السبت، 17 يونيو 2023

آزاتسى سردية حقبة الرعب






إنتصار بوراوى

 بنفس سردي جميل ترحل بنا الرواية الأولى للشاعر "مجاهد البوسيفى" آزاتسى"  إلى زمن عايش الليبيين تفاصيله بكل أسوار رعبه وخفاياه ولكن لم يتم سرد تفاصيله في مدونة السرد الليبى إلا في بعض الروايات القليلة جدا.

"أزاتسى ".. رواية تفتح كهف الذاكرة الليبية الهاربة للنسيان لتعيد تشكيل ماحدث وماكان  عبر فسيفاء روائية    تنتقل بين محطات زمنيه  ممتدة طيلة عشرين عام ، منذ ماعرف في ليبيا بأصبح الصبح عام 1987 إلى العيد الثلاثين للانقلاب  وهو اليوم الذى  نجح فيه بطل الرواية  بالخروج من ليبيا  للبحث عن خلاصه الفردي  بعد انسداد كل أمل في التغيير  داخل الوطن.   

تنبش الرواية الذاكرة الليبية التي عاشت سنوات الرعب، والخوف من خلال الشخصية المحورية للرواية التي تنتقل في سرد الأحداث ،عبر الانتقال بين زمنين زمن بلاد الرعب والخوف وزمن البحث والسعى نحو الخلاص من ربقة الديكتاتورية والرعب والخوف الى  وطن الحرية والانطلاق  عبر محطة مركز واء اللاجئين "آزاتسى"  من خلال اللعب بفنية سردية جميلة بين الزمنين جعلت الرواية ،تنبض بالحياة  والتجدد في فصولها  وكذلك بالثراء  في  ثنايا احداثها من خلال  الشخصيات المتعددة التي زخر بها  السرد  الروائي  سواء في البلد الام أوالبلد الثانى الذى يلجأ اليه بطل الرواية  فى رحلة الهروب والخلاص.

 تطل مدينة طرابلس من الرواية بكل تفاصيل، عقد الثمانينات وأوائل التسعينيات حيث يبدع الروائي في وصف الحالة النفسية والاقتصادية، والسياسية للمدينة وأهلها حين كانت تعيش رهينة بين يدى جلادها الذى يمارس عليها ساديته  ويعذبها بأمراضه المأزومة كما يقول بطل  الرواية  واصفا محاولة تكيف اهل المدينة مع شراسة النظام :

"كانوا حذرين جدا وخفيضى الحركة حتى انهم كانوا، يشبهون الدواب الليلية يلتزمون التعبير عما يريدون بشبكة من التعاير والايماءات المرمزة، التي يبتكرونها لقاموسهم الخاص المصاغ بحذر شديد "

 ويمضى السارد في وصف حال المدينة "طرابلس " التى تجسد صورة بانورامية للمدن الليبية الأخرى ولكنها تختلف عن سواها، لأنها تعيش تحت واقع الرعب والخوف  بفعل تمركز الديكتاتور وأولاده وزبانيته  الذين يلقون بظلالهم عليها من خلال تمركز بيت الرعب الذى يشرف علي كل حركة وهمسة بالمدينة .

 يلج السارد الى تفاصيل محاولاته كصحفي، لإنارة ضوء في عتمة الليل الدامي عبر اصدار مجلة ترصد واقع الانهيار والفساد في البلاد ، ولكن كل ذلك يقابل بمزيد  من الضغط والترهيب الى ان يتم اصدار قرار ، بإقفال المجلة وطبعا لايغيب عن ذهن  أي متابع  لمسيرة الثقافة في ليبيا  معرفة الكثير من اسماء الشخصيات المذكورة  بالرواية وكذلك اسم المجلة التى كانت معروفة في ليبيا في أوائل تسعينيات القرن العشرين  كل ذلك أعطى الرواية كثير من حميمية السرد.

الرواية تحمل اسم "ازاتسى "وهو مركز اللجوء الذى قضى به  بطل الرواية قرابة العام حتى يوم حصوله على قرار اللجوء إلى هولندا ،ولكن  مركز اللجؤ "ازاتسى" هو الهامش في الرواية لأن المتن الحقيقي  في الرواية  ،مدينة هى طرابلس بليبيا التى يدور حولها أغلب  السرد الروائي  من خلال  لعبة السرد المبنية على الفلاش باك المتنقل بين محطات الذاكرة  الزمنية.

 ليبيا كانت هى بطلة الرواية بدون منازع ،وكانت الهاجس الذى سكن عقل وذهن السارد الذى ابدع في وصف تفاصيل أيام الرعب  والخوف ، فيما كان يتأمل البلاد التى  يسعى للحصول على  اللجؤ السياسي بها  بكثير من التأملات الفلسفية كما يقول في هذا المقطع  من مقاطع الرواية عن مفهوم الحرية بها :

"ماحفزنى هو فكرة الحرية في أن تجد مكانا يسعك تمارس فيه عاداتك دون أن يراقبك أو يعاقبك احد "

فالحرية هى الهاجس الرئيسي للرواية ،التي تنتقل عبر سردها الروائى بين أبرز الأحداث الدامية التي حدثت في مدينة طرابلس  ،ومنها حادثة قتل جمهور الكرة في احد المباريات وحادثة مجزرة ابوسليم التى  أحد رفاق بطل الرواية ضحاياها  "يحى  " الذى انتقل  من شخص مدمن للهيروين  الى شخصية،  مؤمنة بالفكر الدينى  للجماعات المسلحة التى  حاولت الإطاحة بالنظام عبر العمل السرى المسلح أبان حقبة ثمانينات وتسعينيات القرن العشرين الذى حاول السارد  ايجاد تفسير لهذا التوجه لديهم  بالقول بانه

"كان واضحا انهم غادروا الدنيا بعد تجارب خائبة وغير ذات شأن ووضعوا أرجلهم على أول الطريق الذى عليهم أن يسلكوه من أجل الوصول للجنة مباشرة لتخليص أرواحهم المعذبة بفهم الاشياء بطريقة بريئة .

"أزاتسى " هى رواية حقبة الرعب ،التي عاشتها ليبيا في فترة ثمانينيات القرن المنصرم والتي وصلت ذروتها حين انغلق كل أمل بتغيير جذرى بالبلاد في أواسط التسعينيات مما جعل الكثيرين من شباب الوطن يرحلون، في مسيرة هجرة جماعية بعد أنسداد أى أفق أو أمل بإنتهاء أو سقوط النظام بعد فشل كل المحاولات لإنهاء طيلة أربعين عام من  جانب كافة  التوجهات الفكرية والايدلوجية بالوطن وترسم بريشتها السردية من خلال حبكة أحداثها وزخم شخصياتها بعض من سيرة حقبة الرعب والخوف وبعض من تفاصيل ما حدث وماكان  خلال حقبة حكم الديكتاتور وهى التيمة الغائبة  بمدونة السرد الروائى الليبى  تقريبا طيلة  أربعين عام  هىرواية تستدعى الذاكرة المثقوبة والذاكرة المغيبة في أتون الحاضر الذى هو نتيجة طبيعية لركام  خراب أربعين عام  وعام .

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

    إنتصار بوراوى تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدا...