يتجول
مؤلف كتاب "كشف الاسرار فى حكم الطيور والأزهار"
" للمؤلف عزالدين بن عبد السلام المقدسي"، في عالم النبات والطير،
مستنطقا كل نبات بلغته السرية التي لا يفك شفراتها سوى مريدي وعارفي الجمال
الرباني.
في
لغة شفافة ورهيفة يتجول المؤلف بين الطيور والأزهار والحيوانات مستنطقا الحكمة على
ألسنتهم، ويغوص في دهاليز الغير منظور والغير حسي، في إشارات بارقة مكثفة مختزلة،
بحيث يخيل إليك بأنك تقرأ نص حداثى يتكئ على التراث الإسلامى نص نثرى كامل وكأنه
الصورة الأولى لقصيدة النثر الحديثة.
الكتاب
يبحر بالقارئ في عالم الكشف الصوفي الحميم، عبر كشف أسرار منطق الطيروالنبات، في
إشارات فلسفية بالغة الجمال، تحيي الجانب الروحاني للإنسان
تجعله
ينظر للعالم بعيون متأملة، جمال ما خلق الله من النبات والحيوان عبر قطع نثرية
مختومة بأبيات شعرية تساند النصوص النثرية، في لوحة جمالية
تتحاور
فيها النباتات والأطيار، بلغة شعرية محملة بوهج الحكمة وخلاصة
ويحاور
الكاتب النباتات والأطيار، فيـُظهر الاختلاف بين الأشكال، ومعنى الوجود لكل نبتة
وكل طير، ويستقي الحكمة من خلق كل نبتة وكل طيروحيوان وحتى الجماد
ويبين
المؤلف التضاد والنقائض بين نبتة ونبتة، كالنرجس والياسمين والبوم
والطاووس
والنحل والفراشة فالبوم الذي تعارف البشر على أنه طائر الشؤم
"أعلم
أن السلامة في العزلة، فمن وليها فلا يخاف عزلة. علمت بأن لا فرحة
تدوم،
ولا نزهة، وأن كل شيء هالك إلا وجهه".
وفي
الجانب الآخر يظهر النقيض من البوم، وهو طائر الطاووس الذي كما يقول المؤلف
"شرب من خمرة العجب كؤوسا، وقد لبس من
ملابس التلبس، قلت له ويحك كم بينك وبين البوم في الحظ المقسوم. أنت أيها العاني
نظرت في الصور، وهو نظر في المعاني، واغتررت بالأماني، وفرحت بالفاني".
فالمؤلف
يزدري في الطاووس اغتراره بمظهره، واهتمامه بالصورة على المعنى.
وفي
إشارة للخفاش يسأل العارف الطائر: ما لي أراك إذا طلعت الشمس وقعت في
الغشا،
فلا تزال كذلك إلى العشا، فتعمى بما يستظل به الناس، وهذا خلاف في
القياس.
فقال: يا آدمي التكوين، لأني في مقام التكوين، وما بلغت مقام
التمكين،
لأن المتلون الخائف يدهش عند تشعشع نفوس المعارف، والمتمكن العارفمن ثبت عند شهود
أسرار اللطائف".
فهذه
الصورة النثرية الجميلة، هي إشارة على لسان الخفاش إلى اختياره الليل
على
النهار، للتدبر والخلوة والتقرب إلى الله.
الرؤية
الفلسفية الصوفية للكون، هي ما تعبق بها لوحات كتاب (كشف الأسرار)،
عبر
تجواله فى مباهج المعرفة الروحية، خاتما
نصوصه ولوحاته النثرية بأبيات شعرية معبرة عن مضمون اللوحة.
وفي
إشارة الفراشة: تستغيث الفراشة متسائلة في حرقة ولوعة، عن سبب احتراقها
بالضوء،
وهي التي تعشقه، ولا تبتغي سوى الأنس بقربه، وهذا مكمن موتها:
"قال
الفراش: يالله العجب، أبذل نفسي في هواك، ولا أعدل إلى سواك، وتسومني
سوم
أعداك، ليت شعري من بفتكي أفتاك، ومن بقتلى أغراك".فيرق الشمع لحال الفراش،
حين يشكي مصابه، ويرد عليه قائلا:
"ليس
العجب من محب يحترق، وإنما العجب من حبيب يحرق. فهذه النار تحبني، وهيبأنفاسها
تحرقني وتذيبني، وتطلب قربي وهي تذيب قلبي. تدعي هواي وتستدعيلقاي، فإذا نزلت
بفناء، فلا بقاء لها إلا بفناس".
مخيلة
رائعة للمؤلف المقدسي، حين يرسم هذه المحاورة الرائعة بين الفراشة
والشمع
اللذان يجمعهما المصير الواحد، وهو الاحتراق، وكل ذنبهما هو اقتراف
ذنب
المحبة والعشق.
ويختار
المؤلف من الحيوانات الفهد، ليرمز به على علو الهمة، وقوة الإرادة
حين
يقول:
"فيجب
على من استوثبت نفسه إلى الكمال، فنقصت ودعاها إلى المكارم، فنكصت أن يغضب عليها
غضبة الأنف، ثم يعود إلى التوبة ويستأنف".
منطق
الفهد في حديثه عن نفسه، وفي إشارته لإرشاد البشر إلى علو الهمة، هو

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق