أهم الوسائل التي نتمكن من خلالها قراءة مجتمع ما إنها تقرأ المجتمع بتفاصيله وهمومه، وتقرأ حياة الناس اليومية وأحلامهم، وتحاول أن تشير إلى مواضيع الألم والخلل، ولا تخاف القضايا وإنما تلج إلى أعماقها، إذ تصبح كالمرآة يرى فيها الشعب نفسه إذ تحكي المهانة والألم وتحرك وترًا عميقًا داخل كل إنسان."

الرواية، كفن سردي، لم تكن يومًا محايدة، بل كانت تخرج من عمق المجتمع وأحلامه، وحتى هذيانها وقفزها فوق عالم الواقع إلى عالم الحلم والاستشراف للمستقبل. ففي داخل كل رواية مبدعة وعظيمة نظرة كبيرة لأفق الحياة الواسع، وغوص في الجوهر البشري بكل جماله وإنسانيته، وبكل بشاعة ورعب قبحه أيضًا.

كانت الرواية في بدايتها حكايات شعرية ثم أصبحت نثرية منذ القرن الرابع عشر وفي عصر تالٍ، ظهر ما يعرف بـالرواية الباروكية، التي كانت تشير إلى نقطة انطلاق الرواية؛ لأنها تخلت عن شكلها الشعري وصارت جنسًا سرديًا. وكانت حكاية متخيلة حتى التقزز، مغرية وخيالية حتى التخمة. ثم أصبحت في القرن السادس عشر عبارة عن سرد نثري لمغامرات خيالية. وفي أوائل القرن السابع عشر، تغيرت ملامح الرواية الغربية وظهرت أول رواية ذات أصول فنية تسخر من الأدب الخيالي ومن مجتمع الفروسية الروائي من خلال رواية "دون كيشوت".

لقد مثل القرن الثامن عشر نقطة التحول الرئيسية في هذا الجنس السردي، فعرفت الروايات العاطفية والفروسية مثل "آلام فارتر" لغوته، وروايات موباسان وألكسندر ديما. ومع القرن التاسع عشر، وُلد المذهب الواقعي عبر روايات بلزاك وفلوبير في فرنسا، وديكنز في إنجلترا، ودوستويفسكي وتورغينيف وتولستوي في روسيا، الذي قدم عبر رواياته الصراع الإنساني في أدق صوره وحالاته، سواء عبر رائعته "آنا كارنينا" أو عبر مدونته الروائية السردية المذهلة "الحرب والسلام" وغيرها من الروايات الأخرى التي عبرت عن جوهر الروح البشرية في كل زمان، حتى لو اختلفت الأمكنة وتباعدت كثيرًا التفاصيل الحياتية بين المجتمعات البشرية.

لقد أحب وعشق الكثير من القراء الرواية العربية والعالمية المبدعة لاحتوائها على نظرة واسعة وكبيرة للحياة، بحيث كان يصعب فصل النفسي عن الفلسفي والتاريخي في كلاسيكيات الرواية العالمية. ولكن القرن العشرين شهد تحطيمًا للرواية بشكلها التقليدي من حيث احتوائها على الزمان والمكان والحدث، كما في رواية جيمس جويس "عوليس"، والانجذاب إلى التفاصيل الدقيقة بحساسية كائن مرهف، كما في روايات مارسيل بروست وفرجينيا وولف. فتشكلت وتعددت الأساليب الروائية عبر كوكبة من الروائيين العالميين مثل أندريه جيد، وفوكننر، وكازانتزاكيس، وهيرمان هيسه، وكولن ولسن.

ولقد أثار أسلوب هيمنغواي إعجاب القراء عبر رواياته التي جسد من خلالها إنسانية وطيبة شخصياته الممتلئة حبًا ونكرانًا للذات، والجانب الطيب للإنسان مثل رواية "وداعًا أيها السلاح" و"ثلوج كليمنجارو" و"الشمس تشرق أيضًا" ورواية "لمن تقرع الأجراس؟" التي لاقت نجاحًا كبيرًا ثم تحولت إلى فيلم سينمائي يعتبر من أجمل كلاسيكيات السينما الأمريكية.

بعكس رواية فوكنر "الصخب والعنف" التي عبرت عن الجانب القبيح للإنسان عبر رسمها للشخصيات التي كانت تعيش في مجتمع الجنوب الأمريكي الممتلئ بالكبت والظلم العنصري والطبقي.

ولقد برع كثير من أدباء القرن العشرين في الكشف عن الجانب المظلم لجوهر الشخصيات الإنسانية، في سبيل الوصول للمال والسلطة، كما فعل جون شتاينبك في روايته "حين فقدنا الرضا"، والروائي الفرنسي فرنسوا مورياك في روايته الشهيرة "عقدة الأفاعي" التي جسد فيها اللحظات الأخيرة لأب العائلة المحامي الثري وهو على فراش الموت يستمع لتخطيطات أبنائه لاقتسام ثروته، وتحدثهم عنه بقسوة وبدون أية مشاعر إنسانية. ويمكن اعتبار التشيكي كافكا أيضًا من أكثر المطورين والمجددين للأسلوب السردي للرواية رغم إنتاجه القليل كما في روايتيه "القلعة" و"المسخ".

حين نتابع الرواية في القرن العشرين، وخاصة في بدايته، نلمح تطورًا في البنية الأسلوبية للرواية وتعدد أشكالها وأساليبها، وظهور روايات جديدة عبر مؤلفين عباقرة مثل ميلان كونديرا وأمبرتو إيكو. ثم بعد ذلك بزغ نجاح روائيي أمريكا اللاتينية الذين فرضوا أنواعًا جديدة من الكتابة الروائية التي تعتمد الفانتازيا أو ما يسمى الواقعية السحرية التي برع فيها ماركيز والروائية إيزابيل الليندي.

أما البرازيلي باولو كويلو فلقد كانت له بصمته الخاصة أيضًا في تاريخ الرواية العالمية عبر رواياته المختلفة التي حملت نفسًا صوفيًا روحانيًا عميقًا ومختلفًا. وعن طريق كل هؤلاء، خرجت الرواية من المركزية الأوروبية والأمريكية التي انحصرت فيها لقرون وعبرت ضفاف قارات أخرى، فحاز الروائي العربي نجيب محفوظ على جائزة نوبل، وكذلك الياباني أوي كينزابورو والنيجيري وول سوينكا.

تاريخ الرواية العظيم، عبر كل تطوراته المختلفة منذ أربعة قرون، حمل مشعله روائيون كبار كلاسيكيون وحداثيون مطورون وباحثون عن قيم العدل والخير في العالم. ولكن في السنوات الأخيرة، راجت روايات خلت من القيمة الفنية العالية، واعتمدت على الإطار البوليسي والتشويق مثل رواية "شفرة دافنشي" للمؤلف دان براون، التي أثارت فضول كثير من القراء نتيجة لما كُتب حولها وبعد تحولها إلى فيلم سينمائي جميل قام ببطولته الممثل الأمريكي البارع توم هانكس. ولكن كم من قارئ أصيب بالدهشة وخيبة الأمل حين قرأ الرواية التي خلت تمامًا من أي فنية في الكتابة واعتمدت على الحوارات والمطاردات البوليسية. وهذا مما دفع الكثيرين للتساؤل عن سبب كل ذلك الرواج الإعلامي لها.

ربما الذي جعل الرواية تنتشر وتجد الرواج الكبير لها هو أصل الفكرة بالرواية الذي اعتمد على إنكار ألوهية المسيح وبعض الأفكار الأخرى، التي أثارت اللغط في الغرب ولكنها من الناحية الإبداعية الفنية بدا واضحًا أنها الأقل إبداعًا في تاريخ الرواية الغربية. كما راجت في نفس الفترة تقريبًا سلسلة "هاري بوتر" للروائية الإنجليزية ج. ك. رولينج التي حققت مبيعات عالية، وهي تقريبًا تسير على نفس مسار "شفرة دافنشي".

في الجانب الآخر، هناك روائيون عالميون جدد تفتقد المكتبة العربية لترجمة كتاباتهم، ولا زالت المكتبة العربية لم تدخل عالمهم الروائي إلا عبر بعض الترجمات القليلة التي ترجمتها بعض دور النشر العربية القليلة المهتمة بالترجمة.

الرواية فن معرفي وجمالي من أروع الفنون التي أنتجها العقل الإبداعي البشري، وذلك فقط حين تمتلك القدرة على منح عشاقها ومتذوقيها القيمة المعرفية في صورة وأسلوب جمالي مبدع ومبتكر ينجح في توليد الدهشة الجميلة داخلهم ويجعلهم يواصلون سيرة محبتها دون انقطاع مدى الحياة.

 

 

 

السبت، 28 يونيو 2025

لغة الصمت

 

 

إنتصار بوراوى

للصمت حديث ولغة لا يفقههما سوى عارفيه. للصمت سطوة وسلطة مُحمّلة بلغة تتجاوز لغة الكلام العادي والمتداول. حين يغدو الكلام مجرد سيل من الكلمات المكررة عبر أفواه تتداول الاعتيادي والمكرر حتى الملل والرتابة، عندها يصبح الصمت حديثًا آخر ولغة أخرى نتدثر بها في صومعة الروح المكتفية بذاتها عن بهرجة الكلمات الملونة.

يغدو الصمت هروبًا واعيًا عن سبق إصرار من تفاصيل اليومي الذي نتعايش معه بفعل الضرورة الحياتية، وننتبذ مكانًا قصيًا رافضين المتداول المُعشِّش بتراتبيته المقيتة في تفاصيل حياتنا اليومية المُحمّلة بالمتناقضات. نقف مدهوشين أمام تلك الصيرورة الغريبة، لنفس التفاصيل والملامح والصور المتكررة، مهما تغيرت الوجوه والشخصيات.

ونكتشف بمرور الزمن أن ثمة عطبًا في تفاصيل الواقع حولنا يجعل الغالبية تتعايش معه، بل يصبحون بمرور الوقت، ودون وعي أحيانًا، ضمن نسيجه. وقد تفقد الحياة بعض مبرراتها الإنسانية، وتقف اللغة قاصرة وعاجزة بكل ثرائها عن أن تزودنا بهبتها كي نرسم بالكلمات مدى دهشة الطفولة التي لم تمت فينا، رغم كل الخراب المريع حولنا. حينها يغدو الصمت خيارًا وجوديًا، ابتعادًا عن محيط عبثي فاقت تفاصيل زئبقيته خيال عباقرة السرياليين بلوحاتهم المشهورة.

يقف الصمت بسطوته القوية بعيدًا عن ساحة السواد، تاركًا المجال للعبة أن تتكرر ولا جديد تحت شمس كوكبنا التي تراقب من بعيد عبثية وسذاجة اللعبة. تتكسر الكلمات على شفاهنا وتضمحل اللغة، وتتعثر الرؤى، بينما يحل الصمت شاهدًا رئيسيًا على ما يجري. تصمت الأبجدية، يصمت الكلام، لا شيء سوى الصمت وبعض من هدوء التأمل، بعيدًا عن صخب الضوضاء المفتعلة والكاذبة. ربما منحة التأمل الصامت تعيد ترتيب عشوائية الذاكرة وتملأ ثقوبها، كصمت الطبيعة التي تمنح الروح وهجها وألقها من جديد وتنثر علينا مطر محبتها دون حسابات الربح والخسارة.

السبت، 21 يونيو 2025

المطرب وحيد سالم.. الصوت الشجي الذي اعتزل وانطفأ مبكرًا

 

 

إنتصار بوراوى

كان المطرب وحيد سالم في بداية عشرينياته حين بدأ الغناء بأغنيته الليبية الشهيرة "خدعونا"، التي لاقت نجاحًا عريضًا. تبعتها مجموعة من الأغاني الناجحة منها: "من الهاتف مال قلبي لقلبه"، "إيش يهم خليهم يقولوا"، و"هذه أنغام حبي وبالهاتف مال قلبي لقلبك"، و"صابرين احنا ع السية"، و"مكتوب والله مكتوب"، وأغنية "نسيتي اليوم وإلا تذكريني" وغيرها. حققت هذه الأغاني نجاحًا كبيرًا عند صدورها، وأغلبها من كلمات الشاعر فرج المذبل وألحان الملحن إبراهيم أشرف. كما قام المطرب وحيد سالم بتلحين مجموعة من أغانيه.

لكن من المؤسف أن  المطرب وحيد سالم توقف عن الغناء في منتصف الثمانينيات نتيجة لظروف يعرفها الكثيرون في تلك المرحلة ، ولم يكن هو الوحيد الذي ترك الساحة الفنية واعتزل الغناء؛ فخلال تلك الفترة وتحديدًا منذ نهاية الثمانينيات، ابتعد كثير من المطربين بمختلف الأجيال عن الغناء وبحلول عقد التسعينيات، ذوى نتاجهم الفني وانحصر في بضعة أغانٍ قليلة، وتوجه البعض منهم إلى غناء المالوف مع فرقة حسن العريبي، مثل الفنانين راسم فخري، ولطفي العارف، وعلي القبرون، نتيجة لتوقف دعم إنتاج الأغاني العاطفية الخاصة بهم والبعض الآخر ترك البلاد بسبب محاربة ومنع إذاعة لونه الغنائي، مثل المطرب أحمد فكرون، أو بسبب عدم الدعم، مثل المطرب إبراهيم فهمي. فيما اعتزل البعض الغناء، مثل المطرب محمد نجم ونوشي خليل. واختفى مطربون آخرون عن الساحة الغنائية، منهم سلام قدري، وخالد سعيد، وأحمد كامل، وغيرهم الكثير.

سيطرة فن الخيمة الغنائية وتأثيرها

منذ بداية التسعينيات، تسيد فن الخيمة الغنائية المشهد الليبي، واحتكر الغناء الليبي في شخصيات محددة مثل الشاعر والملحن علي الكيلاني والشاعر عبد الله منصورو أصبح الغناء الليبي ذا لون واحد لا شريك له، واختفى التنوع والاختلاف في أشكال الغناء الليبي. حتى الأصوات النسائية الليبية القليلة، التي تعد على أصابع اليد، كان عليها أن تنضم بعد عقد الثمانينيات إلى جوقة النوع نفسه، وإلا حُرمت من الدعم الإنتاجي المادي وتصوير أغانيها. بل تم استجلاب أصوات نسائية من تونس وسوريا والأردن لغناء لون الخيمة الغنائية، ثم الجلسة الليبية التي تكونت أغلبها من الإيقاع واللحن الغنائي نفسه مع اختلاف الأصوات. أغلب تلك الأصوات اختفت تمامًا من المشهد الغنائي الليبي بعد ثورة فبراير وانتهاء ممولي برنامج الجلسة الليبية.

الإهمال وحرمان الفنانين من الاستمرارية

إن ما قام به نظام القذافي منذ بداية التسعينيات ،من إهمال وحجب لمطربي الأغنية الليبية البنغازية والطرابلسية بشكلها الحداثي الأنيق، واحتكار الغناء الليبي في لون واحد حرم المطربين والمطربات الليبيين من الاستمرارية، وأجبرهم على الابتعاد والانعزال والتوقف، وحرمهم من مراكمة تاريخ غنائي خاص بهم. تمت محاربة جميع مطربي الريادة والأجيال التالية بطريقة سرية وخفية وغير ظاهرة.

لكن تراثهم الغنائي، منذ عقد الخمسينيات وحتى أواخر الثمانينيات، ظل راسخًا وموجودًا في أذهان محبيهم الذين يسترجعون ،أغانيهم عبر البرامج الإذاعية أو الصفحات الفنية في مواقع الإنترنت المختلفة، وعلى رأسها موقع "سماعي" الذي يقوم قسمه الليبي بأرشفة وتوثيق الطرب الليبي وعلى الرغم من  المحاربة، والجحود والتجاهل لهذا التراث الغنائي على مدى عقود إلا أنه لم يذهب للعدم بل لا يزال موجودًا وخالدًا.، ونتمنى أن يعمل قطاع الإعلام بالدولة أو القطاع الخاص على استحداث قناة ،على غرار قنوات "ماسبيرو زمان" المصرية، وقناة "ذكريات" السعودية، وقناة "الريان القديم" القطرية، وقناة "طرب" العراقية، لتهتم بإعادة بث أغاني عقود الريادة وما بعدها، كما فعلت الدول الأخرى المهتمة بتاريخها وهويتها الفنية.

تحرر المشهد الغنائي بعد الثورة التكنولوجية

كان يمكن للإنتاج الغنائي للأغنية الليبية ،أن يستمر لولا حالة البتر العنيفة التي تعرضت لها الأغنية الليبية الحديثة، واحتكار الغناء واللحن والشعر الغنائي الليبي على لون واحد قد يكون لهذا اللون جمهور ومريدون، ولكنه أقصى جميع الألوان الأخرى طيلة أكثر من عشرين عامًا. إلى أن حدثت ثورة الاتصالات، التي منحت الشباب إمكانية نشر أغنياتهم عبر فضاءات اليوتيوب وتحقيق مشاهدات عالية، دون وصاية إعلام الدولة واحتكار القناة الواحدة لنوع غنائي واحد ،فتواجدت أغانٍ مثل الراب والأغنية الشبابية الراقصة الخفيفة وأغاني المرسكاوي والأغنية الطربية على كافة منصات الإنترنت الموسيقية، هذا ما حُرمت منه أجيال مطربي عقود الريادة وما بعدهم، الذين لم يجدوا إلا المحاربة والإهمال والجحود وعدم الدعم، مما اضطرهم لترك الساحة والاعتزال مبكرًا كما حدث مع المطرب وحيد سالم.

الثلاثاء، 17 يونيو 2025

حين فقدنا الرضا

 



للأدب العالمي الكلاسيكي مذاقٌ خاص لا يتذوقه إلا عشّاقه المهووسون بكل ما يخلب الذات الشغوفة بالمعرفة الجمالية. ورواية «حين فقدنا الرضا» للأديب العالمي جون شتاينبك، لا تأسر عقل القارئ وفكره بأسئلتها الأزلية المحبوكة عبر فسيفساء إبداعية ثرية بالمعاني الإنسانية فحسب، بل تفتح أمامه مغارةً من المعرفة بتفاصيل فكر الآخر أيضاً.

الروائي الأمريكي جون شتاينبك حائز على جائزة نوبل للآداب في عام 1962م، وله كثير من الروايات العالمية التي شكلت بصمة قوية في تاريخ الأدب الروائي العالمي. ومن أشهر رواياته التي تُرجمت إلى العربية: «عناقيد الغضب»، و«شرق عدن» (وليس العاقر)، و«مراعي السماء»، و«شارع السردين المعلب»**.

تطرح رواية «حين فقدنا الرضا» السؤال الأكبر الذي واجه البشرية منذ بدايتها وحتى الألفية الجديدة؛ ألفية التقدم الإنساني عبر منتجاته الصناعية ووسائل راحته المترفة، التي ليست بالضرورة ممثلةً للخير الإنساني، بل ربما تحمل في طياتها بذور الشر المنطلق من معقله منذ جريمة قابيل الأولى. وهي الجريمة التي تثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن البشر في الأصل سلالة القاتل قابيل، على حد تعبير الشاعرة المصرية هدى حسين.

تستكشف الرواية سطوة المال في حياة الإنسان؛ بوصفه قوة وسلطة يسعى إليها البشر في سباق محموم لمزيد من النفوذ والراحة والمتعة. فإلى أي مدى يمكن للإنسان أن يتخلى عن مبادئه، ويقتل الخير الفطري بداخله، ويمحو إنسانيته من قاموس حياته، ويدوس في طريقه على الآخرين من أجل الوصول إلى قوة المال وسطوته؟ هذا ما ترصده الرواية التي تدور أحداثها حول إيثان، الموظف المخلص لزوجته وطفليه، الذي يقع تحت وطأة صراع نفسي عميق حين يعجز عن تلبية متطلبات زوجته المهووسة بتقليد أصحاب الجاه والمال.

يدفعه إصرارها الشديد إلى التفكير في طريقة للحصول على الثروة، فيخطط لسرقة مصرف البلدة الصغيرة التي يعيش فيها، مبرراً فعلته بالقول إن ضحية هذه الجريمة لن تكون أشخاصاً، بل المال نفسه. ويرسم الكاتب بفنية مذهلة خطوات البطل نحو تحقيق هدفه دون أن تشعر زوجته بما يختمر في ذهنه. ورغم أن ارتباكه بدأ يظهر عليه، إلا أنها لم تستطع قراءة بداية سقوطه في نظرات عينيه الواجفة، لانشغالها بتطلعاتها المادية، بل كانت تستفزه بكلماتها اللاذعة قائلة: "إني لأتساءل إذا كنت ستصبح رجل أعمال قط! إنك شديد الحساسية". لم تدرك أنه كان يخطط بهدوء ليصبح أثرى رجل في البلدة، ولكن بطريقته الخاصة.

يعدل البطل عن فكرة سرقة المصرف، وبدلاً من ذلك، يشِي بصاحب عمله ليحل محله، ثم يغدر بصديق طفولته تحت ستار المساعدة ليستولي على أرضه. وبهاتين الخطوتين، يحقق حلم الوصول إلى الثروة التي تهبط بين يديه بسلاسة. لكن شيئاً في داخله يُشعره بوضاعة النفس وتأنيب الضمير، لأنه فقد إحساسه بالنبل الذي كان يغمر روحه، أو كما تقول إحدى شخصيات الرواية: "إن بعضاً من أنبل النبلاء ليسوا سوى حشرات زاحفة، فليس بالضرورة أن تقترن الثروة بالنبل، فالمال لا قلب له".

تجسد الرواية بتفاصيلها صورة لانعدام رضا إنسان العصر الحديث ولهاثه وراء المال. فبطل شتاينبك هو صورة لأي إنسان على كوكبنا في هذا العصر، الذي يركض في سباق محموم للحصول على المال الوفير بطرق قد تكون غير إنسانية، دون تفكير في الآخرين الذين قد يدوسهم في طريقه. لقد كسب بطل الرواية المال، ولكنه خسر نفسه وفقد رضاه عنها.

تطرح الرواية فكرة قوة المال كمطمع إنساني يتحقق عبره الإحساس بالسلطة، وكيف يتحول إلى غاية في حد ذاته، يصبح الباحث عنه مستعداً لأن يوقع عقداً مع الشيطان (كما فعل فاوست) للوصول إليه، حتى لو كان الثمن هو خسارة نفسه.

إن الجميل في رواية شتاينبك هو تصوير حركة الضمير الذي يتأرجح بين الوخز والرضاوهذه الثيمة القوية أبدع الروائيون الكبار في تعريتها وجعلها محور أعمالهم، كما في مسرحيتي «هاملت» و**«ماكبث»** لشكسبير، ورواية «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، التي كان العقاب الحقيقي فيها للبطل القاتل هو تأنيب الضمير الموجع، وليس عقوبة السجن ذاتها.

لقد اعتمد الأدب الكلاسيكي على رسم ملامح الشخصية ،وتحليلها عبر الحوار والسرد التقليدي، حيث يظهر البطل وهو يصارع ضميره، حين كان لا يزال في دواخل البشر بقايا ضمير ينازعهم عند إيذاء الآخرين، أما روائيو الحداثة، فقد أدركوا واقع الحياة المختلف الذي غدا فيه الضمير الإنساني وكأنه يعيش لحظات احتضاره الأخيرة، لتتحول الشخصيات إلى أشباه مسوخ كمسخ كافكا.

ونتيجة لذلك، أصبحت الشخصيات التي تحمل الخير والحب ،والجمال شخصيات كلاسيكية تجاوزها زمن الطمع والزيف، وغدت فكرة وجود شخصيات ذات ضمير حي يؤنبها حين تؤذي الآخرين، مجرد حبر على ورق، مندثرة ومنتهية، تجاوزها الزمن تماماً كما تجاوز الرواية التقليدية نفسها، وأصبحت الرواية الحديثة تعتمد في كتابتها على رسم التشظى والفصاميات والتحولت بصورة أكثر اتساق مع عصر وزمن التشظى وغياب المعايير وانعدام الضمير الذى يعيشه البشر.

 

الخميس، 22 مايو 2025

فيلسوف العقل والعلم والتفكير الناقد

 إنتصار بوراوى 





بالأمس تلقّى الوسط الثقافي الليبي خبر إصابة الدكتور الحصادي بمرض السرطان. ‏وقد كان وقع هذا الخبر مؤلمًا على الوسط الثقافي والعلمي ، لأنه يتعلق ‏بواحد من أعمدة الفكر  والفلسفة في ليبيا.

وفي الوقت الذي تزداد فيه الحاجة إلى التفكير العقلاني والفلسفي في المشهد الليبي المضطرب، يبقى اسم الدكتور نجيب الحصادي بارزا ليس فقط  كفيلسوف وأكاديمي رصين، بل كرمز ثقافي ظل ثابتًا على مبادئه، مدافعًا عن قيم العقل والتنوير والتفكير الناقد .

تعرفتُ إلى فكر وفلسفة  الدكتور نجيب الحصادي خلال دراستى فى جامعة قاريونس في التسعينيات، عندما كنت طالبًة في شعبة الصحافة بقسم الإعلام. آنذاك، كان قسم الفلسفة يقيم نشاطًا ثقافيًا أسبوعيًا يتضمن ندوات ونقاشات ومحاضرات فلسفية، وكنت أتردد على قاعة  المحاضرات لحضور تلك الندوات  وهناك  تابعت ندوات ونقاشات أبرز أساتذة القسم وعلى رأسهم الدكتور محمد بوروين والدكتور نجيب الحصادى الذى تميزت محاضراته بحضور الجمهور الكثيف الذي كان يملأ القاعة، من طلاب وأساتذة، لما كان يتمتع به من أسلوب هادئ وجذاب  فى الطرح ، وعقل ثاقب، وفكر فلسفي عميق استطاع إيصاله بأسلوبه المميز  إلى  المتلقي المتعطش للفلسفة والفكر والمعرفة .

فيما بعد، عندما عملت في دار الكتب، وجدت مجموعة من كتب وإصدارت الدكتور الحصادي ضمن أرفف قسم الفلسفة وكان لابد لى أن أغوص فيها  وأقرأها بتمعن وعلى رأسها كتابه المهم "التفكير الناقد"، الذي ترك أثرًا عميقًا في رؤيتي للعالم، ورسّخ لدى  أهمية العقل النقدى ليس فى قراءة الكتب فقط بل  في فهم الواقع والحياة  والناس من حولى .

الدكتور نجيب الحصادى  لم يكتفِ بالتنظير الأكاديمي و إصدار المؤلفات والترجمة بل  ساهم في صياغة رؤى مستقبلية لوطنه  من خلال لجنة الثقافة بمجلس التخطيط الوطني، حيث شارك في إعداد "رؤية ليبيا 2025" و"ليبيا 2040"، وهي مشاريع كان يمكن أن تشكل خارطة طريق عقلانية لمستقبل الوطن، لو أن أصحاب القرار أولوا الفكر اهتمامًا حقيقيًا.

أنتج الدكتور نجيب الحصادى ، أكثر من عشرين مؤلفًا فلسفيًا، وترجم ما يزيد عن خمسة وثلاثين كتابًا في المنطق وفلسفة العلم ونظرية المعرفة والتفكير الناقد ، إضافة إلى مئات المقالات والأبحاث المنشورة عربيًا ودوليًا.

ورغم قسوة المرض، إلا أن ثقتنا كبيرة في أن الدكتور نجيب، بعزيمته وإرادته سينتصر على هذا التحدي كما انتصر دائمًا بالفلسفة على التسطيح و بالفكر على الجهل، وبالعقل على التعصب، وبالمنهج على الفوضى

 

الأحد، 18 مايو 2025

غناء المرسكاوي الليبي بين الإقصاء والتشويه

 إنتصار بوراوى



كتب الكثيرون عن فن غناء المرسكاوي وتجادلوا حول أصوله ومنبعه، وانقسموا قسمين في محاولة البحث عن أصوله ومنبعه؛ فبعضهم كان مع الرأي القائل بأنه غناء قادم من الأندلس وجاء مع هجرة الأندلسيين إلى ليبيا، ومنهم من رأى بأنه غناء قادم من عمق صحراء مرزق، وربما يكون هذا الرأي أقرب للصواب نتيجة التشابه الواضح بين المرسكاوي والغناء المرزقي الذي ربما استمد اسم " المرسكاوي" منه بعد تحريف الكلمة

ولكن أيًا كان منبع وأصل فن غناء المرسكاوي، إلا أنه لم ينتشر ويحظَ بالرواج والعشق والنجاح بين الناس إلا بعد أن خرج ،على يد أساطين الشعراء والملحنين والمطربين من الشرق الليبي، وتحديدًا من أحياء ومناطق بنغازي، منذ خمسينيات القرن الماضي وسرعان ما انتشر في مدن الشرق الليبي، وتحديدًا درنة والبيضاء ومصدر إلهامه ونجاحه  كان مطربوه الرواد أمثال سيد بومدين ومجايليه، وكانت لأغلب أحياء بنغازي منذ ستينيات وسبعينيات وثمانينيات ،القرن الماضي صولات وجولات مع فن المرسكاوي وكانت تلك الفترة الذهبية لهذا النوع من الغناء الشعبي.

 وشهدت أغلب بيوت العائلات البنغازية ،حفلات كل أولئك المطربين في أفراح أبنائهم بأحياء الصابري ووسط البلاد وخريبيش والبركة والرويسات وسيدي حسين والماجوري والسلماني والوحيشي وبوهديمة، وحتى حي الفويهات الغربية الذي كان أرقى حي في بنغازي ويعتبر حي الأغنياء والفيلات الفارهة، كان لمطربي المرسكاوي وفرقهم الشعبية مكانة في ليالي أفراحهم ومناسباتهم الاجتماعية السعيدة، ولقد كان هناك طقس اجتماعى شائع   في الأعراس في حقبة الثمانينيات ، يسمى بيوم "الماجب"، وهو يوم مخصص لاستقبال العريس وأصدقائه وأقاربه على عزومة غداء، في بيت أهل العروس ومعهم مطرب وفرقة المرسكاوي التي تعتبر من أساسيات يوم "الماجب" في الأعراس البنغازية خلال حقبة الثمانينيات.

ورغم جمالية غناء المرسكاوي وقربه من عامة الشعب، إلا أنه كان فنًا متجاهلًا ومقصيًا من إعلام الدولة وحفلات النظام السابق طيلة عقود حكمه ، سواء  في حفلات أعياده الوطنية مثل أعياد 2 مارس وأعياد الجلاء،أو أعياد ذكرى انقلابه السنوية،وهي حفلات ضخمة كان يحييها المطربون الليبيون، وأكبر مطربي الوطن العربي من سوريا وتونس ولبنان والمغرب والجزائر بأغانيهم العاطفية المشهورة، و كانت تقام الحفلات لعدة أيام وأسابيع ولكن لم يكن  يُجلَب مطلقًا ،في هذه الاحتفاليات الضخمة أي مطرب من مطربي المرسكاوي، عدا عن المهرجان  اليتيم للنهر الصناعي، الذى  أقيم خلال  عامي 1983- 1984 في بنغازي. وربما يُعزى تجاهل وإقصاء مطربي فن المرسكاوي، من تلك الحفلات على مدار الأربعين عامًا من حكم النظام السابق ،إلى عدم تذوق القذافي شخصيًا لهذا اللون من الغناء الذي لا يناسب ذائقته الفنية التي كانت تميل للفن الشعبي، للمنطقة الوسطى ومن مدينة سرت تحديدا  مسقط رأسه وموطن أهله وقبيلته، ولذلك حظي شعراء وملحنو تلك المنطقة بالرعاية والبروز وأُغدقت عليهم الأموال لإنتاج برامج "النجع"، وغيرها من البرامج الغنائية  التي كانت  تروج، لفن تلك المنطقة فيما تم تجاهل وإقصاء كل أنواع الغناء الأخرى ومنها، الفن الشعبي المرسكاوي ومطربيه المعروفين   من الحفلات الرسمية للدولة ومن الإعلام الرسمي،  الذى كان متحكم في كل شيء ومن المعروف  بأن للقذافي تذوقًا شخصيًا في الغناء، كما أنه كتب شخصيًا عدة أشعار وقصائد فصحى وعامية غناها بعض كبار مطربي الوطن العربي، ولكن رغم كل المحاربة والإقصاء لغناء المرسكاوي من الإعلام الرسمي للدولة، إلا أنه كان لغناء المرسكاوى  حاضنة شعبية كبيرة ورواج لأشرطة مطربيه بين الناس الذين يتلقفون، صدورها  أشرطة بشغف وحب ويحفظون  أغانيها عن ظهر قلب ،وتصدح بها أجهزة التسجيل في بيوتهم ومن سياراتهم وفي رحلاتهم بين جبال الجبل الأخضر الساحرة، ويرقص عليها الشباب في المناسبات الاجتماعية  وفتيات المدارس الإعدادي والثانوية  في رحلاتهن الربيعية المدرسية  .

‏ في الستينيات برزت الأصوات الذهبية لسيد بومدين وعلي الجهاني (عليويكة) ‏وحميدة الوداوي والشهير بحميدة درنة ،الذين كان لهم الفضل في تأسيس غناء المرسكاوي في مدينة ‏بنغازي       

 وفي السبعينيات ظهر جيل آخر أشهرهم، عبد الجليل القندوز الذي كان علامة من علامات غناء المرسكاوي في بنغازي،‏ وكذلك المطربين  ‏حسن بشون وعبد الحميد ‏الكيلاني وناجي ميلاد وسعد الوس .‏

‏ وفي الثمانينيات بزغت نجوم كثيرة في سماء أغنية المرسكاوي، منهم إدريس ‏الدرسي الذي ذاع صيته بأغنيته الشهيرة "يعوض علينا الله"، وكان من أبرز مطربي تلك المرحلة من بنغازى جمال عاشور، ‏وسمير الكردي وبن عيسى العقوري وأحميدة بونقطة ومفتاح بوحليقة والمهدي ‏طريو،،  وبشير المسلاتى ،والمهدي اللهيلع من مدينة البيضاء ‏

وفي التسعينيات ظهر إبراهيم الصافي، وإدريس الدرسي والمهدي البرعصي الذي حقق شهرة كبيرة بأغانيه ولكنه اعتزل عام 1992، وبرز صاحب الحنجرة الذهبية المطرب مفتاح معيلف والمطرب طارق الزياني وفوزي الصغيرونة ومحمود الشبلي ومفتاح الفهري وعقيلة رضوان ورمضان ونيس واقدورة حبيب .

 وفي الألفية الجديدة برزت أسماء مجدي السنوسي والمطرب رمزي الشهوبي، الوحيد تقريبا  من جيل مطربي الألفية الجديدة، الذي حافظ على غناء المرسكاوي بشكله الأصيل بعد أن طاله التشويه والمسخ، من شباب الغناء الشعبي في الألفية الجديدة، وبعد أن توفي كثير من مطربي المرسكاوي من أجيال السبعينيات والثمانينيات واعتزل البعض منهم رغم تحقيقهم شهرة واسعة بأسلوب غنائهم المميز للمرسكاوي، وعلى رأسهم المطرب إبراهيم الصافى ولكن لازال الكثير، من مطربي جيل التسعينيات في مجال غناء المرسكاوي رغم التعتيم الإعلامي عليهم وعدم دعوتهم في الحفلات والمهرجانات الرسمية للدولة إلا أنهم لازالوا مستمرين في غناء لون المرسكاوي بشكله الأصيل الذي يحظى بمحبة واسعة من الجمهور منهم مفتاح معيلف وأقدورة حبيب، وطارق الزياني ومفتاح الفهرى ومحمود الشبلي وفوزي الصغيرونة وعقيلة رضوان ورمضان ونيس.

 ولعل المهرجان الثاني لأغنية المرسكاوي الشعبية، الذى أقيم في بنغازى منذ أيام قد أعاد الاعتبار لهذا الفن الذي لاقى الكثير من التجاهل والإقصاء من وزارات الإعلام والثقافة ولكن المؤسف بأن المهرجان، لم تتواجد فيه كثير من الأصوات، التي لها تاريخ منذ التسعينيات في غناء المرسكاوي، منهم  المطرب مفتاح معيلف ورمضان ونيس وطارق الزياني وأقدورة حبيب وعقيلة رضوان وغيرهم ،من المطربين الذين لازالوا محافظين على غناء المرسكاوي بشكله الأصيل، دون تشويه وتحريف ومسخ له كما يفعل شباب الألفية الثانية الذين يقومون بمهزلة، ومسخ فن المرسكاوي بغنائهم في صالات الأفراح مع المطربات الشعبيات ،ويعملون على سرقة تراث أغاني رواد فن المرسكاوي الراحلين ومسخهن وتشويههن وخلطهن بأغاني النساء، وهو أسلوب أضحى رائجًا تحت دعوى التطوير والعمل على سرعة الرتم، في أستوديوهات الأجهزة الحديثة الخالية من الآلات الموسيقية العتيدة التي تعطي لفن المرسكاوي، طعمه وقيمته الأصيلة فما يقوم به مطربو الصالات والباحثون عن المال السريع من تشويه فن المرسكاوي بأغانٍ ركيكة تافهة تعتمد على السجع وتشابه الكلمات لا علاقة له بغناء المرسكاوي، بل هو فن هجين يعمل على تشويه ذائقة الجمهور وتسطيحه وترويج التفاهة والركاكة في الكلمات والألحان التي تعتمد على نجاحها، كتريند سرعان ما ينتهي كفقاعة الصابون، ليبقى فن المرسكاوي الذي صدح وتعالى في ليالي بنغازي، وأيامها الملاح وتحت سمائها بأصوات مطربي النقشة القديمة هو الأصيل والباقي، الذي لازالت الأجيال تستمع إليه وتروج له عبر صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الطربية ، كنوع من أنواع المحافظة عليه وحمايته من الاندثار والتشويه والمسخ، الذي يقوم به  بعض المغنين الشباب من أجل المال والربح السريع.. ليبقى الفن الأصيل أصيلًا وخالدًا دائمًا مهما تمت محاربته أو إقصاؤه أو تشويهه.

 

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

    إنتصار بوراوى تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدا...