إنتصار بوراوى
منذ فترة استمعت لأغنية لم
يسبق لى سماعها بصوت مطرب ليبي اسمه "جلال أحمد " نشرها " أبو
عاصم سماعي " المسؤول الفني عن قسم الغناء الليبي بموقع "سماعي "
المختص بأرشفة الغناء العربي على الأنترنت ،ورغم أنى متابعة جيدة للطرب الغنائي
الليبي إلا أن الأغنية لم تصادفني مسبقا، ولم يسبق لي العلم بوجود مطرب ليبي بهذا
الاسم فكم من فنانين ومطربين ليبيين داسهم قطار التجاهل والإهمال
هذه الجوهرة الفنية المكنونة
هي أغنية عنوانها " ياعينى عالمحبة"، للمطرب الليبي المعتزل " جلال أحمد " الذي عثرت على بضعة
أغاني له منشورة على اليوتيوب وبعض المواقع الليبية المختصة بالغناء منها أغنية
" يلى هواك مكتوب فوق جبيني " وأغنية " ليبيا يا أرض
الأحرار" من كلمات خليفة العمامى ولحن وائل جلال احمد، وأغنية"
أوعدينى" من كلمات يوسف بن صريتي ومن ألحان عبد الجليل خالد، فمن الواضح أنه
كان هناك تجاهل لأغانيه فلم يتم إذاعة أو تصوير أي أغنية له ،على القناة الليبية
كغيره من مطربي جيله وخصوصا إذا عرفنا بأن المطرب "جلال أحمد" بدأ
الغناء في نهاية الستينيات، وأيضا هو ممثل ومخرج تليفزيوني، ولكنه اعتزلَ الغناء
مبكرا
أغنية "ياعينى
عالمحبة" كتبها الشاعر الغنائي الراحل يوسف الصريتى، ولحنها الملحن المصري
الكبير سيد مكاوي في عام1971م، وتعتبر أغنية نادرة لأنها حظيت بلحن جميل من
الملحن الكبير سيد مكاوي المعروف بألحانه الشجية الرشيقة ، فينساب لحن الأغنية
بهدوء وجمال كرقرقة نسمة صيف باردة، تنقلك معها إلى عالم أخر مسيج، بغلالة من
العذوبة والجمال التي أضفى عليها الصوت الغنائي للمطرب "جلال أحمد "
،كثير من الخفة والشاعرية والنعومة والجمال وهو يتغزل بالمحبة ويدعو الناس إلى شيوعها بينهم كما تقول كلماته في
الكوبليه الأول
ياعينى عالمحبة
وع الناس السهرانين
اللي ذايبين محبة
ما بين شوق وحنين
اللي مفارق غوالي
واللى سهران ليالي
يستنى فى الغايبين
الملفت في الأغنية هو استخدام
الشاعر كلمة "محبة" ، في أغنيته وليس كلمة " الحب" ربما لأن
الشاعر الغنائى الليبي في تلك الفترة كان يعتبر كلمة "الحب" معيبة ويخجل
من كتابتها في النصوص ويستعيض عنها بكلمات مثل "الصوب"، الغلا"
،"الغية"،و" المحبة" وربما هو اختيار مقصود من الشاعر لأنه
يود التعبير عن أطياف متعددة من الحب، ومختلفة بين شخص وأخر
تمضي كلمات القصيدة الغنائية
للشاعر المبدع الراحل يوسف الصريتى، فى شرح معاني المحبة ومواساة الناس الذين
ينتظرون غائبين لن يأتوا، لأنهم قد يكونوا نائمين تحت أديم الأرض، أو أخذتهم
مرافئ بلاد بعيدة إلى دنيا أخرى ،وعالم أخر بعد الفراق وهناك من يقضى الليل ساهرا
في انتظار غائب لن يأتي أبدا ، وهكذا تتعدد الصور الشعرية التي يرسمها الشاعر
للغياب وللسهر في قصيدته محاولا استشراف أسباب السهر المرتبط بالغياب
وفى الكوبليه الثاني تدعو
كلمات نصه الغنائي إلى اقتراف المحبة مجددا مهما كانت الخيبات واللوعة والفراق،
وكأن الشاعر في أغنيته هو محامي مدافع عن المحبة يقدم حججه وبراهينه عنها مجددا
:
حلوة المحبة حلوة
مهما تفارق غوالي
وتخلى الدمعة غنوة في موال
الليالي
شوف الناس اللي حبت
واللي ذابوا سهر
واللي مفارق حبيبه
ويناجى فى القمر
واللي راضي بنصيبه
ومدارى جرحه وصبر
حيث يعيد الشاعر مدحه للمحبة،
بقوله"حلوة المحبة حلوة ، مهما تفارق غوالى"، فمهما حدث ألم وجرح وعذاب
نفسى نتيجة الفراق ، فالشاعر لا يهتم بذلك وكأن كل تلك العذابات هي قربان يقدم
على مذبح المحبة ، كي يفوز المحب بالحب ،
وكى يدلل الشاعر على صدق حجته وبرهانه في قصيدته على جدوى الحب أو المحبة ، يعمل على تقديم أمثلة أخرى
للمستمع عبر قصيدته بقوله "شوف
الناس اللي حبت"، بمعنى أنظر حواليك
إلى تجارب المحبين ، فمنهم من تعذب وشعر بلوعة الانتظار في السهر، وهناك من افترق
عن حبيبه ومضى كل منهما في طريق ولم يلتقيا أبدا، ورغم ذلك لازالت ذكراه في روحه
، ويقضى أيامه في مناجاة طيفه الذى لن يعود ، وهناك من رضى بنصيبه في اللوعة
والفراق وأخفى جرحه ولم يشكو ألمه وعذابه وصبر على ألم الفقدان .
قام الشاعر في هذا الكوبليه
بتعداد حالات الحب المستحيل ، أو حالات الحب الذي انتهى بالفراق الأبدي كي يقنع
قارئ قصيدته، ومستمع الأغنية بأنه ليس الوحيد الذى عاش تجربة عذاب الحب والفقد
والفراق ، وكل هذه الأمثلة التي يقدمها الشاعر في قصيدته الغنائية الجميلة هي
تمهيد للكوبليه الأخير، الذي يصل فيه إلى ذروة المحاججة في جدوى المحبة بأسلوب
راقى جميل ومواسى لقلوب المكلومين وضحايا الحب وعشاقه ومجانينه الذين اختاروا قفل
أبواب المحبة فيطلب الشاعر في الكوبليه الثالث من الأغنية، من الناس رفع اللوم عن
المحبة مهما كانت النهاية سيئة أو كان مصيرها الفراق بين المحبين، فالمحبة ليست الملومة في مصيرها التراجيدي فهى
ليست أنين و حزن وغربة مشاعر ودموع بين المحبين ، بل هي إحساس بين أثنين يوجد
بينهما انسجام وتناغم ومهما ذابا في الحنين والاشتياق، أو حتى حدث بينهما فراق
فلن يتوبا عن المحبة لأن المشاعر التي تجمعهما أكبر من البعد والفراق
كما يقول الشاعر الغنائي
يوسف الصريتى في كلمات الكوبليه الثالث من القصيدة الغنائية
يالايمين المحبة
إحساس بين اثنين
لا هى حزن ولا هي غربة
ولا هى دمعة حنين
مهما في هوانا نذوب ما بين
حنين وفراق
لا عن المحبة نتوب ولانصبر
على الأشواق
القصيدة الغنائية للشاعر يوسف
بن صريتي ، فيها تضمين لمعنى الحب بمعناه الواسع والكبير ودعوة للمحبة بين
المحبين ، حتى لو كانت التجارب السابقة سيئة، وكأنها تطبطب على قلوب من فشلوا في
الحب ، أو واجههم قدر الفراق والفقدان بغياب الحبيب أو موته فهي قصيدة مواساة للأحبة المخذولين أو الذين صعقهم الفراق والفقدان ، هى محاججة
شعرية يحاول عبرها الشاعر الرفع من قيمة الحب ووضعه في مقامه الحقيقي، وتبيان
ماهيته عبر أبياته الغنائية الشعرية الرقيقة
، وكأن القصيدة الغنائية تتناص مع
الروح الجبرانية ،ورؤيتها للمحبة في قيمتها التي
تكمن في ذاتها كما يقول جبران خليل جبران:
المحبة لا تعطي إلا نفسها،
ولا تأخذ إلا من نفسها، المحبة لا تملك شيئاً، ولا تريد أن يملكها أحد... لأن
المحبة مكتفية بالمحبة
مقالة نشرت فى 2 مايو 2023
بصفحة صور وشخصيات ليبية وصفحة صوت الفن