الخميس، 23 ديسمبر 2021

علي الوكواك … الفنان الذي أهملته بلاده

 

   


 إنتصار بوراوى

  في عام 2008 م جذبتني يافطة بعنوان “دار أكا كوس” في شارع متفرع من ميدان منارة بنغازي، فدخلت المبنى لأجد بضعة رواد يتأملون منحوتات فنية على جدران المبنى ونواحيه، فيما كان ثمة شخص بشعر طويل ملفت منكبا على العمل بمنحوتة بين يديه ومستغرقا فيها دون اهتمام بمن يدخل للمكان الذي كانت تصدح منه صوت موسيقى فرقة البي جيز من جهاز تسجيل بجانب الفنان.

كان المبنى قديما، تعبق منه روائح التاريخ والمواد التي يستعملها الفنان لمنحوتاته، فيما كانت هيئة الفنان النحات وصوت الموسيقى الغربية لإغاني البي جيز تضفي فنية هائلة على المكان، بدا لي أن ثمة سحر في المكان بفنية المعروضات التي ينحتها الفنان بيديه بشغف ومحبة، وبأسلوب مبتكر لم يسبقه إليه أحد، واقترب مني شخص قام بالتعريف بنفسه بأنه ضابط أمن مسئول على أمن وحماية المكان، ثم أشار للفنان المستغرق في عمله وأخبرني بأنه الفنان علي الوكواك ، فسألته إذا كان هناك أي مانع من سؤاله بضعة أسئلة عن أعماله، فأجابني بالقول بأنه  ليس هناك أي مانع، فاتجهت للفنان وسألته عن نوعية المواد التي يستخدمها في عمله فأخبرني بأن معضمها من الخشب لأنه يجد مرونة معه في تجسيد أعماله الفنية المتعددة من أقنعة ووجوه، ومجسمات بشرية، ثم قام بإطلاعي على الغرفة التي يحتفظ بها بمجموعة من أعماله السابقة التي كانت معلقة على جدران الغرفة بالمئات، فوقفت مبهوتة ومندهشة من الروعة والسحر الذي تجلى أمامي وشعرت وكأن تلك الوجوه حية تحدق هي أيضاً في وجهي وتنطق بالحياة، كان كل وجه معبر عن حالة نفسية أغلبها متشظية كأنها تعبر عن روح الفنان فثمة دلالات للوجوه تنتقل مابين الحزن والألم والصرخة المكتومة، والذهول والإحساس بالخيبة والانتكاس، لم يصادفني وجه سعيد أو يعلوه الفرح أو الحبور فهل كان رسم الفنان علي الوكواك لتلك الوجوه الحزينة والمتألمة والموجوعة هو إسقاط منه على حالته النفسية التى كان يعيشها في تلك الفترة مهملا، منزويا، في بيت عربي قديم متهالك بأحد شوارع خريبيش، دون أن يعرف بأعماله الفنية المذهلة إلا قلة من الزوار، قد تقودهم خطاهم صدفة للمكان، أو بضعة سياح أجانب تقوم الدولة بجلبهم للمكان من حين لآخر ..ربما هذه إحدى التفسيرات لتلك القطع من الوجوه الفنية التي يصدح من تعابير وجهها الألم والحزن والغضب.

كان اهمال الأعمال الفنية التي تخطت عشرة آلاف منحوتة كما صرح في إحدى لقاءاته الصحافية القليلة والنادرة، هو إهمال متعمد من أمانة الثقافة سابقا في عهد القذافي، وتواصل هذا الإهمال بعد ثورة فبراير، التي استبشر بها الفنان علي الوكواك واستقبلها ببهجة وحمل أعماله الفنية إلى قصر المنار، واستفاد من قطع السلاح التي تناثرت بعد الثورة، وحولها إلى مئات المجسمات، والتحف الفنية، التي تصور الحياة والحرب فى ليبيا، وتم إطلاق اسم متحف الثورة على قصر المنار الذي تواجدت به أعماله، بالإضافة لكثير من الأعمال الفنية الأخرى وزار كثير من ضيوف ليبيا من سفراء الدول والوزراء قصر المنار لرؤية أعمال الفنان علي الوكواك، ولكن تلك الفرحة لم تدم طويلا، فلقد تم إزاحة كل أعماله، باعتبارها مجرد قطع “حديد وكربج” كما صرح أحد مسئولي الثقافة الجدد، وخصصت للفنان علي الوكواك غرفة صغيرة ضيقة مهترئة وقديمة من القصر وكأنه مجرد بواب بالقصر، ولم يعترف أحد من مسئولي الثقافة الجدد بأعماله و بتاريخه من العمل في مجال النحت الفني الذي لا نظير له في ليبيا، ولكن الاهتمام بالفن، والتقاط الجمال جاء من بلد أوروبي، رأت في موهبته الفنية كنزا يستحق الاهتمام والتقدير، ووضعه في المكان الذي يليق به، فقدمت له إيطاليا عرضا لإقامة معرض له في أفخم قاعاتها الفنية، وبعد ذلك عرضت عليه الإقامة في إيطاليا، وتوفير كل المواد اللازمة للاستمرار في عمله، بشكل يليق بفنه وقيمته الفنية، وقبل الفنان علي الوكواك العرض، وسافر لإيطاليا التي وفرت له المكان والجو المناسب لعمله، في الوقت الذي أهملته بلاده بكل العهود وتم التعامل معه بشكل مجحف وظالم خلق الإحساس والمرارة في نفسه والذي عبر عنه في حواره مع الصحفي والكاتب معتز بن حميد في عام 2013 ، كان الإجحاف والظلم وعدم التقدير للموهبة هو نصيب الفنان النحات العالمي الكبير علي الوكواك في عهد القذافي وفي عهد وزارت الثقافة بعد فبراير، وربما هناك غيره كثيرين ظلموا ولم يتم تقدير موهبتهم وأعمالهم الفنية، على مدى الخمسين عاما من عمر الفوضى وعدم التقدير في بلادنا، ولكن الاختلاف يكمن في أن الفنان الحنان علي الوكواك كان فنانا بمستوى عالمي فعلا، ولقيت أعماله الإعجاب والإشادة والنجاح حين خرجت من القمقم الليبي للتجاهل والجحود والمحاربة والنكران الذي مارسته الدولة الليبية مع مبدعيها الحقيقيين في عهد القذافي وما بعد عهد القذافي، لأن الفن الحقيقي يشع وينطلق ولا تخمد شعلته مهما حاول أخمادها الجاهلون والمحاربين للثقافة والفن الحقيقي المبدع.

الصفح...مالا يقبل الصفح ومالا يتقادم

 



إنتصار بوراوي

 

لا يوجد خلاص على الأرض ...طالما أننا نستطيع الصفح عن الجلادين

أيلوار

يخالط مفهوم "العفو" أو "الصفح" الكثير من المغالطات في أذهان البعض الذين يعتقدون بأن الصفح أو العفو يمكن أن يحدث دون اعتراف مرتكب الجريمة بجرمه. فكيف يمكن العفو عن من لا يعترف أساسًا بجرمه أو بأنه ارتكب جرائم ضد الإنسانية؟ فالاعتذار وطلب العفو هما من أولويات الصفح على من ارتكبوا جرائم ضد شعوبهم وضد الإنسانية. ولكن حين يرفض المخطئ الاعتراف بأخطائه ويستمر في غيّه وتوجهه المنافي للمعايير الإنسانية، فكيف يمكن التصالح معه أو العفو عنه؟

الكتاب المهم والعميق "الصفح.. مالا يقبل الصفح.. ومالا يقبل التقادم" للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، والذي قام بترجمته عن الفرنسية المترجمان مصطفى العارف وعبد الرحيم نور، يناقش موضوع الصفح كتصرف أخلاقي واعٍ ومسؤول، يقوم به شخص ما سبق أن كان ضحية إساءة أو أذى أو جريمة تجاه الآخرين.

في بداية الكتاب، يتحدث جاك دريدا عن بداية ظهور مفهوم الجريمة ضد الإنسانية بقوله: إن الفضاء القانوني الذي ظهر فيه مفهوم الجريمة ضد الإنسانية كان بعد الحرب العالمية الثانية في نورمبرغ عام 1945، وكان المفهوم إلى ذلك الحين مجهولًا.

ويناقش دريدا في كتابه أطروحات الفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكلفيتش الذي طرح موضوع الصفح في كتابيه «الصفح» (1967) و«ما لا يقبل التقادم» (1986)، وهو نقاش جاء متزامنًا مع النقاشات الفرنسية التي جرت عام 1964 حول عدم تقادم الجرائم النازية والجرائم ضد الإنسانية. حيث ذكر جانكليفيتش في كتابه "مالا يقبل التقادم" عدم قابلية التقادم وعدم ملاءمة الصفح، بل وحتى لا أخلاقيته، فتقادم الجرائم لا يلغيها ولا يجعلها ممكنة للصفح ونسيانها وعدم معاقبة مرتكبيها.

وقياسًا على أطروحة جانكليفيتش، فجرائم اليهود ضد الفلسطينيين هي أيضًا جرائم لا تقبل الصفح ولا تتقادم مهما مر الزمن. وكما اعترف العالم بالمحرقة النازية، عليه الاعتراف بظلم فلسطين التي تم احتلالها، وارتكاب أفظع الجرائم والمذابح ضد أهلها وتشريدهم إلى دول اللجوء والمنافي. ولكن جانكليفيتش لا يتحدث إلا عن محرقة اليهود ويصب جام غضبه على الألمان مطالبًا بعدم الصفح عن الأجيال الجديدة منهم الذين لم يكونوا مولودين خلال الحرب العالمية الثانية.

ويذكر الفيلسوف جانكليفيتش نقاطًا مهمة حين يتم الحديث عن الصفح عن الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية من خلال حجتين قويتين:

الأولى: هي أنه لا يمكن منح الصفح إلا إذا كان الصفح مطلوبًا، وإذا طُلب بطريقة صريحة. وهذا الفرق ليس بسيطًا، فالمرء لن يصفح أبدًا عن فرد ما لا يقر بخطئه، ولا يندم ولا يطلب الصفح.

وثانيًا: هي المسلمة الثانية التي تقول بأنه عندما تكون الجريمة شنيعة، وتكون متجاوزة لخط الشر الجذري، لا يعود هناك إمكان للصفح، لأن الصفح يجب أن يبقى بين البشر في حدود ما هو إنساني.

ولكن دريدا يرى في طرح جانكليفيتش، الرافض للصفح بشكل جذري، الكثير من المبالغة. ويرد على كل هذا الطرح بالنظر إلى التاريخ الذي يسبر غوره عبر التاريخ الديني والسياسي، والذي يجب أن يكون في قلب تفكيرنا. فالتقييد الوحيد للصفح في القانون وفي التشريع القانوني هو حق العفو الذي يقول عنه كانط: إن حق العفو، حق تخفيف واستبدال عقوبة مجرم ما، هو من بين حقوق الحاكم الأكثر حساسية والأكثر انزلاقًا والأكثر مفارقة، فهو يضيف اللمعان إلى عظمة وسمو الحاكم، ولكنه يشكل من هنا أيضًا بالنسبة للحاكم مخاطرة إتيان الظلم والتصرف بشكل جائر، لأن إسقاط العقاب سيشكل أكبر ظلم تجاه الرعايا. لا ينبغي أن يمارس حق العفو وبالتالي حق الصفح إلا في حالة جريمة ضد الحاكم نفسه.

ويذكر جاك دريدا بأن "الصفح يستلزم أن يدخل طرف ثالث إلى المشهد ومع ذلك يجب استبعاده. فلا أحد له الحق في الصفح مكان أحد آخر عن إهانة أو جريمة أو أذى مقترف. لا يتوجب الصفح باسم الضحية، إذا كانت هذه الضحية غائبة عن مشهد الصفح أو إذا كانت متوفية مثلًا، لا يمكن طلب الصفح من ناجين عن جرائم أصبح ضحاياها في عداد الموتى."

ويناقش دريدا رأي جانكليفيتش الذي يؤكد على ضرورة طلب الصفح والعفو والرحمة وقبله التكفير، ووخز الضمير، والندم، والاعتراف بالذنب، وينتظر من المذنب أن يعترف بالخطأ ويعترف بالجريمة التي ارتكبها. بالتالي فهو يرفض فكرة الصفح ويرى بأن لا صفح قبل العقاب، فهو يراه حاجزًا من المتعذر اجتيازه، فهما خطابان منطقيان ونظامان أكسيوماتيكيان متناقضان ومتضاربان، لا يقبلان الصلح. أحدهما هو نظام أكسيوماتيكي الصلح أو المصالحة، بينما الآخر هو نظام أكسيوماتيكي ما لا يقبل الصلح. فهو يؤمن بأن المصالحة والصفح سيكونان وهميين وكأذيين ولن تكونا أصفاحًا حقيقية وإنما أعراض حداد، أعراض علاج للنسيان ولمرور الزمن.

الكتاب يعرض لآراء جانكليفيتش عن عدم إمكانية الصفح وما لا يقبل التكفير تجاه النازية فيما فعلته من محرقة لليهود، ورفض الكائن اليهودي بالمطلق واعتبار وجود اليهودي جريمة ويجب اقتلاعه من الوجود. وهذه الأطروحة يحاجج فيها دريدا عبر تفكيكه لمفاهيم الصفح والغفران، والشعور بالإثم، متسائلًا إذا ما كان الصفح خاصية للإنسان أم للإله؟

جاك دريدا في محاضرته المهمة عن "الصفح ما لا يقبل التقادم" يضيء جانبًا من الرؤية في هذه القضية المهمة التي تمس الإنسانية، وروح البحث عن العدالة في عالم مضطرب متسم بالإفلات من العقاب، ومحاولة الهروب من الجرائم عبر الاعتقاد بتقادم الجرائم. ولكن الجرائم لا تسقط بالتقادم بل تبقى حية في الضمير الإنساني ولا تموت، وليس لأحد حق الصفح عنها.

كم نحتاج للاستضاءة بمثل هذه الأطروحات الفلسفية التي تعمل على تفكيك مفاهيم مهمة مثل مفهوم الصفح، وخصوصًا في عالمنا العربي المتخم بارتكاب الجرائم ضد كل مخالف للرأي، ومن بينها الجرائم ضد الإنسانية التي قام بها نظام القذافي طيلة حكمه من خلال أذرعه الباطشة الموجودة منذ عشر سنوات في السجون، والتي تتعالى الأصوات للعفو عنها، رغم أنهم مدانون بجرائم فساد وجرائم تصفيات وقتل. وأيضًا إذا أسقطنا هذه الأطروحة على الانتهاكات والجرائم التي حدثت من جانب التشكيلات المسلحة خلال الأحداث والحروب المتعاقبة في البلاد خلال السنوات الماضية، فهي أيضًا لا تسقط بالتقادم بل تبقى في ذاكرة الشعب والتاريخ. فالصفح والمصالحة وجبر الضرر يجب أن يتم كما يقول دريدا في أجواء نقية بعيدة عن كل الحمولات السياسية والقانونية والدينية، والتي تقع ضمن إطار الابتزاز السياسي أو القبلي أو الديني، فكل هذه التصرفات ستمنع من طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة تبدأ بالاعتراف بالأخطاء وجبر الضرر والمصالحة بين الماضي والحاضر.

 

# محاكمات نورنبيرغ هى من أشهر المحاكمات التي شهدها التاريخ المعاصر، وتناولت المحاكمات في فترتها الأولى، مجرمي الحرب النازيين بعد سقوط الرايخ الثالث، وفي الفترة الثانية، تمّت محاكمة الأطباء الذين أجروا التجارب الطبية على البشر في معسكرات الاعتقال النازية .

نظام اكسوماتيك نظام بديهي axiomatic#

الخميس، 16 ديسمبر 2021

تونس مفتاح ..الحاضرة رغم الغياب

 إنتصار بوراوى



لازال صوت وأغنيات المطربة تونس مفتاح التي انطلقت في سبعينيات القرن الماضي بصوتها العذب الجميل ، يلقى رواج ومحبة ومتابعة عند كثير من الجمهور الليبي  رغم  مرور الزمن  والسنوات  الطويلة على اعتزالها الغناء .  

وحين دخل الأنترنت للبلاد وانتشر في أوائل الألفية، عمد عشاق الفن الليبي إلى توفير أغلب أغانيها على اليوتيوب، وأصبحت متاحة للأجيال التي صاحبت أغانيها وهى في سن الطفولة او المراهقة والصبا، وللأجيال الجديدة التي وجدت في لونها الفني الرقة والجمال واللحن الرشيق الذى جعلها مقربة منهم أيضا.

وهذا سر من أسرار محبة الجمهور لفنها، وأغنياتها، فلون المطربة تونس مفتاح الفني قام على اكتاف هرمين من أهرامات الشعر والتلحين في ليبيا هما الشاعر الغنائي فضل المبروك، وزوجها الملحن فرحات فضل الله يرحمهما الذين قدما لتونس مفتاح أروع إبداعاتهما الفنية.

كانت انطلاقة المطربة تونس مفتاح  الكبيرة ،حين غنت وهى في الرابعة عشرة من عمرها تقريبا  أغنية  "انسيتك يالبعيد"،بصوتها المغرد الشادي ، فجذبت أذن المستمع قبل المتفرج ورغم صغر سنها ،إلا أنها غنت الأغنية بكل جوارحها وأحاسيسها وتقمصت حالة العاشقة، التي تخلت عن حبيبها الذى لم يكن يستحق حبها فكانت فعلا الطفلة المعجزة في زمانه، فكيف لطفلة في ذلك العمر أن تغنى، بكل تلك المشاعر الدافقة والعواطف الملتهبة لو لم تكن لديها موهبة عشق الغناء، ومحبته فهي لم تكن تغنى للحبيب كما في كلمات الاغنية ،بل تغنى للجمهور والناس وتعلن لهم جميعا بأنها مطربة تمتلك صوت يدخل للقلب بدون حواجز بعفويته وحرارة عواطفه وتعبيراته المتدفقة بالحب، وبمقياس ذلك الزمن"سبعينيات القرن العشرين" كان ذلك منتهى الجرأة والتمرد من  فتاة صغيرة في العمر ، ليس في الصوت فقط الغامر بالمحبة والعشق بل في كلمات الأغنية، نفسها التي تعلن التمرد على الملاء وإعلان نسيان الحبيب بطبقة صوت عالية  ،وبكل جرأة تعلن تلك الصبية الصغيرة ليس فقط نسيانها له بل تخبره، بأن "أنظارها دارن صوب جديد" أي أنها تقول له بكل أنفة  وكبرياء واعتداد بالنفس أنها لم تعد تريده ومحته تماما من ذاكرتها  وعاقبته بالنسيان لأنه ابتعد عنها وتركها فبالتالي هو لا يستحق حبها وفيض عواطفها الدافقة ، ولا تكتفى كلمات الأغنية بذلك بل تصرح معلنه بأنها  أحبت شخص أخر  وهذا اللون الغنائي  جديد على أذن المستمع الليبي الذى كانت مشاركة المطربة الليبية فيه شحيحة أساسا ، لذلك تم الاستعانة بمطربات عربيات طيلة عقد الستينيات لغناء ما يكتبه الشعراء الغنائيين  تعبيرا ،عن عواطف المرأة  ومشاعرها في الحب  وكانت أغلب الأغاني تدور حول عشق الحبيب، ومحبته أو الشكوى من هجره والتذلل والتوسل لرجوعه ، ومافعله الشاعر المبدع الراحل في كلمات  الأغنية أنه فجر كل الموروث في الشعر الغنائي الليبي بأغنية تتكلم بلسان المرأة  متحدية الحبيب الهاجر  بإعلان النسيان ، ولقد أبدع ابن الجبل الأشم الشاعر" فضل المبروك "  في رسم كلمات الأغنية التي بدت و كأنها كانت مكتوبة، لصوت تونس مفتاح الطازج فى بكارته والذى يجلب إلى مستمعه  رائحة الشمارى، وخرير النهر واخضرار الطبيعة عبر صوتها اليانع ،فمن كانت يمكن أن تغنى تلك الكلمات التي تحمل معها أجواء المكان ولهجته إن لم تكن تلك الموهبة الجوهرة التي عثر عليها الشاعر فضل المبروك والملحن فرحات فضل فتمسكا بها، وعملا على صقل تجربتها وتدريبها على الغناء وكيفية غناء مخارج الحروف حتى تمكنت، وأصبحت نجمة كبيرة لسنوات، قدمت خلالها أجمل أغانيها وأصبحت أي أغنية جديدة تغنيها تجد طريقها للنجاح والرواج الكبير  بين الناس عند إذاعتها ، لقد أحب الجمهور صوت أبنة الجبل الأخضر بدفئه ورقته وعاطفته الجياشة، وايضا لاختلاف مضامين أغانيها التي أبدع كلماتها الشعرية الغنائية الشاعر فضل المبروك فمن أغنية "سريبى نا وياك سريب" إلى أغنية  "مراسيلك غير امتى تجي" ، و"عارف ليش ما اترد السلام " و "لاتلومنى ولاتقولى غرت بيا "، " كان المحبة عيب هذا عيبى  سوا نعيش والا نموت راضي بعيبى"

الجملة اللحنية عند فرحات فضل رشيقة، فلا مط وتطويل فيها، وذلك شكل نوع من أنواع تطوير الأغنية الليبية الحديثة، فأغلب ألحان فرحات فضل هي سابقة لعصرها فالألحان طربية، ولكنها خفيفة ورشيقة وليس بها مط وإعادة والحقيقة أن ملحني تلك الفترة أضافوا كثير للأغنية الليبية وعملوا على تطويرها ويرجع تطوير الجملة اللحنية الليبية إلى الملحنين المبدعين المجددين أبراهيم أشرف وأبراهيم فهمي وفرحات فضل ويوسف العالم وعبد الجليل خالد وغيرهم من الملحنين الليبيين الكبار  

وكل ذلك انعكس على غناء تلك المرحلة التي شهدت تطور ملحوظ وزخم بين المطربين والمطربات مثل محمد حسن وعادل عبد المجيد، وحيد سالم ، عبير مصطفى طالب ،راسم فخرى ،واحمد سامى ،سالمين الزروق ،وفاطمة احمد

وكان لصوت تونس مفتاح مكانته، وربما كانت درة أغانيها التي عشقها الناس ونالت رواج كبير هي أغنية "لا تغيب “وخاصة، عندما قامت بتصويرها فوق جسر وادى الكوف المطل على تلال وجبال الحبل الاخضر، وصدح صوتها مغنيا يشدو كالكروان

ماتغيب خليك قريب

متغيب يالورد العاطر

ماتغيب عنى ماتغيب

ومهما تحدثنا عن والعذوبة والجمال، في كلمات والحان هذه الأغنية فسيبدو ذلك ضئيلا أمام جمالها الذي أكتمل، بصوت تونس مفتاح الزاخم بالعواطف والأحاسيس وبقدرتها على ترجمة كل ذلك الدفق في كلمات الأغنية بإحساس عالي من الوجد والعذوبة التي كانت الماركة المسجلة، لصوتها العذب المعبر عن شخصيتها الرقيقة الدافئة .

وربما الفنانة تونس مفتاح أكثر مطربة ليبية ،غنت للوطن فقط فكل اغانيها الوطنية ليس فيها اسم رئيس البلاد وإنما كانت اغنياتها عن الوطن في حد ذاته دون تمجيد للأشخاص  ومنها أغنيتها الوطنية الجميلة :

بعيونى نصونك ياوطنى تهون الروح ولا مانهونك ياوطنى"

واغنيتها "يابلادنا ربوعك ديما فيها الهنا والخير والتبسيمة، وفى اغنيتها "ضنا بلادى ياحد الزين" ويكمن ذكاء الشاعر فضل المبروك، وعبقريته في الغناء للوطن ووصف جمال ربوعه وأماكنه دون الانزلاق، في التمجيد لحاكم البلاد أو محاولة رسم أغنية على مقاس الحاكم، وربط الوطن بوجوده أو أحلاله محل الوطن وربما لهذا لم تكن أغاني تونس مفتاح الوطنية تذاع كثيرا، رغم جمالها وتعبيرها عن عشق الوطن بصحاريه وجباله وناسه البسطاء الطيبين.

صوت تونس مفتاح قادم من مغارة الجمال، واحتوى كنوز كثيرة نثرتها المطربة طيلة مسيرتها الفنية التي انتهت مبكرا نتيجة ظروف كثيرة، ولو لم تنقطع مسيرة تحديث الأغنية الليبية ، عبر ملحنيها الكبار  وتنحصر الأغنية الليبية في  اللون البدوي الذى استثئر به  كل من على الكيلاني وعبد الله منصور الذين قاما بتهميش كل الألوان الأخرى ،وحصر كل الضخ الإعلامي في لونهما، وجلب المطربين والمطربات العربيات اللواتي لا يجدن حتى اللهجة الليبية بإتقان مثل المطربات الليبيات فقط   لغناء لونهما، وتهميش  الأصوات الكبيرة الجميلة والشعراء والملحنين المجددين والمطورين في الأغنية الليبية ،لولم يحدث كل ذلك  ماكنا فقدنا كثير من الأصوات الليبية  الجميلة  والملحنين والشعراء الكبار الذين اختاروا العزلة والابتعاد عن المجال وهم في عنفوان  عطائهم الفني الإبداعي الكبير، ومنهم بالتأكيد مطربتنا الرائعة الجميلة تونس مفتاح التي تركت  بصمة في تاريخ الأغنية الليبية  بصوتها العذب وأسلوبها المميز في غناء الأغنية الليبية ,

 

شادية وأسطورتها الفنية والشخصية

إنتصار بوراوي

بدأت الفنانة والمطربة الرقيقة شادية التمثيل والغناء فى السابعة عشر من عمرها  بفيلم " أزهار واشواك" في عام  1947 م ،وأبدعت شادية في تجسيد الشخصيات بالسينما فى كل مراحل حياتها، بداية من التلميذة الشقية العاشقة لابن الجيران وابنة الخادمة التى ترفض الفوارق الطبقية التى تمنعها من الأرتباط بالرجل الذى أحبته إلى الفتاة الواعية التى ترفض الزواج من ابن عمها بطريقة تقليدية وغيرها من الأدوار المتنوعة.

كانت بطولة أغلب أفلامها فى مرحلة خمسينيات القرن العشرين ، مع الممثل كمال الشناوي الذى شكلت معه ديو فنيا ومثلت معه قرابة 30 فيلم ،ثم انتقلت إلى مرحلة النضج فى أفلامها مع روايات نجيب محفوظ فى زقاق المدق" و " اللص والكلاب ، أما مرحلتها االفنية مع صلاح عبد الفقار فى مرحلة ستينيات القرن العشرين فلقد كانت قفزة أخرى فى مجال التمثيل ، بالتالى فأن المشاهد عايش شادية فى كل مراحل عمرها الذى منحته  إلى فنها الغنائى، ورسمت كل تجاربها مع الحب عبر أغنياتها لأنها كانت صادقة فى حياتها الشخصية كما هى تماماً فى فنها وإغنياتها، فشادية لم تغنى للحب لأن الغناء العاطفى بالضرورة مرتبط بالحب  وإنماهى غنت الحب لأنها كانت مؤمنة به كقيمة ومعنى لوجودها، لهذا هى لم تفعل مثل كثير من الفنانات اللواتى تزوجن من مليونيرات أو رجال أعمال ،بل عاشت الحب بقلبها وروحها وتزوجت دائماً بمن عاشت معه قصة حب .

كان هناك كثير من المطربات اللواتى اتجهن للتمثيل فى السينما منذ بداية السينما المصرية مثل أم كلثوم وليلى مراد ورجاء عبده ونجاة على وصباح وفائزة أحمد ونجاة الصغيرة وغيرهن  فلقد ارتبط الغناء فى تلك المرحلة بفن السينما لكن ما ميز شادية عن كل هذه الأسماء أن أغلبهن كان التمثيل يأتى فى المرحلة الثانية بعد الغناء لديهن لكن الفنانة شادية اختلفت عنهن بارتباط غناءها بالتمثيل السينمائي لهذا مثلت في 120 فيلم أغلبهن في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

ومن خلال قراءة سيرة حياة الشخصية نعرف بأنها أحبت ابن الجيران فى سن السابعة عشر من عمرها ولكنه توفى فى حرب 48م ، و أثرت تلك القصة على حياتها ولكنها لم تمنعها من الحب مجددا فأحبت عماد حمدى الذى يكبرها ب20 عام وتزوجته، رغم رفض أهلها له لفارق السن بينهما  ولكن الممثل عماد حمدى كان غيور وصفعها ذات مرة أمام أصدقائه ، فتركته وطلبت الطلاق منه بعد أن مات الحب فى قلبها تجاه عماد حمدى لأنه ضربها ، فرغم أنها عاشقة حتى الذوبان ولكن حين يحصل مايهين كرامتها، تتخلى عنه ولو كانت تذوب فى محبته، ونفس الموضوع حصل مع قصة الحب الثانية فى حياتها التى كللت بالزواج من ممثل بالإذاعة المصرية وافترقا بسبب اكتشافها بأنه متزوج منذ سنوات ولديه أطفال وليس كما عازب كما أوهمها.  

كانت قصة الحب الكبيرة والأخيرة فى حياة شادية ،هى قصة حبها وزواجها من الممثل صلاح ذو الفقار والتى دامت لمدة تسع سنوات ، فلقد كان هناك انسجام كبير بينهما  وثمة تشابه كبير فى شخصياتهما من حيث الصدق فى الإحساس والمشاعر والقلب الأبيض  وخفة الدم والروح عند كليهما، وفروسية صلاح ذو الفقار وقوة شخصيته باعتباره كان ضابط طيران قبل أن يكون فنان وربما شخصيته القوية الرحبة هى التى جعلته يستوعب شخصية شادية بكل غزارة أحساسها ، وخصوبة عواطفها ودلالها وصدقها المفرط لذا شكلا ثنائي رائع ومثلا أجمل أفلامهما خلال حقبة الستينيات ،ولكن وكما لو أن الله لا يمنح الانسان كل ما يشتهيه  وضرورة أن يحدث النقص فى الدنيا، فأن شادية أجهضت مرتين ولم تستطيع الإنجاب ،وربما هذا كان سبب من أسباب طلاقها من صلاح ذو الفقار وبعد ذلك لم تدخل شادية فى قصة حب  ولم تتزوج مطلقا  وقررت أن تتوقف عن الحب والزواج وتحصر حبها فى عائلتها وأخوتها وأخواتها وأولادهم .

فى سنة 1972م كانت شادية فى الواحدة والأربعين من عمرها ، حين تم طلاقها من الممثل صلاح ذو الفقار وتقريبا انتهت المرحلة الذهبية من حياتها الفنية التى قاربت الربع قرن منذ عام 47الى عام 72، فلم تمثل بعد ذلك إلا بضعة أفلام خلال حقبة السبعينيات وفيلم واحد فى الثمانينيات ،وبضعة أغاني جميلة وراسخة حتى اليوم مثل "قولوا لعين الشمس وآخر ليلة" ، و"غاب القمر" وأنهت حياتها الفنية بالنجاح المدوى لمسرحية " ريا وسكينة.

عاشت شادية  تجارب قوية مع الحب والزواج والخيبات والفراق رسمتهن كلهن فى أغنياتها  فجاءت أغنياتها دافقة بالأنوثة العاشقة الخصبة بعواطفها ،الباحثة عن الحب الكبير الذى يفوز بكنزها، وينهل من بئرها العميق  ولكن شادية كما كل العاشقات فى كل قصص التاريخ الإنسانى ، لم تهنأ بالحب أبدا فما أن تعثر عليه حتى يذوب من ين يديها ويموت فى قلبها ، لأن كرامتها كانت تقف دائماً لحبها بالمرصاد وماكانت لترضى لأن يهين أحد ، كنز الحب بقلبها أو يقلل من قيمته ،تلك هى أسطورة شادية الشخصية التى أراها من زاوية رؤيتى الشخصية كإمرأة بأنها هى منبع الجمال فى فنها، وهى المحرك والدينيمو الذى رسم لها هذه الصورة فى أذهان عشاقها كعاشقة امتلكت فى صوتها قوة الأحساس والمشاعر وصدقها وحرارتها ، حرارة الصدق والدفء فى أغنياتها هو الذى جعلها تنجح فى تحويل تلك الكلمات إلى جسد وروح فى كل حالاتها ، وهنا مكمن الجمال  والأسطورة فى خلود صوت وأغنيات شادية وفى قرارها العظيم بأن تتوقف تماماً عن الفن وتعتزله وهى فى سن الخمسة والخمسين ، كى تحافظ على الصورة الجميلة التى تركتها فى ذهن جمهورها ، كأيقونة للجمال وشفافية الروح وكملكة للغناء   الخفيف الدافق بالمشاعر في أجمل معانيه.

غادة السمان ولعنة اللحم الأسمر



إنتصار بوراوى  

نشر أول عمل أدبى للكاتبة العربية غادة السمان عام1962 م وهى مجموعة قصصية بعنوان" عيناك قدرى "،تلتها مجموعتها القصصية الثانية" لابحر فى بيروت" أما دخولها لعالم الرواية فقد كان في عام 1974م عندما أصدرت روايتها الأولى "بيروت  75" وتتابع إنتاجها القصص والروائي الذى اتسم بالغزارة ولم تقتصر فيه على كتابة القصة القصيرة والرواية بل خاضت التجربة الشعرية من خلال المجموعات الشعرية التي أصدرتها وكرستها للبوح بما يختلج عواطفها تجاه الرجل فى غزل شعرى رقيق الذى ندر أن تبوح به المرأة  بكل جرأة فى تلك المرحلة الزمنية  التي نشرت فيها غادة السمان كتاباتها.

بالإضافة لكل ذلك قامت الكاتبة بنشر العديد من المقالات بمختلف المجلات والدوريات العربية التي تجاوزت فيها الهم الخاص المغرق في ذاتيته إلى هموم عامة وطنية وإنسانية.

ورغم أن قصة "لعنة اللحم الأسمر" ،تعتبر من البدايات القصصية الأولى للكاتبة ضمن مجموعتها الثانية "لابحر فى بيروت" ، ولكنها تحمل في ثناياها وجه وحياة وفكر الكاتبة على مدى تاريخها الأدبي الطويل الذى  يقارب الستين عام من الكتابة والإبداع .

تبدأ القصة بصوت فتاة تحدث نفسها مخاطبة حبيبها الغائب بقولها: "في كل ليلة ياصديقى حينما تنزلق المدينة في أحضان الظلمة وتنام عيون أهلي أنسل أنا من فراشي لأهاتفك"

وتستغرق بطلة القصة في وصف تسللها من غرفتها لمحادثة الحبيب الذى لا تعرفه إلا عبر أسلاك الهاتف :لماذا كل ليلة أحدثك بالهاتف  وأحيلك إلى رجل مقطر في صوت ولا أريد منك إلا الصوت ص 19

 فبطلة القصة ترفض ان تقابل من تحبه كى لا ترى في عينيه نظرات الشهوة والرغبة التي تجدها في عيون كل الرجال الذين لم يروا فيها إلا جسدا فقط

ثم تقطع سيل أفكارها والحوار الداخلي، الذى يبدو كهذيان وتمضى الكاتبة في تصوير ورسم قصة بطلة القصة بكلمات موحية بالجو النفسي الذى تعيشه الشخصية حين تتساءل بطلة القصة عن السبب فى توقف رنين الهاتف"  الهاتف ميت العالم الذى ابتدعته بك ومن أجلك يهتز" ص12

ومن خلال هذا الموقف الدرامي، يدور نسيج القصة حول شخصية واحدة وهي الفتاة الوحيدة التي تخاطب نفسها، بمنولوج داخلي ترصد فيه عالمها الذي تعيشه، وفى المقطع التالي نلاحظ توظيف الغرائبية والفانتازيا أي عبور الواقع وربطه بالخيال في صورة تحمل شفافية الكلمات ورقتها

قال:( تعالى أنا أبدع نجوم المدينة، وكان له متجر كبير ورائع فى زاويته قالب حلوى لامرأة قال"انصهرى ، فانصهرت ، قال انسكبى فانسكبت قال"وكونى "فكنت)

فى هذا المقطع من القصة تصور الكاتبة المجتمع شبيه بمتجر كبير والنساء فيه مجرد دمى جميلة، وهذا الصوت الذى انطلق يأمرها بفعل الامر "كونى "  فكانت ، وأنصهرى فانصهرت وأذعنت له هو صوت كل الرجال المحيطين بالشخصية بطلة القصة.

قال :اقتربى أحب لحمك الأسمر ،صرخت دعنى هناك أشياء كثيرة هى انا ص21

هناك أشياء كثيرة هى أنا ، هذا ما تصرخ به بطلة قصة غادة السمان فى وجه الكل وهذه هى المعاناة التي تحملها البطلة ، التى تواصل بحثها عن رجل عيناه نجمتان تمطران حنانا ولكن إلى متى ؟

بعد كل صراعها مع الاخرين ومع نفسها تفاجئنا بطلة القصة، بإلقاء سلاحها، ورفعها لراية الاستسلام مناجية نفسها: لماذا أحقد عليك وانا بعض لعنة اللحم والدم، لماذا أحقد على الظلال الحمر في عيون الأخرين )ص 22

وبعد كل تلك الرحلة المضنية الطويلة والصراع بين ما تتمنى والواقع المسيطر حولها، تذعن الفتاة في النهاية وتعلن انها ستضرب له موعدا للقاء ولكن يبدو ان قرارها جاء متأخراً، فلا صوت يرد على الرنين الذى يملأ سمعها ، وتنتهى القصة عند هذه الصورة التي ترتسم في مخيلة القارئ :"اضغط بأصبعي على زر الهاتف غيثا لا صوت ولاصدى " ص23

السرد الذاتي على لسان البطلة يشكل المحور العام للقصة ، التي تنسج حول شخصية واحدة هي الفتاة بطلة القصة التي لا اسم لها ولا عنوان ،وكل الشخصيات الأخرى هي من صنع خيال بطلة القصة نفسها التي تحاور ذاتها وتصارعها أيضاً ،  وغادة  السمان في  هذه  القصة تنزع الدناسة والخطيئة عن جسد المرأة المستقاة من التصورات العميقة الكامنة في الوجدان الشعبي والديني بارتباط جسد المرأة بالشهوانية والخطيئة ، وتضع الرجل في  حلقة المواجهة ، حين تنزع عنه القناع ، وتعرى حقيقته الباحثة دوما عن جسد المرأة ، دون اهتمام بعقلها وفكرها ، لذلك تصرخ بطلة القصة  في وجه الرجل " هناك أشياء كثيرة هي أنا" ، ولكنها حين تعلن ذلك يختفى الرجل تماما ، وتختفى اتصالاته ويختفى صوته، لأنه لا يبحث  إلا عن جسدها وإرواء عطش شهوته ، فالمرأة بالنسبة له ليست إلا وعاء للشهوة فقط و لكن بطلة القصة تريد من الرجل أن ينزع غلالة الجسد ويدخل إلى العمق ...عمق فكرها ..عمق روحها  ،عمق عواطفها  ولايلهث خلف شهوة الجسد فقط .

قصة لعنة اللحم الأسمر هي مانفيستو الكاتبة غادة السمان لأنها تعتبر من بواكير أعمالها القصصية التي  عبرت من خلالها عن فكرها ورؤيتها  لجسدها  وعقلها وفكرها ، وكذلك علاقتها بالرجل ، لذلك  عنونت قصتها بعنوان صارخ جارئ فالجسد الأسمر هو موطن  للشهوة فقط ، لذلك هي تلعنه  لأنها تريد التحرر من لعنته ، وتحلق خارج إطار جسدها الأسمر  الذى على أساسه يتم رسم  صورة ذهنية لها عند الأخرين  فبطلة القصة لا تتهرب من جسدها ولكنها  لا تريد ،أن تتشكل في ذهن وفكر الرجل بناء على شكل أو لون جسدها ، هي تبحث عن  التحرر من كل هذه الصور النمطية المعلبة للمرأة والمتوارثة عبر الموروثات الدينية والاجتماعية إلى رحاب  سماوات كبيرة ، لأنها من  تريد الرجل أن يشاركها في التحليق لا أن  يحصرها في زاوية الشهوة الضيقة .

قصة " لعنة اللحم الأسمر حملت في مضمونها مشروع " الفكر السمانى"  _إذا  جاز لنا التعبير_ الذى أخلصت له غادة السمان، في مشروعها الأدبي الكبير عبر مجموعاتها القصصية والروائية طيلة  ستين عام، من الكتابة في الشعر والقصة والرواية والمقالة وأدب الرحلات  وأدب الرسائل .

 فالبناء الفكري في أغلب قصص، غادة السمان هو بناء يفتح أبواب الأسئلة عبر قصصها التي تتشكل في الغالب، من شخصيات نسائية تمتد إليها قلم الكاتبة بكل وعيها الفكري والإنساني، وتقدمها في لوحات قصصية بارعة محللة نفسياتهم التي تقفز بين الإحباطات والخيبات يساعدها، في ذلك مخزون لغوى هائل وقدرة فائقة على تطويع قوالبها، بسهولة في صورة حميمية مثيرة للانبهار

وطرح غادة السمان لموضوع الجسد في قصصها ورواياتها ليس مبتذلا أو أباحيا  بل هو  موضوع فكرى في الأساس ، ودائما  يقع ضمن سياق قصصها ورواياتها   وليس محشوا أو محشورا كما نقرأ  في بعض  القصص و  الروايات الجديدة للأجيال التي كتبت ونشرت بعدها ، فالهم الإنساني  والبحث عن  الحرية والعلاقة المشتركة المتوازنة بين الرجل والمرأة هو الأساس  في  مشروعها  الأدبي  وكما تقول  في إحدى كتاباتها :لن تنال المرأة قضمه من رغيف الحرية إذا لم يتحرر الرجل العربي أيضاً إنه مظلوم في حقل حرياته، والمرأة مظلومة المظلومين والرجل ليس عدوها بل حليفها الممكن من أجل نيل حقوقها في أوطان عربية بعضها لا يحترم حقوق الطرفين.

ومن منطلق هذا الوعى والفكر ،كتبت غادة السمان قصصها ورواياتها التي حاولت من خلالها البحث عن  علاقة سوية بين الجنسين بعيدا عن الظلم والقهر والشعور بالامتهان في العلاقة  بينهما .

الاثنين، 13 ديسمبر 2021

طه حسين والشعر الجاهلي

 


إنتصار بوراوي



حين نشر الدكتور طه حسين كتابَ “في الشعر الجاهلي” في عام 1926م، تعرَّض لعاصفةٍ كبيرةٍ من الهجوم؛ نتيجةَ أفكاره النقديّة والبحثيّة المهمة التي نشرها بالكتاب، والتي كانت معبرةً عن عقليةٍ باحثةٍ عن الحقيقة وسط ركامٍ من الأساطير التي يعجُّ بها تاريخُ الشعرِ والأدب العربيّ.

طه حسين في كتابه يضربُ جبلَ الجليد بفأسِ علمه، ويحطمُهُ ويفتحُ أبوابَ العقل الذي يركن للقديم وللموروث، ويضعُ ألفَ سؤالٍ وسؤالٍ حوله ببراعة. يحطم الدكتور طه حسين كلَّ الثوابت، وينقر بإزمليه على جدرانِ العقول المتحجرة، ليفتحَ أوّلَ نافذةٍ للضوء في تاريخ النقد العربيّ، والتي سار على طريقها الكثيرون.

 صحيح أن الدكتور طه حسين رضخَ للعاصفةِ الهوجاء، وحذف بعض الفقرات التي أثارت حمية التقليديين عند إصداره للطبعة الثانية للكتاب، إلا أنّ الطبعة الأولى الأصليّة للكتاب غدت متاحةً بنسخةٍ إلكترونيّة، ومع حريّةِ المعلومات والإنترنت لم يعد هناك منعٌ أو تقييدٌ للقراءة الحرة؛ لأن هذا الكتاب هو من ضمن الكتب الرائدة في إيقاد الذهن لذلك على من يبحث عن القراءة المختلفة غير التقليديّة أو المتكلّسة أن يبدأ قراءته في النقد بهذا الكتاب القيّم، الذي يعمل على إعمال العقل في الموروث الشعريّ.

الدكتور طه حسين في كتابه حاول أن يبرهن على عدم وجود الشعر الجاهليّ، وحاول أن يثبت في كتابه بأن قصائدَ الشعر الجاهليّ التي وصلت إلينا من كتب الأدب العربي القديم هي قصائد منتحلة؛ وذلك لعدة أسباب من بينها كما يقول الدكتور طه حسين: “بأن بعض الشعراء في العصر الأموي والعباسي شعروا بالحاجة إلى إثبات أن القرآن كتاب مطابق في ألفاظه للغة العرب؛ فحرصوا على أن يستشهدوا على كل كلمة من كلمات القرآن بشيءٍ من شعراء العرب يثبت أن هذه الكلمة القرآنية عربية لا سبيلَ إلى الشك في عربيّتها.

 

كذلك يقول الدكتور طه حسين بأن للأهواءِ السياسيّة دورٌ في انتحال الشعر ونسْبه للعصر الجاهلي، نتيجة الحروب التي كانت تقع بين القبائل العربية. فللعواطف الدينية على اختلافها وتنوع أغراضها مثل ما للعواطف السياسيّة من التأثير في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليّين.

ويستفيض الدكتور طه حسين في بحثه ويقول “بأنّ الشعر الذي يسمّونه الجاهليّ لا يمثل اللغةَ الجاهليّة؛ وذلك لأننا نجد بين هؤلاء الشعراء الذين يضيفون إليهم كثيرًا من الشعر الجاهلي قومًا ينتسبون إلى عرب اليمن أو القحطانيّة العاربة، التي كانت تتكلم لغةً غيرَ لغةِ القرآن الكريم، والتي كان يقول عنها أبو عمرو بن العلاء إن لغتها مخالِفةٌ للغةِ الغرب، والتي أثبت البحثُ العلميُّ الحديث أن لها لغةً أخرى غير العربية، ولكننا حين نقرأ الشعر الذي يضافُ إلى شعراء القحطانية، أي: العرب العاربة في اليمن، لا نجد فرقًا كبيرًا بينه وبين شعراء العدنانية، أي: العرب المستعربة في مكة والمدينة، بل لا نجد فرقًا بين لغة هذا الشعر ولغة القرآن، فكيف يمكن تفسير ذلك وتأويله؟ ويجيب الدكتور طه حسين على السؤال الذى طرحه بالقول: أن أمرَ ذلك يسير، وهو أن هذا الشعر الذي يضاف إلى القحطانيّةِ قبل الإسلام ليس من القحطانيِّة في شيء، ولم يقله شعراؤها، وإنما حُمّل عليهم بعد الإسلام لأسبابٍ مختلفة

وفي فصلٍ آخر من الكتاب يستعرض الدكتور طه حسين كثيرًا من الحكايات والقصص في كتب الأدب العربي للجاحظ وابن قتيبة التي يحللها ويظهر كذبَها وانتحاله

وفي القسم الثاني من الكتاب يضع تحت مِشرط نقده ودراسته البحثيّة أبرزَ شعراء العصر الجاهلي من خلال خمسة فصول ويبدؤه بفصل “قصص وتاريخ“، “امرؤ القيس وعبيد وعلقمة” و”عبيد بن قميئة ومهلهل وجليلة“، و”عمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة” و”طرفة بن العبد والمتلمّس

ويبدأ الدكتور طه حسين بحثه بالشاعر امرئ القيس ويسرد قصته المعروفة ويقارنها بقصةِ حفيده عبد الرحمن بن الأشعث، حيث يظهر الشبه بين قصتيّ حياتهما، ولذلك يرجح بأن امرأ القيس هو شخصيّة متخيَّلة، حاول بها الرواةُ التمثيلَ لحياة عبد الرحمن بن الأشعث الذي حارب سلطة بني أميّة، واستعاروا له اسمَ الملكِ الضّلِّيل. وحتى شعر امرئ القيس فهو في قسمٍ كبيرٍ منه شرحٌ لقصة حياته التي انتحلها الرواة في ظل التنافس القويّ الذي كان قائمًا بين قبائل العرب في الكوفة والبصرة، لذلك فقصائده المعروفة قد قيلت في العصر الإسلاميّ وليس في العصر الجاهليّ

 

كما أن التفسير الثاني الذي يقدمه الدكتور طه حسين حول شخصية امرئ القيس المتخيَّلة بأنها أشبه شيءٍ بشخصية الشاعر اليونانيّ “هوميروس“، التي يؤكد مؤرّخو الآداب اليونانية بأنها وُجدَت ولكنهم لا يعرفون من أمرها شيئًا يمكن الوثوق به، فـ”هوميروس” أيضا تنقّل عبر المدن اليونانية، ومنها من قامت بتبجيله وضيافته ومنها من أعرضت عنه، وهذا تمامًا ما نقرؤه في سيرة حياة امرئ القيس المتخيَّلة، الذي تنقل بين القبائل العربية.

وفي رؤية وتحليل الدكتور طه حسين عن شعر امرئ القيس يقول: “بأنّ كل الشعر الذي يتصل بسيرة امرئ القيس إنما هو من عمل القصاص، أما القسم الثاني من شعره وهو الذي لا يفسر سيرته ولا يتصل بها يتجسد في قصيدتان: (قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ) وقصيدته الثانية (ألا عِم صباحًا أيها الطللُ البالي)

كذلك يقدم الدكتور طه حسين برهانًا آخر على انتحال قصة امرئ القيس، وهو ما يتصل بأصله، وهي أن امرأ القيس -إذا صحّت أحاديثُ الرواة طبعًا- يمنيٌّ وشعرَه قرشيُّ اللغة، لا فرق بينه وبين القرآن في لفظه وإعرابه، ونحن نعلم بأن لغةَ اليمن مخالفةٌ للغة الحجاز، فكيف نظم الشاعر اليمنيّ شعرَه بلغة أهل الحجاز، وخاصة أن لغة قريش لم تكن سائدةً قبل القرن السادس الميلاديّ

أيضًا يشكك الدكتور طه حسين في شخصيات قصائد شعراء آخرين من العصر الجاهليّ، مثل: عبيد وعلقمة. ويذكر بأن الكثرةَ المطلقة من شعرهم مصنوعة، ويوضح ذلك بمناقشةِ أفكار قصائدهم التي تتعارض مع العصر الجاهليّ، ومنها ذكر الإيمان بالله ووحدانيته في قصائدهم

ويتحدث أيضًا عن عمرو بن قميئة والمهلهل بن الربيعة، الذي يقول الرواةُ بأنه خالَ امرئ القيس، وعمرو كما يزعم الرواةُ قد قُتل مع امرئ القيس على يد ملك الروم. ويفنّد قول الرواةِ بأن أوّل من قال الشعر هو المهلهل بن ربيعة خال امرؤ القيس، مبرهنًا على ذلك بالثغرات الموجودة بقصائده، التي لا تدلّ على أنها كتبت بالعصر الجاهلي

وفي فصلٍ آخر يتحدث الدكتور طه حسين، عن عمرو بن كلثوم الذي يقول الرواة عنه بأنه قتل ملكًا من ملوك الحيرة، فهو يكذّب الروايةَ متسائلًا هل يمكن أن يقتل ملك الحيرة بكل بساطةٍ وتقف المسألة عند هذا الحد بين آل المنذر وبني تغلب وبين ملوك الفرس؟ طبعًا ذلك لا يستقيم مع التفكير المنطقيّ والعقلانيّ السليم؛ وهو يعتبر ذلك نوعًا من أنواع القصص التي يرويها الرواة والقصاصين للمفاخرة بقبائلهم، كالتي تعجُّ بها أبيات قصيدته المشهورة التي يتفوّق فيها الاعتزاز بقومه للقول:

 

ألا لا يَجْهَلَنَّ أحدٌ علينا

فنجهلُ فوق جهلِ الجاهلينا

كما أن سهولةَ الألفاظ واللين في القصيدة، يتنافى مع حديثِ ولغةِ العربِ في منتصف القرن السادس الميلاديّ، وقبل ظهور الإسلام بنصف قرن

وكما يقول الدكتور طه حسين “ما هكذا كانت تتحدثُ ربيعة، خاصةً في العصر الذي لم تَسُد فيه لغة مُضَر ولم تصبح فيه لغةَ الشع

وفي الفصل الأخير من الكتاب، يعرض الدكتور طه حسين للحديث عن شاعرين آخرَيْن من ربيعة، وهما طرفة بن العبد والمتلمّس، الذي تقول قصصُ الرواةِ بأنه خال طرفة، لذلك جمعتهما قصص القصاصين والرواة مع بعض، ومنها قصتهُما المعروفة مع الملك عمرو بن هند التي قُتل فيها طرفة بن العبد، ويذكر طه حسين بأنه لم يُعثر للمتلمس على قصائد، وإنما بضعة أبيات ذكرهما ابن قتيبة في طبقات الشعراء، أما طرَفَة فلقد عُرفت له الرائية المشهورة وبضعة قصائد متفرقة ومنها المطوّلة الشهيرة

لخولةَ أطلالٌ ببرقةَ ثهمدِ

تلوحُ كباقي الوشمِ في ظاهرِ اليد

 

ومن خلال بحثه القيّم بالكتاب يرى الدكتور طه حسين بأن أسبابَ انتحال الشعر الجاهلي عديدة: منها أسباب دينية، وأخرى سياسية وشعوبية وأيضًا سبب متصل بالرواة أنفسهم؛ وهم كما يقول بين اثنين: إما أن يكونوا من العرب، فهم متأثرون بما كان يتأثرُ به العرب، وإما أن يكونوا من الموالي فهم متأثرون بما يتأثرُ به الموالي من أسبابٍ تجعلهم يعملون على انتحال الشعر

ويدعو طه حسين في آخر الكتاب القارئَ قائلًا: “يجب إعمالُ البحث والنقد فيما يسمّى الشعر الجاهلي، وعدم الارتكان لما وصل إلينا من الرواة وكتب الأدب القديم“.

 ولا يرى في إبطال الشعر الجاهلي أي خوفٍ على عربية القرآن، كما يقول في آخر الكتاب: “أيُّهما أشد إكبارًا للقرآن وإجلالًا له وتقديسًا لنصوصه وإيمانًا بعربيّته، ذلك الذي يراه وحدَه النصَّ الصحيح الصادق الذي يُستدل بعربيته القاطعة على تلك العربية المشكوك فيها، أم ذلك الذي يستدل على عربية القرآن بشعر كان يرويه وينتحله في غير احتياط ولا تحفّظ...  فالطرح الذي قدمه بالكتاب هو طرح نقدي عقلاني ويحتاج للمناقشة النقدية لا الهجوم والتكفير والنبذ.

سيدات القمر.. صراع الموروث مع الوعي والتغيير


إنتصار بوراوي

تسرد رواية "سيدات القمر" للكاتبة العربية من دولة سلطنة عمان جوخة الحارثي حكاية ثلاثة أجيال لعائلتين تعيشان في قرية العوافى"  بسلطنة عمان وتروى الكاتبة تفاصيل مجتمع نساء سلطنة عمان المغيبة عن المعرفة عبر حبكة روائية بارعة دخلت فيها إلى دهاليز عالم الرقيق وتاريخ عالم الرق وحكايته عبر حكاية ظريفة وامها عنكبوته.

ومن خلال أحداث الرواية يظهر تأثر الراوي الرئيسي للرواية "عبد الله" بتربية وحنان مربيته ظريفة، ابنة احد الرقيق، الذين جلبهم تجار الرقيق من افريقيا الى سلطنة عمان إبان الاحتلال البريطاني للسلطنة، ولكن حكاية ظريفة وتفاصيل تاريخ  تجارة الرقيق  ليست هي التيمة الوحيدة المسيطرة على الرواية  ،وانما هي جزء من ملحمة الرواية التي تسرد تاريخ ثلاثة أجيال من عائلات الشيخ  سليمان والشيخ  عزان ، مع تركيز على شخصيات  "عبدالله وميا"  بطلى الرواية الرئيسيان  اللذان يرويان تاريخ عائلة كل منهما مع تداخل  أصوات شخصيات الرواية ،المتعددين من جيل الجد حتى جيل الاحفاد فالرواية تتوزع عميقا في تفاصيلها ،بين جيل الأجداد والأباء والأمهات ثم جيل الأولاد والبنات  والرابط بينهم هو صوت الراوي، عبد الله  المتحدث بصيغة المتكلم أحيانا وصيغة الغائب أحيانا   خرى، وتنتقل  الكاتبة الروائية ببراعة في سرد تفاصيل حياة الأجيال المتعاقبة بتقنية الفلاش باك، وبتعدد أصوات شخصيات الرواية التي تطل في كل فصل لرواية حياتها وافكارها بكثير من الزخم الثقافي المعرفي، للأجيال الحديثة في الرواية التي تشكلت من شخصيات مختلفة متعددة الأبعاد فمنها شخصية  الرسام والمهندسة والدكتورة والشاعر، الذين  خلعوا أرث الماضي  المثقل بكثير من ترسباته التقليدية الضيقة  ،مثل أسماء وخولة اخوات ميا  من الجيل الثاني للعائلة ،ثم لندن ابنة ميا حيث تبدو شخصيات الجيل الثاني ، والثالث من النساء أكثر وعى وإحساس بكينونتهن ورفض لعلاقة الزواج الفصامية التي حاولت تكبيلهن وهدر كرامتهن للحصول على الرضا الزوجي والمجتمعي.

وتروى الكاتبة في الرواية بعض من سيرة ،المقاومة الشعبية لجيل الأجداد للأحتلال الإنجليزي في قرية "العوافى" الصغيرة ،التي التحق بعض رجالها بثورة “الأمام غالب الهنائي" الذي قاد مقاومة مسلحة ضد الاحتلال الإنجليزي، في منطقة الجبل الأخضر بسلطنة عمان

ويعجب الشاب خالد الرسام ابن عيسى، ابن الشيخ بأسماء ابنة عزان وخالد هو ابن أحد المرافقين للثائر " الأمام غالب الهنائي" ،الذي قاد مقاومة مسلحة ضد الاحتلال الإنجليزي، ويتزوج الفنان التشكيلي خالد ،بأسماء أبنة عزان بعد عودته مع أسرته من مصر التي هاجرت العائلة إليها بعد توقيع معاهدة الصلح “السيب" بين الأمام غالب والقبائل المتحالفة معه من جهة والانجليز والسلطان من جهة، ولكن زواج أسماء بخالد الرسام يتحطم رغم إنجاب الأطفال وسنوات الزواج الطويلة.

ويفشل زواج خولة مع زوجها ناصر، بعد عشرين عام من الزواج لعدم قدرتها على غفران سفره وتركه لبيت الزوجية، في مسقط وبقاؤه في لندن مع زوجته الكندية وزيارتها من حين لأخر لرؤية أبناؤها ،ثم عودته لها بعد هجران الفتاة الكندية له   وبلغة سردية شعرية جميلة تتحدث خولة ،عن احساسها ومشاعرها عن سنوات زواجها بناصر الذي احبته فخذلها بطعنه لأنوثتها عبر علاقته بحيبته الأوروبية فتقول:

"كل يوم ترى السنوات التي مرت وفراشها، بارد وجمالها مهجور والجيران يوصلون أولادها ان مرضو، وأخواتها يقرضنها إن احتاجت والناس ينظرون إليها بعين الشفقة يأتي الماضي كل يوم بحرابه يغرسها في روحها"

وكذلك ينهار عقد قران الحفيدة الدكتورة" لندن"، من الشاعر احمد الذي أحبته ولكنها تكتشف وجهه فوق جدار الحقيقة ،وعرائها حين يخبرها بأنه كطائر النورس لا يحب القيود ويريدها أن تتقبل علاقاته، مع الاخريات بأفق حر دون ان يبالي بما يحدثه كلامه من امتهان لأنوثتها كامرأة وتحطيمه للحب ،الذي زرعَ كشجرة في قلبها، وتنهار علاقة الحب بعد اكتشافها لوجهه القاسي الحقيقي، الغير مبالي بمشاعرها والمختفي خلف صورته كشاعر محب يكتب قصائد الشعر الغزلية لمن تعجبه من النساء فتخلع نفسها منه وتسترد حريتها بعد عناء طويل.

سيدات القمر في الرواية هن نساء رفضن الواقع الذكوري الذي جلد سياطه على قلوبهن فاخترن، بعد مكابدات نفسية صعبة التخلص من حياتهن مع أزواج أهانوا أنوثتهن عبر شخصيات أسماء وخولة من الجيل الثاني من عائلة الشيخ عزان وشخصية لندن الحفيدة

نساء القمر نزعن سواد لون القمر، الذي يضئ من انعكاس الكواكب الأخرى عليه وفتحن أبواب الحرية لعقولهن وأرواحهن ،بعيدا عن قيود التسلط الذكوري الذي رسم أوجاعه وأحزانه فوق أرواحهن

رواية سيدات القمر هي رواية الصراع النسائي بين قوة الموروث الضيق الذى يرى المرأة كمتاع ، دون احترام لروحها وعقلها وبين رغبة بطلات الرواية بأن يكن سيدات أقمار الحب فيتخلصن من علاقات زوجية مهينة لكرامتهن كنساء، وينطلقن متحررات من ثقل الماضي وموروثه  الصعب، في مجتمعات خليجية ذات صبغة قاسية في تقاليدها تحتم على النساء ،اللواتي يتعرضن للمهانة للصبر وعدم التفكير في الطلاق باعتباره يحمل وصمة عار، لمن تحمل صفة المطلقة ولكن بطلات رواية سيدات القمر لا يأبهن برأي المجتمع وتختار الشخصيات الثلاث في الرواية التخلص من الموروث الذى يكبلنهن ومن علاقات زوجية خائبة ارهقت  أرواحهن في أتون الإهانة  والضرب والطعن في أنوثتهن ،وبذلك تعتبر  الرواية سفر روائي معبر عن صراع  النساء ضد  ذهنية موروث خليجي قاسي في مجتمع سلطنة عمان يقاوم روح التغيير لنساء  الوعى والعلم  التي تفتحت أذهانهن وأزداد وعيهن  بحقوقهن، و إيمانهن بحقهن باحترام كينونتهن كنساء دون إهانة أنوثتهن تحت مبررات ذكورية مجتمعية  صعبة وقاسية .

الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...