الخميس، 8 يونيو 2023

شيكاغو .. علاء الأسواني

 


 

إنتصار بوراوي

يعتمد الروائي "علاء الأسواني" في رواية شيكاغو   على نفس الخط السردي والتقني لروايته   السابقة " عمارة يعقوبيان" وإن كانت رواية " عمارة يعقوبيان" أكثر عمقا وقوة في الطرح لمشكلات الفساد داخل المجتمع المصري.

المؤلف رسم  نفس الخط الروائي لبنائه المعماري الروائي الدقيق لروايته الثانية"شيكاغو"  حين جمع  عدة شخصيات  لطلبة مصريين من طلبة الطب جاؤ  لجامعة الينوى بأمريكا  لتحضير الدراسات العليا في الطب  وكشف الروائي  بأسلوبه الفني  لعالم الطلاب المصريين الدارسين بأمريكا  وكيفية تعايشهم مع  واقع حياة وأسلوب حضارة مختلف عما كان يعيشونه في  بلادهم وكيفية تأثرهم بالواقع الجديد من خلا ل شخصيات مجموعة من  طلبة الطب المصريين في جامعة "الينوى" بأمريكا شيماء ، طارق حبيب، ناجى عبد الصمد، احمد دنانه، وزوجته  مروة ، والأساتذة الجامعيين بالكلية من المصريين الذين استقرو في أمريكا  منذ عقود.

ويدخل المؤلف في دهاليز كل شخصية من شخصيات، الرواية ساردا تفاصيل حياتها منذ وصولها مطار مدينة شيكاغو الأمريكية، وبين كل فصل وأخر يقدم المؤلف نبذة تاريخية عن  مدينة شيكاغو التي عرفت في تاريخها بكثير، من الإحداث المهمة بأمريكا مثل حركة   الحقوق المدنية ومسيرات  الهيبز ،في ستينات القرن الماضي وحركة الزعيم الشهير" مارتن لوثر كينغ"  وانقسام  المدينة إلى قسمين ،الجزء الشمالي يضم أحياء راقية  للبيض  أما الجنوب فهو موطن للسود وينتشر فيه الفقر والبطالة والمخدرات وحوادث القتل والسرقة والاغتصاب  .

المؤلف يمسك بزمام حركة كل شخصيات الرواية، فهو المتحكم  والعارف بحدود كل شخصية وأين مكمن قوتها، ضعفها، مبرراتها، أسبابها ماضيها، ودوافعها  كل ذلك متصارع داخل  أعماق الشخصيات التي تنفتح عبرها، أحداث الرواية العابقة بالحياة الحابسة للأنفاس  بإيقاعها السريع ونفسها التشويقى الذي  يحمل  نبض الحياة  ،فتتقافز شخصيات الرواية  وكأنها  تحدثك  لشدة قدرة المؤلف على عرضها  بطزاجتها وحيويتها فتبدو  وكأنها مخلوقات تنبض بالحياة أمامك وهذا هو سر نجاح ،روايات علاء الأسواني  فهي مطعمة بالحياة نابضة بالأفكار  والرؤى ثرية بواقعيتها ، بينما   تبدو لغة الرواية بسيطة لاتكلف فيها ، ربما ليست في مستوى جدة ورصانة  لغة" عبد الرحمن منيف"  ولافى عمق وقوة لغة  روايات " حنا مينا" وغيرهم من الروائيين الكبار  المخضرمين، في الوطن العربي  فلغة الرواية  بسيطة عادية  ولكن التركيز المكثف على  سرد  تفاصيل، شخصيات الرواية من حيث تشابك مصائرها  ونهاياتها الدراماتيكية منح الرواية جمالها الفني ، الذي ربما كان هو السبب في نجاح الرواية كسابقتها " عمارة يعقوبيان" فهى تسير ،على نفس التيمة الفكرية  الراصدة للفساد الاجتماعى والسياسي الذي ضرب بقوته جذور، كثير من شخصيات الرواية التي بدت أما سلبية عاجزة  أو متملقة منافقة مستعدة  للتفريط ،في شرف أهل بيتها من أجل أرضاء رموز السلطة والتحصل على المزايا  والمركز  والمنصب ، كما  تشكلت بالرواية بصورة  مقززة  في شخصية أحمد دنانه  وحتى الشخصيات  التي كانت  في بداية الرواية ناصعة قوية  لم تستطع المقاومة وهوت متساقطة مثل شخصية بطلة الرواية شيماء وزميلها طارق حسيب .

الروائي علاء الأسونى في روايته الثانية " شيكاغو"، يمضى بنفس النسق الفكري من حيث تعريته للواقع المأزوم الذي وصلت إليه الأمور، في الشخصية العربية التي تعانى من السلبية في التعاطي مع الحياة نتيجة للخوف والقمع، والجبن والفساد السياسي الذي ألقى بظلاله  على الجانب الاجتماعى بحيث، بدت أحداث الرواية وكأنها تجرى داخل البلد الأصلي للطلبة القادمين منه  للدراسة على حساب حكومتهم  ، فهم جميعا خاضعين للمراقبة من حكومتهم حتى   وهم في أخر بقعة من العالم فالكل تحت النظر، الكل تحت السيطرة مهما اعتقد بأنه خرج من معتقل الواقع العربي الأليم  الذي لامسته الرواية  عبر كل خطوط شخصياتها وأحداثها ونهاياتها المفتوحة على كثير من الأحتمالات.

 

 

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

    إنتصار بوراوى تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدا...