الأربعاء، 11 ديسمبر 2024

عمر المختار ... الحقيقة المغيبة

 

إنتصار بوراوى

يكشف كتاب"عمر المختار . الحقيقة المغيبة" عن حقيقة العلاقة بين البطل المقاوم عمر المختار وإدريس السنوسى وقادة السنوسية من خلال الوثائق التاريخية المتمثلة فى الرسائل المتبادلة بين إدريس السنوسى وعمر المختار بالإضافة إلى ملفات الوثائق الإيطالية خلال أعوام الاحتلال الإيطالى لليبيا والتى تؤكدعن عمق وخلفيات العلاقة وارتباط حركة مقاومة عمر المختار ورفاقه مع الدعم المالى واللوجوستى من السيد إدريس السنوسى وأخوته وابناء أخوته سواء عندما كان السيد إدريس السنوسى داخل ليبيا أو عندما سافر إلى القاهرة بعد انهيار الهدنة مع الاحتلال الإيطالى ويكشف الكتاب عن المفاوضات التى جرت بين عمر المختار والاحتلال الإيطالى فى عام 1929 التى وضع فيها شروطه لانهاء الحرب بتأليف حكومة وطنية ذات سيادة قومية لإقليم طرابلس وبرقة يرأسها السيد إدريس السنوسى وغيرها من الشروط التى تمنح الحكومة الليبية حكما ذاتيا وهو ماحدث مسبقا بعد اتفاق الرجمة وقيام إمارة برقة فى إجدابيا 

من النقاط المهمة فى الكتاب هو الكشف على أن حرب عمر المختار ورفاقه ضد الاحتلال الإيطالى لم تكن تسير بشكل متين وسلس دون خلافات وانقسامات داخل النجوع والقبائل التى انقسمت فى بعض مراحل المقاومة والحرب والقتال إلى نصفين نجوع وقبائل مع المقاومة والحرب ونجوع أخرى كانت تدعو للاستسلام وعدم المقاومة للمحتل لعدم قدرة المقاومين على مواجهة المحتل وجبروت قواته وأسلحته الثقيلة بالإضافة إلى انضمام بعض من شباب القبائل إلى القوة المعروفة با"الباندات "للحرب مع الإيطاليين ضد المقاومين من بنى جلدتهم للاحتلال الأيطالى وهذه النقطة تمثل صفحة سوداء فى التاريخ الليبى .

ورغم أننى قرأت كتب كثيرة عن عمر المختار لمؤلفين ليبيين وإيطاليين من بينهن الكتاب المهم"برقة المهدأة" الذى أسهب فيه غريسيانى بالحديث عن المقاومة وعمر المختار وعلاقته بالسنوسية ولكن هذا الكتاب يكشف زوايا كثيرة مجهولة ونادرة ومهمة تعيد الاعتبار للحقيقة الزائفة والمشوهة التى دامت أكثر من أربعين عام فى إصدارات وترجمات المؤلفين والبحاث الليبيين حول تاريخ المقاومة فى برقة بقيادة عمر المختار وعلاقتها بالسنوسية وماقام به المترجمين الليبيين من حذف كل مايتعلق بالسنوسية والسنوسيين واستبدال مفردات "السنوسية والسنوسيين" من كتب المؤلفين الغربيين بكلمات ومفردات أخرى مثل أعيان ورؤساء القبائل بالإضافة إلى إلغاء عناوين وجمل وصفحات كثيرة من ترجمات المترجمين الليبيين للكتب الإيطالية والغربية التى تتحدث عن علاقة الحركة السنوسية وقاداتها بالمقاومة بالجبل الأخضر بقيادة البطل عمر المختار طيلة صدور تلك الكتب والترجمات خلال حقبة حكم القذافى خوفا من نظام الحكم الذى عمل على محو كل تاريخ السنوسية من ليبيا وتشويهها بالكذب والتحريف والمغالطات التاريخية نتيجة حقد شخصى دفين للأسف كان له تأثير كبير فى مصداقية وموضوعية ونزاهة كثير من المؤلفات والترجمات الليبية لكثير من تلك الكتب وضرب مصداقيتها فى مقتل.

الكتاب يوضح كيف عمل الأمير إدريس السنوسى على توزيع أدوار الجهاد منذ بداية المقاومة وخلال عام1922 فاسند المنطقة الجبلية إلى عمر المختار والذى.سيكون توقيعه نائب المنطقة الجبلية ويساعده زعماء القبائل 

كما أسند رئاسة معسكر برقة الغربية للمجاهد صالح الاطيوش ومساعديه وأسند لواء أجدابيا للقائد قجة بن عبدالله السودانى ومعسكر أخر تحت رئاسة محمد بونجوى المسمارى على ان تعود تبعية كل هذه المعسكرات إلى السيد الرضا السنوسى 

وقام بتعيين صفى الدين السنوسى فى سرت كنائب عنه فى منطقة طرابلس 

ويتحدث الكتاب عن البيعة الطرابلسية لقادة المقاومة فى أقليم طرابلس للأمير إدريس السنوسى كى يتولى إمارة ليبيا بأكملها وهى القشة التى قصمت ظهر البعير وعملت مع أسباب كثيرة أخرى لانهيار الهدنة مع المحتل الإيطالى فى عام1926 واستئناف المقاومة ضد الاحتلال من جديد بقيادة نائب ووكيل إدريس السنوسى عمر المختار فى برقة

كتاب"عمر المختار ..الحقيقة المغيبة" للمؤلف عبدالهادة يوسف هو سفر وثائقى عظيم غنى بالصور والوثائق التاريخية والمراسلات المهمة ومن بين الوثائق المهمة التى ينشرها الكتاب صور الايصالات المالية ورسوم تحصيل الأعشار من القبائل الصادرة من " أى معكسرات سيدى رافع المعروف ب دور البراعصة والدراسة دور " ومن إدارة دور البراغيث وغيرهم من دور ومعسكرات المقاومة بالجبل الاهضر إلى رئيس الإدوار عمر المختار

ويورد الكتاب وثائق أخرى عن أوامر صادرة من القائد عمر المختار نائب السنوسية العام بالجبل الاخضر تقضى بترقية بعض الجنود معه إلى رتب عسكرية "ملازم أولى عسكرى بيادة"ورتبة يوزباشى عسكرى وغيرها من الرتب العسكرية على المجاهدين 

حين تقرأ مسيرة المقاوم والبطل العظيم عمر المختار تتساءل عن سر كل تلك القوة التى جعلته يستمر فى مقاومة ومحاربة عدو شرس قوى يمتلك طائرات وأسلحة ثقيلة وجيوش من جنوده وجنود البلاد التى احتلها بالإضافة إلى جيش من الجنود الاريتيريين فيما لم يكن القائد الشجاع عمر المختار ورفاقه يمتلكون سوى إيمانهم بالقضية وبواجبهم الوطنى فى تحرير بلادهم من المحتل رغم اختلال موازين القوى وضعفها أمام جبروت الاحتلال الإيطالى فهم لم يحاربوا الاحتلال الإيطالى فقط بل واجهوا أيضا القبائل والنجوع التى كانت ترفض الحرب وتميل للسلام والطاعة للمحتل الإيطالى بعد أن أصابها الانهاك والجوع والقحط من استمرار الحرب وتعرض نجوعهم للقصف .

وعندما تولى غريسيانى حكم برقة وبنغازى قام بضربته الأولى للقضاء على حركة المقاومة والجهاد بقيادة عمر المختار بإغلاق الزوايا السنوسية التى وصفها فى كتابه" بأنها مراكز للتآمر ضدنا وكانت مهمتها جباية العشور وريع أوقاف الزوايا وهى تعتبر أجهزةةاتصال بين الأهالى والثوار" وقام أيضا بسجن شيوخ الزوايا السنوسية ثم وضعهم على متن طراد حربى إلى منفاهم بإيطاليا ونفى مع شيوخ السنوسية الامير الحسن الرضا وتم فرض الحجز على جميع أملاك السنوسية باعتبارها كما يقول غريسيانى تمثل دخل يتحاوز 200ألف ليرة فى السنة لذلك يغتبر إغلاق الزوايا إجراء أساسى لتحطيم المقاومة 

السؤال الذى يتبادر للذهن حين يقرأ المرء سيرة عمر المختار ورفاقه فى المقاومة والقتال إلى آخر نفس هوعن السر فى إصرار عمر المختار على المقاومة وعدم خروجه من البلاد إلى المهجر كما فعل قادة المقاومة ضد الاحتلال الإيطالى فى إقليم طرابلس فى نهاية عام 1923 عندما اجتاحت القوات الإيطالية مدن الغرب الليبى وهزمت المقاومة.

إن استمرار عمر المختار ورفاقه من القادة الأبطال فى الحرب ضد الاحتلال الإيطالى إلى أخر نفس وإلى لحظة استشهادهم فى ميادين القتال و آسرهم وإعدامهم كما حدث مع البطل عمر المختار يكمن فى القيادة السياسية والروحية للسنوسية التى كانت الظهر القوى لكل تلك القيادات وللأيمان الذى لم يتزعزع ولم يتضعضع عن قيمة المقاومة والقتال ضد العدو المحتل رغم اختلاف موازين القوى وبالتالى كان القرار الذى اتخذه غرتسيانى بإغلاق الزوايا ومنع الأهالى من دفع الزكاة للزوايا يمثل أكبر ضربة قاصمة لعمر المختار كما يقول ديل بوكا فى كتابه "فخلال أيام وجد عمر المختار نفسه محروما من مساندة الأهالى له ثم حرم من دعم الزوايا التى كانت تمده بحصيلة الأعشار وبإعانات من كل نوع " 

ورغم أن مصير عمر المختار ورفاقه كان فى النهاية هو الاستشهاد والموت دون تحقيق سعيه مع رفاقه لهزيمة إيطاليا وإخراجها من البلاد ولكنهم كانوا طيلة عشرين عام حجر عثرة أمام حلم السيطرة الإيطالى الكامل على برقة وساهم قتالهم للعدو المحتل فى إلحاق الكثير من الخسائر فى أرواح جيشه وجنوده وكانت سيرة عمر المختار شبح يؤرق مضاجع قادة الاحتلال الإيطالى إلى اليوم الذى أعدم فيه و ظلت سيرة البطل عمر المختار ورفاقه مكتوبة بحروف من ذهب و خالدةفى التاريخ الإنسانى لأنهم لم يرضوا بذل ومهانة الاحتلال ولم يستسلموا أو يتركوا البلاد وقاوموا إلى آخر رمق الاحتلال الفاشيستى ليخلد اسم عمر المختار ورفاقه كأعظم المقاومين وأجملهم وأنبلهم على مدى التاريخ الإنسانى وليصبح عمر المختار ورفاقه صورة مشرفة وملهمة لمن يأتى بعدهم فى أى وطن وشعب يتعرض للاحتلال كنبراس مقاومة وكفاح وبطولة حية لاتموت


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...