الجمعة، 21 يونيو 2024

في أثر عنايات الزيات

 

إنتصار بوراوى


يسحرك كتاب "في أثر عنايات الزيات"   بأسلوب عمل مؤلفته الشاعرة إيمان مرسال بالبحث على مدار عدة سنوات ‏حول حياة كاتبة مصرية مجهولة اسمها عنايات الزيات انتحرت في 3 يناير1963م وهى في الخامسة والعشرين ‏من عمرها  .

بدأت مؤلفة الكتاب بحثها عن مقر سكن ‏عائلة عنايات الزيات  وعن  جارة كانت قريبة منها لا زالت على قيد الحياة ، واستقصت عن شجرة نسب عائلة جدها لأمها محمد رشيد باشا ‏واستمرت فى الاستقصاء والبحث ،حتى وصلت إلى مقبرتها البعيدة المنزوية في مقابر عائلة جدها لأمها وعندما عرفت ‏بان هناك علاقة صداقة جمعتها منذ الطفولة ،مع الممثلة نادية لطفى تواصلت مع الفنانة هاتفيا من مقر أقامتها بكندا ثم ‏زارت مصر للقائها والحديث معها عن تفاصيل صداقتها بالكاتبة، وقادها البحث للتعرف على كثير من الشخصيات التي لها علاقة ‏ما بالكاتبة المنتحرة.‏

الكتاب غنى بكثير من التفاصيل عن حياة الكاتبة ،في محاولة لمعرفة أسباب انتحارها المأساوي الذى أرجعه الكثيرون ‏لرفض الدار القومية نشر روايتها  "الحب والصمت" ،ولكن الشاعرة إيمان مرسال تتقصى خلف أسباب كثيرة ‏أخرى ساهمت في انتحارها التراجيدى ، وتكشف تفاصيل اجتماعية كثيرة منها زواجها الفاشل بشخص لم يتفهم روح ‏الكاتبة لديها ورغبتها بالكتابة والعمل وخوفها من خسارة حضانة  طفلها  بعد رفعها قضية طلاق ضده ‏

 تبحث الكاتبة كذلك عن سيرة مخفية لمرضها ،منذ الطفولة بمرض الاكتئاب وتصل مؤلفة الكتاب ‏إلى المستشفى النفسي الذى عالجت فيه الكاتبة منذ طفولتها لمعرفة المرض الذى عانت منه والأدوية التى كانت تتناولها ‏ومنها الدواء المنوم الذى استخدمته فى الانتحار عن طريق تناولها عشرين حبة منه .

تحاول الشاعرة من خلال كتابها معرفة أسباب غياب، رواية عنايات الزيات عن قوائم الرواية العربية فروايتها واسمها ‏غير موجود فى تاريخ الرواية العربية، وكأن نسيانها وإهمالها ،هو نوع أخر من الرفض لها ككاتبة رغم أن روايتها ‏نشرت  بعد وفاتها بسنوات فى عام1967 م.‏

تقول الكاتبة إيمان مرسال في إحدى فقرات كتابها " بأن تتبع أثر شخص يختلف عن كتابة قصة حياة هذا الشخص، ‏تتبع الأثر لا يعنى ملء كل الفجوات ولايعنى البحث عن كل الحقيقة من أجل توثيقها إنها رحلة تجاه شخص لا يستطيع ‏التكلم عن نفسه ، والحوار معه لا يمكن إلا أن يكون من طرف واحد.‏

لهذا عملت الكاتبة في كتابها عن عنايات الزيات بالبحث والتقصي، عن كل ما يتعلق بالكاتبة المنتحرة  بداية من بيت ‏عائلتها والبيت الذى سكنت فيه، واللقاء مع أختها الوحيدة المتبقية على قيد الحياة والحوار مع جارتها والتواصل مع ‏الفنانة نادية لطفى صديقتها الأثيرة بالروضة والمدرسة الألمانية التي درست كلاهما فيها ، ومعهد الآثار الألماني الذى ‏عملت فيه  وتتحدث المؤلفة عن فحوى روايتها التي لم تبصر النور ،وهى على قيد الحياة ومخطوط روايتها الثانية عن ‏عالم المصريات لودفيج كايمر الذى تعرفت الكاتبة عنايات الزيات ،على مكتبته القيمة عندما عملت بمكتبة مركز الأثار ‏الألماني وعالم المصريات لودفيج كايمر كان ضمن لجنة ،وضع كتالوج المتحف المصري ، وسيرة حياته المهنية ‏حفزت عنايات الزيات على تتبع مسار حياته العملية عبر لقاءته مع علماء وأطباء وبحثه عن الكتب النادرة ،وكأنما ثمة ‏روح متشابهة بين الشاعرة إيمان مرسال التي تبحث وتتقصى عن سيرة كاتبة وسيرة عنايات الزيات التي بدورها كانت ‏أيضا تعد وتخطط لكتابة كتاب عن شخصية عالم المصريات لودفيج كايمر.‏

تقول الكاتبة عنايات الزيات في إحدى الأوراق التي عثرت عليها الشاعرة إيمان مرسال "أنا لا أعنى شيئا عند أحد..إذا ‏ضعت أو وجدت سيان وجودي كعدمه أنا إن وجدت أو لم أوجد لن تهتز الدنيا خطاي لا تترك أثرا وكأنى أمشى على ‏الماء ووجودي لا يراه أحد كأنني كائن غير مرئي"‏

ولكن كتاب الشاعرة إيمان مرسال أخرجها من النسيان والتجاهل، وأعاد لها الوجود من جديد وكأن بمؤلفة الكتاب بكتابها ‏الجميل القيم تقدم وردة وفاء لكاتبة منسية كان يمكن أن يكون لها إنجاز في الرواية العربية بستينيات القرن الماضي لو ‏لم يقوم سدنة الثقافة وقتها برفض روايتها وعدم إعطاؤها فرصة للنشر ، ولو لم تأخذ قرار الانتحار وإنهاء حياتها ‏وهي في أوج شيابها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...