الأربعاء، 11 ديسمبر 2024

عمر المختار ... الحقيقة المغيبة

 

إنتصار بوراوى

يكشف كتاب"عمر المختار . الحقيقة المغيبة" عن حقيقة العلاقة بين البطل المقاوم عمر المختار وإدريس السنوسى وقادة السنوسية من خلال الوثائق التاريخية المتمثلة فى الرسائل المتبادلة بين إدريس السنوسى وعمر المختار بالإضافة إلى ملفات الوثائق الإيطالية خلال أعوام الاحتلال الإيطالى لليبيا والتى تؤكدعن عمق وخلفيات العلاقة وارتباط حركة مقاومة عمر المختار ورفاقه مع الدعم المالى واللوجوستى من السيد إدريس السنوسى وأخوته وابناء أخوته سواء عندما كان السيد إدريس السنوسى داخل ليبيا أو عندما سافر إلى القاهرة بعد انهيار الهدنة مع الاحتلال الإيطالى ويكشف الكتاب عن المفاوضات التى جرت بين عمر المختار والاحتلال الإيطالى فى عام 1929 التى وضع فيها شروطه لانهاء الحرب بتأليف حكومة وطنية ذات سيادة قومية لإقليم طرابلس وبرقة يرأسها السيد إدريس السنوسى وغيرها من الشروط التى تمنح الحكومة الليبية حكما ذاتيا وهو ماحدث مسبقا بعد اتفاق الرجمة وقيام إمارة برقة فى إجدابيا 

من النقاط المهمة فى الكتاب هو الكشف على أن حرب عمر المختار ورفاقه ضد الاحتلال الإيطالى لم تكن تسير بشكل متين وسلس دون خلافات وانقسامات داخل النجوع والقبائل التى انقسمت فى بعض مراحل المقاومة والحرب والقتال إلى نصفين نجوع وقبائل مع المقاومة والحرب ونجوع أخرى كانت تدعو للاستسلام وعدم المقاومة للمحتل لعدم قدرة المقاومين على مواجهة المحتل وجبروت قواته وأسلحته الثقيلة بالإضافة إلى انضمام بعض من شباب القبائل إلى القوة المعروفة با"الباندات "للحرب مع الإيطاليين ضد المقاومين من بنى جلدتهم للاحتلال الأيطالى وهذه النقطة تمثل صفحة سوداء فى التاريخ الليبى .

ورغم أننى قرأت كتب كثيرة عن عمر المختار لمؤلفين ليبيين وإيطاليين من بينهن الكتاب المهم"برقة المهدأة" الذى أسهب فيه غريسيانى بالحديث عن المقاومة وعمر المختار وعلاقته بالسنوسية ولكن هذا الكتاب يكشف زوايا كثيرة مجهولة ونادرة ومهمة تعيد الاعتبار للحقيقة الزائفة والمشوهة التى دامت أكثر من أربعين عام فى إصدارات وترجمات المؤلفين والبحاث الليبيين حول تاريخ المقاومة فى برقة بقيادة عمر المختار وعلاقتها بالسنوسية وماقام به المترجمين الليبيين من حذف كل مايتعلق بالسنوسية والسنوسيين واستبدال مفردات "السنوسية والسنوسيين" من كتب المؤلفين الغربيين بكلمات ومفردات أخرى مثل أعيان ورؤساء القبائل بالإضافة إلى إلغاء عناوين وجمل وصفحات كثيرة من ترجمات المترجمين الليبيين للكتب الإيطالية والغربية التى تتحدث عن علاقة الحركة السنوسية وقاداتها بالمقاومة بالجبل الأخضر بقيادة البطل عمر المختار طيلة صدور تلك الكتب والترجمات خلال حقبة حكم القذافى خوفا من نظام الحكم الذى عمل على محو كل تاريخ السنوسية من ليبيا وتشويهها بالكذب والتحريف والمغالطات التاريخية نتيجة حقد شخصى دفين للأسف كان له تأثير كبير فى مصداقية وموضوعية ونزاهة كثير من المؤلفات والترجمات الليبية لكثير من تلك الكتب وضرب مصداقيتها فى مقتل.

الكتاب يوضح كيف عمل الأمير إدريس السنوسى على توزيع أدوار الجهاد منذ بداية المقاومة وخلال عام1922 فاسند المنطقة الجبلية إلى عمر المختار والذى.سيكون توقيعه نائب المنطقة الجبلية ويساعده زعماء القبائل 

كما أسند رئاسة معسكر برقة الغربية للمجاهد صالح الاطيوش ومساعديه وأسند لواء أجدابيا للقائد قجة بن عبدالله السودانى ومعسكر أخر تحت رئاسة محمد بونجوى المسمارى على ان تعود تبعية كل هذه المعسكرات إلى السيد الرضا السنوسى 

وقام بتعيين صفى الدين السنوسى فى سرت كنائب عنه فى منطقة طرابلس 

ويتحدث الكتاب عن البيعة الطرابلسية لقادة المقاومة فى أقليم طرابلس للأمير إدريس السنوسى كى يتولى إمارة ليبيا بأكملها وهى القشة التى قصمت ظهر البعير وعملت مع أسباب كثيرة أخرى لانهيار الهدنة مع المحتل الإيطالى فى عام1926 واستئناف المقاومة ضد الاحتلال من جديد بقيادة نائب ووكيل إدريس السنوسى عمر المختار فى برقة

كتاب"عمر المختار ..الحقيقة المغيبة" للمؤلف عبدالهادة يوسف هو سفر وثائقى عظيم غنى بالصور والوثائق التاريخية والمراسلات المهمة ومن بين الوثائق المهمة التى ينشرها الكتاب صور الايصالات المالية ورسوم تحصيل الأعشار من القبائل الصادرة من " أى معكسرات سيدى رافع المعروف ب دور البراعصة والدراسة دور " ومن إدارة دور البراغيث وغيرهم من دور ومعسكرات المقاومة بالجبل الاهضر إلى رئيس الإدوار عمر المختار

ويورد الكتاب وثائق أخرى عن أوامر صادرة من القائد عمر المختار نائب السنوسية العام بالجبل الاخضر تقضى بترقية بعض الجنود معه إلى رتب عسكرية "ملازم أولى عسكرى بيادة"ورتبة يوزباشى عسكرى وغيرها من الرتب العسكرية على المجاهدين 

حين تقرأ مسيرة المقاوم والبطل العظيم عمر المختار تتساءل عن سر كل تلك القوة التى جعلته يستمر فى مقاومة ومحاربة عدو شرس قوى يمتلك طائرات وأسلحة ثقيلة وجيوش من جنوده وجنود البلاد التى احتلها بالإضافة إلى جيش من الجنود الاريتيريين فيما لم يكن القائد الشجاع عمر المختار ورفاقه يمتلكون سوى إيمانهم بالقضية وبواجبهم الوطنى فى تحرير بلادهم من المحتل رغم اختلال موازين القوى وضعفها أمام جبروت الاحتلال الإيطالى فهم لم يحاربوا الاحتلال الإيطالى فقط بل واجهوا أيضا القبائل والنجوع التى كانت ترفض الحرب وتميل للسلام والطاعة للمحتل الإيطالى بعد أن أصابها الانهاك والجوع والقحط من استمرار الحرب وتعرض نجوعهم للقصف .

وعندما تولى غريسيانى حكم برقة وبنغازى قام بضربته الأولى للقضاء على حركة المقاومة والجهاد بقيادة عمر المختار بإغلاق الزوايا السنوسية التى وصفها فى كتابه" بأنها مراكز للتآمر ضدنا وكانت مهمتها جباية العشور وريع أوقاف الزوايا وهى تعتبر أجهزةةاتصال بين الأهالى والثوار" وقام أيضا بسجن شيوخ الزوايا السنوسية ثم وضعهم على متن طراد حربى إلى منفاهم بإيطاليا ونفى مع شيوخ السنوسية الامير الحسن الرضا وتم فرض الحجز على جميع أملاك السنوسية باعتبارها كما يقول غريسيانى تمثل دخل يتحاوز 200ألف ليرة فى السنة لذلك يغتبر إغلاق الزوايا إجراء أساسى لتحطيم المقاومة 

السؤال الذى يتبادر للذهن حين يقرأ المرء سيرة عمر المختار ورفاقه فى المقاومة والقتال إلى آخر نفس هوعن السر فى إصرار عمر المختار على المقاومة وعدم خروجه من البلاد إلى المهجر كما فعل قادة المقاومة ضد الاحتلال الإيطالى فى إقليم طرابلس فى نهاية عام 1923 عندما اجتاحت القوات الإيطالية مدن الغرب الليبى وهزمت المقاومة.

إن استمرار عمر المختار ورفاقه من القادة الأبطال فى الحرب ضد الاحتلال الإيطالى إلى أخر نفس وإلى لحظة استشهادهم فى ميادين القتال و آسرهم وإعدامهم كما حدث مع البطل عمر المختار يكمن فى القيادة السياسية والروحية للسنوسية التى كانت الظهر القوى لكل تلك القيادات وللأيمان الذى لم يتزعزع ولم يتضعضع عن قيمة المقاومة والقتال ضد العدو المحتل رغم اختلاف موازين القوى وبالتالى كان القرار الذى اتخذه غرتسيانى بإغلاق الزوايا ومنع الأهالى من دفع الزكاة للزوايا يمثل أكبر ضربة قاصمة لعمر المختار كما يقول ديل بوكا فى كتابه "فخلال أيام وجد عمر المختار نفسه محروما من مساندة الأهالى له ثم حرم من دعم الزوايا التى كانت تمده بحصيلة الأعشار وبإعانات من كل نوع " 

ورغم أن مصير عمر المختار ورفاقه كان فى النهاية هو الاستشهاد والموت دون تحقيق سعيه مع رفاقه لهزيمة إيطاليا وإخراجها من البلاد ولكنهم كانوا طيلة عشرين عام حجر عثرة أمام حلم السيطرة الإيطالى الكامل على برقة وساهم قتالهم للعدو المحتل فى إلحاق الكثير من الخسائر فى أرواح جيشه وجنوده وكانت سيرة عمر المختار شبح يؤرق مضاجع قادة الاحتلال الإيطالى إلى اليوم الذى أعدم فيه و ظلت سيرة البطل عمر المختار ورفاقه مكتوبة بحروف من ذهب و خالدةفى التاريخ الإنسانى لأنهم لم يرضوا بذل ومهانة الاحتلال ولم يستسلموا أو يتركوا البلاد وقاوموا إلى آخر رمق الاحتلال الفاشيستى ليخلد اسم عمر المختار ورفاقه كأعظم المقاومين وأجملهم وأنبلهم على مدى التاريخ الإنسانى وليصبح عمر المختار ورفاقه صورة مشرفة وملهمة لمن يأتى بعدهم فى أى وطن وشعب يتعرض للاحتلال كنبراس مقاومة وكفاح وبطولة حية لاتموت


الثلاثاء، 5 نوفمبر 2024

لمحات من تاريخ بنغازى

 إنتصار بوراوى 



صدر كتاب "لمحات من تاريخ بنغازى" للقاص والكاتب محمد العنيزى عن وزارة الثقافة والتنمية المعرفية فى عام2021 م والجميل فى الكتاب بالإضافة إلى السرد التوثيقى الرائع للشخصيات البنغازية التى كان لها دور فى تاريخ مدينة بنغازى التعليمى والثقافى والصحافى والفنى هو الوعى بمدى جمالية روح تلك المرحلة القائمة على الوطنية والإيثار والرغبة فى تأسيس وبناء اللبنات الأولى لأهم المؤسسات فى مدينة بنغازى رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التى كانت تعيشها ليبيا منذ عقد الثلاثينيات وحتى ستينيات القرن العشرين

يقترب الكتاب من أرواح الشخصيات الرجالية والنسائية الذين امتلكوا الوعى المبكر والإرادة الوطنية لنشر التعليم والثقافة والفن والعلم والصحافة بمدينة بنغازى من خلال مبادراتهم الشخصية وبدون أى دعم مادى كبير فأغلب المؤسسات التى تم تأسيسها فى تلك المرحلة بدأت من الصفر برغبةوإرادة نساء ورجال وطنيين كان همهم الأساسى هو خدمة مدينتهم وبلادهم والنهوض بها من قاع الفقر والجوع والمرض والجهل إلى آفاف العلم والتعليم والكرامة الإنسانية وتأسيس مؤسسات من العدم إلى النور مثل مؤسسة الإذاعة المسموعة وروادها الأوائل من مذبعين ومذيعات بنغازى بالإضافة إلى الكوادر الفنية والهندسية بمؤسسة الإذاعة .

وتأسيس الحركة الكشفية التى قامت على أكتاف رجال ونساء الوطن المخلصين بجمعية عمر المختار فى عام1947م ثم تطورها بعد تأسيس فرقة كشاف بنغازى على يد منصور الكيخيا فى عام1950 م والذى أصبح مفوض عام كشاف برقة وكان له دور فى تأسيس حركة المرشدات فى عام1960 م بالتعاون مع السيدة حميدة العنيزى 

وفى الكتاب نتعرف على الشخصيات الوطنية التى قامت بانشاء أهم لجنة خيرية لمساعدة الفقراء والمحتاجين بالمدينة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والتى كان على رأسها الشخصيات الوطنية على زواوة وعمر كانون ومحمد الفلاح وغيرهم من رجال المدينة المخلصين الذين أخذوا على عاتقهم مساعدة فقراء المدينة بتوزيع المساعدة النقدية من خلال جمع التبرعات والزكاة السنوية من التجار والأغنياء وبعد ذلك قامت اللجنة بتأسيس"الملجأ الاسلامى" لايواء العجزة والايتام وعمل اللجنة الخيرية كان كما يقول مؤلف الكتاب بمثابة صندوق ضمان اجتماعى حيث كانت تقوم بإعداد قوائم باسماء العائلات الفقيرة والمحتاجة التى بلغ عددها قرابة300عائلة لتوزيع التبرعات والزكاة عليها والذى آلت تبعيته فى بداية الستينيات إلى وزارة الشئون الاجتماعية تحت اسم دار رعاية المسنين .

ويوثق الكتاب لمسيرة وتاريخ مؤسسة تطوعية خيرية وحقوقية تأسست فى مدينة بنغازى فى عام1954م وهى جمعية النهضة النسائية الخيرية التى انشأتها رائدة تعليم الفتيات فى بنغازى السيدة حميدة العنيزى مع مجموعة من النساء المتعلمات والمثقفات فى بنغازى والتى امتدت فروعها بمدن أخرى فى ليبيا.

ويسرد الكتاب تاريخ ومسيرة مؤسسة أخرى رائدة مهمة وهى المركز التدريبى والتعليمى لرعاية الأمومة والطفولة والذى قام على أكتاف رائدات نسويات من المدينة درسن فى معهد التمريض ومنهن السيدة فاطمة طرخان .

ويعرج الكتاب على جزء مهم من سيرة تأسيس نادى الأهلى عبر سيرة اللاعب عبد العالى العقيلى 

وفى سيرة ومسيرة تاريخ الصحافة بالمدينة يورد الباحث سيرة مكتبة زاقوب وصحيفته "البشائر"

وفى سيرة التأسيس المعمارى بالمدينة على أيدى رجال المدينة الوطنيين يسرد الباحث سيرة المهندس الوزير فتحى جعودة الذى كان له دور كبير فى الأشراف على أهم المشاريع الهندسية بمدينة بنغازى والبيضاء مثل مشروع المدينة الرياضية ومشروع بناء مدينة البيضاء وغيرها من المشاريع المهمة

ويوثق الكتاب سيرة تأسيس مؤسسة وجمعية مهمة أيضا فى مدينة بنغازى وهى جمعية الكفيف ويسرد الباحث مسيرة الكفاح والعزيمة والإرادة لمؤسسها السيد محمد بن سعود منذ بداية تأسيسها وإلى أن أصبحت جمعية كبيرة ومهمة تقدم خدماتها التعليمية للمكفوفين وتعمل على تأهيلهم مهنيا وتدريبهم وتوفير فرص العمل لهم

ومن الشخصيات الرائدة الوطنية المهمة بمدينة بنغازى شخصية الأستاذ محمد العالم حويو صاحب فكرة إنشاء أول مدرسة ليلية للعمال بالمدينة والتى تطوع للعمل فيها مجموعة من المدرسين بدون مقابل إلى أن قامت وزارة المعارف فى عام1963 بضمها للوزارة ضمن إدارة سميت بأدارة "تعليم الكبار" 

وفى مجال التعليم يورد الباحث ومؤلف الكتاب سيرة توثيقية لمؤسسة تعليمية مهمة فى بنغازى وهو الصرح العلمى والتعليمى الرائد فى بنغازى

" معهد المعلمين " الذى تم افتتاحه فى نهاية1952م وكان نواة لتخريج دفعات وأجيال من المدرسين فى بنغازى كما أصدر المعهد صحيفة"المعلم" وكانت أول صحيفة مدرسية يصدرها طلاب معهد المعلمين بولاية برقة 

فى الفصل الثانى من الكتاب يسرد الكاتب سيرة رواد الأغنية الليبية من بنغازى من شعراء ومطربين وملحنين مثل الشعراء الغنائيين مسعود بشون وعبد الحميد شادى وفتحى المرتشى ويوسف بن صريتى ومحمد حمد الطيب ومحمد مخلوف ومحمد المريمى 

بالإضافة إلى المطربين الرواد للأغنية الليبية مثل المطرب العملاق على الشعالية وسيد بومدين شا
دى الجبل والمطرب أحمد كامل والمطرب محمد مختار والمطرب الطاهر عمر والمطربة خديجة الفنونشة 

والموسيقيين والملحنين الرواد الموسيقار على قدورة ومصطفى المستيرى والملحن إبراهيم أشرف والموسيقار صبرى الشريف والموسيقار الملحن سليمان بن زبلح 

يجمع الكاتب كل هذه الباقة والخميلة الجميلة من أزاهير وورود الغناء والشعر واللحن الجميل من خلال شخصياتهم الريادية فى تاريخ الغناء الليبى ويروى ويوثق بعض من سير حياتهم الفنية العابقة بالحب والموسيقى والجمال فى إشارة ود ومحبة فى نهاية كتابه الجميل الذى يروى تاريخ وهوية مدينة كانت عابقة بالجمال والحب والعطاء خلال أصعب مراحل تاريخها على أيدى رجال ونساء وطنيين ووطنيات كان حب مدينتهم ووطنهم هو دافعهم الأساسى للريادة والتأسيس رغم الظروف الاقتصادية البسيطة فلم يكن المال أو المقابل المادى هو الدافع لأى عمل قاموا به من أجل نهضة مدينتهم وبناؤها وتأسيس مؤسساتها الريادية فى كافة المجالات بل كان العطاء ومحبة المدينة هو المحرك الأساسى لهم فى بناء وتأسيس المؤسسات التعليمية والفنية والثقافية والإعلامية التى مثلت صروح تأسيسية فى مدينة بنغازى والتى كانت قائمة فى أساسها على الوطنية والكفاءة وحب الوطن الحقيقى ،ومنحها الرواد فى كافة المجالات هويتها كمدينة ثقافية منفتحةومتقدمة بالعلم والمعرفة والفنون والإعلام والصحافة وعاشقة للموسيقى والغناء والفن الإذاعى والمسرح .

كتاب "لمحات من تاريخ بنغازى" هو أول كتاب صدر للكتاتب ضمن مشروعه التوثيقى للشخصيات والمؤسسات الرائدة فى مدينة بنغازى ومن الواضح بأن الكاتب بذل مجهود واضح فى البحث والاستقصاء فى الصحف والمجلات القديمة بالإضافة إلى قيامه بحوارت صحافية توثيقبة مع الرواد فى كافة المجالات لتوثيق وكتابة سيرة تلك الشخصيات الرائدة وتقديمها للأجيال الجديدة التى تجهل سيرة ومسيرة وعطاء الرواد بمدينة بنغازى




السبت، 26 أكتوبر 2024

الكاتب محمد سحيم ...سيزيف الليبى

إنتصار بوراوى


فى كتاب"سيزيف ليبى " يروى الكاتب والقاص محمد سحيم تجربته الحياتية وسيرته الذاتية بأسلوب سردى لايعتمد كثيرا على الزخرفة البلاغية قدر اهتمامه بأن يحكى حكاية أحلامه الكبيرة بالتغيير الاجتماعى والسياسى التى بدأها منذ عام2005 حين كان فى أوائل العشرينيات من عمره عندما بدأ كتابة ونشر مقالاته الاجتماعية والوطنية الناقدة والنافذة إلى عمق مجتمعه الليبى التى كان ينشرها خارج صحف الدولة الرسمية قبل ثورة فبراير ،
فى كتابه الأول "سيزيف ليبى" يروى سحيم تجربته بأسلوب سردى يحلل فيه كثير من تناقضات مجتمعنا الليبى وشيزوفرييته ، وعنصريته وتنمهره على الكثيرين المختلفين عنه فى اللون أوالجنسية كما أنه يضع أصبعه على طريقة تربية الذكر الليبى القائمة فى كثير منها على العنف اللفظى والجسدى باعتبارهن معيار للرجولة ورغم ولادة وتربية الكاتب فى حى شعبى معروف من أحياء بنغازى إلا أنه لم يتماهى مع تربية الذكور حوله فى مجتمعه بل كانت لديه نظرة نقدية ممتزجة بكثير من السخرية للتربية الليبية العتيدة والعتيقة للطفل الذكر فى المجتمع الليبى كما أنه امتلك الوعى الحاد نتيجة أطلاعه وقراءته لطبيعة الشخصية الليبية القائمة على اعتبار العنف معيار للرجولة وهو المعيار الذى يرفضه ويقول عنه فى مقطع من كتابه "سيزيف الليبى: " أن أمنع نفسى من العنف ،ألا أضع نفسى فى موقف أن أكون فيه مخيرا بين أن أهشم وجه أحدهم أو أن يحدث العكس هو التزام ومسيرة ليست هينة ، أخفقت ومازلت أخفق بين حين وأخر ،وأحيانا يكون العنف فى تلك المرات لفضيا لكنى أقاوم هذه الطبيعة التى فرضها وكونها أسلوب العيش والثقافة"
يرفض الكاتب العنف كأسلوب ومنهج تربية فى العائلة الليبية بفضل وعيه وثقافته وادراكه بأنه طريق عواقبه وخيمة
تتحرك أزمنة السيرة الذاتية للكاتب محمد سحيم وتتأرجح كبندول الساعة بين عدة أزمنة
زمن حكم القذافى
زمن وسنوات ثورة فبراير
زمن وسنوات الحرب على الأرهاب التى جرت فى مدينة بنغازى
يروى الكاتب بكتابه كثير من تفاصيل زمن القذافى وسنوات الطفولة والشباب وحدة الوعى والثقافة والفهم لحكمه الذى كان يضغط بتسلطه على أحلام الشباب وتطلعاتهم مما جعله ينشر مقالته "ريس البلاد" فى بداية فبراير من عام2011 م التى خاطب فيها القذافى طالبا منه منح الشعب الليبى حقه فى حرية تكوين الأحزاب وإجراء الانتخابات ،وسرعان ماتم القبض عليه بعد نشرها وأودع فى السجن لمدة سبعة أشهر و يتحدث الكاتب عن تجربة السجن وماتعرض له من ضرب وتعذيب وإهانة فى سجون القذافى وهى التجربة المريرة التى حفرت فى ذهن وعقل الكاتب فروى بعض تفاصيلها بأسلوب الفلاش باك الذى تتحرك الأزمنة فيه مابين الماضى والحاضر فى محاولة لتحليل ومعرفةالأحداث كيف حدثت ولماذا حدثت وكيف حدثت؟
وتنتقل السردية السير ذاتية بين الأزمنة وتستدعى ذاكرة الكاتب زمن الطفولة فى ثمانينيات القرن الماضى وعالم القناة الواحدة ووجه حاكم البلاد المسلط شبه يوميا عبر قناته وعالم اللون الواحد ولكن رغم قتامة وعتامة تلك المرحلةيعثر الكاتب على الضوء عبر عالم الفن والغناء الذى جسده فى عقل ووعى طفولته مطرب الأطفال جابر عثمان الذى كان يحاول كما يقول الكاتب أن يزرع الوان مغايرة ونهج مغاير من العذوبة ومحبة الخير والجمال فى نفوس الأطفال عبر أغانيه وهو النهج الذى حاربه القذافى باعتباره معادى لطريقته وأسلوبه فى زرع العنف والقوة الذكورية عبر منظمته أشبال وسواعد الفاتح و كل ذلك الوعى المبكر لدى عقل الكاتب وذهنه يظهر فى نقده وتحليلاته لتلك المرحلة بكتابه الذى يزخر بتحليل الحالة الليبية برؤية نقدية ثاقبة .
و ينتقل الكاتب فى فصل أخر من كتابه إلى مرحلة زمنية أخرى حين سافر للدراسة فى بريطانيا حيث الاختلاف والتنوع والصداقات مع المختلفين فى العقل والفكر وعلاقته بالمرأة عبر صداقته بطالبة انجليزية خلال فصول دراسته للغة الانجليزية ولكنه سرعان مايرجع لليلاد حين تصله أخبار حدوث الحرب بمدينة بنغازى كى يكون بجانب عائلته وأهل مدينته ويتحدث الكاتب عن مرحلة الحرب وبستعيد معه القارىء الكثير من تفاصيل يلات وعذاب النزوح وسقوط القذائف على مناطق وأحياء بنغازى ، وعمله مع جمعية خيرية إغاثية لمساعدة المكتوين بنار الحرب الذين نزحوا من بيوتهم ويروى الكاتب فى هذا الفصل كثير من تفاصيل العمل الخيرى وخفايا وكواليس الصعوبات التى واجهته مع صديقه فى خضم العمل الخيرى إلى أن تنتهى الحرب بالقضاء على الجماعات المتطرفة وعودة عائلته إلى بيتهم الذى لم يصب بأذى كبير نتيجة الحرب
يبدو مؤلف "سيزيف ليبى " كعنوان كتابه سيزيف ليبى يدحرج حجر أمانيه وأحلامه الكبيرة والواسعة للبحث عن الحرية والعدالة الإنسانية ولكن سرعان ماتتهاوى صخرة الأحلام والآمال العريضة فى هوة وقعر الواقع القاسى والقبيح الذى يسقطها بعد كل مرة يحاول فيها سيزيف الأحلام العريضة رفعها لأعلى قمة الجبل .
كتاب "سيزيف الليبى" هو أقرب للرواية منه للسيرة الذاتية بأسلوبه السردى الجميل الذى يتهادى بين الفصول متنقلا بين مراحل زمنية متعددة دون ترتيب أو نظام كتعبير عن الفوضى وانعدام النظام قى الواقع والتجربة الحياتية للكاتب الممتزجة فى كثير من تفاصيلها مع تاريخ الوطن ..

الثلاثاء، 10 سبتمبر 2024

امرأة من بنغازي


 رواية" امرأة من بنغازي" للكاتب الراحل عبد الرسول العريبي تسرد العالم المخفي للسلطة خلال حقبة تسعينيات القرن الماضي من خلال رواية قصة مطربة شعبية من حى فقير أعجب بشكلها حاكم البلاد فأمر بجلبها إلى مقر السلطة من خلال دعوة رسمية لإقامة احتفالية خاصة وتلبى المغنية الشعبية الدعوة دون أن تدرى بأن الدعوة ليست إلا فخ لجلبها إلى سرير رئيس البلاد الذى يختار مايحلو له من النساء بمجرد إشارة من يده                 

 يسرد الكاتب أجواء تلك المرحلة من خلال مجموعة من الشخصيات النافذة التي تجتمع أسبوعيا لشرب الخمر وجلب الفتيات الفقيرات اللواتي يمتهن الدعارة  فى إحدى المزارع  بضواحي مدينة بنغازى  .

يكشف الروائى عبر روايته العالم السرى لخيوط علاقة السلطة بكل مايحدث من فساد مالى وأخلاقى عبر مجموعة من شخصيات المتنفذين التى كانت صاحبة  الفرقة الشعبية "سليمة"  التى تعمل معها  المغنية  "فوزية "تحى الحفلات الليلية  فى مزارعهم الخاصة ثم تختفى فجأة بعد ذهابها مع الفرقة  للقيام بحفلة فى مقر حاكم البلاد ويذكر الروائى اسماء القيادات الأمنية التى كانت تحكم البلاد صراحة بالرواية و يسرد علاقتها باختفاء المغنية الشعبية التى يبحث عنها زوجها دون جدوى إلى أن يخبره شخص يعمل بالأمن بأنها موجودة فى مقر رئيس البلاد وتم تسفيرها إلى إيطاليا للقيام بعملية إجهاض للجنين  الذى تكون فى بطنها بعد شهور من علاقتها برئيس البلاد وتنتهى الرواية بسفر زوجها للبحث عنها فى إيطاليا ليلتقيها حال وصوله لمطار روما وهى محاطة بحراس أمنين فى  بواية العودة لليبيا .

الرواية صغيرة فى حجمها وأقرب إلى النوفيليا منها إلى الرواية  وبسيطة فى أسلوب سردها  الذى يعمل على  كشف حوادث وقعت فى تسعينيات  القرن الماضى بأسلوب بسيط وسلس حاول أن يلامس مجريات مخفية كان يهمس بها سرا من هم على مقربة من دوائر السلطة السياسبة  دون أن يجرؤ أحد على كشفها ولكن الكاتب الراحل عبد الرسول العريبى حاول عبر روايته أن يسردها قبل رحيله المفاجىء فى رواية بسيطة و سلسلة فى سردها الروائى.


الجمعة، 21 يونيو 2024

القسوة وشرور الإنسان

 



إنتصار بوراوى


القسوة.. الشر.. كيف يتكونان في النفس البشرية؟

وكيف ينموان ثم يكبران ليتجسدا في مذابح، ومجازر يرتكبها الجنس البشري ضد بعضه؟

هذا ما يحلله ويبحث عنه كتاب "القسوة.. شرور الإنسان والعقل البشري" للمؤلفة الدكتورة كاثلين تايلور، ومن ترجمة الدكتورة فردوس البهنساوي. يعمل الكتاب على تحريك مبضعه داخل أغوار النفس البشرية، ويحاول أن يجد تفسيرات للقسوة والشر الإنساني بين البشر، خصوصًا خلال الحروب

تقول المؤلفة بأن مذهب المنفعة، الذي يرى أن تحقيق أعظم الخير لأكبر عدد من الناس يجب أن يكون هدف السلوك البشري، لكن في الواقع حتى أكثر القوى العقلانية قابلة للانحياز. فالحواسيب تعمل بكامل الحياد وبالمنطق البارد، لكن عقل الإنسان، مهما عمل بفكر متجرد، يراعي النفع الشخصي. كذلك، فإن تقييم الدوافع والنوائب والأسباب والمبررات يتم وفق المنفعة والضرر للناس المعنيين، ولجموع المجتمع الأكبر، ولمن يقوم بالتقييم. والتحيزات التي تؤثر في الأحكام، سواء أدركنا ذلك أم لم ندرك، هي المعرفة والميل الشخصي. ولأننا لم نمارس ذلك بالطريقة نفسها التي نخضع بها للعواطف (أي اللجوء للمعرفة أكثر من الانفعال والعاطفة)، فإننا نميل إلى عدم وجود العاطفة. ولأننا بشر، نفضل ما نعرفه والأمور الواضحة البسيطة والناس الذين يشبهون من يحكم؛ فإن ذلك قد يجعل حتى الفيلسوف ينحاز، وليس فقط الأفراد العاديين غير المدربين على التفكير العقلاني.

وتذكر المؤلفة أساليب البشر لتقييم سلوك الآخرين، حيث يتخذ الأصحاء من البشر أسلوبين لتقييم سلوك الآخرين: أسلوبًا عقلانيًا وآخر عاطفيًا، يتلون بمزيج من الاثنين. ويسود أحيانًا المنطق الهادئ البارد البراغماتي مع أو دون المبادئ الأخلاقية، وفي أحيان أخرى تؤثر المبادئ الأخلاقية في حساباتنا. كما أن التاريخ الشخصي لمن يقيم مهم.

تبريرات الشر..والإنكار

وتطرح المؤلفة التبريرات التي يقدمها الأشخاص الذين يرتكبون الجرائم ضد البشر، كي يصبغوا على أفعالهم صبغة أخلاقية، فيسعى المجرمون إلى إثارة التعاطف الوجداني بأن يقدموا أنفسهم باعتبارهم بشرًا عقلانيين يحملون عواطف، ولكن التعاطف وحده لن يكفي ليجعلهم يفلتون من فخ المبادئ الأخلاقي،وعليهم أن يلجأوا إلى استراتيجية أخرى قد يتحاشوا بها اتهامهم بالقسوة وإحدى هذه الوسائل والاستراتيجيات، تتمثل فيما فعله الأتراك بخصوص معاملتهم للأرمن، إنه ببساطة "الإنكار" إنكار حدوث أي مجازر أو أن لهم علاقة بالواقعة وهذا هو الوضع دائمًا في المواقف القليلة التي تصدر فيها الأحكام بعد الجريمة بسرعة ثم تكون الإدانة واضحة وإذا مر الوقت وانقضى، فإن المجرمين يستطيعون التشويش والتعتيم والكذب وأن يضربوا الذاكرة ويمحوا الذكريات، وربما يقنعون أنفسهم بأنهم أبرياء

وتتغلغل المؤلفة بداخل النفس البشرية محاولة معرفة الدوافع التي تجعل الخصم أو العدو يرتكب مجازر ومذابح بحق الآخرين، وكما تقول في غضون تفسيرها لذلك: "فما دمنا نتقبل الرأي القائل بأن العدو لا يلتزم بالعقلانية ولا يغير من نفسه، فلا يهمنا حقيقة إذا ما كان هذا الشرير يهاجمنا بدافع من الحقد الخالص، أو كان يتصرف وفق ما جُبل عليه بسليقة من طبيعة شريرة وسواء كان دافعه هذا أو ذاك، فإن القوة مطلوبة للقضاء على شروره"

 

فكرة الكراهية لأغراض سياسية

 

ولمن يريد أن يستخدم الدعاية التي ترتكز على فكرة الكراهية لأغراض سياسية، فإن امتلاك الوسيلتين اللتين تتيحان ترسيخ "الإقصاء" تجعل دعايته أكثر تأثيرًا. فإشاعة أن العدو يقصد إيذاءك يجعل هذا العدو في مواجهة مع قانون المبادئ الأخلاقية، ويتيح ذلك لك أن تبرر تصرفك ضده على أنه دفاع عن النفس أو عقاب قويم له مبررات أخلاقية - أي أنه ليس قسوة من جانبك وفي الوقت نفسه، عندما تشيع بأن عدوك مدمر وهدام بطبيعته مثل السرطان، فهذا يولد ردود أفعال غاية في الشدة والتطرف، وهذا نلمحه كثيرا في الدول التي خاضت تجارب حروب أهلية.

 

دور الطبع في ارتكاب الشر والعدوانية

 

وتعرض المؤلفة كذلك لتقسيم الباحثين للعدوان، الذي ينقسم كما تقول إلى نوعين: نوع انفعالي وآخر آني أو آلي، ويلاحظ أن النوع الأول يأتي كرد فعل سريع وغير متحكم فيه، وهو فعل مندفع بسبب الإحباط مع الغيظ والإثارة الشديدة. ويختلف النوعان في تفسيرات علم النفس وعلم دراسة الجهاز العصبي، فأصحاب العدوانية الانفعالية غالبًا ما يتغلبون عليها ويشفون منها، ولا يكونون بالضرورة مزعجين أو قساة ممن يرتكبون الجرائم

أما النوع الثاني من متعمدي العدوان، فهم الذين يخططون لعدوانهم ويظهرون السمات النمطية للغلظة، وهم غير عاطفيين منذ الطفولة، ولديهم اضطرابات سلوكية عندما يصلون مرحلة المراهقة، وهم من المحتمل أن يكونوا قساة مع الحيوانات في طفولتهم، ثم يرتكبون جرائم عنف عند البلوغ.

 

معنى القسوة

تطرح المؤلفة سؤالًا عن معنى القسوة، وما الذي نقصده عندما نصف شخصًا ما بأنه قاسٍ، من خلال تعريف قاموس أكسفورد الذي يعرف القسوة :بأنها الابتهاج أو اللامبالاة بآلام أو بؤس الآخرين.

 وتبحث المؤلفة كاثلين تايلور بعمق عن أسباب القسوة، ولكي تنجح في ذلك فهي تتحرى كلا من المعتقدات والعواطف. فالمعتقدات هي التي تبني العلاقات المحيطة بالقسوة وتتحكم في رغبات الفعل لدى مرتكب الجرم، أما العواطف فإنها تدعم الحافز للفعل، فهي القوة المحركة وراء كل فعل يتسم بالقسوة.

وتذكر المؤلفة بأن الموضوع الرئيسي عن نفسية وسيكولوجية مرتكبي الجرائم هو أن أسوأ الفظائع لا يرتكبها أشخاص أشرار كالشياطين، نذروا أنفسهم لتمجيد كل الشرور، فهذا بعيد عن الحقيقة فنفس الشخص مرتكب الجرائم، قد يدلل أطفاله ويعانقهم في الفترات الفاصلة بين جرائمه التي يقتل فيها آخرين، إنه يتعايش مع قوانينه الأخلاقية التي نشأ عليها

وترجع العواطف إلى الإشارات العصبية بالمخ، وهي التي تجعلنا نقع في لحظة اختيار بين أن نؤذي أحدًا أو لا فالعواطف هي التي تزن مبرراتنا وأسبابنا للقيام بفعل الإيذاء، حيث لا يمثل الذوق العام والفطرة السليمة، أو حتى احترام الذات مانعًا قويًا إزاء ارتكابه، ولكن العواطف- كما تذكر المؤلفة- ليست واضحة فهي مراوغة ومخادعة وأسبابها متباينة، فهي قد تتبع إشارات من الجسم أو العالم الخارجي، وقد تكون ثمة أحداث حقيقية أو زائفة هي التي تحركها من خلال حواس وتخيلات متعددة.

وتذكر المؤلفة أنواعًا كثيرة للقسوة والشر الإنساني، منها السادية وهي التلذذ بتعذيب الآخرين وجمود الفؤاد واللجوء إلى القسوة، يمكن أن يكون دلالة على القوة عندما يوجه ضد الغرباء، فهو في نظر القساة فيه فائدة للوطن، ويجب أن يتفوق الرجال في قسوة القلب في الحرب وإظهار الجانب القتالي والحربي. وأغلب هؤلاء الرجال يظهرون اهتمامًا شديدًا بالعنف منذ حداثة سنهم، ولكن العنف والعدوان يكون محكومًا اجتماعيًا وموجهًا ضد أفراد خارج الجماعة فقط.

والسادي شأنه شأن مدمن المخدرات أو المتعصب، لن يكون مهتمًا بأي حال بالمصلحة العامة للجماعة أو بالنيات الطيبة أو بحسن السمعة أو بصالح المجتمع، فالجوع للإيذاء يتطلب الإشباع مهما كانت الكلفة أو النتيجة، على الأصدقاء والأقارب الذين سيصيبهم الضرر

 

تفكيك منشأ السادية

تحلل المؤلفة القسوة باعتبارها جزءًا من تركيبة البشر، فليس لدينا كما تقول ما يبرر أن نعزل القسوة باعتبارها مرضًا إلا في حالات نادرة، ولكن ليس علينا استنتاج أن كل إنسان قاس بالفطرة والسليقة. والسادية عادة ما تكون شيئًا نادرًا، وحسب ما تذكر مؤلفة الكتاب فالنزوع للقسوة ليس مثل النزوع الغريزي لاستطابة آلام الغير والتلذذ بها، إلا أنه مثلما يدفع نقص الطعام الشخص الذي يشرف على الموت إلى أكل لحوم البشر، فمن الممكن أن بعض الظروف قد تشجع القسوة ويمكن أن تحول شخصًا طيبًا إلى سادي.

تقوم المؤلفة من خلال تحليلها بتفكيك السلوك السادي، ومحاولة البحث عن منشئه الذي ترى بأنه ينبع من الإقصاء المبالغ فيه للآخر، والعنف الصادر من غلظة القلب. فالحرب والإرهاب وعنف العصابات والقتل المتوالي والعبودية وسوء المعاملة داخل الأسرة كلها تنشأ فيها القسوة السادية ،وترجع المؤلفة السلوك السادي لدى الشخص من الطفولة، والتي قد تبدأ بتربية الطفل على العنف أو تركه يؤذي الحيوانات مثل القطط والكلاب وأحيانًا يقتلها. فإذا لم تمنع الأسرة الطفل من ممارسة هذه السلوكيات، فإنه لن تكون لديه قوانين ينصاع إليها مستقبلًا.

 

التعامل بقسوة مع الآخرين

لقد نشأ الجنس البشري على معاملة العالم دون مساواة في اعتبارات عديدة، فنحن بطبعنا وما جُبلنا عليه نهتم بأقاربنا وبمن نرى أنهم أعضاء أقوياء في جماعتنا، وبالمعتقدات التي تتفق مع ما نعتقده ونراه إننا بالطبيعة نولي اهتمامًا أقل بالغرباء وللناس الأقل في المكانة الاجتماعية أو للأفكار التي تتناقض مع معتقداتهم، فكيف يقاوم الإنسان فعل القسوة؟

تطرح المؤلفة فكرة مقاومة القسوة من خلال الوعي، والفهم فالجهل والانقياد هو الذي يقودك للقسوة، ولكن يمكن للإنسان الواعي المدرك، أن لا يقع تحت ضغوط ارتكاب القسوة عندما يأخذ في اعتباره وعقيدته أن القسوة خطأ، ويرسخ ذلك ضمن كينونته بأن مجرد الرغبة في القسوة هي تهديد للذات برمتهاةولكن من يعتقدون بأنهم جزء من جماعة لها عقائد أخلاقية فسوف يتخلون عن تلك الاعتبارات دون أي أضرار نفسية، لأن ذاتهم وكينونتهم تتبع للجماعة 

وتتساءل الباحثة عن الطريقة والأسلوب ،لمنع الشر والقسوة الإنسانية التي كانت السبب في الإبادة الجماعية والمذابح، على مدى التاريخ الإنساني حيث تستشف الباحثة من خلال دراستها لتاريخ القسوة والشر الإنساني ،دروسًا مأساوية من التاريخ تجعل البواعث الأخلاقية التي غُرست في الثقافات الإنسانية، لم تمنع حدوث الجرائم الفظيعة. فالمسيحية تعلمنا أن نحب الآخرين، والإسلام يدعو إلى التسامح والسلام، والشيوعية تنادي بالمساواة والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية والحرية شعار الثقافة الغربية الحديثة، فكل هذه المنظومات العقائدية وغيرها ارتكب أتباعها أفظع جرائم القتل وأعمال الإرهاب باسم المثل العليا فمن الواضح بأن القوانين الأخلاقية لا تمنع القسوة والشر الإنساني، ولكن بالعلم والمعرفة ودراسة تاريخ وأساليب الشر يمكن أن نقلل من القسوة والشر في العالم


في أثر عنايات الزيات

 

إنتصار بوراوى


يسحرك كتاب "في أثر عنايات الزيات"   بأسلوب عمل مؤلفته الشاعرة إيمان مرسال بالبحث على مدار عدة سنوات ‏حول حياة كاتبة مصرية مجهولة اسمها عنايات الزيات انتحرت في 3 يناير1963م وهى في الخامسة والعشرين ‏من عمرها  .

بدأت مؤلفة الكتاب بحثها عن مقر سكن ‏عائلة عنايات الزيات  وعن  جارة كانت قريبة منها لا زالت على قيد الحياة ، واستقصت عن شجرة نسب عائلة جدها لأمها محمد رشيد باشا ‏واستمرت فى الاستقصاء والبحث ،حتى وصلت إلى مقبرتها البعيدة المنزوية في مقابر عائلة جدها لأمها وعندما عرفت ‏بان هناك علاقة صداقة جمعتها منذ الطفولة ،مع الممثلة نادية لطفى تواصلت مع الفنانة هاتفيا من مقر أقامتها بكندا ثم ‏زارت مصر للقائها والحديث معها عن تفاصيل صداقتها بالكاتبة، وقادها البحث للتعرف على كثير من الشخصيات التي لها علاقة ‏ما بالكاتبة المنتحرة.‏

الكتاب غنى بكثير من التفاصيل عن حياة الكاتبة ،في محاولة لمعرفة أسباب انتحارها المأساوي الذى أرجعه الكثيرون ‏لرفض الدار القومية نشر روايتها  "الحب والصمت" ،ولكن الشاعرة إيمان مرسال تتقصى خلف أسباب كثيرة ‏أخرى ساهمت في انتحارها التراجيدى ، وتكشف تفاصيل اجتماعية كثيرة منها زواجها الفاشل بشخص لم يتفهم روح ‏الكاتبة لديها ورغبتها بالكتابة والعمل وخوفها من خسارة حضانة  طفلها  بعد رفعها قضية طلاق ضده ‏

 تبحث الكاتبة كذلك عن سيرة مخفية لمرضها ،منذ الطفولة بمرض الاكتئاب وتصل مؤلفة الكتاب ‏إلى المستشفى النفسي الذى عالجت فيه الكاتبة منذ طفولتها لمعرفة المرض الذى عانت منه والأدوية التى كانت تتناولها ‏ومنها الدواء المنوم الذى استخدمته فى الانتحار عن طريق تناولها عشرين حبة منه .

تحاول الشاعرة من خلال كتابها معرفة أسباب غياب، رواية عنايات الزيات عن قوائم الرواية العربية فروايتها واسمها ‏غير موجود فى تاريخ الرواية العربية، وكأن نسيانها وإهمالها ،هو نوع أخر من الرفض لها ككاتبة رغم أن روايتها ‏نشرت  بعد وفاتها بسنوات فى عام1967 م.‏

تقول الكاتبة إيمان مرسال في إحدى فقرات كتابها " بأن تتبع أثر شخص يختلف عن كتابة قصة حياة هذا الشخص، ‏تتبع الأثر لا يعنى ملء كل الفجوات ولايعنى البحث عن كل الحقيقة من أجل توثيقها إنها رحلة تجاه شخص لا يستطيع ‏التكلم عن نفسه ، والحوار معه لا يمكن إلا أن يكون من طرف واحد.‏

لهذا عملت الكاتبة في كتابها عن عنايات الزيات بالبحث والتقصي، عن كل ما يتعلق بالكاتبة المنتحرة  بداية من بيت ‏عائلتها والبيت الذى سكنت فيه، واللقاء مع أختها الوحيدة المتبقية على قيد الحياة والحوار مع جارتها والتواصل مع ‏الفنانة نادية لطفى صديقتها الأثيرة بالروضة والمدرسة الألمانية التي درست كلاهما فيها ، ومعهد الآثار الألماني الذى ‏عملت فيه  وتتحدث المؤلفة عن فحوى روايتها التي لم تبصر النور ،وهى على قيد الحياة ومخطوط روايتها الثانية عن ‏عالم المصريات لودفيج كايمر الذى تعرفت الكاتبة عنايات الزيات ،على مكتبته القيمة عندما عملت بمكتبة مركز الأثار ‏الألماني وعالم المصريات لودفيج كايمر كان ضمن لجنة ،وضع كتالوج المتحف المصري ، وسيرة حياته المهنية ‏حفزت عنايات الزيات على تتبع مسار حياته العملية عبر لقاءته مع علماء وأطباء وبحثه عن الكتب النادرة ،وكأنما ثمة ‏روح متشابهة بين الشاعرة إيمان مرسال التي تبحث وتتقصى عن سيرة كاتبة وسيرة عنايات الزيات التي بدورها كانت ‏أيضا تعد وتخطط لكتابة كتاب عن شخصية عالم المصريات لودفيج كايمر.‏

تقول الكاتبة عنايات الزيات في إحدى الأوراق التي عثرت عليها الشاعرة إيمان مرسال "أنا لا أعنى شيئا عند أحد..إذا ‏ضعت أو وجدت سيان وجودي كعدمه أنا إن وجدت أو لم أوجد لن تهتز الدنيا خطاي لا تترك أثرا وكأنى أمشى على ‏الماء ووجودي لا يراه أحد كأنني كائن غير مرئي"‏

ولكن كتاب الشاعرة إيمان مرسال أخرجها من النسيان والتجاهل، وأعاد لها الوجود من جديد وكأن بمؤلفة الكتاب بكتابها ‏الجميل القيم تقدم وردة وفاء لكاتبة منسية كان يمكن أن يكون لها إنجاز في الرواية العربية بستينيات القرن الماضي لو ‏لم يقوم سدنة الثقافة وقتها برفض روايتها وعدم إعطاؤها فرصة للنشر ، ولو لم تأخذ قرار الانتحار وإنهاء حياتها ‏وهي في أوج شيابها .

الخميس، 16 مايو 2024

بروكلين هايتس ..الذات الأنثوية المتمزقة بين عالمين





إنتصار بوراوي

منذ عقدين تقريبا قرأت روايتين من روايات الروائية المصرية ميرال الطحاوي وهن رواية  "الخباء "ورواية " نقرات الضباء" التي تسرد الروائية  في عوالمهن الروائية تفاصيل مجتمع البدو فى الصحراء الغربية، على الحدود الشرقية فى ليبيا حيث أبدعت الروائية باعتبارها ابنة تلك المنطقة ،فى رسم موروثات وتقاليد المجتمع البدوي ومحاولة بطلات  الروايات التمرد على مجتمع البدو وموروثاته التي تخنق أرواحهن.

فى روايتها "بروكلين هايتس" تكتب الروائية ميرال الطحاوي عن عالم بلدة          " بروكلين"  إحدى بلدات مدينة نيويورك ،وهى المدينة التي انتقلت، إليها الكاتبة لإكمال دراستها العليا ورغم اختلاف نسق روايتها ، عن رواياتها السابقة ،ولكن عالم بدو الصحراء الغربية بارز في الرواية، من خلال سيرة بطلة الرواية "هند" التي تركت بلادها  وسافرت لإكمال دراستها العليا مع ابنها، وعملت مدرسة للغة العربية و أصبح لديها حلم  بأن تكون شاعرة،  فى بلدة بروكلين التي تبرع فى وصف تفاصيلها وعالم المهاجرين العرب الذين تلتقيهم ،فى المنطقة التي استقروا فيها وهم خليط من فلسطينيين ولبنانيين ومصريين ويمنيين يلتقون يوميا ،فى مقهى "ألف ليلة وليلة"  ويبدو اسم المقهى كأسقاط على اسم الرواية الشهيرة وكعنوان لقصص اغتراب العرب في مدينة نيويورك  الأمريكية.

تسرد الكاتبة في فصول روايتها، تفاصيل قصص هجرة بعض  المهاجرين العرب بأمريكا ومنهم نجيب الفلسطيني، من مدينة الخليل والأرمني ناراك وعبد الكريم الكردي  وليليت المصرية، التي غدت تفقد الكثير من ذاكرتها وغيرها من الشخصيات التي تلمسها الكاتبة وتكتب عن عوالمها ،فى بلدة بروكلين ولكن من بعيد دون أن يكون ثمة أحداث مع سيرة بطلة الرواية ،التي تجلس من بعيد تراقب ذلك الجزء من بلدة بروكلين، التي تضج بحياة المهاجرين من جنسيات المختلفة والقهوة العربية التى تجلس فيها لتستذكر، ذكريات بلادها وموطنها التي تركتها خلفها وتستدعيها فى فلاش باك عبر استذكار طفولتها وحياتها، مع والديها وأخوتها التي كانت تسكن قرية في البحيرة اسمها"تلال فرعون" ،وعن رغبتها الدائمة في الهرب من أسرتها  والسفر بعيدا عن قريتها الضيقة، وحتى بعد أن تتزوج تشعر بأن القيد ازداد متانة حول رقبتها بعد اكتشافها لخيانات زوجها المتكررة ،فتترك كل شيء، وتسافر مع ابنها إلى أمريكا ولكنها حتى وهى فى أمريكا ،لا تستطيع الهروب من ذاكرتها وماضي طفولتها وشبابها فى قريتها البدوية ،ومجتمعها البدوي الذكوري الذى رسم تفاصيله على روحها والذى جعلها دائما تشعر بالأثم ،من جسدها فكانت تعمل على تغطية جسدها بالكامل كى تكون أكثر تقوى، في عيون الآخرين وترهق نفسها بالصلاة ولاترفع عينيها  عن الطريق طيلة مشيها مع صديقاتها إلى المدرسة

ولكنها رغم كل ذلك كان شيء في روحها ، يحلم بالتمرد وأن تكون لائقة بدور البطولة وتلبس ملابس مكشوفة وترقص ،مثل زميلتها بالمدرسة زوبة التي تحاول مغازلة مدرس الرسم الذى يحرم رسم الكائنات الحية ،ويطلب منهن رسم الطبيعة فقط ويتظاهر بكراهية زوبة التي تناكشه، و تتعلق هند بمدرسها وتحبه فى الخفاء ولكن بعد فترة تصحو المدرسة على خبر حمل زوبة من مدرس الرسم وهروبهما ثم زواجهما وعودتهما للمدرسة كزوجين.

تسرد الكاتبة في روايتها عالم  القرية القديم ،الذى تستذكره هند بطلة الرواية وكأن جسدها فقط هو الموجود ببروكلين ولكن عقلها وفكرها وذاكرتها، تتحرك هناك فى أقاصي ماضي الطفولة والصبا فى قريتها فبطلة الرواية هند ،التي حققت حلم السفر والخروج من قريتها بداية بالزواج ممن أحبته ثم بالسفر إلى أمريكا، لم تستطيع التحرر من ذاكرتها وروائح الحنين والشجن التي تكتبها عن ماضي حياتها بالقرية فهى لم تمتزج مع حضارة البلاد التى هاجرت إليها ولم.تدخل فى تجارب أو تمازج مع الآخر بل انتبذت مكانا قصيا ،تتأمل عالم البلاد الجديدة لتصف الشخصيات التى تراها وتصادفها أمامها وتصف الشوارع والمباني ،بلغة بصرية جميلة تنقلك لبلدة بروكلين ولكن كل ذلك يتم عن بعد وكأن ببطلة الرواية منقسمة، بين روحين روح تركتها هناك فى القرية مع روائح الأم والأب والأخوة وأهالى القرية، وروح جديدة استقرت فى بلاد المهجر باحثة عن عالم أجمل وأكثر رحابة كما حلمت، قبل سفرها ولكنها  تصطدم بقيم العالم الجديد الذى لا تستسيغ تميعه واستهلاكيته فترفض أن تدخل فى علاقة عابرة ،مع جارها بالسكن لأن روحها مسكونة بهند المتمسكة بمبادئها وقيمها الشرقية، التي استقتها من روح القرية التى ترفض أن تكون مجرد جسد عابر على فراش رجل اشتهاها وحاول أغوائها بتمارين الرقص

تنجح الروائية ميرال الطحاوي من خلال روايتها، فى رسم تمزق امرأة شرقية بين عالمين عالم يغطيها من رأسها حتى قدميها، ويعتبر جسدها وصوتها عورة ومنبع للخطيئة والأثم فيجب أن تحجبه عن الجميع، وعالم أخر يرى فى جسد المرأة متاح وسهل وعابر .

الكاتبة ضمنيا فى الرواية تدين العالمين، فهي لم تجد نفسها فى عالم القرية والبدو ولم تجد نفسها في عالم البلاد الحديثة، التي تهب البشر كل شيء ولكنها تستلب منهم إنسانيتهم وإحساسهم بذواتهم.

في آخر الرواية تموت "ليليت" المرآة المصرية، المهاجرة من بلادها منذ عقود وتعيش مع ابنها الوحيد وزوجته وأولاده ،بعد أن كبرت فى العمر وأصبحت تنسى وتفقد جزء من ذاكرتها وحين تعرض مقتنياتها ،فى ساحة البلدة ،و تدهش بطلة الرواية حين تكتشف بانها مقتنياتها الشخصية وملابس ومقتنيات والدتها القديمة وتختم الروائية الرواية بهذا المشهد السوريالي في إشارة إلى تنبؤ بطلة الرواية بموتها، بعد عقود فى البلاد التي هاجرت إليها وتناثر أشياؤها بين الغرباء وسواح المدينة فى رثائية وصورة واقعية ،لنهاية المغتربين عن بلادهم وموتهم ودفنهم في أوطان ليست أوطانهم.

الرواية رغم اعتمادها الكلى على الذاكرة والذكريات وخلوها من الأحداث إلا إن بها الكثير من الرموز والإشارات والإحالات على علاقة الشرق بالغرب وعلاقة المرأة العربية الممتلئة بزخم هويتها وموروثها الشرقي بالغرب.

الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...