الخميس، 22 مايو 2025

فيلسوف العقل والعلم والتفكير الناقد

 إنتصار بوراوى 





بالأمس تلقّى الوسط الثقافي الليبي خبر إصابة الدكتور الحصادي بمرض السرطان. ‏وقد كان وقع هذا الخبر مؤلمًا على الوسط الثقافي والعلمي ، لأنه يتعلق ‏بواحد من أعمدة الفكر  والفلسفة في ليبيا.

وفي الوقت الذي تزداد فيه الحاجة إلى التفكير العقلاني والفلسفي في المشهد الليبي المضطرب، يبقى اسم الدكتور نجيب الحصادي بارزا ليس فقط  كفيلسوف وأكاديمي رصين، بل كرمز ثقافي ظل ثابتًا على مبادئه، مدافعًا عن قيم العقل والتنوير والتفكير الناقد .

تعرفتُ إلى فكر وفلسفة  الدكتور نجيب الحصادي خلال دراستى فى جامعة قاريونس في التسعينيات، عندما كنت طالبًة في شعبة الصحافة بقسم الإعلام. آنذاك، كان قسم الفلسفة يقيم نشاطًا ثقافيًا أسبوعيًا يتضمن ندوات ونقاشات ومحاضرات فلسفية، وكنت أتردد على قاعة  المحاضرات لحضور تلك الندوات  وهناك  تابعت ندوات ونقاشات أبرز أساتذة القسم وعلى رأسهم الدكتور محمد بوروين والدكتور نجيب الحصادى الذى تميزت محاضراته بحضور الجمهور الكثيف الذي كان يملأ القاعة، من طلاب وأساتذة، لما كان يتمتع به من أسلوب هادئ وجذاب  فى الطرح ، وعقل ثاقب، وفكر فلسفي عميق استطاع إيصاله بأسلوبه المميز  إلى  المتلقي المتعطش للفلسفة والفكر والمعرفة .

فيما بعد، عندما عملت في دار الكتب، وجدت مجموعة من كتب وإصدارت الدكتور الحصادي ضمن أرفف قسم الفلسفة وكان لابد لى أن أغوص فيها  وأقرأها بتمعن وعلى رأسها كتابه المهم "التفكير الناقد"، الذي ترك أثرًا عميقًا في رؤيتي للعالم، ورسّخ لدى  أهمية العقل النقدى ليس فى قراءة الكتب فقط بل  في فهم الواقع والحياة  والناس من حولى .

الدكتور نجيب الحصادى  لم يكتفِ بالتنظير الأكاديمي و إصدار المؤلفات والترجمة بل  ساهم في صياغة رؤى مستقبلية لوطنه  من خلال لجنة الثقافة بمجلس التخطيط الوطني، حيث شارك في إعداد "رؤية ليبيا 2025" و"ليبيا 2040"، وهي مشاريع كان يمكن أن تشكل خارطة طريق عقلانية لمستقبل الوطن، لو أن أصحاب القرار أولوا الفكر اهتمامًا حقيقيًا.

أنتج الدكتور نجيب الحصادى ، أكثر من عشرين مؤلفًا فلسفيًا، وترجم ما يزيد عن خمسة وثلاثين كتابًا في المنطق وفلسفة العلم ونظرية المعرفة والتفكير الناقد ، إضافة إلى مئات المقالات والأبحاث المنشورة عربيًا ودوليًا.

ورغم قسوة المرض، إلا أن ثقتنا كبيرة في أن الدكتور نجيب، بعزيمته وإرادته سينتصر على هذا التحدي كما انتصر دائمًا بالفلسفة على التسطيح و بالفكر على الجهل، وبالعقل على التعصب، وبالمنهج على الفوضى

 

الأحد، 18 مايو 2025

غناء المرسكاوي الليبي بين الإقصاء والتشويه

 إنتصار بوراوى



كتب الكثيرون عن فن غناء المرسكاوي وتجادلوا حول أصوله ومنبعه، وانقسموا قسمين في محاولة البحث عن أصوله ومنبعه؛ فبعضهم كان مع الرأي القائل بأنه غناء قادم من الأندلس وجاء مع هجرة الأندلسيين إلى ليبيا، ومنهم من رأى بأنه غناء قادم من عمق صحراء مرزق، وربما يكون هذا الرأي أقرب للصواب نتيجة التشابه الواضح بين المرسكاوي والغناء المرزقي الذي ربما استمد اسم " المرسكاوي" منه بعد تحريف الكلمة

ولكن أيًا كان منبع وأصل فن غناء المرسكاوي، إلا أنه لم ينتشر ويحظَ بالرواج والعشق والنجاح بين الناس إلا بعد أن خرج ،على يد أساطين الشعراء والملحنين والمطربين من الشرق الليبي، وتحديدًا من أحياء ومناطق بنغازي، منذ خمسينيات القرن الماضي وسرعان ما انتشر في مدن الشرق الليبي، وتحديدًا درنة والبيضاء ومصدر إلهامه ونجاحه  كان مطربوه الرواد أمثال سيد بومدين ومجايليه، وكانت لأغلب أحياء بنغازي منذ ستينيات وسبعينيات وثمانينيات ،القرن الماضي صولات وجولات مع فن المرسكاوي وكانت تلك الفترة الذهبية لهذا النوع من الغناء الشعبي.

 وشهدت أغلب بيوت العائلات البنغازية ،حفلات كل أولئك المطربين في أفراح أبنائهم بأحياء الصابري ووسط البلاد وخريبيش والبركة والرويسات وسيدي حسين والماجوري والسلماني والوحيشي وبوهديمة، وحتى حي الفويهات الغربية الذي كان أرقى حي في بنغازي ويعتبر حي الأغنياء والفيلات الفارهة، كان لمطربي المرسكاوي وفرقهم الشعبية مكانة في ليالي أفراحهم ومناسباتهم الاجتماعية السعيدة، ولقد كان هناك طقس اجتماعى شائع   في الأعراس في حقبة الثمانينيات ، يسمى بيوم "الماجب"، وهو يوم مخصص لاستقبال العريس وأصدقائه وأقاربه على عزومة غداء، في بيت أهل العروس ومعهم مطرب وفرقة المرسكاوي التي تعتبر من أساسيات يوم "الماجب" في الأعراس البنغازية خلال حقبة الثمانينيات.

ورغم جمالية غناء المرسكاوي وقربه من عامة الشعب، إلا أنه كان فنًا متجاهلًا ومقصيًا من إعلام الدولة وحفلات النظام السابق طيلة عقود حكمه ، سواء  في حفلات أعياده الوطنية مثل أعياد 2 مارس وأعياد الجلاء،أو أعياد ذكرى انقلابه السنوية،وهي حفلات ضخمة كان يحييها المطربون الليبيون، وأكبر مطربي الوطن العربي من سوريا وتونس ولبنان والمغرب والجزائر بأغانيهم العاطفية المشهورة، و كانت تقام الحفلات لعدة أيام وأسابيع ولكن لم يكن  يُجلَب مطلقًا ،في هذه الاحتفاليات الضخمة أي مطرب من مطربي المرسكاوي، عدا عن المهرجان  اليتيم للنهر الصناعي، الذى  أقيم خلال  عامي 1983- 1984 في بنغازي. وربما يُعزى تجاهل وإقصاء مطربي فن المرسكاوي، من تلك الحفلات على مدار الأربعين عامًا من حكم النظام السابق ،إلى عدم تذوق القذافي شخصيًا لهذا اللون من الغناء الذي لا يناسب ذائقته الفنية التي كانت تميل للفن الشعبي، للمنطقة الوسطى ومن مدينة سرت تحديدا  مسقط رأسه وموطن أهله وقبيلته، ولذلك حظي شعراء وملحنو تلك المنطقة بالرعاية والبروز وأُغدقت عليهم الأموال لإنتاج برامج "النجع"، وغيرها من البرامج الغنائية  التي كانت  تروج، لفن تلك المنطقة فيما تم تجاهل وإقصاء كل أنواع الغناء الأخرى ومنها، الفن الشعبي المرسكاوي ومطربيه المعروفين   من الحفلات الرسمية للدولة ومن الإعلام الرسمي،  الذى كان متحكم في كل شيء ومن المعروف  بأن للقذافي تذوقًا شخصيًا في الغناء، كما أنه كتب شخصيًا عدة أشعار وقصائد فصحى وعامية غناها بعض كبار مطربي الوطن العربي، ولكن رغم كل المحاربة والإقصاء لغناء المرسكاوي من الإعلام الرسمي للدولة، إلا أنه كان لغناء المرسكاوى  حاضنة شعبية كبيرة ورواج لأشرطة مطربيه بين الناس الذين يتلقفون، صدورها  أشرطة بشغف وحب ويحفظون  أغانيها عن ظهر قلب ،وتصدح بها أجهزة التسجيل في بيوتهم ومن سياراتهم وفي رحلاتهم بين جبال الجبل الأخضر الساحرة، ويرقص عليها الشباب في المناسبات الاجتماعية  وفتيات المدارس الإعدادي والثانوية  في رحلاتهن الربيعية المدرسية  .

‏ في الستينيات برزت الأصوات الذهبية لسيد بومدين وعلي الجهاني (عليويكة) ‏وحميدة الوداوي والشهير بحميدة درنة ،الذين كان لهم الفضل في تأسيس غناء المرسكاوي في مدينة ‏بنغازي       

 وفي السبعينيات ظهر جيل آخر أشهرهم، عبد الجليل القندوز الذي كان علامة من علامات غناء المرسكاوي في بنغازي،‏ وكذلك المطربين  ‏حسن بشون وعبد الحميد ‏الكيلاني وناجي ميلاد وسعد الوس .‏

‏ وفي الثمانينيات بزغت نجوم كثيرة في سماء أغنية المرسكاوي، منهم إدريس ‏الدرسي الذي ذاع صيته بأغنيته الشهيرة "يعوض علينا الله"، وكان من أبرز مطربي تلك المرحلة من بنغازى جمال عاشور، ‏وسمير الكردي وبن عيسى العقوري وأحميدة بونقطة ومفتاح بوحليقة والمهدي ‏طريو،،  وبشير المسلاتى ،والمهدي اللهيلع من مدينة البيضاء ‏

وفي التسعينيات ظهر إبراهيم الصافي، وإدريس الدرسي والمهدي البرعصي الذي حقق شهرة كبيرة بأغانيه ولكنه اعتزل عام 1992، وبرز صاحب الحنجرة الذهبية المطرب مفتاح معيلف والمطرب طارق الزياني وفوزي الصغيرونة ومحمود الشبلي ومفتاح الفهري وعقيلة رضوان ورمضان ونيس واقدورة حبيب .

 وفي الألفية الجديدة برزت أسماء مجدي السنوسي والمطرب رمزي الشهوبي، الوحيد تقريبا  من جيل مطربي الألفية الجديدة، الذي حافظ على غناء المرسكاوي بشكله الأصيل بعد أن طاله التشويه والمسخ، من شباب الغناء الشعبي في الألفية الجديدة، وبعد أن توفي كثير من مطربي المرسكاوي من أجيال السبعينيات والثمانينيات واعتزل البعض منهم رغم تحقيقهم شهرة واسعة بأسلوب غنائهم المميز للمرسكاوي، وعلى رأسهم المطرب إبراهيم الصافى ولكن لازال الكثير، من مطربي جيل التسعينيات في مجال غناء المرسكاوي رغم التعتيم الإعلامي عليهم وعدم دعوتهم في الحفلات والمهرجانات الرسمية للدولة إلا أنهم لازالوا مستمرين في غناء لون المرسكاوي بشكله الأصيل الذي يحظى بمحبة واسعة من الجمهور منهم مفتاح معيلف وأقدورة حبيب، وطارق الزياني ومفتاح الفهرى ومحمود الشبلي وفوزي الصغيرونة وعقيلة رضوان ورمضان ونيس.

 ولعل المهرجان الثاني لأغنية المرسكاوي الشعبية، الذى أقيم في بنغازى منذ أيام قد أعاد الاعتبار لهذا الفن الذي لاقى الكثير من التجاهل والإقصاء من وزارات الإعلام والثقافة ولكن المؤسف بأن المهرجان، لم تتواجد فيه كثير من الأصوات، التي لها تاريخ منذ التسعينيات في غناء المرسكاوي، منهم  المطرب مفتاح معيلف ورمضان ونيس وطارق الزياني وأقدورة حبيب وعقيلة رضوان وغيرهم ،من المطربين الذين لازالوا محافظين على غناء المرسكاوي بشكله الأصيل، دون تشويه وتحريف ومسخ له كما يفعل شباب الألفية الثانية الذين يقومون بمهزلة، ومسخ فن المرسكاوي بغنائهم في صالات الأفراح مع المطربات الشعبيات ،ويعملون على سرقة تراث أغاني رواد فن المرسكاوي الراحلين ومسخهن وتشويههن وخلطهن بأغاني النساء، وهو أسلوب أضحى رائجًا تحت دعوى التطوير والعمل على سرعة الرتم، في أستوديوهات الأجهزة الحديثة الخالية من الآلات الموسيقية العتيدة التي تعطي لفن المرسكاوي، طعمه وقيمته الأصيلة فما يقوم به مطربو الصالات والباحثون عن المال السريع من تشويه فن المرسكاوي بأغانٍ ركيكة تافهة تعتمد على السجع وتشابه الكلمات لا علاقة له بغناء المرسكاوي، بل هو فن هجين يعمل على تشويه ذائقة الجمهور وتسطيحه وترويج التفاهة والركاكة في الكلمات والألحان التي تعتمد على نجاحها، كتريند سرعان ما ينتهي كفقاعة الصابون، ليبقى فن المرسكاوي الذي صدح وتعالى في ليالي بنغازي، وأيامها الملاح وتحت سمائها بأصوات مطربي النقشة القديمة هو الأصيل والباقي، الذي لازالت الأجيال تستمع إليه وتروج له عبر صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الطربية ، كنوع من أنواع المحافظة عليه وحمايته من الاندثار والتشويه والمسخ، الذي يقوم به  بعض المغنين الشباب من أجل المال والربح السريع.. ليبقى الفن الأصيل أصيلًا وخالدًا دائمًا مهما تمت محاربته أو إقصاؤه أو تشويهه.

 

السبت، 10 مايو 2025

سر فى الصحراء... للرحالة روزيتا فوربس

إنتصار بوراوى



فى كتاب "سر فى الصحراء" للرحالة روزيتا فوربس تتحدث روزيتا عن بداية
دخولها لبرقة التى تصفها بأرض السنوسى بالقول:
دخلنا على أننا غرباء حجاج على أرض السنوسى لا اعتراض لنا على ضيافتهم لم يكن لدينا الحق فى دخول أشد بلاد العالم حراسة الامير والخفير البدوى والشيخ الكل يتعين عليهم إثبات حسن النية والطوية قبل أن تسمح لهم الطرق المتجهة صوب الجنوب بالدخول إلى المدينة المقدسة الكفرة
كان جوازنا الوحيد إلى المرور هو حبنا للعرق العربى وتعاطفنا مع عاداتهم وعقيدتهم ودينهم لم نجرؤ على تقديم أى دفع من الدفوع الأخرى لم نطلب سوى حق البدوى فى التنقل مع إبله إلى حيث تناديه الصحراء و استجاب سيدى ادريس لرغبتنا من منطلق رؤية صوفية قال سيدى السنوسى :العرب يحسون بمن يحبهم وهم يستجيبون لهذه الرابطة ستمضون بلا ضرر
وبنظرة تحليلية مستندة على خبرة قوية بالبشر وطبائعهم تقدم الرحالة وصف الشخصية السنوسبة بقولها:
الإنسان بحاجة إلى صبر لاينفذ وفهم لاينفذ أيضا قبل أن ينجح فى اختراق تحفظ السنوسيين فهم أناس صامتون وفى أى اجتماع من الاجتماعات العربية قد لايكون الكلام ضروريا والناس بعد أن يتبادلوا كيف حالك التى تتكرر عشرات المرات وطيب يلتزمون الصمت المطبق ويروحون يحملقون فى الفضاء وهم يحتسون الشاى الاخضر الثقيل ومن المعروف أنوالصحراء تولد التحفظ والإنسان إذا ماترحل وحيدا أياما أو أسابيع عدة دون أن يرى إنسانا ودون تبادل ولو كلمة مع شخص آخر يتعلم التواصل مع نفسه ومع ربه ويضع قلبه فى غرفة محكمة الغلق ص166
وصف الملك إدريس السنوسى
تصف الرحالة روزيتا السيد إدريس السنوسى ونظرة الناس له بالقول:
الناس ينظرون إلى السيد أدريس باعتباره منقذا ومخلصا لبلاده جاء السيد إدريس إلى المقدمة فى لحظة رأى خلالها السنوسى أن مشروع الأرض كلها أصبح فى أيادى أوربية واستطاع السيد أدريس من خلال سياسته الحاذقة المحافظة على قوة شعبه الذى يحترمه لصداقته مع بريطانيا، الشعب يتطلع إلى السيد إدريس على أنه يحافظ على ليبيا للسنوسيين ..
وفى فصل أخر من كتابها الممتع تتحدث الرحالة عن علاقة البدو الليبيين بالسيد إدريس
كان السيد إدريس محبوبا بين الناس وبدأت أعماله تتخذ الطابع الأسطورى فقد أصبحت له سلطة وقوة كبيرة
والأمير ذائع الصيت بسبب عدله وصبره ..متشدد وقاس مثل أسلافه لكن هذه القسوة تحصل بسبب صبره الذىى لاينفذ الذى يتجلى فى دراسة وفحص كل أركان القضية قبل إصدار الحكم وهذا يعد أمرا ضروريا فى ساحة العدالة القرآنية وهى الدستور الوحيد العين بالعين والسن بالسن
لو لم يكن سيدى ادريس مسلما حقا ومتصوفا عظيما بحق لما حصل على ولاء اتباع والده فى الوقت الذى أكسبته سياسته الخارجية الذكية واسعة الأفق احترام العنصر الحديث
ومن خلال لقاؤها وحديثها مع الناس تستقى الرحالة معلومات عما مافعله السيد المهدى بالكفرة بعد حلوله فيها فتقول فى فقرة لها بالكتاب بأنهم تحصلوا على معلومات حول ماقام به السيد المهدى بالكفرة حيث أدخل إليها الزهور والفواكه والخضروات والحمام والبط وزراعة الحبوب وهو الذى قام ببناء القلعة فى قرية التاج والتى يصل عمق الآبار بها إلى ستين قدما
والسيد المهدى هو الذى أنشأ طريق القوافل المنتظمة إلى واداى وهو الذى شجع على توسيع نطاق التجارة بين السودان وبرقة وهو الذى اكتشف بطريقة عجيبةوجدا الآبار على الطريق الجنوبى
منزل سيدى بن على
يعد منزل سيدى بن على بالجغبوب أبهى مافى الواحات السنوسية نظرا لأن هذا المنزل بلونه الأبيض يبهر الأعين فى ضوء الشمش هذا المنزل له قبة لامعة ومئذنة عالية وبه رواق ذو عقد مفتوح هو رواق منزل سيدى إدريس الذى يرتفع فوق جدران الزاوية الضخمة الشبيهة بجدران القلعة
الجغبوب
تكتب الرحالة روزيتا عن بلدة الجغبوب والتى تصفها بأنها :ليست بلدة أو مدينة بالمعنى المتعارف عليه جغبوب عبارة عن مبنى واحد ضخم له جدران سميحة بلا نوافذ ويحيط بمتاهة من الأحواش والممرات والمدارس الخاصة بإقامة الطلبة والمنازل الكبيرة الخاصة بالأسرة السنوسية هذا بالإضافة إلى المسجد الكبير وقبة سيدى على
الجغبوب ليست مركزا سياسيا أو تجاريا مثل الكفرة أو جالو ..تتمتع جغبوب بالسلام الحالم الذى يحوى مدينة جامعية صغيرة زملاء هذه الجامعة وحدهم هم الذبن يحظون بالتقدير والاحترانة وهم عبارة عن شيوخ ملتحين يرتدون شيلانا بيضاء اللون فضفاضة من فوق ثيابهم خضرة الحشيش الاخضر أو الزرقاء زرقة نيلية ،طلبة هذه الجامعة هم عبارة عن شيوخ ملتحين يرتدون شيلانا بيضاء اللون فضفاضة من فوق ثيابهم خضرة الحشيش الاخضر أو الزرقاء زرقة نيلية ،طلبة هذه الجامعة شخصيات جادة يتعاملون مع الكتب بجدية ومحبة
وبالإضافة إلى الطلبة الذين درسوا فى زوايا السنوسية واصل كثير من الطلبة الليبيين دراستهم فى الجامعة الليبية التى افتتحت فى عام 1955 وكانوا اللبنة الأولى فى بناء ليبيا الحديثة ودولة الأستقلال

الاثنين، 5 مايو 2025

البحث عن الهوية

 إنتصار بوراوى



الكتاب المعنون "أمي مرآتي" أو "بحث الابنة عن الهوية" للمؤلفة وعالمة النفس الأمريكية نانسي فرايدي، هو كتاب يتناول عالم المرأة وهواجسها وأحلامها. إذ يكشف، من خلال مجموعة من الدراسات المعمقة، أن مشاعر المرأة واحدة في جميع أنحاء الكرة الأرضية، رغم الاختلافات الثقافية والفكرية والدينية بين كل امرأة وأخرى في العالم.

ويعرض الكتاب العلاقة الحميمة بين الأم وابنتها، والتفاصيل الدقيقة لتلك العلاقة منذ بلوغ الفتاة حتى زواجها. ومن الاستدلالات النفسية الطريفة في الكتاب اكتشافه، من خلال دراسات بحثية متعددة، بأن الأم الأمريكية تسعد لزواج ابنتها وتعتبر ذلك انتصارًا شخصيًا لها وإكمالًا لصورتها الذاتية.

في فصل "الرجل.. ذلك اللغز"، تسرد الكاتبة قصة أول علاقة حب لها في سن الرابعة عشرة، والتي ظلت ذكراها تلاحقها حتى بعد تعدد تجاربها في الحياة. وتقول الكاتبة بأن مقولة "المرأة بمفردها لا شيء" هي رسالة تنتقل من الأمهات لبناتهن في أغلب ثقافات العالم، مهما اختلفت واتسعت الفروقات بين ثقافة وأخرى.

وتعترض الكاتبة في الكتاب على فكرة حرية الرجل وحده في الاختيار بين هذه أو تلك، وعلى فكرة أنه دائمًا على المرأة أن تكون في وضع المحبوبة أو المهجورة. وكذلك تحاول دحض النظرية النفسية التي تقول بأن البنت دائمًا في حالة بحث عن الرجل الذي يشبه أباها. ولكن إذا استثنينا هذه النقطة التي يبدع فيها المحللون النفسيون، فإن الكتاب به تحليل نفسي عميق عن فكرة تعايش المرأة مع فكرة عدم وجود الرجل في حياتها.

ومن خلال دراسة المحللة النفسية لعديد من الحالات، تكشف الباحثة بأن المال هو سبب من أسباب انهيار زيجات كثيرة. وأظهرت الكاتبة من خلال دراستها بأن الرجل الأمريكي يطلب من المرأة أن تشارك براتبها معه في مصروف البيت، ويكره استقلاليتها المادية!

مجمل كتاب "بحث الابنة عن الهوية" هو رد على الفكر النسوي المحافظ الذي يرى ضرورة الرجل في حياة المرأة. فالباحثة والعالمة النفسية تقول في الكتاب:

 

"بأن فكرة أن الرجال ضروريون بشكل مطلق لأية قيمة يمكن أن نمتلكها محبوكة في نسيج الواقع النسوي.. بحيث أن معظم النساء اللواتي يفكرن في رفضها يظهرن كمن يحاولن رفض قانون الجاذبية!"

وتذكر العالمة النفسية بأنه عادة لا تعترف الأم الصالحة في ثقافتنا أمام ابنتها أبدًا بأنه من الممكن لها ألا تتزوج، أو بأن فكرة الزواج ليست الفكرة الأمثل. كما أن الخوف وانعدام الثقة بالرجل اللذين تلقنهما بعض الأمهات لبناتهن يتم إسقاطهما على كل رجل يظهر في حياة الفتاة، فالفتاة غالبًا ما تكون غاضبة على الرجال جراء ما فعله رجل بأمها.

وتقول مؤلفة الكتاب بأن "النساء اللواتي يهمهن العمل يخشين غالبًا العلاقة مع الرجل لئلا يفقدن دافع العمل وحافزه لديهن.. فبعد أن تتذوق المرأة لذائذ الاستقلالية، تصد الرجل عنها خشية أن تمتصها علاقة تابعة مع الرجل".

إن الفكرة الثقافية عن تبعية المرأة تعيد تغذيتها التربية الطفولية عندها، وهذا أخطر الفخاخ التي تقع فيها النساء، وقد نسميه الخيار الأنثوي المعهود. ويقول هذا الخيار أن المرأة تستطيع متى شاءت أن تتخلى عن نفسها وتوكل أمر العناية إلى رجل، إذن لماذا تصارع لكي تبني لنفسها أصلًا؟ إن هذا الامتياز المزعوم مزروع عميقًا في نفوسنا كنساء، بحيث أننا نستخدمه بلا داع غالبًا كورقة رابحة في لحظات الخسارة (ص256).

من خلال قراءة الكتاب، يظهر جليًا العالم الواسع للمرأة الذي أجرت مؤلفة الكتاب عنه دراسات مستفيضة، والذي بدأته بالبحث عن علاقة المرأة بذاتها وبأمها وبجسدها.. وبالحب الأول.. وبالرجل ذلك اللغز، وسنوات العزوبية والزواج والولادة لتكرار دائرة حياة أمها من جديد.

من خلال كل أبواب الكتاب، ترمي المؤلفة، عن طريق الاستدلال النفسي والمقابلات الشخصية للنساء، إلى القول بأن اختيار المرأة للبقاء وحدها دون رجل في حياتها ليس كارثة كما تروج المجتمعات التقليدية بقوانينها وأعرافها الاجتماعية، وأن من حق المرأة التي لم تجد الشريك الذي يناسب فكرها وعقلها وتنسجم معه روحيًا وجسديًا أن تعيش وحدها، ولا تسمح للمجتمع بأن يهزمها.. ويخنقها في زاوية الهدم الذاتي، أو كما تقول مؤلفة الكتاب عن تلك النوعية من النساء: "هن نساء يأخذن أمورهن على عاتقهن ويعشن بسعادة دون رجل البتة. إن جزءًا من الاحترام الذي تحققه هؤلاء النسوة يعود إلى إدراكهن كيف حلت بعض النساء هذه المشكلة.. أن تحيا المرأة بدون رجل باقتناع ورضا واختيار تام."

الجمعة، 2 مايو 2025

أغنية الدفاع المستميت عن المحبة

 



 

إنتصار بوراوى

 

منذ فترة استمعت لأغنية لم يسبق لى سماعها بصوت مطرب ليبي اسمه "جلال أحمد " ‏نشرها " أبو عاصم سماعي " المسؤول الفني عن قسم الغناء الليبي بموقع "سماعي " ‏المختص بأرشفة الغناء العربي على الأنترنت ،ورغم أنى متابعة جيدة للطرب الغنائي الليبي إلا ‏أن الأغنية لم تصادفني مسبقا، ولم يسبق لي العلم بوجود مطرب ليبي بهذا الاسم فكم من ‏فنانين ومطربين ليبيين داسهم قطار التجاهل والإهمال

هذه الجوهرة الفنية المكنونة هي أغنية عنوانها " ياعينى عالمحبة"، للمطرب الليبي ‏المعتزل  " جلال أحمد " الذي عثرت على بضعة أغاني له منشورة على اليوتيوب وبعض ‏المواقع الليبية المختصة بالغناء منها أغنية " يلى هواك مكتوب فوق جبيني " وأغنية " ليبيا ‏يا أرض الأحرار" من كلمات خليفة العمامى ‏ولحن وائل جلال احمد، وأغنية" أوعدينى" من ‏كلمات يوسف بن صريتي ومن ألحان عبد الجليل خالد، فمن الواضح أنه كان هناك تجاهل ‏لأغانيه فلم يتم إذاعة أو تصوير أي أغنية له ،على القناة الليبية كغيره من مطربي جيله ‏وخصوصا إذا عرفنا بأن المطرب "جلال أحمد" بدأ الغناء في نهاية الستينيات، وأيضا هو ‏ممثل ومخرج تليفزيوني، ولكنه اعتزلَ الغناء مبكرا

أغنية "ياعينى عالمحبة" كتبها الشاعر الغنائي الراحل يوسف الصريتى، ولحنها الملحن ‏المصري الكبير سيد مكاوي في عام1971م، وتعتبر أغنية نادرة لأنها حظيت بلحن جميل من ‏الملحن الكبير سيد مكاوي المعروف بألحانه الشجية الرشيقة ، فينساب لحن الأغنية بهدوء ‏وجمال كرقرقة نسمة صيف باردة، تنقلك معها إلى عالم أخر مسيج، بغلالة من العذوبة ‏والجمال التي أضفى عليها الصوت الغنائي للمطرب "جلال أحمد " ،كثير من الخفة ‏والشاعرية والنعومة والجمال وهو يتغزل بالمحبة ويدعو  الناس إلى شيوعها بينهم كما تقول ‏كلماته في الكوبليه الأول

‎ ‎

ياعينى عالمحبة

وع الناس السهرانين

اللي ذايبين محبة

ما بين شوق وحنين

اللي مفارق غوالي

واللى سهران ليالي

يستنى فى الغايبين

 

الملفت في الأغنية هو استخدام الشاعر كلمة "محبة" ، في أغنيته وليس كلمة " الحب" ربما ‏لأن الشاعر الغنائى الليبي في تلك الفترة كان يعتبر كلمة "الحب" معيبة ويخجل من كتابتها في ‏النصوص ويستعيض عنها بكلمات مثل "الصوب"، الغلا" ،"الغية"،و" المحبة" وربما هو ‏اختيار مقصود من الشاعر لأنه يود التعبير عن أطياف متعددة من الحب، ومختلفة بين ‏شخص وأخر ‏

تمضي كلمات القصيدة الغنائية للشاعر المبدع الراحل يوسف الصريتى، فى شرح معاني المحبة ‏‏ومواساة الناس الذين ينتظرون غائبين لن يأتوا، لأنهم قد يكونوا نائمين تحت أديم الأرض، أو ‏‏أخذتهم مرافئ بلاد بعيدة إلى دنيا أخرى ،وعالم أخر بعد الفراق وهناك من يقضى الليل ساهرا ‏في انتظار غائب لن يأتي أبدا ، وهكذا تتعدد الصور الشعرية التي يرسمها الشاعر للغياب ‏وللسهر في قصيدته محاولا استشراف أسباب السهر المرتبط بالغياب ‏

وفى الكوبليه الثاني تدعو كلمات نصه الغنائي إلى اقتراف المحبة مجددا مهما كانت الخيبات ‏واللوعة والفراق، وكأن ‏الشاعر في أغنيته هو محامي مدافع عن المحبة يقدم حججه وبراهينه ‏عنها مجددا :‏

حلوة المحبة حلوة

مهما تفارق غوالي

وتخلى الدمعة غنوة في موال الليالي

شوف الناس اللي حبت

واللي ذابوا سهر

واللي مفارق حبيبه

ويناجى فى القمر

واللي راضي بنصيبه

ومدارى جرحه وصبر

حيث يعيد الشاعر مدحه للمحبة، بقوله"حلوة المحبة حلوة ، مهما تفارق غوالى"، فمهما ‏حدث ألم وجرح وعذاب نفسى نتيجة الفراق ، فالشاعر لا يهتم بذلك وكأن كل تلك العذابات ‏هي قربان يقدم على مذبح المحبة ، كي  يفوز المحب بالحب ، وكى يدلل الشاعر على صدق ‏حجته وبرهانه في قصيدته على جدوى  الحب أو المحبة ، يعمل على تقديم أمثلة أخرى ‏للمستمع عبر قصيدته  بقوله "شوف الناس اللي حبت"، بمعنى  أنظر حواليك إلى تجارب ‏المحبين ، فمنهم من تعذب وشعر بلوعة الانتظار في السهر، وهناك من افترق عن حبيبه ‏ومضى كل منهما في طريق ولم يلتقيا أبدا، ورغم ذلك لازالت ذكراه في روحه ، ويقضى أيامه في ‏مناجاة طيفه الذى لن يعود ، وهناك من رضى بنصيبه في اللوعة والفراق وأخفى جرحه ولم ‏يشكو ألمه وعذابه وصبر على ألم الفقدان .‏

قام الشاعر في هذا الكوبليه بتعداد حالات الحب المستحيل ، أو حالات الحب الذي انتهى ‏بالفراق الأبدي كي يقنع قارئ قصيدته، ومستمع الأغنية بأنه ليس الوحيد الذى عاش تجربة ‏عذاب الحب والفقد والفراق ، وكل هذه الأمثلة التي يقدمها الشاعر في قصيدته الغنائية ‏الجميلة هي تمهيد للكوبليه الأخير، الذي يصل فيه إلى ذروة المحاججة في جدوى المحبة بأسلوب راقى جميل ومواسى لقلوب ‏المكلومين وضحايا الحب وعشاقه ومجانينه الذين اختاروا قفل أبواب المحبة فيطلب الشاعر في الكوبليه الثالث من الأغنية، ‏من الناس رفع اللوم عن المحبة مهما كانت ‏النهاية سيئة أو كان مصيرها الفراق بين المحبين،  فالمحبة ليست الملومة في مصيرها ‏التراجيدي فهى ليست أنين و حزن وغربة مشاعر ودموع بين المحبين ، بل هي إحساس بين ‏أثنين يوجد بينهما انسجام وتناغم ومهما ذابا في الحنين والاشتياق، أو حتى حدث بينهما فراق ‏فلن يتوبا عن المحبة لأن المشاعر التي تجمعهما أكبر من البعد والفراق

‏ كما يقول الشاعر الغنائي يوسف الصريتى في كلمات الكوبليه الثالث من القصيدة الغنائية

يالايمين المحبة

إحساس بين اثنين

لا هى حزن ولا هي غربة

ولا هى دمعة حنين

مهما في هوانا نذوب ما بين حنين وفراق

لا عن المحبة نتوب ولانصبر على الأشواق

القصيدة الغنائية للشاعر يوسف بن صريتي ، فيها تضمين لمعنى الحب بمعناه الواسع ‏والكبير ودعوة للمحبة بين المحبين ، حتى لو كانت التجارب السابقة سيئة، وكأنها تطبطب ‏على قلوب من فشلوا في الحب ، أو واجههم قدر الفراق والفقدان بغياب الحبيب أو موته  ‏فهي قصيدة مواساة للأحبة المخذولين  أو الذين صعقهم الفراق والفقدان ، هى محاججة شعرية يحاول ‏عبرها الشاعر الرفع من قيمة الحب ووضعه في مقامه الحقيقي، وتبيان ماهيته عبر أبياته ‏الغنائية الشعرية الرقيقة  ،  وكأن القصيدة الغنائية تتناص مع الروح الجبرانية ،ورؤيتها ‏للمحبة في قيمتها التي  تكمن في ذاتها كما يقول جبران خليل جبران:‏

المحبة لا تعطي إلا نفسها، ولا تأخذ إلا من نفسها، المحبة لا تملك شيئاً، ولا تريد أن يملكها ‏أحد... لأن المحبة مكتفية بالمحبة

 

مقالة نشرت فى 2 مايو 2023 بصفحة صور وشخصيات ليبية وصفحة صوت الفن

الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...