إنتصار بوراوى
شهدت الألفية الجديدة بزوغ أقلام شعرية
نسائية شابة ، حملت وعى مبكر في نظرتها لمجتمعها وللوجود وسطرت رؤيتها فى نصوص شعرية
لافتة ،لاقت اهتمام المتابعين ومتذوقي ومحبى الشعر وفى هذا الريبورتاج نحاول الاقتراب
من عوالم بعض الأصوات الشعرية المختلفة التي تكتب نصوصها بشعرية فيها كثير من التمرد
على اقانيم المجتمع ومحظوراته وبجرأة الطرح الأنثوي في التعبير عن مكنوناتهن ومشاعرهن
وعواطفهن نحو الآخر
آية الوشيش وقصائد البوح الرقيق
الشاعرة آية الوشيش هي دكتورة صيدلة من
بنغازي صدر لها ديوان بعنوان “زيتونة مجعدة" تنبض قصائدها بالرقة والهشاشة و نصوصها
تأخذ قارئها إلى مرابع الدهشة بنعومتها ورقتها وتعبيرها عن ذاتها بكثير من الجرأة ،غير
عابئة بعيون المجتمع المترصدة لنصوصها فتقول في نص لها بعنوان " دعنا نرقص"
خذ يدى ودعنا نرقص أبد الدهر
يضمني العجز مثلك وأكرهه
خذ يدى لملاذ الدراويش على هامش الوجع
أجهض بالرقص ترهات الفزع
وخذ يدي كصديق
كأخ ..كحبيب كابن ..وكظل
الشاعرة تصرح برغبتها بالرقص مع من
تحبه ،نكاية فى الحزن الذى ينشب مخالبه فى قلوبهم غير مبالية بمحاذير المجتمع ومحظوراته
،التى تربط خيط الشنق على رقبة القصيدة النازفة بالبوح الجرىء فقصائد
آية الوشيش الشعرية فيها الكثير من البوح والرغبة في الحياة وإعلان الحب والرقص
والفرح والبهجة كما تقول فى نص آخر لها:
أشياء صغيرة لكنها كبيرة
كلمة حب ربما ممن نحب
فى وقت انشغاله
عناق طويل دون سؤال مابك؟
الشاعرة نعمة كركرة.. أمواج غاضبة
نعمة كركرة هي شاعرة من بنغازي وهى
أيضا دكتورة ، ، ربما لأن الطب يعالج الجسد والشعر يعالج الروح ،لذا فليس من المستغرب
أن تكون أكثر من شاعرة ليبية ممتهنة للطب ومنهن الشاعرة
الشابة نعمة كركرة التي تبدو قصائدها كالأمواج الغاضبة ، وتتسم نصوصها بالقوة والقدرة على النفاذ للمجتمع والوجود
بعمق وبكثير من عدم الرضا والغضب كما تصف نفسها فى قصيدة الصحراء
انا ابنة البحر
تغزو عظامي هشاشة الشمال
وتأكل مفاصلي رطوبة المدن
مزكومة برائحة القلق والارتياب
فلا أتذوق طعم الخطيئة
أنا ابنة البحر لاتعرفنى الرمال
إلا موجة غاضبة تنخمد عند شاطئها
وفى قصيدة لها أخرى تصف فيها الشارع
بالتقاطات شعرية ذكية وتناجى فيها الحبيب بجرأة متمردة وتطالبه برجم الشارع الذي يتربص
بهم بإعلان حبهما بقبلة فى وسط الشارع فتقول :
خطوات الذكور التي تسبق إناثها إلى ناصيته
غسيل الأموال المنشور على ذراعيه
و بصقات المدخنين صباحا في وجهه
تعال نكسر شوكة
هذا الشارع الملعون
ب " قبلة "
الشاعرة أمل بنود .. قصائد عنفوان الأنوثة
أمل بنود هى شاعرة من بنغازى تكتب الشعر
بلغة النار، حيث تبدو نصوصها وكأنها تغلى فى مرجل بركانى لايهدأ وتلتقط نصوصها التفاصيل
الصغير،ة فى سردية شعرية تعتنى بسرد الحالة الشعرية فى كثير من قصائدها ،ولقد بدأت الشاعرة أمل بنود كتابتها الشعرية بكثير
من الحدية التى تصطبغ بكثير من العنفوان الأنثوى ،قبل أن تتطور لغتها الشعرية وتنضج
على نار التجارب وتعتنى أكثر برسم الشعر بسردية وبلغة شعرية جميلة ،وبين من قصائدها
القديمة التى كتبتها فى بداية نشرها قصيدة لها بعنوان "ثورة نسائية" بها كثير من
العنفوان ومحاولة لفت الأنظار لكينونتها كإنسانة وشاعرة تقول فيها:
متمردة أنا فى عصر المراجل
مدينة أنا ليس لها حاكم
جـــــــميلة لا أحتاج أساور
تخجل وينحني عبيرها عندما تراني الأزاهر
عند وصفى يستقيل القلم ويجف الحبر وتطوى
الدفاتر
ثورة لا أحتاج لــــــ ثائر
روح أنا تسكن المقابر
بلقيس والهدهد هاجر
محاربة سلاحي الأظافر
طفلة أنا تسعدها السكاكر
مطعونة تسكنني الخناجر
مجرمة أنا تطلبني المخافر
آثمة
يتهموني بالكبائر
وفى قصيدة اخرى تتمرد الشاعرة على قلبها
، وتعلن كفرها بالحبيب وتبصق على وجهه بجرأة امرأة طاغية الأنوثة تعرف ما لذى تريده
من حبيبها ،ومالا يعجبها فيه وبدون مواربة تصرح عن كرهها له في قصيدتها التي تقول فيها:
أنت وغد كفاية في حبي
وقد آن الاوان كي يبصق قلمي في وجهك
وينقلب على مؤخرته
وتأخذ الممحاة في شأنك مجراها
بهذا الشكل تنتقل قصائد الشاعرة امل بنود،
بين إعلان الحب برقة وعاطفة جياشة وبين التمرد والرفض الناري معبرة عن روح شاعرة نارية
لا ترضى بأنصاف الأشياء وأنصاف الحلول
الشاعرة فيروز العوكلى والبحث عن العدالة المفقودة
فيروز العوكلى شاعرة من مدينة درنة ، لا
تتشرنق قصائدها في خانة علاقة الحب مع الرجل
فقط بل تحمل كثير من قصائدها ،بعدا رؤيويا
أوسع وتحمل نظرة نقدية لواقع المرأة فى المجتمع الليبي وتعمل على تفكيك علاقتها بالمجتمع
،من خلال تشريح نظرة المجتمع للنساء اللواتي يحاولن التحليق بعيدا عن خطوط المجتمع
وتعقيداته فتقول فى إحدى قصائدها:
أعرف أنكن ترقصن أمام مرآة في غرفكن
لصديقاتكن
وفي حفلات العائلة النسائية
أجساد مغطاة
ضيع النمل الطريق لحلاوتها
أجساد يجرحها الضوء
يتنكر يمازحها يرتطم بها ولا يخترق متاريسها
أجساد تتمايل في مخيلة حلبات الرقص
وترعى جمالها في الظلمة
وفي الصندوق الوارد لصديق وحبيبين
وفى قصيدة أخرى لها تلقى الشاعرة أسئلتها
الوجودية عن العدالة الأرضية المفقودة وتسأل الله بأسئلة فلسفية عن معنى الوجود فى
قصيدتها " كل شيء ينتهي بسؤال"
شاهدت في التلفاز
رجلا بقبعة أنيقة ومعطف طويل مكوي للتو
يضعون حبل المشنقة حول ابتسامته
وامرأة أنيقة مصلوبة
شعرها مسدل
على وجه المدينة العبوس
أجلت بكائي
كما تؤجل أسئلتي
مع من تبكي يا الله؟
لمن تبكي يا الله؟
للضحية أم للمجرم
الضحية
مقتول: تمشي في جنازته دموع حبيباته
نحيب النساء من خلف الشبابيك المذعورة
ودعاء الجدات المنشور على حبل الغسيل
نورهان عبد الحق .. وقصيدة التفاصيل
الحياتية
شاعرة من درنة غزيرة الانتاج الشعرى، تكتب
قصائدها بروح طفولية نزقة وتمتلك جرأة جيل شاعرات الألفية الجديدة في البوح والإعلان،
عن ذواتهن الأنثوية ومشاكسة المجتمع ومناكشته وشعرية نصوصها مندلقة بكل تفاصيلها،
ومشاعرها فهي تكتب عن طفولتها وصباها وزواجها العاثر وطفلها الذي يعاني من إعاقة بكثير
من الأمومة الفائقة والحب الدافق كما تكتب عن الحرب ضد الدواعش التي اكتوت بها مدينتها
درنة عبر قصائد ترسم ظلال الحرب على نفوس البشر والحجر تقول: فى قصيدة لها عن ابنها
عجز طفلي عن الحراك والكلام
والبوج عما يريد
يسند رأسه على ظهري
يأكل من يدي وينام بين يدى
وفى قصائد أخرى لها عن الحرب التي ترسم
تفاصيلها وتصف ويلاتها في كثير من نصوصها نقرأ لها هذا النص التى تقول فيه
وإني أرجع إلى الديار
كما لو أنّني مساء صيفي مكتظ بألسنة الشارع
وكنتُ قد رجوت الله
ألا أعود بفتيل حرب لا ينطفئ
قصائد الشاعرة نوران عبد الحق ، جياشة بالمشاعر
والتفاصيل فهى تكتب عن كل شىء فى حياتها بنفس شعرى سردي
مع هذه الجولة البانورامية على أبرز الأسماء
الشعرية ،لشاعرات الألفية الجديدة نلمح روح كبيرة تجمعهن فى كتابة الشعر بروح وثابة
،ومتمردة مخترقة للإشارات الحمراء التي يضعها
المجتمع كقيد على كتابة المرأة ،فهن يحلقن فى عوالم الشعر بأجنحة الخيال والحلم ومقاومة
مجتمعهن الذى يسعى لتكبيلهن ومنعهن من الكتابة والبوح وإعلان ذواتهن الإنسانية قبل
الأنثوية برؤية واسعة وعميقة للمجتمع والكون.







