الأربعاء، 14 يونيو 2023

بلاد مستيقظة في عيوني




 إنتصار بوراوي

يامن تفتحين أبوابك للعابرين وتقفلينها فى وجه عشاقك المقيمين في حضرتك موائد محبة ولوعة واشتياق اليك؟ ما بالك أيتها السامقة لا تفارقين خاطري ولااتهجى العالم دون أن تكوني انت أول الحكايات ومنتصفها ونهايتها .

 

ياأمنا الطيبة التي فر منك عشاقك ومحبيك ميممين صوب سواحل المدن المبعثرة فى أقاصي العالم ..كى يتناسوا عشقك الصعب والمستحيل ويهنأو بالرضا بعيدا عن جحافل الظلام التى خيمت فوق طرقاتك ويتها العاصية القاسية على احبتك ..والعنيدة على عشاقك ..كيف لى ان اغمض عيوني لاارى وجعك المرسوم فى حدقات شبابك الضائعين على طرقاتك وبناتك اللواتي انتحرت الاحلام فوق جفونهن فى انتظار زمن لم يجئ.

 

أيتها البتول الجميلة ..كيف أدارى شجن قلبى المتكئ على عتبة نافذة العمر المحدق فى سرابك الذى خلته سيغدوا ذات يوم  ماء عذب سلسبيل.

 

ياأمنا الطيبة التى نامت فوق ضفة الحكايات المبتورة والمقتولة ،لماذا تقفين بينى وبيني؟ولماذا حين أحدق في وجهى لاأرى سوى صورتك فى مرايا الامس الجميل ولاأرى وجه الحبيب إلا بهامة تليق بمحبتك؟ ولاتنسج روحي عشقها الا لمن جاب فيافى دروبك الوعرة ومنح اجمل أيام عمره مهرا لمحبته اليك

 

بأي اللغات أكتبك يامن انحنت الأبجدية لأجلك، وتسامق الوجد بقلب من عشقوك فوهبوا أرواحهم قرابين عشق ببلاط عشقك المقيم .

 

بأي اللغات أكتبك وهل لحزن العالم النائم في قلبي أن يشفى وجع عمري الذي تهجى أحلامك الناعسة فوق سرير الأماني بأيام أكثر عدلا وانسانية فلم تجىء .

 

ها أنا جاثية على أعتاب هاويتك أرثيك بكلمات تضيق عباراتها على أن تستوعب حجم كارثة فجيعتك وفجيعتنا الموغلة فينا وفيك .

 

أي الكلمات سترثيك وكل الكلمات محض هباء فارغ يتناثر فى سديم الكون المحدق بفجيعة عجزنا على أن نمد الأيادي لانتشالك من هاوية الخراب العظيم.

 

ياوجع العمر كله الملتف كأفعى حول رقبة الامنيات المقتولة فلا يد تمسح رأس الأحلام المتوارية خلف سديم الغيوم ،ولا غد يمسح حزن عمرنا الملتاث بأثر فجيعة تفاصيل ذاكرة ارهقها رعب الماضي ويأس الحاضر الأليم  .

 

ما عاد البكاء مجديا ولا استدعاء الأماني الغابرة يشفى جرح فجيعتنا وحزننا المقيم، بعد ان ابتلع حوت الخواء ايامك وأحلامك المقتولة والموءودة تحت رمل الخوف المريع.

 

بأى اللغات أكتبك وأي أبجدية تتسع لرثائك وكل اللغات تضيق أمام هول الوجع المسكون فينا وفيك .

 

يا أمنا الطيبة كيف لنا أن نمسح الدموع التي حفرت أخاديدها فوق وجهك الجميل وأنت تراقبين ابناءك وهم يقصمون ظهر احلامك ويجيرون  الزمن لهاوية اليأس المقيم .

 

 ياأمنا الطيبة هبينى لحظة صحو كي اتأمل بعيون الوجد وجوه أولادك الطيبين الكبار فى عيوني ، مهما أشتدت بهم احزان  الوجع الاليم

أولادك القابضين على جمر الحياة القاسي، المديرين ظهرهم لغوايات طريقهم الوعر، الراقصين فوق نيران الصدق والحقيقة، الدافعين ثمن حقيقتهم صحارى ألم و غابات حزن مقيم .

 

ابناءك الطيبين الذين يتضوع عطرهم في سماءك فيغطى أريجه غثاثة بهرجة القبح القميء المتصدر واجهات العرض المسرحي المثير للضحك المخنوق الحزين .

 

ياأمنا الطيبة كيف لى ان أتأمل بهدوء وحياد وجه ابناؤك في مدينتي النائمة فوق أرصفة اليتم ، وأنا المكتفية بذاتها كملجأ وملاذا من بغى وجوه تصدرت شرفات الأيام وسحبت اكسجين الحياة من عروق عمرها المتسربل بالدمع الدفين .

 

وكيف لي ان أغمض عيوني كى لاأرى تفاصيل الفقر والاهتراء في شوارعك ونواصيك وكيف لى أن أصم أذاني عن سماع صوت أنين ألم ابناءك المتروكين على حافتك يهذون بانتظار صبح لم يجيء .

 

ياأمنا الطيبة هل تسامحي عجزنا، نحن الذين لم نمتلك امام صوت أنين ألمك سوى الحزن وترتيل مراثي ترثيك.


 

 

 

قصر الصبار ...الجسد الأنثوي المقتول

 

 

إنتصار بوراوي


تبدأ رواية "قصر الصبار" للقاص والروائى العراقى زهير كريم بصوت الراوى وهو  شخصية  الصحافي بمؤسسة الصحافة العراقية ،الذى يتحدث عن مهمته الصحافية التي أوكلت اليه بإعداد تقرير صحفي، عن "المباني التراثية " في بغداد فيقع اختياره على مبنى  قصر قديم يطلق عليه، اسم "قصر الصبار" ، بمدينة بغداد  وحين يذهب للتقصي الصحفي عن القصر يمنعه ،الجنود الأمريكيين الذين اتخذوه مقرا لهم بعد احتلال العراق في عام 2003 " وبينما هو يتحدث معهم يخرج أحد جيران القصر  ليروي له قصة القصر والسكان الذين تواردو ،عليه منذ بناؤه فى عام1915 وفى معرض حديثه عنه يخبره بأنه عثر على مجموعة، كتب بها يوميات كتبتها امرأة اسمها  "نرجس" وهى أخر من سكنت بالقصر ،الذى توالى على شرائه والسكن فيه عدة شخصيات منذ بناؤه على يد ضابط بريطاني في عشرينيات القرن العشرين ومن خلال ثيمة "اليوميات" يبنى الصحفى الكاتب  البنية السردية لروايته التي يرويها عن شخصيات وأحداث القصر.

زمن الرواية بين الاسترجاع والاستباق

يبدأ زمن الرواية عند مجيء الصحفي للقصر ،  في عام 2004م   

ثم يعود زمن الرواية للخلف لما قبل احتلال بغداد،في  عام 2003 من خلال استرجاع أحداث الماضي عبر صوت، بطلة الرواية التي كتبت أحداث حياتها في دفتر لليوميات الذى ينسج منه الصحفي بطل الرواية روايته التي يرويها للقارئ .

اعتمد الروائي على تقنية الحبكة السردية الحديثة، في كتابة الرواية من حيث تمازج الأزمان بين الحاضر والماضي والمستقبل،  كما  ذكرت الكاتبة نتالى ساروت في  فصل من كتاب  " الرواية الجديدة والواقع " 

الزمن الحكائى فى الرواية الجديدة، تخلص من تعاقبيته الكرونولجية القياسية فى الرواية الواقعية ليتحول الى سيرورة تزامنية تتحابك فيها ازمنة الاستذكار (الماضى) والاستشراف(المستقبل) والكتابة الحاضر فلم يعد الزمن ذلك التيار السريعى الذى يدفع الحبكة الروائية الى الامام ، بل أصبح مثل ماء راكد تحدث تحت سطحه تقلبات وتحللات بطيئة"1"

وهذا مانجده في رواية "قصر الصبار " ،التي تنتقل فيها الأزمنة  بشكل غير متوقع للقارئ  بين الماضي والحاضر والمستقبل، بصورة  تحتاج من القارىء للتفاعل كى يربط الأحداث الزمنية للرواية

ويظهر الاستباق فى الرواية فى التلميح لأكثر من مرة عبر صوت الراوى وهو الصحفى الكاتب بالرواية إلى حدوث حدث مأساوى كبير باليوم الأخير لشخصية "نرجس " بالقصر ورغم ان كاتب الرواية أشار إليه إلا أنه لم يفصح عنه خلال السرد الروائى كما يقول الدكتور سعيد يقطين فى كتابه" تحليل الخطاب الروائى " ان الاستباق كما يذكر جينيت بكونه" يحيل مسبقا على حدث سيحكى فى حينه بتطويل" لذلك يلعب الاستباق التكرارى دور الاعلان وان هذا الاعلان او الافتتاحية كمايبدو من خلال هذا النوع من الاستباق هو مؤطر الترتيب التتابعى إننا نبدأ به لنصل إليه" 2"

وذلك نجده في خطاب السرد الروائي، الذى يتتابع في سرده إلى أن يصل للمحطة الأخيرة بمقتل بطلة الرواية " نرجس" .

 

نموذج بطلة الرواية

كتب كثير من الأدباء، عن المرأة التي تعمل بالدعارة في رواياتهم ولعل أشهرهم الكسندر دوما الابن في روايته "غادة الكاميليا، ودستوفيسكى في روايته " الجريمة والعقاب"  وتولستوي في روايته " البعث " ، والروائي الكبير غابريل غارسيا ماركيز في  روايته "ذاكرة غانياتي الحزينات ، و باولو كويلهو في  رواية "إحدى عشر دقيقة " وغيرهم من الأدباء العالميين.

       أيضا كتب الروائيين العرب عن نموذجها في تفاصيل رواياتهم منهم ونجيب محفوظ يوسف ادريس وحنا مينه ، ادوارد الخياط ومحمود المسعدي ورشيد بوجدرة ولكن شخصيات  النساء اللواتي،  يعملن بالدعارة في  أغلب روايات الأدباء العرب لم يكن بطلات روائيات وإنما شخصيات عابرة ،يدخل أبطال  الروايات لعوالمهن بشكل عابر ولكن في في رواية " قصر الصبار" للروائى  زهير كريم ،  نجد إن شخصية المرأة التي تبيع جسدها هي بطلة الرواية كاملة، و تدور الرواية حول حكايتها وقصتها فتتحدث عن نفسها وعن مشاعرها ،واحساسها بنفسها وجسدها من خلال صوت الشخصية الروائية الرئيسية " نرجس" ،التى يغوص الروائي في أعماق شخصيتها من خلال دفتر يومياتها ،الذى تروى فيه تفاصيل كثيرة  عن الفتاة الجامعية البسيطة التي كانت عليها، قبل إن تتحول إلى  "بائعة هوى" كما تقول في أحد مقاطع دفتر يومياتها تقول " لو عرفت ما سيحدث لي لبحثت عن طريقة ما كي أبقى طفلة ولا اكبر"ص30

ومن خلال استرجاع ماضى حكاية "نرجس"، يمتد السرد الروائي ليكشف العوالم المعتمة التي قادتها  للطريق السيء الذى سارت فيه ،  والذى كانت بدايته بعلاقة الحب القصيرة مع شاب التقته، وهى فى سنواتها الاخيرة بالجامعة فاقنعها بكلامه المعسول كي تلتقيه في شقة صديقه، و سلمت له جسدها بعد ذلك تركها وسافر من مدينتها البصرة  وعندما أخبرت أمها، بماحدث معها  لم تقف بجانبها وتساندها وتبحث عن الشاب الذى قام بفعلته وهرب ، بل هددتها بإبلاغ اخيها كى يغسل عاره ويقتلها ولكى تستبق "نرجس" أمها في كشف سرها الدامي، سارعت إلى أخيها  وأخبرته بأن الحى يتحدث عن سمعة والدتهما السيئة وعليه أن يغسل عاره ويتخلص من والدتهما  وفى حمى غضبه،  يذهب ويقوم بقتل والدته ويلقى في السجن فيما تهرب هي من مدينتها  للبحث عن الشاب ،الذى سلمت له جسدها ولكنها لا تجده لتقع بين يد رجل يأخذها إلى  بيت للدعارة  ،فتعمل فترة في ذلك البيت إلى أن تلتقى بشخصية "سالم "  الذى يلتقطها  من بيت الدعارة الذى كانت ،تعمل به  ويتزوجها وكان يرغب فى ارتدائها  الحجاب ولكنها رفضت ،فحدثت مشاكل وعدم اتفاق بينهما ثم  يقتل  زوجها  على يد ضابط استفز زوجها بالكلام عنها ورغبته فيها.

 بعد حادثة مقتل زوجها على يد الضابط ،تهرب " نرجس" للعيش مع الضابط الذى قتل زوجها ويقضى أخ زوجها المغدور سنوات، في البحث عنها ولكنها تهرب مع الضابط من البصرة إلى بغداد ،ويتم اعتقال اخ زوجها بعد الانتفاضة التى حدثت بالبصرة بعد غزو العراق للكويت ،ولبث فى السجن لمدة عامين وعندما خرج من السجن استمر فى البحث ولكنه لم يعثر عليها.

تكتب نرجس فى يومياتها عن الرجال، الذبن يترددون على بيتها بعد أن تركها الضابط   "هؤلاء الرجال الذى يجيئون الى هنا يبحثون عن المتعة ،الحياة التى يتمنونها ولا يستطيعون عيشها في العلن انهم يبحثون عن الزوايا السرية، التى تحيطها الأسوار العالية والستائر المنسدلة الحياة الاخرى المفضلة مع الاحتفاظ بالصورة المزيفة التي يواجهون بها الناس كلهم جوعى ومتصدعون خاصة من كان له علاقة بالسلطة يأكل الخوف قلوبهم المؤامرات والمكائد أقدم لهم ما يرضى رغباتهم المنحرفة انا اريدهم لأجل المال والامان زبائن بيننا مصلحة متبادلة، أوفر لهم بنات بحجم بناتهم بل حفيداتهم ويوفرون لى المال وقضاء حوائجي " ص 112

تتحدث صوت الشخصية " نرجس "هنا في مونولوج سردى،  معبرة عن رؤيتها للرجال الذين يتواردون على  البيت، وتكشف كتابة يومياتها بأسلوب المونولوج الداخلي عن شخصية تكره العالم والوجود، وكل الرجال الذين كانوا يتواردون على جسدها أو على بيت الدعارة  للحصول على فتيات صغيرات ، مطلقة عليهم صفة الحشرات  وتوجه غضبها للظروف والأيام، التى قادتها للعمل بالمهنة القذرة التي شوهت روحها .

شخصية " نرجس" في رواية قصر الصبار انتقلت من فتاة عادية تطمح للحب والزواج  إلى امرأة حاقدة قاسية القلب،  لا تبحث إلا عن المال ومن خلال علاقتها برجال السلطة والقيادات الأمنية ، تتكشف حماية رجال السلطة، بعصابات الدعارة المتكونة من شخصيات لديها مناصب عليا بالدولة ،والتي تتكاثر في البلدان التي تتعرض للضيق الاقتصادي والحروب ،والقمع وعدم وجود حرية للتعبير للكشف عن تلك الشخصيات القيادية بالدولة ،التي تستغل الأوضاع الاقتصادية  للفتيات الصغيرات الفقيرات كى تقودهن لبيع أجسادهن ،من أجل الحصول على المال

أصوات شخصيات الرواية

في بداية الرواية يهيمن صوت الصحفي ،حيث نعرف من خلال سرده حيثيات رغبته في كتابة الرواية التي كتبها، عن القصر وسكانه ثم يخرج صوت الراوي الصحفي ليسرد تفاصيل بعض شخصيات الرواية ،وخيوط علاقة  التي تكونت بينهم وبين بطلة الرواية “نرجس ، وتتوزع أصوات شخصيات الرواية  بصيغة ضمير المتكلم  ، السائق سعيد  ،الحارس جبار ،الطباخة سونا   مدبرة المنزل  خلود وسردها قصة زواجها، من وطبيعة علاقة زواجهما التي غزاها البرودة والملل ،  صوت أم السائق سعيد وصوت زوجة الحارس جبار التي تتحدث عن تفاصيل علاقتها بزوجها.

وصوت أخ سالم زوج "نرجس" الأول، كل شخصية منهم تروى علاقتها بها ورؤيته لها وتكشف جانب من حياة نرجس، وحياة من يروى عنها وعن نفسه من خلال استدعاء كل شخصية لقصة حياتها، والكثير عن ماضي عائلتها التي تبدو متماسة مع الواقع السياسي الذي مر في العراق، خلال حكم صدام حسين من اعتقالات واغتيالات واعدامات وانتفاضات، وحروب مع دول الجوار فتموج الرواية بتفاصيل الشخصيات الدامية التى تتشابك احداث حياتها مع واقع البلاد السياسي بدمويته ورعبه وخوفه.

من بين أصوات الرواية التي تروى قصة حياتها ،يبرز  صوت  شخصية حارس القصر "جبار "  الذى يتحدث عن طبيعة عمله ،بالقصر وعشقه للعزف على الآت الموسيقية   ويصف محبته للموسيقى بقوله: "المحيط الذى عشت داخله ينظر إلى الفن على انه شيء فارغ ليس الموسيقى فقط بل الرسم و المسرح والنحت والغناء هذه الأشياء كلها فارغة فى نظرهم  ولقد اكتشفت ان بينى وبين الموسيقى حديثا بالضبط مثلمة لو كنت تحكى اسرارك لصديق تيقنت ان الانسان دون موسيقى ينقصه شىء مهم فى حياته الناقصة اصلا او ربما يكون اكثر استعداد ليكون شريرا قاسيا يستطيع العازف ان يحكى كل شيء الموسيقى لو عظيمة بالنسبة لك لو وجدت إنسانا يحبك وآلة موسيقية تعزف عليها ستكون سعيدا ،هما السعادة ، تحتمى بهما من الخوف " ص44  

 ويلمح الحارس في بداية الرواية، إلى الحادث الذي وقع باليوم الأخير له في القصر والذى لا تتضح  تفاصيله إلا في الفصل الأخير من الرواية في  حركة سردية استباقية للأحداث التي يسردها الروائى في الفصول التالية.                              

فى الفصل الاخير من الرواية بعنوان " الراوى العليم يجمع خيوط الواقعة" يخرج صوت بطل الرواية "الصحفى والكاتب" الذى اختفى بعد الفصل الأول من الرواية ليتحدث عن  البناء المعماري لروايته التي استقاها، من تدوينات نرجس والخادمة بالقصر "سونا " إضافة إلى حديثه مع حارس القصر "جبار" ،ووالدة سائق القصر "سعيد"

ثم يشرح بانه أضاف خيط من الخيال إلى الحكاية ، استقاه من التدوينات واليوميات التي اعطاها له أحد جيران القصر، ويصف "الكاتب" يوم الحادثة المأساوي الذى تمت فيه جريمة قتل "نرجس" صاحبة القصر على يد "عباس" أخ زوجها الاول الذى قضى سنوات وهو يبحث عنها إلى ان عثر عليها ودخل بحيلة للقصر واطلق عليها رصاصات الموت، وتنتهى حياة نرجس بالقتل  على يديه .

الجسد المرغوب والمقتول

رواية" قصر الصبار" تعمل على كشف البؤس، الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في العراق في عهد صدام وتكشف الزوايا المعتمة للبلاد، التي هي صورة من صور كل بلد عربي عاش تحت حكم ديكتاتور ومستبد ،لا يعترف بالفساد الموجود ولايعالجه بل يحميه ويعمل على توطينه وتجذره في البلاد ،الفساد الاجتماعي والسياسي الذى تكون المرأة الفقيرة  هي أول ضحاياه بالموت المعنوي، حين تستولى عليها عصابات الدعارة  حين تفقد بكارة جسدها  عندما تقيم علاقة جسدية بالرجل، أو بالموت المادي حين يتلقى جسدها الرصاصات القاتلة. 

نموذج "نرجس" في الرواية معبر عن رؤية الرجل للجسد الأنثوي ، الذى يكون مرغوب ومشتهى وهو في عفته وطهارته، وما أن يتم الوصول إليه  تحت ستار الحب يصبح جسد مؤبوء ،خاطئ  يهرب منه من اشتهاه ورغب به ، ونتيجة لتقديم المرأة لجسدها خارج إطار الزواج ، فمحكوم عليها بأن يتحول  جسدها إلى بضاعة تجارىة للبيع  مقابل حفنة من النقود ، أو تتحول إلى جسد مقتول  غارق في الدماء محوا للفضيحة والعار الذى ارتكبه الجسد  بخروجه من الإطار الشرعى للعلاقة بين الرجل والمرأة  في المجتمعات العربية ، ومن خلال قصة "نرجس"  تقدم الرواية تشريح اجتماعي  لواقع جسد المرأة في المجتمعات العربية  ، المحكوم عليه بالموت المعنوى والمادى إذا خرج من الإطار المرسوم له ، فيما ينجو الرجل المشارك في عملية قتله معنويا  من فعلته ويعيش حياته وكأنه لم يرتكب أي جرم ، فيما يكون قد عمل على ضياع  مستقبل الفتاة التي سلمت له جسدها ، وكان سبب  في تحول جسدها إلى بضاعة للبيع  ولعبة في أيدى عصابات تجارة الجنس  ، أو يكون مصيرها القتل على يد أهلها أو أقاربها ، غسلا لشرف العائلة فيما يعرف بقضايا "الشرف" في البلدان العربية وهو  الخطاب السردي الروائي الذى كان فحوى رواية  "قصر الصبار" بتفاصيلها النفسية والاجتماعية والسياسية التي كشفت الكثير من المسكوت عنه من العالم المظلم لواقع نوعية مسحوقة من النساء في البلدان العربية  .

 

 

هوامش

1_ الرواية الجديدة والواقع_تأليف نتالى سارون،الان روب غرييه، لوسيان جولدمان ترجمة رشيد بن حدو _ كتاب الدوحة _ ديسمبر 2018

2_تحليل الخطاب الروائى _ تأليف الدكتور سعيد يقطين_الناشر المركز الثقافي ال

عربي _الطبعة الثالثة _ 1997

 

3_ قصر الصبار _ زهير كريم _ دار الآن ناشرون وموزعون_ الطبعة الأولى_ 2022

كيف تصنع العواطف.... الحياة السرية للدماغ

  


 إنتصار بوراوى

كتاب " كيف تصنع العواطف؟ الحياة السرية للدماغ "  لعالمة النفس والأعصاب "ليزا فيلدمان باريت "صدر عن دار التنوير للطباعة والنشر اللبنانية، ومن ترجمة إياد غانم

الكتاب يقدم قراءة علمية عن العاطفة والدماغ ،من خلال دراسات علمية تطرح نظريات  عن العواطف و علاقتها بالدماغ البشري فالعالمة النفسية تربط بين خبراتنا في الحياة، وما يراه دماغنا كما تقول: أنك ترى مايعتقده دماغك وتلك هي الواقعية الوجدانية، والأمر ينطبق على معظم المشاعر التي خبرتها في حياتك ، إن كل ما تشعر به مبنى على تنبؤات تصنعها معرفتك وخبراتك المسبقة إنك مهندس خبراتك في الحياة إن تصديقك لأمر ما هو ما يقودك إلى الشعور به

وهذا الربط حقيقي فى كثير من جوانبه، فمثلا الشخص الذى لديه يقين بقدرة السحر مثلا على أذيته وقتله سيعيش فى حالة رعب من شخص، ما يعتقد بأنه لايحبه وقد يعمل على أذيته بالسحر فمعرفة وخبرة مثل هذا الشخص تقوده ،إلى مشاعر الخوف والرعب وتحول حياته إلى جحيم لأن دماغه يحمل تفكير محدد لا يستطيع الفكاك عنه.

العاطفة والعقلانية

تقول العالمة النفسية " ليزا فيلدمان باريت " بأن الانسان لا يمكنه أن يهزم العاطفة من خلال التفكير العقلاني لأن أساس أي فكرة وإدراك ،لدي الإنسان هو حالة ميزانية الجسد وهكذا فأن التنبيه الحسى الباطني والوجدان موجودان، فى كل لحظة حتى عندما تجد نفسك عقلانيا تكون ميزانية جسمك وارتباطاتها مع الوجدان موجودة كامنة تحت السطح.

وتتساءل الباحثة لماذا يمكن لك مقاضاة شخص، ما من أجل كسره لرجلك ولكن لا يمكنك مقاضاة ضد من عمل على تحطيم قلبك؟ إن القانون يعتبر الأذى العاطفي أقل خطورة من الأذى الجسدي وأقل استحقاقا للعقوبة، فالقانون يحمى سلامة جسمك التشريحي ولكنه لا يحمى سلامة عقلك مع أن جسمك هو مجرد وعاء للعضو الذي يجعلك من تكون وهو دماغك

والعالمة النفسية لا تقصد بأن الإنسان عليه مقاضاة، من يسبب الأذى العاطفي له ولكنها تؤكد على أن الأذى العاطفي لا يقل ضرر عن الأذى الجسدي الذي قد يتعرض له الانسان

علاقة الأذى العاطفي بالمرض الجسدي

تربط العالمة النفسية بين طرق الأذى العاطفي، الناجم عن الكرب المزمن وما يسببه من مرض وأذى جسديا  فيؤدى الكرب إلى مشكلات صحية، عديدة بما فيها ضمور الدماغ وزيادة احتمال الإصابة بالسرطان، ومرض فى القلب، السكر، السكتة الدماغية ، وتذكر العالمة النفسية بأن القصة لا تنتهى هنا، يمكن للأذى العاطفي أن يقصر من حياتك لأنه لدينا داخل أجسامنا رزم صغيرة من المادة الوراثية التى تستقر فى نهاية الصبغات (الكروم وسومات) مثل القلنسوات الحامية إنها تدعى( التيلوميرات) التى تتأثر بالكرب النفسي وما يتعرض له الشخص من أحداث مؤلمة فى حياته فتنقص وتذوى وتسبب فى موت الانسان مبكرا

وفى محور مهم من الكاتب تحاول عالمة النفس، دحض النظرية النفسية التي تربط بين السلوك الغير القانوني مثل ارتكاب جرائم القتل أو العنف بالدماغ، وتذكر بأن العلم لم يتمكن على الإطلاق من ربط السلوك غير القانوني بشكل مؤكد، بأى موقع محدد من الدماغ إذا استثنينا حالات أورام الدماغ أو حالات الانتكاس العصبي.

تحاول عالمة النفس في الكتاب أن تشرح، كيف يمكن للإنسان أن يسيطر على أفعاله باعتباره المسئول عنها والتي هى في الغالب تنشأ، عن خبرة مستمرة على مدى حياته من محيطه وبشكل غير مباشر عن طريق التلفزيون، الأفلام، الأصدقاء ،فتغيير مفاهيمه يقع على عاتقه و مسئوليته إذا قام بتثقيف نفسه وتحصينها ضد الصور النمطية التي تزرعها ثقافة المجتمع حوله وقد تكسره وتؤدى به إلى المرض  إذا لم يكن على وعى بعواطفه وانفعالاته  وتأثيرها على صحة دماغه وجسده.

رواية روما تيرمينى .. وتعرية تغول البرغماتية الغربية

 

إنتصار بوراوى

فى نقلة أخرى من نقلاتها الإبداعية، التى بدأتها في عالم القصة القصيرة والكتابة عن دهاليز مجتمع المرأة الليبية وعوالمها المسيجة ،برعاية ذكورية وتلاعب ومكر أنثوى للهروب ومواجهة التسلط والتحكم الذكوري ،وبعد أن عرت المجتمع الليبي ووخزته ونكزته في مجموعاتها القصصية بعقلها وفكرها ،دخلت لرحابة الرواية ،ونسجت في كل رواية عالم قائم بذاته من حيث اختلاف فكرة موضوع كل رواية ،عن الأخرى تنتقل  نجوى بن شتوان في روايتها الجديدة "روما تيرمينى" الى روما بإيطاليا ،والى عالم النساء المسنات في إيطاليا بالبيوت التي يعشن فيها رفقة الوحدة والصقيع ، وعن نساء أوروبا الشرقية اللواتي يبحثن في إيطاليا عن العمل التي تجسد واحدة من قصصهن بطلة الرواية "نتاشيا" القادمة من أوكرانيا  كمستأجرة في إحدى هذه البيوت ،لتلملم خيوط الرواية وقصص العجائز المتروكات دون رعاية من ابنائهن وبناتهن الذين استقلوا بحياتهم وتركوهن ليصارعن الأيام وحدهن.

تحل بطلة الرواية" نتاشيا "كمستأجرة في إحدى شقق عمارات، مدينة روما هاربة من جحيم الحرب في بلادها بحثا عن الحياة والعمل والانطلاق، بعيدا عن شبح الحرب التي تمزق بلادها فتنشأ بينها وبين العجوز التي استأجرت، غرفة بشقتها علاقة مودة واحساس بالتعاطف رغم سلاطة لسان العجوز "انا ماريا " وطلباتها، التي لاتنتهى ولكن الفتاة القادمة للحياة في بلاد غريبة لا تعرف فيها أحدا تمتلك من سعة الصدر والإرادة كي تواجه ما قد تلاقيه من أحداث مفاجئة بكثير من الحذر او كما تقول في إحدى فقرات الرواية:

"الحذر حارسي الشخصي، لن أخسر شيئاً إن تعلمت الحيطة وأمنت حياتي قدر ما أستطيع مما قد توقعني فيه شرور الأخرين ،كما لا ينبغي أن يشعر الناس أو يحسوا بأني أحذرهم أو أني اتخذت استراتيجية ما لحماية نفسي من خداعهم

 ربما كانت لهم نية في خداعي، وربما لا لكني لن أنتظر حتى تقع واقعتهم بي لأتعلم الحذر"

فثمة تربص من العجائز اللواتي تستأجر بطلة الرواية ،غرفة بشقتهن لمعرفة التفاصيل عن حياتها فيلجأن للتلصص وتفتيش غرفتها في غيابها ،ولأنها ذكية وحذرة بطبيعتهاتقوم بوضع جهاز يترصد ويسجل ما يقمن به من تفتيش وتنقيب في أغراضها خلال أوقات غيابها عن غرفتها.

"نتاشيا "الشخصية الرئيسية فى الرواية ، والتي تعمل خادمة لعجوز سليطة اللسان وفضولية وعجوز أخرى مريضة  تبدو متحفظة جداً ،قليلة الكلام وحيادية جداً في التعاطي حولها وثمة برود فى شخصيتها كما رسمتها المؤلفة ،كما لو أنها تحولت إلى آلةٌ لا مشاعر ولاردات أفعال قوية لها تجاه ما يحدث في حياتها، فلقد انعدم اشتعال بالحياة فى روحها الميتة بفعل ما عاشته فى بلادها وواقعها كخادمة فى إيطاليا، أو لعل السبب هو تكوين المرأة الأوكرانية الأوروبية التي تتعاطى مع حياتها ،وما يحصل لها بنفعية وبرغماتية ولقد أبدعت  المؤلفة في تقمص روح وتفكير امرأة من أوروبا المختلفة تماماً، عن روح المرأة الشرقية و العربية التي تحمل الكثير من الحرارة والانفعال في تكوينها  كما تقول نتاشا في هذا المقطع من الرواية:

جزء من صلابة المرء تتكون بفقدان شعوره البدائي بالألم، يتروض على البرودة والجمود بالتكرار، حتى يتعامل مع الألم وكأنه نزيل سيء يقاسمه سجناً.

يستمتع القارئ بتفاصيل السرد الجميل ، ليوميات نتاشيا مع العجائز وشخصية ليزا وكاميليا وكذلك بعلاقتها  العاطفية بحمزاتوف، الذى  ظهر في الرواية كطيف عابر وتعاملت معه نتاشيا ببرود تام ودون ردة فعل من جانبها حين أطلعها برغبته بالزواج من عجوز إيطالية من أجل المال .

وتتعرف بطلة الرواية "نتاشيا " بعد ذلك على الدكتور يورنس الذى اعتقدت في البداية بأنه وقع في غرامها وأحبها ولكن عنصر المفاجأة في الرواية كلها يكمن في هذا الجزء الأخير منها حين يخبرها الدكتور يورنس بأنه مثلى الجنس، ولا يحبها ولا يريدها للزواج بل يرغب في تأجير رحمها فيحدث صراع داخل نتاشيا بين خوفها ،من تعلقها كأم بما ستنجبه وشعورها الديني  بأنها سترتكب خطيئة حين توافق على ما عرضه عليها روبرتس وإلحاح أمها على قبول العرض ثم موافقتها عليه .

شخصية نتاشيا  في الرواية هي نموذج، للمرأة المسحوقة التي سحقها واقع وتاريخ بلادها الشيوعية فهربت لائذة الى بلد موغل في الرأسمالية، فوجدت نفسها مجرد سلعة تبيع رحمها لرجل رأت فيه لأول مرة صورة للدكتور المثقف الإنساني، فحلمت بأن يدرك جمال روحها ويشعر بما عانته من ألم وخوف وفقدان فى بلادها ،ولكنه كشف عن وجهه الحقيقي البشع الذى تمظهر في كونه مجرد شخصية برغماتية ،ليس لديه أي مكان للعاطفة أو الأحاسيس وإنما يراها مجرد صفقة للحصول على حلم الأبوة، وكل المسألة بيع وشراء فقط ليولد أطفال بدون أم سيبحثون عندما يكبرون عن  أمهاتهم البيولوجيات  في عالم  تغولت فيه الرأسمالية وحولت فيه  البشر إلى سلع للبيع والشراء وتأجير أرحام النساء من أجل الهروب من الفقر والحصول على المال  .

الطرح السردى في  رواية نجوى بن شتوان " روما تيرمينى "  يتمحور حول مواضيع  لاتطرحها عادة الرواية العربية ،وهو طرح جرئ دخل لعمق قضايا المجتمع الغربى الذى نجحت الكاتبة في تعريته عبر روايتها وأظهرت نفعيته وبرغمايته في التعامل  الإنسانى ،الذى يعلى من قيمة المال على حساب المشاعر والأحاسيس، ويدمر معنى الزواج والأسرة كقيمة إنسانية ويحولها إلى مؤسسة مشوهة يولد فيها أطفال مهجنين إنسانيا بدون ملامح ولاهوية حقيقية.

 

السبت، 10 يونيو 2023

مذاق الريشة..رواية الحرب في بنغازي

 



إنتصار بوراوى

الروائي محمد الأصفر فى روايته "مذاق الريشة"، يكتب بمداد القلب عن مدينة بنغازي كما تعودنا في أغلب رواياته، التي تكتب الروح البنغازية فى عمقها الأصيل عبر أزقتها وشوارعها ومناطقها، وشخصياتها البنغازية الصميمة التي يبدع الكاتب فى التقاطها من الأزقة والشوارع ويرسمها برواياته ،بكل واقعيتها السيئة والجميلة دون فذلكة وبأسلوبه الذى يحمل بصمة خاصة به فى كتابة الرواية الليبية، يفتح أبواب روايته الجديدة على سرد تفاصيل الحرب في بنغازي ،وبأسلوبه السردي السلس يمضى فى روايته الجديدة ليروي حكاية بنغازي مع الحرب عبر مسار تفاصيل أسرة بنغازية ،كانت تعيش أيامها فى دعة وسلام وسكون والتحام عائلي في إحدى شوارع خريبيش، المطلة على منارة وبحر الشابي ببنغازي من خلال شخصيات الأخوة الذكور الثلاثة، وأختهم وأمهم المرأة الأرملة التى عاشت حياتها من أجل تربيتهم بكدها وعملها فى مستشفى المدينة للولادة ، وتتشارك مصائر العائلة فى الرواية مع جارتهم الأرملة وابنتها فاطمة ، ومع شخصيات أخرى رسمها الروائي ليعبر بها عن روح المحبة التى كانت تتميز بها بنغازي، في احتضان الغرباء من كل الجنسيات التي تطأ أرضها وتلتحف سماؤها وتعيش من خيراتها ،عبر شخصيات السوداني والمغربي والباكستاني الذين وجدوا في مدينة بنغازي المأوى والأمان والسكن 

يرسم الروائي خيوط الرواية وينسجها، بين كل هذه الشخصيات عبر أبواب الرواية الزاخمة بأصوات الرواة ، فكل راوى يعبر عن شخصيته وتفكيره عبر سرد حكايته من خلال شخصيات أنور ونوري ونورية وبنت الجيران فاطمة اللذين أجبرتهم الحرب، على النزوح إلى مكان أخر في ضواحي مدينة بنغازي ولكنها لم تبعدهم ،عن روح وسط المدينة وتفاصيل عشقهم لها و"الإضبارة" المتكونة من مجموعة أوراق مجمعة ،من الكتب المتطايرة والتى جمعها نورى فى قرطاس هى متن الرواية وكلمة سرها ، فهي تعبر عن عشق الكلمات والأحرف التى تنسج الرواية فصولها من خلال الكتب والمكتبات الخاصة التى أقامها كل من نورى وأنور لبيع الكتب فى منزلهم بس بمنطقة خريبيش بوسط البلاد ثم منطقة البركة بعد النزوح

فى الرواية نقرأ مسار الحرب فى  مدينة بنغازى بكل جنونها وعنفها ترسم تفاصيلها ،عبر سرد شخصية المغترب السوداني الذى تشاء الصدف أن يكون الشاهد عليها من داخل جحيمها  فيرى الجثث وهى تتطاير والبيوت وهى تنهدم تحت قصف الصواريخ، والمقابر التي تفتح أفواهها لابتلاع قتلى الطرفين ، فمن خلال صوت شخصية الرجل السوداني السارد لمجرى الحرب، خلال ثلاث سنوات من القتال بين الجيش والدواعش المتمترسين فى أزقة المدينة القديمة تنفتح الرواية ،على القبح والبشاعة الإنسانية فى أعلى تجلياتها لتكون الرواية شاهدا على السنوات الصعبة التي عاشتها المدينة التي يبدع الروائي في رسم تفاصيلها بكل ألمها وحزنها وخرابها ،الذى يثقل كاهل أهل المدينة المتعايشين يوميا مع أصوات القصف والقذائف التي تتساقط البعض منها على طرقاتهم وبيوتهم وتتلون الرواية بقصص الحب الرقيقة التى يمزجها الروائي بين نورية والسودانى وقصة حب نورى لأبنة الجيران فاطمة ولم يعد ثمة حل أمام نورى المتمرد على القمع والظلم دائماً إلا بالرحيل مع زوجته وأخته وزوجها ،إلى إحدى الدول الأوروبية وطلب اللجوء إلى ألمانيا التي تتسع لصهيل حريته وتمرده بعيدا وهكذا تنتهي الرواية بسؤال مفتوح لكل الاحتمالات عن مصير المدينة بعد الحرب.

رواية "مذاق الريشة" هى رواية الحرب والحب، والحرية فى مدينة الثورة والأحلام الكبيرة المدينة التى كتبت سطور أحلامها بدماء شبابها ودموع الثكالى والأرامل والتي أبدع الأصفر فى تخليد تفاصيلها عبر سرده الممتع الشيق السلس لتكون بذلك أول رواية ليبية تكتب عن الحرب التي دارت رحاها في مدينة بنغازي وتخلد تفاصيل شموخ وقوة المدينة وأهلها في مواجهة الحرب وويلاتها عبر سردية روائية تعتنى بالتفاصيل الصغيرة والكبيرة.

الخميس، 8 يونيو 2023

شيكاغو .. علاء الأسواني

 


 

إنتصار بوراوي

يعتمد الروائي "علاء الأسواني" في رواية شيكاغو   على نفس الخط السردي والتقني لروايته   السابقة " عمارة يعقوبيان" وإن كانت رواية " عمارة يعقوبيان" أكثر عمقا وقوة في الطرح لمشكلات الفساد داخل المجتمع المصري.

المؤلف رسم  نفس الخط الروائي لبنائه المعماري الروائي الدقيق لروايته الثانية"شيكاغو"  حين جمع  عدة شخصيات  لطلبة مصريين من طلبة الطب جاؤ  لجامعة الينوى بأمريكا  لتحضير الدراسات العليا في الطب  وكشف الروائي  بأسلوبه الفني  لعالم الطلاب المصريين الدارسين بأمريكا  وكيفية تعايشهم مع  واقع حياة وأسلوب حضارة مختلف عما كان يعيشونه في  بلادهم وكيفية تأثرهم بالواقع الجديد من خلا ل شخصيات مجموعة من  طلبة الطب المصريين في جامعة "الينوى" بأمريكا شيماء ، طارق حبيب، ناجى عبد الصمد، احمد دنانه، وزوجته  مروة ، والأساتذة الجامعيين بالكلية من المصريين الذين استقرو في أمريكا  منذ عقود.

ويدخل المؤلف في دهاليز كل شخصية من شخصيات، الرواية ساردا تفاصيل حياتها منذ وصولها مطار مدينة شيكاغو الأمريكية، وبين كل فصل وأخر يقدم المؤلف نبذة تاريخية عن  مدينة شيكاغو التي عرفت في تاريخها بكثير، من الإحداث المهمة بأمريكا مثل حركة   الحقوق المدنية ومسيرات  الهيبز ،في ستينات القرن الماضي وحركة الزعيم الشهير" مارتن لوثر كينغ"  وانقسام  المدينة إلى قسمين ،الجزء الشمالي يضم أحياء راقية  للبيض  أما الجنوب فهو موطن للسود وينتشر فيه الفقر والبطالة والمخدرات وحوادث القتل والسرقة والاغتصاب  .

المؤلف يمسك بزمام حركة كل شخصيات الرواية، فهو المتحكم  والعارف بحدود كل شخصية وأين مكمن قوتها، ضعفها، مبرراتها، أسبابها ماضيها، ودوافعها  كل ذلك متصارع داخل  أعماق الشخصيات التي تنفتح عبرها، أحداث الرواية العابقة بالحياة الحابسة للأنفاس  بإيقاعها السريع ونفسها التشويقى الذي  يحمل  نبض الحياة  ،فتتقافز شخصيات الرواية  وكأنها  تحدثك  لشدة قدرة المؤلف على عرضها  بطزاجتها وحيويتها فتبدو  وكأنها مخلوقات تنبض بالحياة أمامك وهذا هو سر نجاح ،روايات علاء الأسواني  فهي مطعمة بالحياة نابضة بالأفكار  والرؤى ثرية بواقعيتها ، بينما   تبدو لغة الرواية بسيطة لاتكلف فيها ، ربما ليست في مستوى جدة ورصانة  لغة" عبد الرحمن منيف"  ولافى عمق وقوة لغة  روايات " حنا مينا" وغيرهم من الروائيين الكبار  المخضرمين، في الوطن العربي  فلغة الرواية  بسيطة عادية  ولكن التركيز المكثف على  سرد  تفاصيل، شخصيات الرواية من حيث تشابك مصائرها  ونهاياتها الدراماتيكية منح الرواية جمالها الفني ، الذي ربما كان هو السبب في نجاح الرواية كسابقتها " عمارة يعقوبيان" فهى تسير ،على نفس التيمة الفكرية  الراصدة للفساد الاجتماعى والسياسي الذي ضرب بقوته جذور، كثير من شخصيات الرواية التي بدت أما سلبية عاجزة  أو متملقة منافقة مستعدة  للتفريط ،في شرف أهل بيتها من أجل أرضاء رموز السلطة والتحصل على المزايا  والمركز  والمنصب ، كما  تشكلت بالرواية بصورة  مقززة  في شخصية أحمد دنانه  وحتى الشخصيات  التي كانت  في بداية الرواية ناصعة قوية  لم تستطع المقاومة وهوت متساقطة مثل شخصية بطلة الرواية شيماء وزميلها طارق حسيب .

الروائي علاء الأسونى في روايته الثانية " شيكاغو"، يمضى بنفس النسق الفكري من حيث تعريته للواقع المأزوم الذي وصلت إليه الأمور، في الشخصية العربية التي تعانى من السلبية في التعاطي مع الحياة نتيجة للخوف والقمع، والجبن والفساد السياسي الذي ألقى بظلاله  على الجانب الاجتماعى بحيث، بدت أحداث الرواية وكأنها تجرى داخل البلد الأصلي للطلبة القادمين منه  للدراسة على حساب حكومتهم  ، فهم جميعا خاضعين للمراقبة من حكومتهم حتى   وهم في أخر بقعة من العالم فالكل تحت النظر، الكل تحت السيطرة مهما اعتقد بأنه خرج من معتقل الواقع العربي الأليم  الذي لامسته الرواية  عبر كل خطوط شخصياتها وأحداثها ونهاياتها المفتوحة على كثير من الأحتمالات.

 

 

 

 

 

 

معزوفة على قيثارة الوطن



إنتصار بوراوى

الشاعر "أحمد فؤاد شنيب"  يعتبر من رواد كتابة القصيدة التقليدية فى ليبيا بعد جيل "أحمد رفيق المهدوى" وأحمد الشارف وأبراهيم الأسطى عمر" ولد االشاعر فى عام 1923م بسوريا التى هاجرت اليها أسرته بعد الغزو الإيطالى لليبيا، وتحصل على الشهادة الثانوية وشهادة دار المعلمين من دمشق وعاد الى ليبيا فى عام 1943 حين بلغ عامه العشرين ،

امتهن التدريس بمدرسة النصر إلى عام 1946 لينتقل بعدها إلى مدرسة النورالى عام1950 وكان يلقن التلاميذ نشيد موطني وشجع على الاهتمام بالعمل الكشفي واشترك بجمعية عمر المختار وترأس رابطة الشباب فيها وساهم في نشاط هذه الجمعية ثقافياً ومسرحياً وكانت تلقى قصائده أثناء هذه الأنشطة التي سارت ،تنشرها صحيفتا برقة الجديدة والوطن ومجلتا عمر المختار والفجر الجديد التي تصدر كلها في بنغازي،وانتقل بعدها إلى بنغازي لندبه من المعارف ليشغل أمين سر مجلس نواب برقة من عام 1950 إلى نهاية عام 1951 ويعتبر الشاعر من المساهمين فى أنشاء الجامعة الليبية بالإضافة الى توليه عدة مناصب   منها وزير وزارة المعارف خلال عامى 1952-1959.

بدأ الشاعر نظم الشعر فى الرابعة عشر من عمره، والكتاب الذي صدر له عن مجلس الثقافة العام  بعنوان " معزوفة على قيثارة الوطن" يضم بين دفاته 20 قصيدة مقفاة موزونة عابقة بروح الوطنية والانتماء للوطن والعروبة والأنسان البسيط العادى.

وقدم الكتاب شعراء القصيدة التقليدية الكبار فى ليبيا الشاعر راشد الزبير، والشاعر حسن السوسى، والأستاذ محمد الفرجانى والباحث سالم الكبتى حيث أفرد كل منهم مقالة أنطباعية عن الشاعر “أحمد فؤاد شنيب" ودوره فى تاريخ الشعر الليبى

حين نقرأ الديوان يبدو جليا للقارىء الهاجس الوطنى والدينى القوى فى قصائد الشعرية كما فى قصيدته التى عنون بها الديوان:" معزوفة على قيثارة الوطن":

وحلمت بأنك ياوطنى   بطل فى عرس الأزمان

وبأنك أم تحملنى          طفلا فى زورق ريحان

وبانك فردوس يزهو         بجمال حماك الثقلان

وحلمت بصوتك ياوطنى      عذبا فى حكمة لقمان

يعلو بالحق ويصدقنى        لايتقن فن البهتان

وهجرتك ياوطنا أهوى        على أنساك بهجرانى

 

فى هذه القصيدة وبعض القصائد الأخرى بالديوان ثمة روح لأدباء المهجر الذين تغنوا بالغربة عن الوطن وصورو معاناتهم فى الغربة والأبتعاد عن الوطن

وفى قصائد أخرى بالديوان يبدو الجانب الدينى القوى الفائض بالمشاعر الروحانية العالية التى يكتبها الشاعر بروح عالية مثل قصيدة" ذكرى المولد النبوى الشريف" وقصيدة " ليلة القدر" التى يقول فيها:

 

ياليلة القدر هل أنبأت عن قدرى          وهل كشفت حجاب الشك عن بصري

قد نلت من شرف القرأن معجزة          باهت بطلعتها دهرا من الفكر

ورفرفت راية الأسلام سامية             ودانت الأرض للأيمان عن قدر

 

فالديوان هوصورة للشعر العربى التقليدي، عبر تفريعاته المعروفة التى توارثها الشعر العربى عبر كل القرون والتى تشكلت، فى الحزمة المعروفة للشعر العربى  وتقسيماته الأساسية من شعر الرثاء وشعر الوصف والشعر الدينى ،بالإضافة للقصائد الوطنية للشاعر التى فرضها الواقع السياسى للمرحلة التى كان الكاتب ،يعيش فى خضمها ولكن هناك  ثمة تأثر واضح بشعراء المهجر وخاصة أيليا أبوماضى فى بعض قصائد الديوان المتأثرة بالمذهب الرومانسى الذى يعبر برقة عن مايعتلج نفس الشاعر من رؤى واحلام فى الحياة ووصف للطبيعة الجميلة والتعلق بها فى صور شعرية رقيقة حالمةكما فى قصيدته رسالة من ضفاف السين:

الشمس والغيم والأطبار والمطر          وضفة السين والأنسام والقمر

وشهر أيار مزهو بمقدمه                 وزهرة الكرز الجونى تنتثر

والنهر يجرى شبابا فى تسارعه          الى الأمام ويمضي إثره العمر

 

الشاعر احمد فؤاد شنيب  يعتبر من جيل الرواد المؤسسين للقصيدة التقليدية فى ليبيا قبل أن يدخل الشعر الحديث بشعراءه المجددين، الى خارطة الشعر الليبى ويحدث ثورته على القافية والوزن فى مراحل تالية ،و أصدار ديوانه الذى ضم مجموعة من أهم قصائده رغم أنه جاء متأخرا عن زمانه بعقود كثيرة ،إلا أنه يعتبر إضافة تاريخية للدارسين والباحثين فى التاريخ الشعرى فى بلادنا و أصداره من مجلس الثقافة العام بمثابة احتفاء وتكريم لشخصية وطنية قدمت الكثير فى مجال التربية والتعليم ومن المؤسسين   الأوائل  لمسيرة التعليم في مدينته درنة وفى ليبيا بصورة عامة.

 

 

 

 

 

 


الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...