الاثنين، 27 ديسمبر 2021

زيت القناديل...رشاد الهوني

 





إنتصار بوراوى

كما عودنا الأستاذ سالم الكبتي باهتمامه الغامر بالحفر في تاريخ الذاكرة المنسية لرواد الثقافة الليبية واصداره للكتب التي تحتفي وتبحث في الجوانب المجهولة لحياة رواد الكتابة والصحافة ببلادنا ،لا زال الباحث مستمرا فى هذا الطريق الصعب حيث صدر له منذ فترة قصيرة كتاب عن رائد من رواد الصحافة الليبية الصحافي “رشاد الهوني” بعنوان ” زيت القناديل رشاد الهوني سيرة ونصوص”


يقوم الباحث والكاتب سالم الكبتى بتصدير كتابه بمقدمة عن الصحافي والأديب رشاد الهوني ذاكرا في مقدمته بأن الكتاب:” خطوة أولى تتوخى الإبانة عن دوره والكشف عن تاريخه وتراثه الأدبي والمهني الذي أهمل ولحق به وبآخرين أمثاله جحود ونسيان غير مبررين، ويتساءل الباحث عن سبب هذا التجاهل والجحود والنسيان لكثير من رواد الصحافة والكتابة في تلك المرحلة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي الذي شهد زخما فكريا ومعرفيا وثقافيا هائلا ظهرت بعض ملامحه فى كثير من الصحف الصادرة في تلك المرحلة والتي كانت أبرزها صحيفة الحقيقة
رشاد الهوني هو من الجيل الذي ولد في ثلاثينات القرن العشرين الجيل الذي شكل ظاهرة في خمسينيات القرن العشرين كما يقول الباحث سالم الكبتى رفقة أسماء كثيرة زخرت بها تلك المرحلة مثل ” عبد القادر أبو هروس، عبد المولى دغمان ، رجب الماجرى ، على الرقيعى ، مفتاح الشريف، يوسف الدلنسى ، على عميش ، عبد القادر القويرى ، كامل المقهور، على وريث، حسن صالح، طالب الرويعى، محمد المطماطى ، راشد الزبير، عمر الشيبانى، يوسف الشريف، الصادق النيهوم، وغيرهم ومن بين كل هؤلاء كما يذكر الباحث بان : رشاد الهونى امتاز فى هذا الجيل بأنه واحد من كتاب المقالة الصحافية فى ليبيا وخارجها ”
ويسرد الباحث لتشكيلة البيئة والأسرة التي ولد بها الصحافي رشاد الهونى التي تعود فى اصولها الى مدينة هون بالجنوب الليبي ثم هاجرت لفترة للإسكندرية بجمهورية مصر العربية مع الوالد الشيخ : البشير السنوسي الهوني الذى أصدر عدة مؤلفات في مصر منها ” ليس فى الإمكان أبدع مماكان” و” النور الساطع والبرهان القاطع في الرد على المبشرين “وكتاب ” البحث الجليل فى تناقض آيات التوراة والأنجيل” و” الاتحاد الأوربي والغرض منه” و”مذكرات سائح” وسواها من مؤلفات اتجهت في مجملها لطرح ومناقشة موضوعات فكرية تختص بالدفاع عن الأسلام”ص18
ويذكر الكتاب بانه لم يكن الوالد فقط له تأثير على شخصية وفكر وتكوين الصحافي رشاد الهونى وإنما كان أيضا لدعم ومساندة أخوه الكبير محمد دور كبير في صقل شخصية الصحفي رشاد الهوني وخاصة بعد ان قام بتأسيس صحيفة الحقيقة في 7-3-1964 التي أصبح الصحافي رشاد الهوني مديرا لها في عام 1966 وكتب فيها مقالته الأسبوعية الثابتة بعنوان ” من يوم ليوم””
وصحيفة الحقيقة تأسست عام 1964 وتوقفت مطلع 1972 ولأن الصحافي رشاد الهوني كان مغرما ومولعا بمهنة الصحافة فلقد أسس في لندن عام 1977 صحيفة العرب استكمالا لحلمه الصحفي الذي انقطع عام 1972
في الباب الثاني من الكتاب تكتب الصحافية والإذاعية “حميدة البرانى” مقالة عن زوجها الراحل ” رشاد الهونى” مبينة خفايا من مواقفه الإنسانية مع الأخرين وفى مقالتها كتبت السيدة حميدة البراني بمنتهى الحب والعرفان للجميل للزوج والأنسان قبل الصحفي والأديب الذي يعرفه الناس حيث كتبت:
وأنا أكتب عن رشاد الهوني فأنى أجد نفسى عاجزة عن التجرد والحياد عجزت أن أراه بغير عيون المحبة
وبغير قلب العاشقة
وبغير وفاء التلميذة والمريدة
ثم تسرد الصحافية حميدة البرانى” لمسيرة الحياة رفقة رفيق العمر لمدة 27 عاما الذي كان كما تقول الصديق والمعلم وكل الأهل
وتحدثت الإعلامية حميدة البراني عن تأسيس صحيفة العرب في عام 1977 والخروج منها فى عام 1979 ولكن الشي ء المفقود في كتاب زيت القناديل “والحلقة المفقودة في سيرة الصحافي رشاد الهوني في الكتاب والتي لم يذكرها الباحث والكاتب الأستاذ سالم الكبتي أو زوجته و الكتاب الأخرين الذين قدموا شهادات عن الصحافي الراحل هي جزئية التحدث عن أسباب ترك واستقالة الصحافي رشاد الهوني من صحيفة العرب التي قام هو نفسه بتأسيسها!
ويكتب الأستاذ ” سالم قنيبر ” عن رفيق وصديق عمره رشاد الهونى ستة مقالات مطولة ولكن الأستاذ سالم قنيبر حشد مقالاته الثلاث الأولى بكثير من نصوص الكتب عن الموت عند المصريين واليهود والمسلمين ولا اعرف ما علاقة ذلك بالكتاب !
وفى مقالته الرابعة ” قبل أن تصدر الحقيقة ” يعود الاستاذ سالم قنيبر بذاكرته ليسرد مسيرة الصداقة و العمل مع رشاد الهوني فى بنغازي عام 1958 عندما عين مسجل لكلية الآداب بجامعة بنغازي فيما عين رشاد الهوني مسجلا لكلية التجارة والاقتصاد ويفصل الأستاذ سالم قنيبر في مقالته الرابعة لملمح عام عن الحال الثقافية والصحافية والتعليمية لمدينة بنغازي في تلك الفترة وعن انتقاله للعمل رفقة رشاد الهوني في عام 1962 الى “شركة أسوا” فى البريقة وعن تأثر الصحافي والأديب رشاد الهونى بالجو العام لهذه الشركة النفطية وكتابته لقصة اقرب للمقالة عن تأثير ظهور النفط فى البلاد وهو لم يكن قد تجاوز عامه الخامسة والعشرون من عمره
ويفسح الكتاب أيضا مجالا لمقالة كتبها الصحافي اللبناني ” سمير عطالله” عن فترة عمله بصحيفة الحقيقة التي لم تدوم سوى سبعة أشهر فقط ولكنها كانت كافية لتظل راسخة في ذاكرته ليكتب عنها بعذوبة وحنين بعد أربعين عاما ذاكرا فيها بعضا من تفاصيل عمله اليومي بصحيفة الحقيقة
ويكتب الدكتور ” محمد أحمد وريث” عن فترة عمله بصحيفة الحقيقة وتفاصيل العمل بالمطبعة الحكومية في مقرها القديم بجانب مستشفى الصدرية قبل ان تكبر الصحيفة وتصبح “دار الحقيقة” ويصبح لها مطبعة بالفويهات الغربية وتتحول الى جريدة يومية مشهورة وواسعة الانتشار
ويدلى كل من الشاعر عبد الرزاق الماعزى وابوبكر الهوني وحسن فؤاد وبكر عويضة شهادات قصيرة سريعة عن بعض تفاصيل مقاربتهم للصحافي رشاد الهوني وعن دور صحيفة الحقيقة كصحيفة مستقلة بتلك الفترة في كشف كثيرمن الفساد وعن الرواج الذي حظيت به الصحيفة خاصة حين كان يكتب بها الكاتب صادق النيهوم مقالاته النارية والناقدة للمجتمع الليبي
الجزء الثاني من الكتاب يفرده الباحث والكاتب ” سالم الكبتى” لنشر جزء من كتابات الصحافي والأديب رشاد الهوني في مجال القصة القصيرة و المقالة الصحافية حيث احتوىالجزء الثاني من الكتاب على 18 قصيدة شعرية و14 قصة قصيرة وأكثر من 60 مقالة صحافية نكتشف حين نقرأها بتمعن مدى قوة وصلابة الصحافي رشاد الهوني في طرح كثير من المواضيع التحى تهم رجل الشارع العادي والتي تناقش تفاصيل حياته اليومية ومشاكله الاقتصادية والاجتماعية في ستينيات القرن الماضي بروح وثابة لا تعرف في الحق لومة لائم كاشفا أوجه الفساد في بعض الأجهزة الحكومية والشركات كما في مقالته ” ماذا يزرع السماسرة ” التي اظهر فيها حقيقة ما يجرى داخل شركة أسوا النفطية ، كما نقرأ من بين مقالاته مقالة قوية يدافع فيها رشاد الهوني عن كتابات الصادق النيهوم ويوسف القويرى وغيرها من المقالات التي هي غيض من فيض كتابته لمقاله الأسبوعي الذى يذكر فى تاريخ الصحافة الليبية باعتباره صاحب اسلوب مميز يجمع بين المعلومة والخبر والفكرة المختزلة دون إسراف أو تطويل أو قصر مخل بالمواضيع التي يطرحها أمام الرأي العام الذى كان يتابع صحيفة الحقيقة بشغف
كتاب ” زيت القناديل ” للباحث والكاتب سالم الكبتي هو كتاب يستحق القراءة وينبى ء عن جهد شخصي لمعده ومن المفترض ان تكون هناك مؤسسات ثقافية تتكفل بمثل هذا الجهد الذى يقوم به الباحث سالم الكبتي بحب وعشق للتاريخ الليبي في كافة المجالات بعمله في صمت وبعيدا عن الأضواء وبدون ضجيج وبحب لجميع من أعطى بصدق وحب لليبيا ونام في أروقة الجحود والنسيان الليبي المعهود.

 

الأحد، 26 ديسمبر 2021

فيروز جارة القمر


إنتصار بوراوى

مالذى جعل فيروز متفردة بين كل المطربات العربيات ؟ولماذا كل عام فى مثل هذا اليوم يحتفل العرب بيوم ولادتها من بين كل الفنانات العربيات الأحياء منهن والأموات على مر تاريخ الغناء العربى ؟
يبدو السؤال غريبا لأننا تعودنا على أن نحب فيروز دون أن نسأل عن ماهية السر الفيروزى ولكن الإجابة موجودة ومتاحة فنحن لانسأل كيف ينهمر المطر أو كيف تتلاعب الغيوم فوق صدر السماء الزرقاء أو كيف تتلاطم أمواج البحر !
هذه هى فيروز وكأنها جزء من الطبيعة وليست محض بشر لأنها جمعت فى صوتها وغناؤها كل هذه العناصر الطبيعية الموجودة على الأرض منذ الأزل وهضمتها فى جسدها النحيل وروحها الشفافة ثم وهبتنا صوت الطبيعة فى كافة تجلياتها عبر مسيرة غناؤها الطويلة .
فيروز تاريخ طويل من الغناء فى كافة أشكاله وأنواعه وفيما أتصور لم تجمع مطربة عربية فى غنائها مجموعة مواضيع مختلفة وثرية كما فعلت فيروز مع الرحابنة ،فهى غنت أغانى الصباح ،والأغانى المصاحبة لقهوة المساء ،وأغانى الحب والأشتياق والأنتظار وأغانى لوعة الحروب ،وأغانى الدعوة للسلام وشجب الحروب
كما قدمت كل الألوان الغنائية سواء الطربية أو الخفيفة والأغنيةالمقتبسة من الألحان الغربية ،والقصائد القوية لكبارالشعراء العرب والموشحات الأندلسية والأغانى الوطنية عن لبنان وفلسطين وسوريا ومصر ،وقدمت مجموعات مسرحيات غنائية كاملة لانظير لها فى المسرح العربى ،هى بذلك طاقة غنائية من الحياة والنور هائلة عصية على الوصف .
ولكن مالذى يجلبه صوت فيروز لمشاعرنا وأحاسيسنا ؟
صوت فيروز يجلب لنا صوت حفيف الشجر ..صوت هبوب الرياح فى ليالى الخريف حتى تكاد تسمع صوت خشخشة الأوراق المتساقطة من الشجر ..
صوت فيروز هو صوت الغابات..صوت خرير الأنهار ..صوت الينابيع ..صوت المطر ..صوت زقزقة العصافير فى الصباح المشرق البهى، صوتها يجعلك تستنشق رائحة طين الأرض فى الأحراش والجبال والغابات وتلمس قطرة الندى فوق الزهور والورود المتفتحة للحياة ،هى رقة المرأة فى قمة تجليات العشق ،وصوت سمو ورفعة المرأة وكبريائها دون قواميس الغيرة وحب الأنتقام أو الشكوى من الخيانة التى تعج بها الأغنية العربية،لأن الأغنية الفيروزية هى أغنية مصنوعة من الخيال والحلم لا علاقة كبيرة لها بالواقع البشرى بل هى أقرب للحلم والخيال ،فالحب فى الأغنية الفيروزية هو حب رفيع ومتعال وكبير وشاسع وأكبر من المشاعر الضيقة وأقصى صورة له فى تمرده على الحبيب هو فى العتاب اللطيف و”ضاق خلقى ياصبى”
أو فى الحنين للماضى “فى كانوا ياحبيبى” وصوت الحاضر والمستقبل فى “ياسلام على بكرة ياسلام”
صوت فيروز هو صوت الحالم بالحرية و”ياحرية يازهرة برية ياحرية”
صوت فيروز ..هو صوت الشوق الذى لعب وتلاعب فى قلوبنا فى صباحات الشتاء الممطرة،وصوت الحنين فى ليالى الشمال الحزينة
وكما تقول فيروز :
شو بيبقى من الليل
وشو بيبقى من الشجر
وشو بيبقى من الشوارع
وشو بيبقى من السهر
من الحكى ومن الضحكو من البكى
أكيد الذى يبقى هو صوت فيروز ،فوق الأزمنة وفوق الأمكنة وفوق كل التغيرات وتقلبات الوجود
فيروز هى صوت الناى الذى يبقى بعد أن يفنى الوجود
فيروزتنا الجميلة ..كل عام وأنت بخير ياقيثارة السماء .

الخميس، 23 ديسمبر 2021

استنساخ الروايات الكلاسيكية

 


إنتصار بوراوى

كتابة أجزاء تالية لكل ما ينجح في جانب الإبداع الإنساني  من فنون  مختلفة سواء كانت أفلام  سينمائية أو مسلسلات تلفزيونية  ، هي موضة رائجة في سوق الشركات العالمية التي تستثمر النجاح والرواج  للجزء الأول من  أي  عمل فنى بالاستمرار لإنتاج أجزاء  تالية منه  ،ولكن  هل من المجدي  ان  تطال هذه اللعبة الانتاجية  أيضا  الروايات  الكلاسيكية القديمة ،التي  كتبت في فترات تاريخية سابقة لم تكن فيها الشركات الكبرى،ن قد استحوذت على أسواق العالم عبر العولمة الاقتصادية من شبكات تلفزيون وسينما ، وأنترنت وغيرها من شبكات الاعلام المختلفة فى العالم

الا يساهم ذلك في إزالة ذلك السحر الجميل لتلك الروايات الخالدة التي تركت أثر   إبداعي على مر الزمن بروح مؤلفها وكاتبها الأصلي وبروح الزمن الذي كتبت ضمن سياقه النفسي والتاريخي .

 مثلا هل نستطيع ان نزيح من الذاكرة صورة سكارليت الشقية المتمردة  بطلة رواية  ” ذهب مع الريح ”  للكاتبة الأمريكية مارغريت ميتشل،  بنهايتها المفاجئة والمعلقة على عتبة الزمن كسؤال يتيم ومفجوع  دون اجابة، وهى النهاية التي جعلت الرواية تكتسب قوتها وبريقها وشغف ،عشاق الفن الروائي العالمي بها لأنها نهاية ربما اكثر غنى ومعنى دلالي جمالي و تأثيري، من النهايات التقليدية لكثير من الروايات العالمية ولأنها اقترنت بقصة حب مشاغبة جميلة ،كانت هي مصدر التشويق والجمال بالرواية وما كان لها سوى  أن تشبه سوى ابطالها فقط.

وهل حصد الجزء الثاني من الرواية نفس النجاح للرواية الأم المكتوبة بقلم وروح وفكر كاتبتها؟

لا طبعا لم يحصد الجزء الثاني من الرواية، الذى كتبته  الكاتبة الأميركية الكسندرا ريبلينفس عام 1991م نفس نجاح الجزء الأول، الذى كتبته مؤلفته الأصلية لأن بصمة  فكر وخيال الكاتب الحقيقي للعمل الأصلي، مثل بصمة الأصبع لكل انسان على هذه الارض مستحيل  وجود  نسخة أخرى تطابقها عند أي انسان اخر  كذلك فأن الرواية التي يكتبها الروائي  ، لن  تتكرر مرة اخرى مهما استجلبت   دور النشر الكبيرة احدث الورش الفنية  من كتاب مهرة لاستنساخ، أجزاء أخرى مكملة للنص الأصلي لأن النكهة الحقيقية للرواية، بكل عناصرها الفنية التي  كتبت ضمن سياقها التاريخي والنفسي  ،مستحيل ان تتكرر مرة اخرى مهما جند الكاتب الثاني للرواية خياله وفنه وقدرته الابتكارية  لإضفاء بهارات المتعة والجذب للجزء الثاني منها.

حين قرات منذ أيام بأن ثمة تخطيط حالي لإصدار جزء ثاني من رواية” ربيكا”   للكاتبة الانجليزية “دافن دى موريه “، ستكتبها كاتبة انجليزية منتقاة سرح بي خيالي لذكرى وطعم تلك الرواية المرهفة المشاعر العابقة بالجمال الصافي الخلاب لروح بطلتها البسيطة الشفافة التي وهبت الحب المطلق للزوج الغامض الذي أبدع في نسج صورته كرجل محب يحيا على ذكرى زوجته السابقة، لتصدم البطلة في نهاية الرواية باكتشاف جثة الزوجة التي قام الزوج بقتلها.

 طبيعة السرد الروائي للرواية الرائعة  ” ربيكا”  وضع القارئ في جو من جمالية المكان الريفي الذي ابدعت الكاتبة في رسمه، لينطبع في ذهن قارئها وكأنه يتأمل لوحة للفنان الفرنسي “مونيه”، حيث  الوصف البارع  للطبيعة الخلابة والاشجار المتهادية بحفيفها المتأرجح على عتبة الزمن، بلغة  سردية  شفافة ندية .

 كاتبة الرواية هي الانجليزية دافن دو مورييه التي ولدت عام 1907 وهي ابنة الممثل المسرحي الانكليزي الشهير جيرالد دو مورييه

 كان أول كتاب لها عن والدها بعنوان: صورة قلمية”، ولكن روايتها ربيكا نالت النجاح لأنه ثمة روح جمالية شفافة لبطلة الرواية تعبق من كلماتها المتسللة عبر أحداث الرواية كما في هذا المقطع من الرواية : لقد تأكدت الان ان السعادة ليست شيئا يباع او يشترى او يمنح وليست هي المال او القصور بل هي نوعية التفكير وراحة البال.

جمالية الرواية الكلاسيكية تكمن في إنها كانت أمينة لروح عصرها، ومعبرة عن روح الزمن الذى كتبت فيه،  ذلك الزمن  الذى لم يكن قد  شهد تشظى الانا الانسانية في عالم اليوم  المتصارع والمتسارع ، والذى  تحللت فيه القيم  الإنسانية  وغدت  القيم الاستهلاكية واللهاث خلف الماديات ، هي  سمته  البارزة والذى رصدته الرواية الحديثة   عبر   صياغتها لأشكال جديدة ،عبر ثيمات أسلوبية متجددة من المونولوج الداخلي الى الرموز والاستعارات ،ومن خلال بنية سرد حداثية تعتمد على التشظي واللعب بالزمن والشخصيات أيضا، بخلاف أمهات  كلاسيكيات الروايات العالمية الواقعية التي تعتمد على حدث واحد تدور حوله الرواية بكل شخصياتها القليلة وهو الأسلوب الذي تجاوزته كل أنواع الروايات الحداثية.

ربما لهذا لازالت مثل هذه الروايات تجد النجاح بين القراء الجدد عند كل طبعة جديدة لها باعتبارها صدى لروح أزمنة كانت تحتفى بروح الانسان قبل أي شيء و غدا البحث عن هذا الصدى الغابر ، كالبحث عن زمن بروستى ضائع لن  يعود وكل محاولة لاستنساخ مثل هذه الروايات  العالمية، بكتابة  اجزاء جديدة منها غبر مؤلفين أخرين لن يبعث روح الحياة بشخصياتها التي  بقيت حية بذاكرة قرائها بقوة وتأثير أسلوب وفكر ووهج خيال روح كاتبها الأصلي.

رباب أدهم.. ودروب الحياة بين عمان وبيروت وطرابلس

 


إنتصار بوراوى

في كتاب “دروب الحياة” للسيدة رباب أدهم تتجلى السيرة الذاتية التي تؤرخ لمسيرة حياة امرأة تعتبر رائدة من رائدات العلم والتعليم بليبيا وناشطة فى مجال حقوق المرأة فى خمسينيات القرن العشرين عبر جمعية النهضة النسائية

تبدأ المؤلفة كتابها وسيرتها الذاتية بالحديث عن والدها من خلال سردها لسيرة حياته وتفاصيل انضمامه الى صفوف المجاهدين في بلدته التي خاض فيها عدة معارك ضد الإيطاليين صحبة أبناء عشيرته “المداهنة” من قبيلة اولاد غيث ومطاردة القوات الإيطالية له ومحاولة القبض عليه وإحراق ممتلكاته ومنازل أسرته ومزارعها فى زليتين.

وتذكر الكاتبة فى كتابها “دروب الحياة” بأن والدها ولد فى طرابلس وتلقى تعليمه الابتدائي في مدارسها العثمانية وأثناء ذلك، التحق والده بالجيش التركي وترقى الى رتبة ضابط وبعث فى مهمة عمل إلى إسطنبول، ثم سوريا فاصطحب معه أسرته وهناك فى سوريا واصل والدها دراسته بالمدارس التركية فى سوريا.

 جمعية الدفاع الطرابلسي البرقاوي

تتحدث الكاتبة فى هذا الجزء من السيرة عن جمعية الدفاع الطرابلسي البرقاوي التي تم أنشاؤها فى دمشق والتي أنضم إليها، والدها بعد هجرته من ليبيا الى سوريا وتفصل نقاط الوثيقة التي ذكرت فيها أهداف الجمعية، ومنها عرض جرائم الاحتلال الاٌيطالي وطلب المؤازرة من دول العالم للخلاص، منه وتكونت اللجنة التنفيذية من الأعضاء المؤسسين: بشير السعد اوى،عمر شنيب، عبد الغنى باج فنى،فوزى النعاس وبعد السلام ادهم وآخرون وانتخب بشير السعد آوى رئيساً لها والسيد عبد السلام ادهم نائبا له في رئاسة فرعها بالأردن.

 هجرة العائلة إلى الأردن

تمضي السيدة رباب أدهم في سرد تفاصيل حياتها بذاكرة يقظة، لتروى تفاصيل حياتها منذ أن أستقر والدها، في الأردن بقرية “المفرق” فى عام 1925 وزواجه من والدتها الليبية أبنة الأسرة التي هاجرت إلى عمان بعد الاحتلال الإيطالي لليبيا وهى عائلة الحاج “محمد المبروك الجهمى” وتم زواج والدها ووالدتها فى عام 1933حيث تركت والدتها بيت والدها في عمان واستقرت مع زوجها في قرية “المفرق”

 الحياة فى الأردن بين قرية “المفرق” و“عمان

تصف الكاتبة بدقة متناهية البيت ،الذى قطنت به العائلة في قرية المفرق ومدرستها الابتدائية وتفاصيل مدرساتها وأسماءهن، وطريقة ملابسهن والأحداث اليومية بالمدرسة وصديقات الطفولة، والحياة بالقرية والصلة بالجيران الذين كان منهم بعض العائلات الليبية التي هاجرت للأردن، مثل أسرة على باشا العابدية، ومحمد على الأوجلى، ومحمد بن عيسى وغيرهم، ثم تتحدث الكاتبة عن انتقالها للعاصمة عمان حيث بيت جدها للالتحاق بالدراسة، في المدرسة الثانوية للبنات لعدم وجود مدرسة ثانوية فى قرية المفرق، وتسرد السيدة رباب أدهم بأسلوبها الشيق الجميل تفاصيل كثيرة عن الحياة فى بيت جدها لأمها وهى العائلة الليبية من “آلِ الجهمى” التى هاجرت الى الاردن هربا من الاستعمار الإيطالي.

في بيت جدها بعمان تنطلق رباب لحياة أكثر أتساع ورحابة، من حياتها مع أهلها بقرية المفرق حيث الاجواء المتفتحة في العاصمة عمان،فى أواخر أربعينيات القرن العشرين وتصف بدقة شوارعها ومبانيها مدرستها الثانوية وأسماء صديقاتها وذهابها معهن الى السينما والمسرح ، وصف المؤلفة الدقيق للأشخاص والمدينة تجعل  القارئ يصاب بالدهشة من قوة ذاكرة المؤلفة اليقظة التي تسرد كثير من التفاصيل الدقيقة التي قد يتصور المرء بأن الذاكرة قد تسقطها بفعل طول المدة الزمنية ولكن ذاكرة الكاتبة حاضرة بدقة، وبأسلوب سردي جميل وسلس تصف المؤلفة أجواء التفتح  والنشاط الفكري والثقافي لمدينة ،عمان في اربعينيات القرن العشرين حيث تتحدث بحب عن مدينة عمان :

“مدينة عمان تتميز بخاصية قد تكون الفريدة من نوعها في العالم العربي فهي محاطة بالجبال من كافة النواحي ومعظم، بيوتها مقامة على تلك الجبال وكنا ونحن صغار نصعد تلك الجبال مشياً على الاقدام، لندرة المواصلات العامة من جهة ولعدم امتلاك أسرنا للسيارات التي كانت قِصراً، على فئة محدودة جداً من الناس

بيوت عمان القديمة التي بناها الشركس، كانت في اغلبها خشبية وما عاداها من بيوت يستخدم الحجر في بنائها على نطاق واسع، وهذا ما يكسب منازلها صفة الفخامة فالحجر يضفي على المباني طابع الأُبهة والفخامة

ومنزلنا في شارع الهاشمي كان يقع عند سفح جبل الجوفة قريباً من المدرج الروماني وفندق فيلادلفيا العريق، وغير بعيد عن سيل عمان وللوصول الى شارعنا أو بالأصح حارتنا السكنية المتفرعة من الشارع الهاشمي كان لزاما علينا اجتياز جسر صغير مقام فوق السيل هذا الجسر لا يغادر مخيلتي ابداً – جسر العسبلي فقد كنت اجتازه كل يوم في طريقي الى المدرسة، والعودة منها أوللذهاب الى أي جهة أقصدها وكثيرا ما كان يحلو لي الاتكاء، على إحدى حافتي الجسر والنظر الى مياه السيل المتدفقة تحته ورؤية الأطفال، في فصل الصيف وهم يسبحون ويمرحون وفي منطقة غير بعيدة عن منزلنا كان يوجد نبع للمياه، يقصده البعض ممن لم تصل شبكة المياه بيوتهم للتزود بالماء “

وتتحدث الكاتبة أيضا عن التقاليد العائلية للجيران، والصديقات من شركس وفلسطين وأردنيين وتقاليد وعادات الأردنيين في رمضان ،والاحتفاء به بعمان في أواخر أربعينيات القرن العشرين إلى نهاية دراستها الثانوية في عام 1953 والتي توجت بحصولها على الشهادة الثانوية، ومن ثم قرار والدها للعودة إلى ليبيا بعد الاستقلال لعمله مع حكومة الاستقلال، واستقراره في الوطن وتصف المؤلفة مشاعر الأسى والحزن التي انتابتها فى يوم مغادرتها للأردن ،التي ولدت فيها ودرست فيها المرحلة الابتدائية والثانوية و تذكر الصعوبة التي وجدتها في ترك حياتها وعالمها وصديقاتها والأردن التي كانت بمثابة الوطن بالنسبة لها.

العودة إلى ليبيا

ويستمر مشوار التعليم في حياة المؤلفة، حيث كان والدها مصرا على تعليمها وأخواتها إلى أعلى المراحل الدراسية، وذلك يعتبر تفكير متقدم في ذلك الزمن حيث كان والدها منفتح بتفكيره، ويحمل احترام كبير للمرأة ويؤمن بمساواتها بالرجل وعدم اختلافها، عنه في قدراتها العلمية والتعليمية لذا كان أصراره على ضرورة مواصلة أبنته، دراستها للمرحلة الجامعية، وقام بتسجيلها فى طلب البعثة للدراسة الجامعية في الجامعة الامريكية فى بيروت وذكرت المؤلفة بعض تفاصيل تسجيلها فى البعثة من خلال ألأسطر التالية:

لقد رأى والدى أن تكون دراستي في جامعة انجليزية او أمريكية لإيمانه إن أتقان لغة اجنبية تمنح الشخص فرصا لإثراء ثقافته وحانت الفرصة حينما أعلنت النقطة الرابعة عن نيتها إيفاد طلبة وطالبات للدراسة على نفقتها بالجامعة الامريكية فى بيروت وتقدمت بأوراق وقبلت وحصلت على البعثة فى بداية اكتوبر سنة 1954 وكان معى أربعة من الطلبة الليبيين هم كامل عريبى، بشير بلاوين، محمد جميل، زهري المنتصر وزميل من بنغازى المهدى المطردى

وبهذا تعتبر السيدة رباب أدهم من الطالبات الرائدات الليبيات في الدراسة بالجامعة الامريكية في بيروت وحققت السبق كأول فتاة ليبية تدرس ببالجامعة الامريكية فى بيروت الأمريكية.

لبنان والدراسة فى جامعة بيروت الأمريكية

تستمر الكاتبة بأسلوب سلس ودقيق في، رواية تفاصيل دراستها بالجامعة الامريكية ببيروت وحياتها في القسم الداخلة للبناتـ، مع زميلات الدراسة من سوريا ولبنان ويظهر بوضوح سعة الفكر والتفتح الذهني ،المبكر للمؤلفة التي ترجع لولادتها و تربيتها في بيت متفتح، يحض على العلم والمعرفة وعلى استقلالية المرأة ومواصلتها لتعليمها فى بلد بعيد، فهي لا تجد صعوبة أبدا في التأقلم مع حياة الغربة واندمجت مع الحياة الجامعية ومع زميلاتها وزملاءها الطلاب، بكل أريحية وانسجمت مع أجواء بيروت وكانت كما تذكر في  سيرتها تقضى ،أغلب عطلاتها السنوية بالسفر وحدها إلى بيت جدتها في عمان أو بالسفر، إلى بيت صديقتها في مدينة حمص وأحيانا تبقى في القسم الداخلي وتقضى وقتها، في التجول مع صديقاتها في الاسواق او الحدائق ومسارح ودور السينما ببيروت ،وتكشف المؤلفة عن توجهها الناصري واتجاهها القومي العروبي نتيجة تأثرها البالغ، بشخصية جمال عبد الناصر في تلك الحقبة من عقد الخمسينيات التي كانت تضج، بالأحداث السياسية الكبيرة بالوطن العربي وبالفكر العروبي القومي والناصري، وتنهى المؤلفة فصول سيرتها عن دراستها في الجامعة الأمريكية ببيروت بلحظة تخرجها، بعد أربع سنوات ونصف من الدراسة لتتحصل على بكالوريوس التربية في علم التاريخ فى فبراير عام 1959، لتعود بعد ذلك لليبيا للعمل كمدرسة في معهد المعلمات وثانوية طرابلس للبنات.

 جمعية النهضة النسائية

بعد أن قامت السيدة حميد العنيزى بتأسيس جمعية النهضة النسائية في بنغازي وانضمت إليها مجموعة من رائدات العمل النسائي، أفتتح فرع لها بطرابلس ترأسته مجموعة من الأخوات صالحة ظافر، عائشة الفقيه حسن، سيدة الفقيه حسن، خديجة عبد القادر وغيرهن وأثناء عطلة السيدة رباب أدهم صيف 1957 و1958 كما تقول السيدة رباب فى كتابها تم انضمامها إلى الجمعية التي أصبحت بعد سنوات سكرتيرة ثم رئيسة لها

 تعيينها مديرة معهد المعلمات ومدرسة طرابلس الثانوية

وتسهب السيدة رباب ادهم في سرد، سيرتها الذاتية في هذه المرحلة التي حصل بها إصدار قرار تعيينها مديرة لمعهد المعلمات، ومدرسة طرابلس الثانوية فى عام 1962لتبدأ ً بذلك مرحلة عطاء طويلة للتعليم، ولتكون بذلك أول ليبية تتولى منصب مديرة معهد المعلمات وثانوية طرابلسً للبنات، بعد قرار تلييب الإدارة في بداية ستينيات القرن العشرين، ورغم جسامة المهمة وخاصة لأنها كان عليها الاهتمام بالبيت أيضاً بعد زواجها وإنجابها أول أبناءها، إلا إن دعم زوجها الإذاعي المثقف السيد عيسى بالخير، كان له دور بقيامها بمهمتها في إدارة المعهد والمدرسة بنجاح وفى العمل كسكرتير رئيسة جمعية النهضة النسائية فى طرابلس، وقيامها بمهمات في الجانب الاجتماعي للمرأة، وحضورها مع رائدات الجمعية النسائية في بنغازي وطرابلس ومشاركتهن فى الملتقيات النسائية للمرأة مثل مؤتمر الاتخاذ النسائي التونسي عام 1960 ومؤتمر المرأة الأفريقي-الأسيوي سنة 1961

  سيرة حياة السيدة رباب أدهم التي سردتها بأسلوب قصصي جميل في كتابها “دروب فى الحياه ” هي  قصة حياة رائدة من رائدات التعليم في بلادنا أعطت للوطن حصيلة دراستها وتعليمها العالي في بواكير، بناء دولة الاستقلال وقادت صرح مؤسسة تعليمية خاصة بالفتيات في فترة زمنية، كان تعليم الفتيات فيها يعد عيبا ومن المحرمات ولكن السيدة رباب ادهم بعقلها وفكرها، وعلمها صنعت اسم للمرأة الليبية وكان يمكن لعطاءها أن يستمر لو لم  يحدث الانقلاب  في عام 1969، الذى عمل على التدخل فى الشأن التعليمي وفرض في عام 1976على طالبات الثانوية والمعاهد حصص الدراسة العسكرية وارتداء الزى العسكرى،وأقحم اللجان الثورية في مسيرة العلم والتعليم والمدارس بعقد دوراتهم العقائدية، التي شوهت العملية التعليمية فى ليبيا وعدم احترامهم لمسيرة السيدة رباب ادهم ،واحترام قرارتها وحريتها في إدارة المدرسة كما كانت تفعل في العهد الملكي، ووصلت ذروة التخريب للتعليم في ليبيا وفوضويته حين صدرت قرارت الزحف الثوري، على مؤسسات الدولة وإدارتها من عناصر اللجان الثورية الذين لا علاقة لهم بالتخصص فكان يوم الزحف على إدارة المعهد في عام 1981،ونتيجة لكل هذه القرارات التخريبية الفوضوية الممنهجة للتعليم قررت السيدة رباب أدهم التقاعد ثم سافرت مع زوجها بعد خسارة شركته وأعماله نتيجة الزحف الثوري أيضاً إلى مصر،ثم إيطاليا ورجعت في بداية ثورة 17 فبراير لتكتب سيرة حياتها العلمية والتعليمية، التي توثق لتاريخ نضالي للمرأة في مجال العلم والتعليم وحقوق المرأة، عبر نشاطات جمعية النهضة النسائية وهو كتاب سيرة ذاتية  ويعتبر أيضا  وثيقة أرخت لمراحل وعقود طويلة من العمل المهني والاجتماعي من خلال سرد أدبى بسيط وسلس وجميل.

دار الكتب الوطنية …. ذاكرة الوطن المهملة

 

انتصار بوراوي

المكتبة الوطنية حسب تعريف خبراء اليونسكو هي المكتبة التي لديها واجب جمع وحفظ الإنتاج المكتوب لأي دولة خدمة لصالح الأجيال القادمة ولهذا سميت المكتبة الوطنية بالمكتبة القطرية، أي المكتبة الخاصة بقطر ما وواجباتها محددة في جمع الإنتاج الفكري الوطني وتنظيمه وحفظه والتعريف به

وللبحث على فكرة إنشاء دار الكتب الوطنية في ليبيا رجعنا إلى أهم الكتب التي عرضت لدراسة تاريخية وعلمية مكتبية إحصائية موثقة عن دار الكتب الوطنية وهو كتاب بعنوان #” دار الكتب الوطنية بنغازي.. دراسة ميدانية لواقعها وسبل النهوض بها” للباحث الدكتور إدريس مختار القبائلي، والكتاب هو أطروحة جامعية لإنجاز رسالة الماجستير في المكتبات عن دار الكتب الوطنية قدمت في عام 2000 بقسم المكتبات والمعلومات بجامعة قاريونس .

في بداية كتابه البحثي الدراسي القيم يورد الباحث إدريس القبائلي لمقابلة أجراها مع الأستاذ طاهر الشويهدى مفتش المكتبات سابقا الذى تحدث عن بواكير فكرة إنشاء دار الكتب الوطنية في بنغازي بالقول : بأن فكرة إنشاء دار الكتب الوطنية بدأت بمبادرة من السيد احمد بزامة في منتصف ستينيات القرن العشرين الذى بادر بالاتصال بعميد بلدية بنغازي لإنشاء مكتبة عامة فقام بتخصيص قطعة أرض كانت ملعبا للكرة وبعد ذلك تم الاتصال بالمهندس المصري د نصارى كامل من جامعة عين شمس لوضع الخرائط والتصميم للمكتبة بمساعدة المهندسين فتحي جعودة والشريف بن عامر ،وبعد فترة تغير المشروع ليكون مكتبة وطنية على ان تخدم الغرضين معا ورصدت للمشروع ميزانية تقديرية بلفت000 ,450دينار وفى منتصف الستينيات، كانت خرائط المشروع جاهزة بعد ان رسي المشروع على إحدى الشركات الوطنية للمقاولات، ولكن المشروع توقف لدراسته بعد سبتمبر 1969

وفي فقرة أخرى من الكتاب يتحدث الدكتور محمد فنوش عن بداية بناء وتنفيذ مشروع دار الكتب في مدينة بنغازي بعد ان تم استدعاء مجموعة من الخبراء من ألمانيا وإيطاليا وأمريكا ، وبدا الدكتور محمد فنوش مع مجموعة من الموظفين بالعمل رسميا وتجميع كتب ومحفوظات دار الكتب الوطنية بداية من عام 1973 قبل بناء مقرها الكبير وذلك بشقة صغيرة بها بعض المكاتب في إحدى عمارات وسط البلاد ، لقد صدر قرار انشاء الدار على عدة بنود منها: ان تنشأ دار الكتب الوطنية وفقا لأحكام القرار على هيئة ذات شخصية اعتبارية تسمى “دار الكتب الوطنية “ويكون مقرها القانوني مدينة بنغازي وتتمتع الدار بشخصية اعتبارية وذمة مالية وتتبع أمانة اللجنة الشعبية العامة للإعلام والثقافة ،وتحددت أهداف الدار في اقتناء وحفظ كل ما يصدر في ليبيا والإشراف على قانون الإيداع وإصدار البيوغرافيا الوطنية الجارية والمراجعة وغيرها من أهداف عامة للدار

و تم الانتهاء من بناء مقر دار الكتب الوطنية في بنغازي في عام 1979و، حيث انجز مبنى دار الكتب الوطنية من أربع طوابق احتوى كل طابق على مجموعة من اقسام الكتب والدوريات والوثائق من بينها المجموعات الوطنية الليبية والمجموعات العربية والمجموعات الأجنبية والدوريات وقسم المجموعات الخاصة الذي يحتوي مجموعات وثائق الهيئات الدولية مثل هيئة الامم المتحدة ومنظمة جامعة الدول العربية والوحدة الافريقية ومنظمة التحرير الفلسطينية واليونيسكو وقسم التبادل والإهداء وقسم الإيداع والشئون الفنية وقسم الفهارس وقسم الرقم الوطني الموحد

و هناك قسم مهم أيضا يحوى كنوز من الوثائق والدوريات النادرة كان يطلق عليه ابان عهد القذافي قسم “محدود التداول ” و لا يسمح بدخوله والاطلاع عليه إلا بتصريح وأذن من مدير الدار وهو قسم مهم وتاريخي لانه يحتوي على كثير من الوثائق التاريخية الخاصة بالعهد الملكي ودولة الاستقلال مثل مراسلات الملك وديوانه الملكي والإصدارات من الصحف والمجلات ووثائق وزارات تلك المرحلة.

و في عودة منا لكتاب واطروحة الباحث مختار القبايلى لمعرفة اعداد واحصائية مجموعات الكتب بدار الكتب الوطنية حسب السجلات في عام 1999 سنة الدراسة والبحث نجد انها كانت كالتالى :

الكتب العربية 18209 كتاب

الكتب الأجنبية باللغات الانجليزية والفرنسية وغيرها 16300

الدوريات العربية 266

الدوريات الأجنبية 134

الرسائل الجامعية 201 والرسائل الجامعية الأجنبية 143

المطبوعات الرسمية3220 عربية 1150اجنبية

المجموعات الخاصة العربية 1364

المجموعات الخاصة الأجنبية 3032

بالإضافة إلى 125 مخطوط

استمرت دار الكتب الوطنية في العمل منذ عام 1973الى أواخر عام 2013 ،وخلال كل تلك العقود كانت دار الكتب الوطنية تعانى من عدم اهتمام الدولة بها وتكاد تقتصر كتبها ودورياتها على ما تم تجميعه في بداية تأسيسها، وعلى نتاج الإصدارات الليبية سنويا في ليبيا وخارجها من كتب وصحف ومجلات ودوريات مختلفة ،وذلك كان هو رافدها وعملها الأساسي كحافظ ومخزن للنتاج الوطني الليبي طيلة كل تلك العقود ولم تتاح للدار المشاركة في معارض الكتب العربية إلا بصورة عارضة وعابرة ، دون ان يتم تخصيص ميزانيات لشراء كتب جديدة سنويا ورفد الدار بالدوريات و بالكتب الحديثة ، ولم يتم الموافقة على تخصيص مبلغ لشراء منظومة مكتبية حديثة عوضا عن المنظومة القديمة التي تعمل بنظام “الدوس ” الذى لم يعد مستخدم في علم المكتبات وتقنية المعلومات ومنظومات المكتبات ،ورغم كل ذلك كانت الدار تعمل وتمنح خدماتها لطلاب المدارس والجامعات وطلاب الدراسات العليا الذين كانوا يتقاطرون عليها من كل المدن الليبية، إلى أن تقرر في أواخر عام 2013 تفريغ دار الكتب الوطنية من كل محتويات كتبها ومحفوظاتها ونقلها لمخازن في اطراف المدينة لغرض صيانة مقرها بالكامل

ثم دخل مقر الدار تحت وقع الاشتباكات والحرب التي جرت منذ أواخر عام 2014 في بنغازي ولكن وبحمد لله ورعايته ، لم يتعرض مقر الدار للهدم او التدمير ونجا المبنى الكبير الضخم من الحرب ،و رغم مرور عامين على انتهاء الحرب في بنغازي لازالت دار الكتب الوطنية دون خطوة جدية للعمل على صيانة مقرها بالإضافة إلى التهديد الذى طال كتبها ومحفوظاتها التاريخية ، نتيجة عدم تسديد إيجار مخازن الكتب.

دار الكتب الوطنية هي معلم من معالم بنغازي، الثقافية والوطنية وتستحق ان يكون لها الأولوية في النظر لصيانتها والاهتمام بحال كتبها وكنوزها ومحفوظاتها التاريخية، ورغم كل هذا السوء الذى نشعر به نتيجة تجاهل قيمتها وتاريخها وعملها إلا أنه لا زال لدينا أمل كمثقفين وعشاق لتاريخ بلادنا بأن ثمة مسئولين وطنيين حقيقيين سيلتفتون للدار ويضعونها تحت أولوية الاهتمام بعد كل الإهمال والإجحاف والجحود الذى تعرضت له طيلة تاريخ عملها كمنارة للعلم والثقافة في ليبيا .

المرجع

# دار الكتب الوطنية بنغازي ..دراسة ميدانية لواقعها وسبل النهوض بها إعداد إدريس مختار القبائلي .. منشورات جامعة قاريونس2008


علي الوكواك … الفنان الذي أهملته بلاده

 

   


 إنتصار بوراوى

  في عام 2008 م جذبتني يافطة بعنوان “دار أكا كوس” في شارع متفرع من ميدان منارة بنغازي، فدخلت المبنى لأجد بضعة رواد يتأملون منحوتات فنية على جدران المبنى ونواحيه، فيما كان ثمة شخص بشعر طويل ملفت منكبا على العمل بمنحوتة بين يديه ومستغرقا فيها دون اهتمام بمن يدخل للمكان الذي كانت تصدح منه صوت موسيقى فرقة البي جيز من جهاز تسجيل بجانب الفنان.

كان المبنى قديما، تعبق منه روائح التاريخ والمواد التي يستعملها الفنان لمنحوتاته، فيما كانت هيئة الفنان النحات وصوت الموسيقى الغربية لإغاني البي جيز تضفي فنية هائلة على المكان، بدا لي أن ثمة سحر في المكان بفنية المعروضات التي ينحتها الفنان بيديه بشغف ومحبة، وبأسلوب مبتكر لم يسبقه إليه أحد، واقترب مني شخص قام بالتعريف بنفسه بأنه ضابط أمن مسئول على أمن وحماية المكان، ثم أشار للفنان المستغرق في عمله وأخبرني بأنه الفنان علي الوكواك ، فسألته إذا كان هناك أي مانع من سؤاله بضعة أسئلة عن أعماله، فأجابني بالقول بأنه  ليس هناك أي مانع، فاتجهت للفنان وسألته عن نوعية المواد التي يستخدمها في عمله فأخبرني بأن معضمها من الخشب لأنه يجد مرونة معه في تجسيد أعماله الفنية المتعددة من أقنعة ووجوه، ومجسمات بشرية، ثم قام بإطلاعي على الغرفة التي يحتفظ بها بمجموعة من أعماله السابقة التي كانت معلقة على جدران الغرفة بالمئات، فوقفت مبهوتة ومندهشة من الروعة والسحر الذي تجلى أمامي وشعرت وكأن تلك الوجوه حية تحدق هي أيضاً في وجهي وتنطق بالحياة، كان كل وجه معبر عن حالة نفسية أغلبها متشظية كأنها تعبر عن روح الفنان فثمة دلالات للوجوه تنتقل مابين الحزن والألم والصرخة المكتومة، والذهول والإحساس بالخيبة والانتكاس، لم يصادفني وجه سعيد أو يعلوه الفرح أو الحبور فهل كان رسم الفنان علي الوكواك لتلك الوجوه الحزينة والمتألمة والموجوعة هو إسقاط منه على حالته النفسية التى كان يعيشها في تلك الفترة مهملا، منزويا، في بيت عربي قديم متهالك بأحد شوارع خريبيش، دون أن يعرف بأعماله الفنية المذهلة إلا قلة من الزوار، قد تقودهم خطاهم صدفة للمكان، أو بضعة سياح أجانب تقوم الدولة بجلبهم للمكان من حين لآخر ..ربما هذه إحدى التفسيرات لتلك القطع من الوجوه الفنية التي يصدح من تعابير وجهها الألم والحزن والغضب.

كان اهمال الأعمال الفنية التي تخطت عشرة آلاف منحوتة كما صرح في إحدى لقاءاته الصحافية القليلة والنادرة، هو إهمال متعمد من أمانة الثقافة سابقا في عهد القذافي، وتواصل هذا الإهمال بعد ثورة فبراير، التي استبشر بها الفنان علي الوكواك واستقبلها ببهجة وحمل أعماله الفنية إلى قصر المنار، واستفاد من قطع السلاح التي تناثرت بعد الثورة، وحولها إلى مئات المجسمات، والتحف الفنية، التي تصور الحياة والحرب فى ليبيا، وتم إطلاق اسم متحف الثورة على قصر المنار الذي تواجدت به أعماله، بالإضافة لكثير من الأعمال الفنية الأخرى وزار كثير من ضيوف ليبيا من سفراء الدول والوزراء قصر المنار لرؤية أعمال الفنان علي الوكواك، ولكن تلك الفرحة لم تدم طويلا، فلقد تم إزاحة كل أعماله، باعتبارها مجرد قطع “حديد وكربج” كما صرح أحد مسئولي الثقافة الجدد، وخصصت للفنان علي الوكواك غرفة صغيرة ضيقة مهترئة وقديمة من القصر وكأنه مجرد بواب بالقصر، ولم يعترف أحد من مسئولي الثقافة الجدد بأعماله و بتاريخه من العمل في مجال النحت الفني الذي لا نظير له في ليبيا، ولكن الاهتمام بالفن، والتقاط الجمال جاء من بلد أوروبي، رأت في موهبته الفنية كنزا يستحق الاهتمام والتقدير، ووضعه في المكان الذي يليق به، فقدمت له إيطاليا عرضا لإقامة معرض له في أفخم قاعاتها الفنية، وبعد ذلك عرضت عليه الإقامة في إيطاليا، وتوفير كل المواد اللازمة للاستمرار في عمله، بشكل يليق بفنه وقيمته الفنية، وقبل الفنان علي الوكواك العرض، وسافر لإيطاليا التي وفرت له المكان والجو المناسب لعمله، في الوقت الذي أهملته بلاده بكل العهود وتم التعامل معه بشكل مجحف وظالم خلق الإحساس والمرارة في نفسه والذي عبر عنه في حواره مع الصحفي والكاتب معتز بن حميد في عام 2013 ، كان الإجحاف والظلم وعدم التقدير للموهبة هو نصيب الفنان النحات العالمي الكبير علي الوكواك في عهد القذافي وفي عهد وزارت الثقافة بعد فبراير، وربما هناك غيره كثيرين ظلموا ولم يتم تقدير موهبتهم وأعمالهم الفنية، على مدى الخمسين عاما من عمر الفوضى وعدم التقدير في بلادنا، ولكن الاختلاف يكمن في أن الفنان الحنان علي الوكواك كان فنانا بمستوى عالمي فعلا، ولقيت أعماله الإعجاب والإشادة والنجاح حين خرجت من القمقم الليبي للتجاهل والجحود والمحاربة والنكران الذي مارسته الدولة الليبية مع مبدعيها الحقيقيين في عهد القذافي وما بعد عهد القذافي، لأن الفن الحقيقي يشع وينطلق ولا تخمد شعلته مهما حاول أخمادها الجاهلون والمحاربين للثقافة والفن الحقيقي المبدع.

الصفح...مالا يقبل الصفح ومالا يتقادم

 



إنتصار بوراوي

 

لا يوجد خلاص على الأرض ...طالما أننا نستطيع الصفح عن الجلادين

أيلوار

يخالط مفهوم "العفو" أو "الصفح" الكثير من المغالطات في أذهان البعض الذين يعتقدون بأن الصفح أو العفو يمكن أن يحدث دون اعتراف مرتكب الجريمة بجرمه. فكيف يمكن العفو عن من لا يعترف أساسًا بجرمه أو بأنه ارتكب جرائم ضد الإنسانية؟ فالاعتذار وطلب العفو هما من أولويات الصفح على من ارتكبوا جرائم ضد شعوبهم وضد الإنسانية. ولكن حين يرفض المخطئ الاعتراف بأخطائه ويستمر في غيّه وتوجهه المنافي للمعايير الإنسانية، فكيف يمكن التصالح معه أو العفو عنه؟

الكتاب المهم والعميق "الصفح.. مالا يقبل الصفح.. ومالا يقبل التقادم" للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، والذي قام بترجمته عن الفرنسية المترجمان مصطفى العارف وعبد الرحيم نور، يناقش موضوع الصفح كتصرف أخلاقي واعٍ ومسؤول، يقوم به شخص ما سبق أن كان ضحية إساءة أو أذى أو جريمة تجاه الآخرين.

في بداية الكتاب، يتحدث جاك دريدا عن بداية ظهور مفهوم الجريمة ضد الإنسانية بقوله: إن الفضاء القانوني الذي ظهر فيه مفهوم الجريمة ضد الإنسانية كان بعد الحرب العالمية الثانية في نورمبرغ عام 1945، وكان المفهوم إلى ذلك الحين مجهولًا.

ويناقش دريدا في كتابه أطروحات الفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكلفيتش الذي طرح موضوع الصفح في كتابيه «الصفح» (1967) و«ما لا يقبل التقادم» (1986)، وهو نقاش جاء متزامنًا مع النقاشات الفرنسية التي جرت عام 1964 حول عدم تقادم الجرائم النازية والجرائم ضد الإنسانية. حيث ذكر جانكليفيتش في كتابه "مالا يقبل التقادم" عدم قابلية التقادم وعدم ملاءمة الصفح، بل وحتى لا أخلاقيته، فتقادم الجرائم لا يلغيها ولا يجعلها ممكنة للصفح ونسيانها وعدم معاقبة مرتكبيها.

وقياسًا على أطروحة جانكليفيتش، فجرائم اليهود ضد الفلسطينيين هي أيضًا جرائم لا تقبل الصفح ولا تتقادم مهما مر الزمن. وكما اعترف العالم بالمحرقة النازية، عليه الاعتراف بظلم فلسطين التي تم احتلالها، وارتكاب أفظع الجرائم والمذابح ضد أهلها وتشريدهم إلى دول اللجوء والمنافي. ولكن جانكليفيتش لا يتحدث إلا عن محرقة اليهود ويصب جام غضبه على الألمان مطالبًا بعدم الصفح عن الأجيال الجديدة منهم الذين لم يكونوا مولودين خلال الحرب العالمية الثانية.

ويذكر الفيلسوف جانكليفيتش نقاطًا مهمة حين يتم الحديث عن الصفح عن الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية من خلال حجتين قويتين:

الأولى: هي أنه لا يمكن منح الصفح إلا إذا كان الصفح مطلوبًا، وإذا طُلب بطريقة صريحة. وهذا الفرق ليس بسيطًا، فالمرء لن يصفح أبدًا عن فرد ما لا يقر بخطئه، ولا يندم ولا يطلب الصفح.

وثانيًا: هي المسلمة الثانية التي تقول بأنه عندما تكون الجريمة شنيعة، وتكون متجاوزة لخط الشر الجذري، لا يعود هناك إمكان للصفح، لأن الصفح يجب أن يبقى بين البشر في حدود ما هو إنساني.

ولكن دريدا يرى في طرح جانكليفيتش، الرافض للصفح بشكل جذري، الكثير من المبالغة. ويرد على كل هذا الطرح بالنظر إلى التاريخ الذي يسبر غوره عبر التاريخ الديني والسياسي، والذي يجب أن يكون في قلب تفكيرنا. فالتقييد الوحيد للصفح في القانون وفي التشريع القانوني هو حق العفو الذي يقول عنه كانط: إن حق العفو، حق تخفيف واستبدال عقوبة مجرم ما، هو من بين حقوق الحاكم الأكثر حساسية والأكثر انزلاقًا والأكثر مفارقة، فهو يضيف اللمعان إلى عظمة وسمو الحاكم، ولكنه يشكل من هنا أيضًا بالنسبة للحاكم مخاطرة إتيان الظلم والتصرف بشكل جائر، لأن إسقاط العقاب سيشكل أكبر ظلم تجاه الرعايا. لا ينبغي أن يمارس حق العفو وبالتالي حق الصفح إلا في حالة جريمة ضد الحاكم نفسه.

ويذكر جاك دريدا بأن "الصفح يستلزم أن يدخل طرف ثالث إلى المشهد ومع ذلك يجب استبعاده. فلا أحد له الحق في الصفح مكان أحد آخر عن إهانة أو جريمة أو أذى مقترف. لا يتوجب الصفح باسم الضحية، إذا كانت هذه الضحية غائبة عن مشهد الصفح أو إذا كانت متوفية مثلًا، لا يمكن طلب الصفح من ناجين عن جرائم أصبح ضحاياها في عداد الموتى."

ويناقش دريدا رأي جانكليفيتش الذي يؤكد على ضرورة طلب الصفح والعفو والرحمة وقبله التكفير، ووخز الضمير، والندم، والاعتراف بالذنب، وينتظر من المذنب أن يعترف بالخطأ ويعترف بالجريمة التي ارتكبها. بالتالي فهو يرفض فكرة الصفح ويرى بأن لا صفح قبل العقاب، فهو يراه حاجزًا من المتعذر اجتيازه، فهما خطابان منطقيان ونظامان أكسيوماتيكيان متناقضان ومتضاربان، لا يقبلان الصلح. أحدهما هو نظام أكسيوماتيكي الصلح أو المصالحة، بينما الآخر هو نظام أكسيوماتيكي ما لا يقبل الصلح. فهو يؤمن بأن المصالحة والصفح سيكونان وهميين وكأذيين ولن تكونا أصفاحًا حقيقية وإنما أعراض حداد، أعراض علاج للنسيان ولمرور الزمن.

الكتاب يعرض لآراء جانكليفيتش عن عدم إمكانية الصفح وما لا يقبل التكفير تجاه النازية فيما فعلته من محرقة لليهود، ورفض الكائن اليهودي بالمطلق واعتبار وجود اليهودي جريمة ويجب اقتلاعه من الوجود. وهذه الأطروحة يحاجج فيها دريدا عبر تفكيكه لمفاهيم الصفح والغفران، والشعور بالإثم، متسائلًا إذا ما كان الصفح خاصية للإنسان أم للإله؟

جاك دريدا في محاضرته المهمة عن "الصفح ما لا يقبل التقادم" يضيء جانبًا من الرؤية في هذه القضية المهمة التي تمس الإنسانية، وروح البحث عن العدالة في عالم مضطرب متسم بالإفلات من العقاب، ومحاولة الهروب من الجرائم عبر الاعتقاد بتقادم الجرائم. ولكن الجرائم لا تسقط بالتقادم بل تبقى حية في الضمير الإنساني ولا تموت، وليس لأحد حق الصفح عنها.

كم نحتاج للاستضاءة بمثل هذه الأطروحات الفلسفية التي تعمل على تفكيك مفاهيم مهمة مثل مفهوم الصفح، وخصوصًا في عالمنا العربي المتخم بارتكاب الجرائم ضد كل مخالف للرأي، ومن بينها الجرائم ضد الإنسانية التي قام بها نظام القذافي طيلة حكمه من خلال أذرعه الباطشة الموجودة منذ عشر سنوات في السجون، والتي تتعالى الأصوات للعفو عنها، رغم أنهم مدانون بجرائم فساد وجرائم تصفيات وقتل. وأيضًا إذا أسقطنا هذه الأطروحة على الانتهاكات والجرائم التي حدثت من جانب التشكيلات المسلحة خلال الأحداث والحروب المتعاقبة في البلاد خلال السنوات الماضية، فهي أيضًا لا تسقط بالتقادم بل تبقى في ذاكرة الشعب والتاريخ. فالصفح والمصالحة وجبر الضرر يجب أن يتم كما يقول دريدا في أجواء نقية بعيدة عن كل الحمولات السياسية والقانونية والدينية، والتي تقع ضمن إطار الابتزاز السياسي أو القبلي أو الديني، فكل هذه التصرفات ستمنع من طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة تبدأ بالاعتراف بالأخطاء وجبر الضرر والمصالحة بين الماضي والحاضر.

 

# محاكمات نورنبيرغ هى من أشهر المحاكمات التي شهدها التاريخ المعاصر، وتناولت المحاكمات في فترتها الأولى، مجرمي الحرب النازيين بعد سقوط الرايخ الثالث، وفي الفترة الثانية، تمّت محاكمة الأطباء الذين أجروا التجارب الطبية على البشر في معسكرات الاعتقال النازية .

نظام اكسوماتيك نظام بديهي axiomatic#

الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...