الخميس، 16 مايو 2024

شاعرات شابات يحلقن بأجنحة الخيال والتمرد

 إنتصار بوراوى



شهدت الألفية الجديدة بزوغ أقلام شعرية نسائية شابة ، حملت وعى مبكر في نظرتها لمجتمعها وللوجود وسطرت رؤيتها فى نصوص شعرية لافتة ،لاقت اهتمام المتابعين ومتذوقي ومحبى الشعر وفى هذا الريبورتاج نحاول الاقتراب من عوالم بعض الأصوات الشعرية المختلفة التي تكتب نصوصها بشعرية فيها كثير من التمرد على اقانيم المجتمع ومحظوراته وبجرأة الطرح الأنثوي في التعبير عن مكنوناتهن ومشاعرهن وعواطفهن نحو الآخر

آية الوشيش وقصائد البوح الرقيق

الشاعرة آية الوشيش هي دكتورة صيدلة من بنغازي صدر لها ديوان بعنوان “زيتونة مجعدة" تنبض قصائدها بالرقة والهشاشة و نصوصها تأخذ قارئها إلى مرابع الدهشة بنعومتها ورقتها وتعبيرها عن ذاتها بكثير من الجرأة ،غير عابئة بعيون المجتمع المترصدة لنصوصها فتقول في نص لها بعنوان     " دعنا نرقص"   

خذ يدى ودعنا نرقص أبد الدهر

يضمني العجز مثلك وأكرهه

خذ يدى لملاذ الدراويش على هامش الوجع

أجهض بالرقص ترهات الفزع

وخذ يدي كصديق

كأخ ..كحبيب كابن ..وكظل

الشاعرة تصرح برغبتها بالرقص مع من تحبه ،نكاية فى الحزن الذى ينشب مخالبه فى قلوبهم غير مبالية بمحاذير المجتمع ومحظوراته ،التى تربط خيط الشنق على رقبة القصيدة النازفة بالبوح الجرىء  فقصائد  آية الوشيش الشعرية فيها الكثير من البوح والرغبة في الحياة وإعلان الحب والرقص والفرح والبهجة كما تقول فى نص آخر لها:

أشياء صغيرة لكنها كبيرة

كلمة حب ربما ممن نحب

فى وقت انشغاله

عناق طويل دون سؤال مابك؟

 

 

الشاعرة نعمة كركرة.. أمواج غاضبة

 

نعمة كركرة هي شاعرة من بنغازي وهى أيضا دكتورة ، ، ربما لأن الطب يعالج الجسد والشعر يعالج الروح ،لذا فليس من المستغرب أن تكون أكثر من شاعرة ليبية ممتهنة للطب ومنهن الشاعرة الشابة نعمة كركرة  التي تبدو قصائدها  كالأمواج الغاضبة ، وتتسم  نصوصها بالقوة والقدرة على النفاذ للمجتمع والوجود بعمق وبكثير من عدم الرضا والغضب كما تصف نفسها فى قصيدة الصحراء

انا ابنة البحر

تغزو عظامي هشاشة الشمال

وتأكل مفاصلي رطوبة المدن

مزكومة برائحة القلق والارتياب

فلا أتذوق طعم الخطيئة

أنا ابنة البحر لاتعرفنى الرمال

إلا موجة غاضبة تنخمد عند شاطئها

وفى قصيدة لها أخرى تصف فيها الشارع بالتقاطات شعرية ذكية وتناجى فيها الحبيب بجرأة متمردة وتطالبه برجم الشارع الذي يتربص بهم بإعلان حبهما بقبلة فى وسط الشارع فتقول :

خطوات الذكور التي تسبق إناثها إلى ناصيته

غسيل الأموال المنشور على ذراعيه

و بصقات المدخنين صباحا في وجهه

تعال نكسر شوكة

هذا الشارع الملعون

ب " قبلة "

 

الشاعرة أمل بنود .. قصائد عنفوان الأنوثة 

أمل بنود هى شاعرة من بنغازى تكتب الشعر بلغة النار، حيث تبدو نصوصها وكأنها تغلى فى مرجل بركانى لايهدأ وتلتقط نصوصها التفاصيل الصغير،ة فى سردية شعرية تعتنى بسرد الحالة الشعرية فى كثير من قصائدها  ،ولقد بدأت الشاعرة أمل بنود كتابتها الشعرية بكثير من الحدية التى تصطبغ بكثير من العنفوان الأنثوى ،قبل أن تتطور لغتها الشعرية وتنضج على نار التجارب وتعتنى أكثر برسم الشعر بسردية وبلغة شعرية جميلة ،وبين من قصائدها القديمة التى كتبتها فى بداية نشرها قصيدة  لها بعنوان "ثورة نسائية" بها كثير من العنفوان ومحاولة لفت الأنظار لكينونتها كإنسانة وشاعرة تقول فيها: 

متمردة أنا فى عصر المراجل

مدينة أنا ليس لها حاكم

جـــــــميلة لا أحتاج أساور

تخجل وينحني عبيرها عندما تراني الأزاهر

عند وصفى يستقيل القلم ويجف الحبر وتطوى الدفاتر

 ثورة لا أحتاج لــــــ ثائر

روح أنا   تسكن المقابر

بلقيس والهدهد هاجر

محاربة سلاحي الأظافر

طفلة أنا تسعدها السكاكر

مطعونة تسكنني الخناجر

مجرمة أنا تطلبني المخافر

آثمة   يتهموني بالكبائر

 

وفى قصيدة اخرى تتمرد الشاعرة على قلبها ، وتعلن كفرها بالحبيب وتبصق على وجهه بجرأة امرأة طاغية الأنوثة تعرف ما لذى تريده من حبيبها ،ومالا يعجبها فيه وبدون مواربة تصرح عن كرهها له في قصيدتها التي تقول فيها:

أنت وغد كفاية في حبي

وقد آن الاوان كي يبصق قلمي في وجهك

وينقلب على مؤخرته

وتأخذ الممحاة في شأنك مجراها

بهذا الشكل تنتقل قصائد الشاعرة امل بنود، بين إعلان الحب برقة وعاطفة جياشة وبين التمرد والرفض الناري معبرة عن روح شاعرة نارية لا ترضى بأنصاف الأشياء وأنصاف الحلول

 

الشاعرة فيروز العوكلى  والبحث عن العدالة المفقودة

فيروز العوكلى شاعرة من مدينة درنة ، لا تتشرنق   قصائدها في خانة علاقة الحب مع الرجل فقط بل تحمل  كثير من قصائدها ،بعدا رؤيويا أوسع وتحمل نظرة نقدية لواقع المرأة فى المجتمع الليبي وتعمل على تفكيك علاقتها بالمجتمع ،من خلال تشريح نظرة المجتمع للنساء اللواتي يحاولن التحليق بعيدا عن خطوط المجتمع وتعقيداته فتقول فى إحدى قصائدها:

أعرف أنكن ترقصن أمام مرآة في غرفكن

لصديقاتكن

وفي حفلات العائلة النسائية

أجساد مغطاة

ضيع النمل الطريق لحلاوتها

أجساد يجرحها الضوء

يتنكر يمازحها يرتطم بها ولا يخترق متاريسها

أجساد تتمايل في مخيلة حلبات الرقص

وترعى جمالها في الظلمة

وفي الصندوق الوارد لصديق وحبيبين

 

وفى قصيدة أخرى لها تلقى الشاعرة أسئلتها الوجودية عن العدالة الأرضية المفقودة وتسأل الله بأسئلة فلسفية عن معنى الوجود فى قصيدتها " كل شيء ينتهي بسؤال"

 

شاهدت في التلفاز

رجلا بقبعة أنيقة ومعطف طويل مكوي للتو

يضعون حبل المشنقة حول ابتسامته

وامرأة أنيقة مصلوبة

شعرها مسدل

على وجه المدينة العبوس

أجلت بكائي

كما تؤجل أسئلتي

مع من تبكي يا الله؟

لمن تبكي يا الله؟

للضحية أم للمجرم

الضحية

مقتول: تمشي في جنازته دموع حبيباته

نحيب النساء من خلف الشبابيك المذعورة

ودعاء الجدات المنشور على حبل الغسيل

 

نورهان عبد الحق .. وقصيدة التفاصيل الحياتية

شاعرة من درنة غزيرة الانتاج الشعرى، تكتب قصائدها بروح طفولية نزقة وتمتلك جرأة جيل شاعرات الألفية الجديدة في البوح والإعلان، عن ذواتهن الأنثوية ومشاكسة المجتمع ومناكشته وشعرية نصوصها مندلقة بكل تفاصيلها، ومشاعرها فهي تكتب عن طفولتها وصباها وزواجها العاثر وطفلها الذي يعاني من إعاقة بكثير من الأمومة الفائقة والحب الدافق كما تكتب عن الحرب ضد الدواعش التي اكتوت بها مدينتها درنة عبر قصائد ترسم ظلال الحرب على نفوس البشر والحجر تقول: فى قصيدة لها عن ابنها

عجز طفلي عن الحراك والكلام

والبوج عما يريد

يسند رأسه على ظهري

يأكل من يدي وينام بين يدى

وفى قصائد أخرى لها عن الحرب التي ترسم تفاصيلها وتصف ويلاتها في كثير من نصوصها نقرأ لها هذا النص التى تقول فيه

وإني أرجع إلى الديار

كما لو أنّني مساء صيفي مكتظ بألسنة الشارع

وكنتُ قد رجوت الله

ألا أعود بفتيل حرب لا ينطفئ

 

قصائد الشاعرة نوران عبد الحق ، جياشة بالمشاعر والتفاصيل فهى تكتب عن كل شىء فى حياتها بنفس شعرى سردي

مع هذه الجولة البانورامية على أبرز الأسماء الشعرية ،لشاعرات الألفية الجديدة نلمح روح كبيرة تجمعهن فى كتابة الشعر بروح وثابة ،ومتمردة مخترقة للإشارات  الحمراء التي يضعها المجتمع كقيد على كتابة المرأة ،فهن يحلقن فى عوالم الشعر بأجنحة الخيال والحلم ومقاومة مجتمعهن الذى يسعى لتكبيلهن ومنعهن من الكتابة والبوح وإعلان ذواتهن الإنسانية قبل الأنثوية برؤية واسعة وعميقة للمجتمع والكون.

الأربعاء، 15 مايو 2024

حصون على الرمال... تريبوليتانيا الليبية

 



إنتصار بوراوي

 كتاب حصون على الرمال.. تريبوليتانيا الليبية 1934» للرحالة البولندي برونيسواف كريستين فيجايسكي الذى  ‏قام بترجمته ميخائيل عبدالله و‏الصادر ،عن منشورات   (دار الجمل)، يجوب بالقارىء في سفر ورحلة زمنية إلى ماقبل تسعين ‏عام من التاريخ الليبي، عبر المشاهدات الحية للرحالة البولندي برونسيوف الذى زار ليبيا ودون رحلته إلى المدن الليبية خلال ثلاثينيات القرن الماضي ببراعة وأسلوب سردى جميل.

برونيسواف كريستين فيجايسكي هو طالب بولندي في ‏العشرينيات، من عمره كان يدرس بإحدى جامعات روما دعاه صديقه الإيطالي لزيارة المستعمرة ‏الإيطالية الليبية ،والتمتع بجمال الصحراء الأفريقية ونجح الشاب حين وصل إلى ليبيا بشهر يناير من عام 1934 ،فى الحصول على رخصة من ‏قيادة الجيش الإيطالي في المستعمرة تخوله حقّ استعمال المواصلات العسكرية ، مع المبيت مجاناً في كل مراكز ‏الحصون العسكرية والإعفاء من تكاليف التغذية في المطاعم العسكرية وثمن المواد الغذائية من المخازن ‏العسكرية.‏

بالبو في مدينة طرابلس

يبدأ المؤلف الشاب ‏ برونسيواف  ‏ مشاهداته في مدينة طرابلس بوصف مجيء حاكم ليبيا الجديد الإيطالي بالبو واستقبال الناس له ‏بالمدينة بقوله :‏

بحر من والرؤوس البشرية وفوقها علقت بكثافة لافتات زرقاء ممتدة على عرض الشارع كتبت عليها بخط ‏عريض واضح كلمة واحدة "بالبو" وليس هناك عبارة أخرى سواها بعد لحظة يندفع إلى الأمام، رتل من ‏السيارات في السيارة الأولى بالبو مع مطران طرابلس، وفى السيارة الثانية ركبت زوجة بالبو برفقة الجنرال ‏سيسلانى وهو قائد القوات المسلحة فى ليبيا ،يبتسم يالبو يحى الجمهور ويرد التحية محولا نظره من جهة إلى ‏أخرى عند عبوره على أرتال بليلى و"بيككولو إيتاليانو" يقف فى مكانه ويرفع القبعة ،من على رأسه ،تصفيق ‏شديد وهتافات حماسية ،حارة ،باقات من الورود يلقيها الأطفال على السيارةص45‏

ويتجول الشاب البولندى داخل مدينة طرابلس ،ويصف  ببراعة تفاصيل المدينة القديمة بطرابلس ونوعية الناس ‏الذين يسكنونها من ليبين بسطاء ويهود وأتراك وإيطاليين ،وطبيعة عملهم بحرف يدوية ،فى دكاكاينهم البسيطة ‏ويصف سوق الترك الذى كما يقول يخيم عليه الصخب والضوضاء ، بدكاكاينه المكتظة بكل مايريده المشترى ‏من مصنوعات جلدية ،ونحاسية وفضية وطرابيش وأقمشة وتوابل وعطور وجلد أفاعي ،وغيرها من دكاكين ‏الحرفيين ودكاكين القصة 

يستغرب برونيسواف من طريقة ذبح الخراف والعجول، ويصفها بالقذارة والوساخة وينتقد كما يسميها رائحة ‏الشرق التي، لطالما تغزل بها الشعراء ولكنه سرعان ما يتراجع عن رأيه بقوله بأن للشرق جاذبية ،رغم كل ‏شيء وعليه ان يستكشف أسراره وهذا سبب مجيئه وزيارته لليبيا ،فهو نهم للمعرفة وإلى استكشاف ليبيا التي ‏تسطع تحت شمس أفريقيا الحارقة ،وتقوده رحلته لاستكشاف أسواقها وشوارعها القديمة ومساجدها ،فيدخل ‏إلى مسجد فرجى ويصف ببراعة زواياه ومنارته التي يخرج منها صوت المؤذن، ثم يقصد الشوارع والمقاهي ‏الأوربية التي بناها وشيدها الإيطاليين، وينطلق إلى سوق الجمعة وهى قرية تبعد عن طرابلس بخمسة عشرة ‏كيلومتر ،ويعرض فيها كل يوم جمعة من الأسبوع مختلف السلع الشرقية التي يتوارد، عليها حشد من الليبيين ‏واليهود والزنوج على أقدامهم أو على ظهور الحمير ،وعبر زحام السوق يصف تقسيمات السوق المتنوعة بين ‏بيع الجمال وقطعان الماعز، ومختلف  السلع الغذائية عبر أجنحة مختلفة ويلفت نظره وجود  ،خياطات يهوديات ‏يقمن بخياطة بقص وخياطة ألبسة داخلية بسيطة ويهوديات ،أخريات يقمن ببيع مسبحات وعطور ومرايا ‏

ينتقل بعد ذلك إلى قرية العمروس، وهى كما يقول قرية يهودية منقولة حرفيا من العهود البعيدة، التي تتحدث ‏عنها كتب التوراة والتي يصفها بانها "عبارة عن أزقة صغيرة تفصل المساكن المنخفضة الشبيهة بالسور ‏المغلق الأعمق لولا بعض الفتحات النادرة التي تستخدم كأبواب للدخول ويعمها الفقر المدقع والروائح الكريهة ‏والأوساخ.‏

ويمضي الشاب البولندي في رحلته ،ميمما صوب تاجوراء التى يصفها بأنها واحة غنية تعطى المياه الجوفية ‏الحياة لآلاف مؤلفة من أشجار النخيل الضخمة ويقيم البدو فبها خيامهم بين الأشجار ‏

وبداخل قرية تاجوراء قام الإيطاليين ببناء مدرسة علقت في وسط قاعتها صوة الملك وموسولينى بكتابة ‏ضخمة "حياتكم لإيطاليا الإخلاص للملك ،القلب للقائد"‏

ويذكر الكاتب بـأن الدراسة تستمر بالمدرسة لمدة أربع سنوات، يداوم بها الطلاب يوميا والصفوف خليط من ‏الطليان والليبيين، "السكان الأصليين وأولاد العائلات الفقيرة يدرسون مجانا ويحصلون على وجبة غذاء ‏بالمدرسة.‏

سكان الكهوف في غريان وقرية تيغرنة ‏

يزور الرحالة البولندي" برونيسواف كريستين فيجايسكي " مدينة غريان التي تبعد100كيلو عن طرابلس ويدفع ‏ليرتين، لأحد الرجال الليبيين ،كي يدخل مع صديقه الإيطالي مارسيلو إلى الكهوف المحفورة بجبال غريان التي ‏يقطنها أهل المدينة ويصف الكهف ،وطريقة العيش فيه ،الصعبة والقاسية ويظهر استغرابه من قدرة أهل المنطقة ‏على العيش فيها رفقة زوجاتهم وأولادهم، وحتى جمالهم لطبيعة الصعود إليه الصعبة والوعرة.‏

ويجد الرحالة البولندي مع صديقه الإيطالي، فجاة نفسه مع "سكان الكهوف" من اليهود ويشاهدون الورش ‏البدائية ،للغزل والنسيج التي تقوم بها النساء اليهوديات اللواتي لا يخجلن كالعربيات ،ويهربن منهم بل يقبلن ‏عليهم للحديث معهم لبيع سجاداتهن ،ثم يزوران معبد يهودي تحت الأرض يعود تاريخه إلى 400 عام يوجد ‏بخزانته بعض الكتب اليهودية، المقدسة ويقدم لهم الرابين كتاب التوراة لمعاينته  ثم يحملهم إلى قاعة دروس ‏المعبد الذي يقرأ ويدرس  فيه الأطفال  التوراة ويصف الكاتب الرابين المشرف على تدريس الأطفال بجسمه ‏المعقوف وذقنه الأبيض وعمامته الخضراء

فى فصل من الكتاب يدور حديث، بين ضباط إيطاليين والرحالة البولندي عن اليهود ويبدى أحد الضباط تذمره، ‏من تمكنهم السيطرة على البنوك والاقتصاد في أوروبا وعن العجز عن محاربة مجموعات رؤوس الأموال ‏اليهودية ،وهذا الجزء من رحلة الرحالة البولندي ‏يعطى صورة واضحة عن تعايش اليهود في المجتمع الليبي ‏بأمان وسلام دون تعرضهم للمضايقات أو التنكيل  قبل احتلالهم لفلسطين .‏

يمضي الكاتب فى وصف ترحاله، وتجوله في مدن الغرب الليبي عبر قيادة دراجته بين المزارع والحقول ‏ويبدو الكاتب منبهر بما يقوم به المستعمر الإيطالي، من زراعة الحقول حول المدينة على مد النظر وبناء ‏المدارس والمؤسسات الحكومية، ومن خلال ثناؤه على ما يفعله الاحتلال الإيطالي يظهر جليا  ،أن الكاتب الزائر ‏لليبيا لا يجد غضاضة في الاستعمار ويرى فيه بارقة ،للنهوض بالبلاد المتلهفة لبلاد متحضرة معبرا بذلك عن ‏النظرة الاستشراقية، المعتادة للإنسان الغربي تجاه العرب فهو يشيد بالمستعمرات والمستوطنات التي ‏بناها المحتل الإيطالي، والتي تمنحها الحكومة لمن يريد تعمير قطعة أرض فى ليبيا فيقوم بزراعتها والاعتناء ‏بها بعد إبرام عقد مع الحكومة الإيطالية التى تساعده ،في بناء البيت وتحفر له بئر وتقوم بتوصيل البيت بالطريق ‏ويقوم صاحب الامتياز، بدفع نصف التكاليف للحكومة أما النصف الثاني فيتعهد بتسديده بعد عشرة سنوات، وبعد ‏المدة المحددة تقوم لجنة من  الحكومة بفحص المستعمرة مع موازنة لما تنتجه وإذا تبين إن المتعاقد نفذ ‏شروط الاتفاقية، حينها يعطى الحق بدفع النص المتبقي من التكاليف وبهذا تصبح المستعمرة بكاملها ملكه، ‏فالحكومة الإيطالية كانت تقدم كل التسهيلات  للإيطاليين للاستيطان في ليبيا لاعتقادهم بأنهم سيبقون فيها إلى الأبد ولكن هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية حطمت كل التخطيطات والأحلام ‏الاستعمارية لإيطاليا

رحلته إلى الجفرة

ينتقل الرحالة من أقليم طرابلس إلى الجفرة ،ومدن الواحات هون وسوكنه وودان ويقدم إحصائيات مهمة عن ‏أعداد السكان في كل مدينة وطبيعة عملهم ،ويتحدث عن المقاومة التي قادها سيف النصر والى فزان ضد ‏الاستعمار الإيطالي التي قمعها الجيش الإيطالي بقيادة ناتالى ،والذى حكم على سيف النصر بالموت فلجأ إلى ‏مصر لحمايته  من الاحتلال الإيطالي ،ويشيد  الكاتب بازدهار هون والجفرة إلى الحاكم الإيطالي ناتالى الذى ‏عمل على تنظيفها وأنشأ طرق معبدة وبناء أقواس وحصن ومدرسة ومستوصف وورشات ميكانيكية ‏

يبدع الرحالة ببراعة فى ذكر تنقلاته وسفره بين المدن ،بأسلوب سردى ‏جميل به كثير من البراعة السردية ‏الأدبية من حيث التصوير البلاغي والتشبيه والوصف الأدبى، الجميل للمدن ‏والناس وعاداتهم الاجتماعية فى ‏الأكل واللباس وحفلات الزواج وطريقة عيش حياتهم  فيبدو الكتاب ليس مجرد كتاب ‏رحلات عادى بل قطعة ‏سردية أدبية ممتعة  في أدب الرحلات بجمالياته الأسلوبية في وصف المدن والناس والبحر الذى ‏يكتب عنه ‏فيقول:‏

‏" أنا افضل البحر ولا ارضى عنه بديلا ،فالبحر فى تغير أبدى هو خلاب دوما وفاتن يعطى الإنسان راحة بدنية ‏كاملة ‏كالبلسم العجيب الذى يكوى جراح الروح وآلام النفس وحسرات القلب وهذا الانتظار ثم الانتظار لمفاجأة ما ‏فى الأفق ‏البعيد حيث تتداخل المياه بالسماء اللامتناهية مشكلة قطعة واحدة بدون أبعاد ..ياله من شعور كامل ‏بالحرية الحقيقية ‏ص257‏

وفى مقطع أخر من الكتاب يصف محبته وحزنه لوداع مدينة براك الشاطئ الصحراوية في الجنوب الليبي بقوله ‏‏"هى مرة ‏فكرة مغادرتك يابراك ،أنت التي فتحت لى ذراعيك الكريمتين وآويتني بين ظهرانك يا لؤلؤة وضاءة ‏لامعة في واحات ‏مقاطعة فزان  قاطبة"‏

ويذكر الرحالة الشاب بأن هناك مرسوم تشريعي صدر بتاريخ 3/12/1934 يقضى بضم تريبوليتانيا وسيرينايكا ‏بمستعمرة واحدة تحت قيادة ‏والى عام مقره الثابت طرابلس وتحمل المستعمرة "اسم ليبيا"‏

في نهاية الكتاب يورد" برونيسواف "معلومات إحصائية، مهمة وبالأرقام عن أقليم طرابلس تشمل معالم ‏الطبيعة والتعليم، حيث رصد بالأسماء والأعداد مختلف المدارس بمدن أقليم طرابلس وأسماء الصحف و النوادي ‏والتجار والثروة النباتية والحيوانية وتعداد السكان بالمدن، وتوزيعهم وأصولهم ويعتبر الجزء الأخير من الكتاب ‏مصدر وثائقي مهم للباحتين والدارسين لتلك المرجلة من عمر ليبيا ‏

ويتحدث  المترجم ميخائيل عبدالله عن مصير مؤلف الكتاب وعن سبب عدم وجود أى ذكر له في بولندا  بعد ‏صدور كتابه فى عام،1935م حيث اكتشف بعد البحث والتقصي بأنه توفى مقتولا  على يد القوات الروسية وذلك ‏بعد أن راسل المترجم عدة جهات ثقافية ببولندا للتقصي عنه ،فوصلته  رسالة  من هيئة حماية ذكرى المعارك ‏ بأن المذكور، وجد اسمه ضمن تسعة عشرة ألف ضابط من ضباط الجيش البولندى ،الذى تم قتلهم ‏وأبادتهم جميعا على يد القوات الروسية ،برصاصة فى الرأس فى منطقة تدعى كاتين تقع فى أقصى غرب ‏روسيا فى سنة 1940 م وتم العثور على جثته عند النبش فى المقبرة الجماعية بغابة كاتين سنة194 م  وبذلك ‏انتهت حياة الشاب البولندى برونيسواف‏ بطريقة مأساوية وهو فى سن الثلاثين من عمره، تاركا خلفه كتاب رحلات  قيم ‏كان شاهد على حقبة مهمة في تاريخ ليبيا.

الأربعاء، 27 ديسمبر 2023

ليبيا بعيون الرحالة فرنسيس ليون

 

إنتصار بوراوي

 

يقول المؤلف الإيطالي "آيتي لو ومرى" فى كتابه الرحالة والكشف الجغرافي في ليبيا الذى ترجمه الأديب الموسوعي خليف التليسى بأن:" تاريخ الاكتشافات الجغرافية لليبيا بدأ في أواخر القرن الثامن عشر، ومطلع القرن التاسع عشر وكان لتأسيس الجمعية الانجليزية لاكتشاف أفريقيا الوسطى، الأثر الكبير  في الدفع بهذه الرحلات واستهلال عهد الاكتشافات لتلك الأقاليم ، وبعد المحاولات الأولى لإرسال  بعثة إلى أقاليم  النيل الأعلى ،التي عهدت بها إلى البحار الجريء لديارد الذى مات في القاهرة سنة  1788 أثر مرض  أصابه اقتنعت الجمعية، باتخاذ ميناء طرابلس نقطة انطلاق لبعثاتها

ومن خلال مطالعة مجموعة من كتب الرحالة الأوربيين، للصحراء الأفريقية  سنكتشف مدى  قدرتهم على التعامل بذكاء ، مع مجتمعات مختلفة تماماً عن مجتمعاتهم  مع البون الشاسع في المستوى الحضاري في مطلع القرن التاسع عشر  بين أوروبا والعرب في قارة أفريقيا ،حيث كانت قد بدأت  في أوروبا الثورة الصناعية فى حين كان العرب يرزحون تحت الحكم العثماني، الذى لم يهتم بالعلم والتعليم ولكن هذه الرحلات لم تكن بريئة من الغاية السياسية والاقتصادية للإمبراطورية البريطانية التى كانت في أوج عظمتها،  وكذلك فرنسا التي لديها مطامع في أفريقيا واحتلت كثير من الدول الأفريقية فيها ، وبالتالي فهذه الرحلات وأن اتخذت الطابع الكشفي الجغرافي،والجيولوجي إلا أنها تحمل في ثناياها خفايا نواياها السياسية والاقتصادية والثقافية.

الرحالة وليام لوكاس  1788م

تطوع الانجليزي وليام لوكاس بأن يكون أول مبعوث للجمعية، ولقد كان يعمل مترجما للجمعية عندما قبلت الجمعية الافريقية، فى سنة  1788م باقتراحاته للقيام برحلات استكشافية تنطلق من طرابلس وتمر بفزان ، والصحراء لتنتهي عند غامبيا وتتصل المعلومات التى جمعها عند فزان بوضعها العام وسكانها وتاريخها وشكل الحكم بها

فريدريك هورنمان

بعد أعوام من المحاولة الفاشلة ، التى قام بها لوكاس حاول الدكتور هورنمان أحيائها وقد ضحى من أجل تحقيقها بحياته وإليه يعود الفضل لبداية عهد الاكتشافات العلمية  لليبيا.

 

رحلة النقيب ع،ف،ليون  إلى ليبيا  في نوفمبر عام 1818م

 

يبدأ الرحالة ع،ف ، ليون   في كتابه "مدخل إلى الصحراء " الذى قام بترجمته الدكتور الهادي بولقمة  بوصف ما صادفه برحلته  إلى طرابلس من خلال حديثه عن أغرب الشخصيات التي شاهدها حسب مايذكر وهم "ما يعرف بالأولياء الصالحين "المرابطين"  والمتطلبات لضرورة إنشاء المرابط، هو اختلافها بين مكان وأخر ففي الجهات الداخلية يمكن استمرار هؤلاء في الظهور بمظهر القداسة ، والطهارة المزيفة بلا امتناع عن تناول المشروبات الروحية والأولياء نوعان معتوه ومن يسمح لهم بقول وفعل مايشاؤن. وآخرون بكامل قواهم استطاعوا بطريق الشعوذة إقامة حق اعتبارهم أعظم محتالين" ص 19

عقوبات الجرائم التى حدثت فى طرابلس في عام  1818م

يذكر المؤلف بأن الإعدام هي العقوبة، التي كانت  تنفذ بالمحكومين بالشنق وقطع الرأس وقطع اليد هو عقاب السرقة ، وقد يتجاوزها إلى بتر الساق أيضاً، وتطبق عقوبة الجلد جزاء المخالفات الصغيرة، ومع أن الحد المسموح به هو خمسون جلدة  إلا أن الرقم قد يرتفع إلى  خمسمائة جلدة.

وصف ع،ف،،ليون لمدينة طرابلس

يذكر المؤلف بأن طرابلس تبدو مدينة أفضل، حالا من المدن الليبية الأخرى خلال القرن التاسع عشر ، حتى مقارنة ببنغازي التي ذكرها الأخوان بيتشى في كتابهما عن الساحل الليبي بأنها مدينة خالية من أي مكان للتسلية .

في طرابلس كان يقام مهرجان سنوي أخر شهر يناير ، من كل عام  يستمر لمدة ثلاثة أيام تتخللها حفلات صاخبة ، بالإضافة إلى ما يذكره المؤلف عن سوق الثلاثاء ويصفه قائلا بأن سبب تسميته بهذا الاسم هو أنه  "يقام فى طرابلس كل يوم ثلاثاء سوق كبيرة على شاطئ رملي خلف المدينة ،كما يقام سوق أخر كل يوم جمعة

ويقطن طرابلس كما فى فزان نوعين من العرب، عرب رحل وآخرون مقيمين، العرب الرحل ليس لهم مكان ثابت إذ يقومون بنقل خيامهم، من جهة لأخرى تبعا لتوفر الكلأ ويطلقون على كل مجموعة منها اسم النجع ، ويتصف العرب بمنتهى الكرم مع أبناء عمومتهم ، كما لا يبخلون بكرم الضيافة مع أي غريب يحل بينهم.  

الفنادق والمدارس في مدينة طرابلس

يذكر الرحالة بأن هناك بعض البيوت، التي خصصت لاستقبال التجار ويعرف الواحد منهم بالفندق وتطابق في وصفها فنادق الشرق، كما توجد مدارس لتعليم القران والكتابة ولو أن أسلوبها فوضى وغير منظم .

الخمر والصخب

يذكر الرحالة بأن شرب الخمر فى طرابلس، يزيد عن أي مدينة أخرى، حيث تنتشر الخمارات التي يجلس الناس على أبوابها، كما يوجد فى المدينة عدد كبير من المومسات التي تفرض عليهن الإقامة في حي خاص ص61 

ويصف الرحالة ليون العرب بالتعصب الشديد، فيما يتعلق بأمور الدين والعباد رغم إيمانهم الواضح بالخرافات ،ويبين  الرحالة مدى معاناة العرب من الضرائب والإتاوات التي يفرضها الباشا التركي على المزارعين والتجار ، ويستغرب من عدم  نهب البدو كما يقول لزرع لا يخصهم إلا فى القليل النادر عكس جنود الباشا الذين يقومون بسرقة وتدمير محاصيل المزارعين.

 

عمل النساء فى البيوت

يرصد الرحالة تفاصيل الحياة اليومية للبيوت داخل طرابلس، حيث يلاحظ بأن النساء يقمن بالأعمال لصالح العائلة أكثر من الرجال، حيث تستخدم النساء أنوالا للنسج ولا يقوم الرجال بأعمال ذات بال داخل خيامهم مما يجعلهم ،فى حالة خمول عكس النساء اللاتي يبدين فى حالة حركة دائمة رغم أنهن لا يتناولن طعامهم إلا بعد خدمة أزواجهن

رحلته إلى الجنوب الليبي

 قام الرحالة ف، ع، ليون بشد الرحال، إلى الجنوب الليبي حيث كانت أول مدينة دخلها وتجول فيها هى مرزق وكتب عن الطوارق الذين اعجب وانبهر بهم وذكر بأنهم من أروع الأجناس الذين قابلهم ، فمظهرهم رائع وشخصياتهم تتسم بالاستقلالية والكبرياء والاعتداد بالنفس.

ثم توجه الرحالة إلى مدينة غات، التي يصفها في كتابه بأنها مدينة يحيط بها سور ضخم وشيدت بيوتها على نفس نمط بيوت مرزق ، ويعجب الرحالة بانفتاحهم حيث يسمح سكان المدينة للغرباء بمجالسة زوجاتهم وبناتهم  ، مع رجال العائلة حيث هن لسن مقصيات عن الضيوف من الرجال الضيوف أو الزائرين للمدينة عكس عادات العرب

ويذكر الرحالة بأن هناك سوق سنوي يقام، بمدينة غات خلال فصل الربيع ويؤمه التجار من المناطق المجاورة فيحضر تجار غدامس السيوف، والبنادق وبعض البارود أما تجار السودان فيحضرون الرقيق والملابس القطنية والذهب، وريش النعام، فى حين يحضر تجار فزان مزيجا من البضائع ويقدم جميع التجار إتاوة تسمى عقود الأمان

تجارة الرقيق في الجنوب الليبي

يتحدث الرحالة ف ع، ليون عن تجارة الرقيق ،التي شاهدها في مدينة مرزق  ويصف قافلة كبيرة تحمل ألفا وأربعمائة من الرقيق من الجنسين ، ومختلف الأعمار لتجار من طرابلس رفقة بعض التبو فيتحدث التجار عن الرقيق ،كما يتحدث الرعاة عن قطعان الماشية ، وقد جرى العرف على اهتمام التجار بتغذية رقيقهم متى وصلوا إلى مرزق حتى يتم لهم قطع باقي الطريق ،إلى طرابلس او بنغازي او مصر ويركز  الرحالة على حالة سوء معاملة ،السادة للأرقاء العبيد الخالية من الانسانية وخاصة الرقيق من النساء التي يذكر الرحالة بان الأمة التي تنجب طفلا ، من سيدها لا تباع وتبقى طوال حياتها تابعة له، ويبقى طفلها حرا له كل الحقوق المشروعة لغيره اما إذا أنجبت من أي شخص أخر فيضل، الولد أبدا من حق السيد المالك للأم لأنها هي نفسها  لا تملك حريتها ويباع الوليد كما تباع أمه.

كتاب الرحالة ف،ع، ليون ، يعطى صورة تاريخية اجتماعية واقتصادية وسياسية عن ليبيا في أوائل القرن التاسع عشر بأسلوب ممتع جميل  ،ويعتبر وثيقة تاريخية مهمة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية خلال تلك الفترة الزمنية من عمر الوطن.

                                                                                          

 

 

الرحالة و الكشف الجغرافي في ليبيا منذ مطلع القرن التاسع عشر حتى الاحتلال الإيطالي تأليف: اثيليو موري، تعريب خليفة محمد التليسي الطبعة الأولى، مايو 1971م

 

مدخل إلى الصحراء ، تأليف  ع.ف.ليون ، ترجمة الهادي أبوولقمة ،بنغازي منشورات جامعة قاريونس 1993 م

 

قسم ليبيا .. بدار الكتب الوطنية وحفظ النتاج الوطني

 



إنتصار بوراوى 

قسم ليبيا هو من الأقسام المهمة في دار الكتب الوطنية، حيث يقوم بتجميع الإنتاج الوطني الليبي ويتكون القسم من عدة وحدات إدارية وهى: وحدة الكتب ،وحدة المطبوعات والوثائق الرسمية، وحدة الدوريات العربية والأجنبية ، وحدة رسائل الماجستير والدكتوراة ووحدة العمل البيبليوغرافي الذي يقوم بإصدار البيبلوغرافيا الوطنية كل عام.

 تولت الأخت نعيمة الشحومى _ التي توفيت منذ أيام _ رئاسة “قسم ليبيا "  في دار  الكتب الوطنية طيلة ثلاثة عقود، وكان  قسم ليبيا  تحت إدارتها ، يضرب به المثل من حيث التنظيم والعمل المهني الملتزم ، والمحافظة على كل مقتنياته من كتب ودوريات مجلات وصحف والنشرات  الرسمية التي تصدر من الدولة  ورسائل الماجستير والدكتوراة  بالإضافة إلى الدوريات الأجنبية بلغات متعددة.

 كانت رئيسة القسم نعيمة الشحومى ، حريصة جداً على مقتنيات القسم، باعتباره يحمل الإرث الثقافي لليبيا  وكانت تعتز جداً بقسمها ، وتعتبر  رئاستها له مصدر فخر لها  وتدافع عنه بشراسة ضد أى محاولة تقصير، أو الإخلال باحتياجاته  من جانب الإدارات المتعاقبة،  وكانت الله يرحمها تعتبر "قسم ليبيا" وكأنه بيتها الثاني الذى تقضى به ساعات طويلة من يومها ربما أكثر، من ساعات وجودها ببيتها وخصوصا عندما تم افتتاح الفترة المسائية بدار الكتب الوطنية حيث كانت تتردد عليه بصورة دورية رغم وجود موظف كلفته بالأشراف عليه فى الفترة المسائية.  

وهبت نعيمة الشحومى سنوات عمرها وشبابها، للعمل بجدية لصالح قسم ليبيا بشكل منقطع النظير ولقد قضيت سنتين في العمل تحت رئاستها قبل أن انتقل من القسم  إلى أقسام أخرى بالدار. 

 عملت في دار الكتب الوطنية مع مجموعة جديدة، من الموظفات  حيث كنا حينها ضمن دماء شابة  جديدة تم ضخها للعمل فى دار الكتب الوطنية في بداية عام  1996م  حيت احتاجت الدار  وقتها إلى طاقات شابة  تعمل، على استكمال العمل المكتبي بأقسامها  ملء النقص في أقسام الدار وقامت رئيسة قسم ليبيا بتدريبنا، على مهارة العمل المكتبي وعندما لاحظت إتقاني ومحبتي للعمل عملت  على تكليفي نائبة لها و مسئولة عن القسم في حال غيابها ، ودخولها فى إجازة  رغم أنه لم يكن قد مر عام فقط على العمل معها بالقسم ،  وكان لقسم ليبيا فى دار الكتب الوطنية دور كبير في اطلاعي على كثير من صحف ودوريات ،العهد الملكي التي كنا نقوم بترتيبها ووضعها فى  أرفف بعيداعن العيون ،خوفا من أن تطالعها تقارير الوشاة فيعملون على تمزيقها أو التخلص منها ، لأن  إظهار أي  منشورات  أوصحف  صدرت بالعهد الملكي  كان من المحرمات  في تلك الفترة ،ومن خلال عملي بهذا القسم استطعت متابعة مايصدر يوميا من صحف فى عموم البلاد والاطلاع على الإصدارات الليبية  الجديدة من الكتب التي كانت تصل للدار أول بأول.

حافظت السيدة نعيمة الشحومى على مقتنيات القسم، وكانت تمنع منعا باتا فتح باب استعارة الكتب من "قسم ليبيا"  ، لمعرفتها بأن فتح هذا الباب سيؤدى إلى ضياع الكتب وكل محفوظات القسم لعدم وجود  ضمان لعودة الكتب أو محفوظات القسم في حال  إعارتها  خارج دار الكتب الوطنية ،على عكس الأقسام  الأخرى بالدار  التي كانت تفتح أبواب الاستعارة بشكل غير فعال مما أدى إلى ضياع ،وعدم عودة كثير من الكتب والدوريات بالأقسام الأخرى.

ونتيجة اتخاذها هذا القرار، تعرضت لكثير من المحاربة ، و ولكنها كانت صلبة وقوية  وعاشقة لعملها  ولديها حب لمعنى وقيمة عمل المرأة، الذى لم تساوم عليه يوما  وضحت من أجله بكثير من الأحلام ، وكانت نموذج للمرأة العاملة الليبية ، حينما كان للعمل قيمة ومعنى ، فهى تعتبر من الجيل الرائد فى العمل الوظيفي بالدولة مع نخبة من زميلاتها  اللواتي  نهضت الإدارة الليبية  الوسطى في كافة مؤسسات الدولة على أكتافهن أسوة بالرجل.

كنت أتمنى أن تكون  دار الكتب الوطنية فى عافيتها، كى تقوم بتكريمها بعد تقاعدها   ولكن للأسف توفيت الأخت نعيمة الشحومى، دون تكريم  وقلبها يحمل المرارة على ما آلت عليه دار الكتب من إهمال  ، وعدم العمل على صيانتها وعودتها للعمل وضياع  قرابة عشر سنوات من عمر دار الكتب الوطنية  و"قسم ليبيا" دون القيام بعمله المنوط به وهو حفظ  النتاج الأدبي والعلمي والثقافي الليبي ، نتيجة إغلاق  مبنى الدار وبالتالي عدم ورود أى نسخة من المؤلفات التي صدرت خلال كل سنوات  إغلاق الدار ،للاحتفاظ بها فى قسم ليبيا كما كانت تعمل الدار منذ  أربعين عام قبل إغلاقها بغرض إجراء أعمال صيانة  لم تتم مطلقا.

 عشرة سنوات صدرت فيها مئات ، الكتب والدوريات سنويا  يعتبر إخلال بالمهمة الرئيسية للدار من خلال "قسم ليبيا" الذى حرصت  رئيسته طيلة قرابة ثلاثين عام ،  على  تقدير أهميته كنواة لدار الكتب الوطنية يتم فيه حفظ النتاج الوطني الليبي ، للاستفادة منه  للباحثين والطلبة والدارسين وليبقى ذاكرة الوطن التي لا تمحى.

والحقيقة أن صمت الأدباء والمثقفين الليبيين ، ولا مبالاتهم للمصير المؤسف  لدار الكتب الوطنية التي تقوم بدور كبير، بحفظ  نتاجهم الأدبى للأجيال المتعاقبة  هو أمر مؤسف فعلا فلم نرى أي تحرك أو حتى  كتابة  مقالات عن دار الكتب الوطنية لمطالبة وزارة الثقافة للقيام بدورها  للاهتمام  بها ،وصيانتها لعودتها للعمل من جديد  كحافظ للنتاج الوطني الليبي الأدبي والعلمي ، وهذا يعطى صورة عن  هروب المثقف الليبى من القيام بدوره  الناقد  لاهمال وتقصير  وزارات الثقافة المتعاقبة تجاه مؤسسة كبيرة وضخمة بحجم وقيمة دار الكتب الوطنية التي تعتبر ذاكرة الثقافة الوطنية  الليبية من خلال  دورها الكبير لعدة عقود  كمكتبة رسمية للدولة تقوم بجمع الإنتاج الفكري الوطني وحفظ نسخ من كافة المطبوعات التي تصدر داخل وخارج الدولة وتقدم خدماتها للباحثين والدارسين فى كافة المجالات  

"ركلة جزاء" محمد الأصفر


 

 إنتصار بوراوى

في رواية "ركلة جزاء" للروائي محمد الأصفر، ينساب السرد الرشيق كنهر رقراق   بتفاصيل روائية تعبق في الجزء الأول منها،  بروح بنغازى  وتفاصيل أحياءها  وربطه بأحداث مفصلية في المدينة وبزلزال الثورة في ليبيا ،في ربط سردى محبوك  بين شخصيات من بنغازى ومدينة تاورغاء  بسرد يلملم كثير من فصول الحكاية ،عبر وجوه أبطال وبطلات الرواية الذين يتواشجون في علاقات إنسانية وقصص حب طازجة يبرع الروائى محمد الاصفر في حبكها برواياته  ببصمته المميزة في كتابة رواية ليبية  حتى النخاع فلا يستورد قصص أو حكايات من عوالم أخرى أو يكتب عن شخصيات بعيدة عن الواقع الليبى بتهويمات فكرية بعيدة  وانما يكتب بحبر الواقع الليبى ،الذى يغوص قلمه فيه  فيعريه ويسرده برشاقة تجعل القارىء يتابع بأنفاس، محبوسة أحداث الرواية  وروحها البنغازية من خلال سرد حكاية ناديها الكبير ومطربها الشعبى الأثير وأغانيها وأهازيجها وأفراحها الشعبية  ،وحكايات انتفاضاتها المتتالية ضد الديكتاتورية إلى الثورة التى رسمت حكايتها على شخصيات الرواية ،من خلال ربط بطلة الرواية البنغازية  بالضابط التاورغى لتنتقل الرواية، في جزأها الثانى الى تاورغاء  ليرسم المؤلف لوحة سردية لمدينة تاورغاء ،في سنوات ماقبل الثورة وحين كانت مدينة تربض وادعة في علاقة جيرة وود مع  جارتها مدينة مصراتة ، ويبرع في وصف طبيعتها  و اسلوب حياة اهلها ، واعمالهم ومأثوراتهم الشعبية وأكلاتهم وجيرتهم الودودة وعملهم بمصراتة ، قبل ان ينفجر زلزال الثورة ويفككك العلاقات وتدخل المدينتين في حرب مستعرة ، وفى لعبة سردية  ذكية تعيش ابنة بنغازى "حليمة" أحداث الثورة والحرب في   تاورغاء ، بينما يعايش ابن تاورغاء أحداث الثورة ويكون في جانب الطرف القامع في بنغازى ،ولكنه يرفض أن يطلق الرصاص على المتظاهرين وتتسارع أحداث الرواية في تفاصيلها، وفى رسم لوحة بانورامية خلال تلك الأحداث  لتتجاور وتتقاسم مدينتى بنغازى ،وتاورغاء فصول الرواية وليدخل الروائى الى منطقة محرم الحديث عنها، والاعتراف بوجودها في المجتمع الليبى وهى النظرة العنصرية لأهالي مدينة تاورغاء ،وذلك الاحساس التاريخى  بالاهمال والتهميش  نتيجة بشرتهم السوداء،والذى حفزهم لارتكاب الخطيئة الكبرى بالهجوم على جارتهم  مدينة مصراتة أثناء الثورى، وهزيمتهم وتشتتهم في المدن الليبية خوفا من الانتقام والقتل والتنكيل بهم ، وبذلك يكون للروائى محمد الاصفر قصب السبق في الكتابة  عن التغريبة التاورغية لأهالى تاورغاء داخل وطنهم وربط ذلك بمدينة بنغازى باعتبارها هى منبع الثورة وأساسها وبالتالى هى مسئولة أخلاقيا عن تداعياتها على الوطن  ،وفى إشارة جميلة عن مسئولية بنغازى لتداعيات الثورة تحتضن كنيستها الضابط التاوغى  الهارب، ثم ينتقل الروائى إلى الشخصية المقابلة لضابط الأمن التاورغى  ، وهو الشاب البنغازى المدنى الثائر الذى  سرد الروائى  تفاصيل تكوينه في بداية الرواية ، والذى افتداه ضابط الأمن بجسده بعد أن رفض إطلاق الرصاص عليه  وتحمل  رمزية هذا الحدث بالرواية رسالة عنوانها التسامح والمحبة بين أبناء  الوطن الواحد وتركل الحقد والضغينة والانتقام من النفوس كى تصفى القلوب وتتسامح وتعيد بناء الوطن من جديد.
 
 
 

ات فكرية بعيدة ، وانما يكتب بحبر الو

سردية جدارية البردي في رواية "الرسام الإنجليزي"

 



إنتصار بوراوي

 

تغوص الروائية رزان المغربى في روايتها الثالثة  "الرسام الإنجليزي.. حكاية جدارية البراديا وطبرق" الصادرة عن دار "منشورات ضفاف" في لبنان ، في التاريخ الليبي وتلتقط من خلاله قصة الرسام الإنجليزي "جون فردريك بريل " الذي جاء إلى طبرق، رفقة الكتيبة الإنجليزية التي حاربت الجيش الألماني وقائده رومل في الحرب العالمية الثانية، وأثناء وجوده قام برسم جدارية البردي في مبنى على قمة منحدر يطل على خليج البردي، وظلت هذه الجدارية كمعلم فنى تاريخي خالد معبر عن أهوال الحرب العالمية الثانية التي جرت  بعض فصولها فوق الأرض الليبية .
 الخلفية الزمنية والمكانية للرواية
تستحضر الكاتبة تاريخ ليبيا خلال الحرب العالمية الثانية، وتربطه بالتاريخ المعاصر من خلال شخصيات الرواية التي يرتبط حاضرها بماضي وتاريخ ليبيا.
استعملت الروائية في تكنيك سردها  ،على الأسلوب الحديث في السرد عبر اللعب بين الأزمان والانتقال بين الزمن الاسترجاعي للماضي  ،والحاضر حيث تستهل الروائية روايتها بأربعينيات القرن العشرين ثم تنتقل لشخصية سلمى فى تسعينيات القرن العشرين ومآبين عامى2006 _2011  ثم تعود الرواية لأحداث ليبيا ،خلال أواخر الثلاثينيات أثناء الاحتلال الإيطالي لليبيا ثم حقبة  الأربعينيات خلال الحرب العالمية الثانية ،من خلال سرد  طفولة شخصيات سدينة والمنصوري وحسن الاعرج وحباره وخيرية اليهودية، الذين تعرفوا على الجندى الإنجليزي في  طفولتهم بأربعينيات  القرن العشرين  .
تنتقل الرواية بين عدة أمكنة جغرافية، ما بين مدن طبرق وبنغازي والقاهرة روما في إيطاليا ولكن المساحة السردية في الرواية الأكبر، كانت لمدينة طبرق التي استقر فيها الجندى والرسام الإنجليزي مع كتيبته لفترة في البردى بطبرق، و دارت على تخومها أحداث الحرب العالمية الثانية وباعتبار طبرق مسقط رأس عائلة "سلمى المنصوري" التي تستمد من سردية جدها وجدتها بعض التفاصيل عن حياة الجندي “جون بريل "في قرية البردى بطبرق.
 
 شخصيات وأصوات الرواية
 
تحفر الروائية رزان المغربي عميقا في سردها، وتبدأ روايتها بالسرد بضمير الغائب عن سيدة انجليزية غريبة تقوم بزيارة المبنى القديم، الذي أقام فيه الجندي والفنان الإنجليزي جون بريل بقرية البردي وتصف الروائية بأسلوب سردي فني بارع، قرية البردى الهادئة الوادعة وحيرة من يرون السيدة الأجنبية الغريبة واستغرابهم، من حضورها كل فترة رفقة طفل أشقر صغير لزيارة المبنى وتفقده ثم طلبها بعد مدة من الصياد الذى يصطاد جوار المبنى بالاهتمام بالمبنى وتنظيف الغرفة التي توجد بها الجدار.
يكتنف الغموض شخصية المرأة، التي لا تفصح عنها الروائية إلا في الفصول الأخيرة من الرواية ولكنها تلمح لعلاقتها بالشخصية الرئيسية، التي تدور حولها الرواية وهي شخصية الجندي والرسام "جون بريل" من خلال شخصية، حكيم حفيد الطفل الذي كان يرى السيدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهي تزور المبنى العتيق المهمل بقرية البردي والذي يجد في المعلم الفني للجدارية جاذبية والهام للبحث عنها، بعد معرفة قصتها من جده ووالده الذين كان المبنى بعهدتهما
تسرد الرواية مرحلة الاحتلال الإيطالي والمعتقلات، وتصف الروائية حال المعتقلين بمعتقل البريقة التي اعتقل فيها الطفل المنصوري مع والدته وأخته، ومن خلال عيون وعقل الطفل ترصد الروائية حال المعتقل وتفاصيل الحياة فيه، ولقاؤه بحسن الأعرج الذى التحق مع كتيبة إيطالية أو كما قال" يأتى الإيطاليون إلينا بجنود من مستعمرات أخرى لمساندتهم في قتال المجاهدين ولو ماتوا فلن تكون خسارة بالنسبة لهم ،ويفعلون ذلك معنا يجندون الليبيين بعد تدريبهم على كل شيء"
يسرد والد سلمى حامد  المنصوري  قصة والده المنصوري ، الذى اعتقله الإيطاليين بمعتقل البريقة  ونتيجة ذكائه ونباهته التي لاحظها  ،الجنرال المسئول عن المعسكر اختاره  للذهاب معهم إلى مدينة طبرق للعمل موظف في الإدارة الإيطالية ، ودرس في المدارس الإيطالية  مع أطفال الإيطاليين وأبناء الموظفين ،الذين يعملون في المكاتب الإدارية مع الطليان  قبل دخول الإنجليز لمدينة طبرق واستقرارهم في البردى، وتعرضهم للحصار، من الألمان وحرب الكر والفر بين الحلفاء والمحور حيث يصل الجندى والرسام جون بريل ،الذى انضم ضمن الكتيبة الخامسة فوج يوركشاير الشرقي،  بعد نشوب الحرب العالمية الثانية ، و حارب في أوروبا في معركة دنكرك على الساحل الفرنسي، ثم نقل إلى الشرق الأوسط ضمن فوج الإمداد العسكري في  القاهرة ثم انتقل إلى شرق ليبيا، في عام 1941  عندما احتلت القوات البريطانية منطقة البردي بعده بفترة وجيزة بدأ بريل في رسم جداريته، والتي انتهى من رسمها في 12 أبريل 1942
 يستقر الجندي جون بريل فى طبرق، ويختبئ في غرفة بمبنى بمنطقة البردى بعد هجوم الألمان على مدينة طبرق، ثم تراجعهم ومحاصرتهم للمدينة وتتقمص الروائية روح الفنان التشكيلي الإنجليزي ساردة عبر ضمير المتكلم، قصة رسمه لجداريته الشهيرة قائلة: "لايتذكر جون نفسه وهو يرسم تزجية للوقت، فالفن إيقاع نبضه الداخلي، عندما ينظر إلى صورته في المرآة يرى تكوينه من الداخل يحرضه على إعادة تصور كل ما حوله ثم تشكيله كما يبدو عليه للناظرين وإذا لم يفعل يختل توازنه النفسي"
ترسم الروائية شخصية الجندي والفنان التشكيلي ببراعة، عبر لعبة الخيال الروائي وكان بالروائية تقمصت شخصيته، وكتبت ما جال بخاطره وأفكاره حين أقام بالمبنى الذي رسم فيه جداريته الخالدة كما يقول" القدر سأقنى إلى هذا المبنى، حيث اقيم منذ ما يقارب العام وهيأ لي بدل الأسر حرية وبدل السأم من البقاء مع صناديق المؤن امتلكت حائطا ألهمني كيف أسيطر على مخاوفي من فقدان هويتي الشخصية"
جون بريل وجد في رسمه للجدارية، تحرر وانعتاق من الحرب التي تسحق روحه ومعنى لإيصال رسالة عن عبثية الحرب وجهنميتها، كما اكتشف في رفقته للبدو الذين يقطنون البردي قيم الشهامة والمروءة التي ظهرت عندما استولى الألمان على منطقة البردي، وانسحب الجيش الإنجليزي منها فيما وقع هو مغشيا عليه ليجده البدو ويحضنونه ويخفونه بعيدا عن عيون الألمان كي لا يعتقلوه أو يقوموا بقتله.
 انتقلت الأصوات السردية بالرواية بين صوت ضمير الغائب وضمير المتكلم فأحيانا تسرد الروائية الأحداث التي حدثت مع شخصيات الرواية، بضمير الغائب وأحيانا أخرى تترك شخصيات الرواية تروى الأحداث والمشاعر التي تعتمل داخلها عبر ضمير المتكلم.
صورة المرأة بين الصداقة والتمرد والحب
تتوزع شخصيات النسائية بالرواية وتتشكل عبر قصة صداقة سدينة  وحبارة وخيرية اليهودية  في الأربعينيات وترسم الروائية تفاصيل صداقتهن، ومسار حياتهن بجمالية سردية وتطل شخصية سلمى بالرواية كالعنقاء التي تخرج من تحت رماد ،الأيام والذكريات لتنسج قصتها الخاصة بعيدا عن أرث الماضي، ولكنها في نفس الوقت مرتبطة بالوطن رغم ابتعادها عنه لمدة عشرة سنوات عبر بحثها ودراستها في عمق التاريخ، عن حكاية الرسام والجندي الإنكليزي الذى رسم جدارية البردى  فتنقب في ذاكرة والدها، وجدتها لتسترجعه من التاريخ  عبر سردية  جدها المنصوري وجدتها  سدينة  ،ثم تربط الحاضر بالماضي، من خلال تعرفها على طالب الدراسات العليا  الذى ارتبط عمل والده بحراسة مبنى جدارية  البردى، وعثر على أوراق الجندي والرسام جون بريل  الذى قدم لها زوايا  فنية مهمة  في جدارية البردى
تظهر سلمى كامرأة متمردة، تخلت عن ماضيها مع الحب البائس وفتحت قلبها لرجل من جنسية مختلفة كما تقول بلسان المتكلم بالرواية" مواجهة الواقع تحتاج إلى شجاعة فائقة إذا ما كنا غارقين في الوهم والأحلام، بالذات مع لحظات ضعفنا الإنساني، يصبح الأمر شاقًّا، ويحدث خلخلة لم نستعدَّ لها، مما يلزمنا بالانصياع والقبول حتى لا نفقد توازننا، هذا ما فكرت فيه بعد أن انجلى وتوضح بعض ما كان خافيًا عني لزمن طويل"
ولكن سرعان ما تتهاوى قصة الحب مع الإيطالي فرانكو، حين يتحول الانبهار الى فتور وتمضى تاركة خلفها حبها الأول، خالد الذي حاول العودة إليها واسترجاعها ولكنها ترفض العودة إليه لأن صورته البهية، سقطت من عينيها   نتيجة المواقف التي عاشتها معه في ماضي قصة حبهما
تتشابك فصول الرواية وتتفرع وتنتقل بين الأزمان، في كسر للبناء التقليدي للرواية الكلاسيكية من حيث تهشيم الزمن بالتقديم والتأخير، في البناء السردي للرواية لتروى الكثير من تاريخ ليبيا عبر شخصيات الرواية المتعددة، والتي ترتبط جميعها بشكل من الأشكال بمعرفة قديمة بالرسام الإنجليزي الذي رسم جداريته بالبردي، ثم توفى تاركا خلفه أثر فني كبير يعبر عبر رموزه عن كراهية الحرب والتوق إلى انتهاء الحرب وحلول السلام.
قامت الروائية الليبية رزان المغربي، في روايتها باستخراج الجدارية الفنية الخالدة من غبار الإهمال والنسيان وخلدتها بأسلوب سردي بارع ،وجمعت في ثناياها سردية جميلة عن الفن والصداقة والحب في مواجهة الحرب والخراب والقتل عبر مختلف  الحقب الزمنية في تاريخ ليبيا.
 
 
 
 
 
 
 
 
.
 
 

الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...