السبت، 28 يونيو 2025

لغة الصمت

 

 

إنتصار بوراوى

للصمت حديث ولغة لا يفقههما سوى عارفيه. للصمت سطوة وسلطة مُحمّلة بلغة تتجاوز لغة الكلام العادي والمتداول. حين يغدو الكلام مجرد سيل من الكلمات المكررة عبر أفواه تتداول الاعتيادي والمكرر حتى الملل والرتابة، عندها يصبح الصمت حديثًا آخر ولغة أخرى نتدثر بها في صومعة الروح المكتفية بذاتها عن بهرجة الكلمات الملونة.

يغدو الصمت هروبًا واعيًا عن سبق إصرار من تفاصيل اليومي الذي نتعايش معه بفعل الضرورة الحياتية، وننتبذ مكانًا قصيًا رافضين المتداول المُعشِّش بتراتبيته المقيتة في تفاصيل حياتنا اليومية المُحمّلة بالمتناقضات. نقف مدهوشين أمام تلك الصيرورة الغريبة، لنفس التفاصيل والملامح والصور المتكررة، مهما تغيرت الوجوه والشخصيات.

ونكتشف بمرور الزمن أن ثمة عطبًا في تفاصيل الواقع حولنا يجعل الغالبية تتعايش معه، بل يصبحون بمرور الوقت، ودون وعي أحيانًا، ضمن نسيجه. وقد تفقد الحياة بعض مبرراتها الإنسانية، وتقف اللغة قاصرة وعاجزة بكل ثرائها عن أن تزودنا بهبتها كي نرسم بالكلمات مدى دهشة الطفولة التي لم تمت فينا، رغم كل الخراب المريع حولنا. حينها يغدو الصمت خيارًا وجوديًا، ابتعادًا عن محيط عبثي فاقت تفاصيل زئبقيته خيال عباقرة السرياليين بلوحاتهم المشهورة.

يقف الصمت بسطوته القوية بعيدًا عن ساحة السواد، تاركًا المجال للعبة أن تتكرر ولا جديد تحت شمس كوكبنا التي تراقب من بعيد عبثية وسذاجة اللعبة. تتكسر الكلمات على شفاهنا وتضمحل اللغة، وتتعثر الرؤى، بينما يحل الصمت شاهدًا رئيسيًا على ما يجري. تصمت الأبجدية، يصمت الكلام، لا شيء سوى الصمت وبعض من هدوء التأمل، بعيدًا عن صخب الضوضاء المفتعلة والكاذبة. ربما منحة التأمل الصامت تعيد ترتيب عشوائية الذاكرة وتملأ ثقوبها، كصمت الطبيعة التي تمنح الروح وهجها وألقها من جديد وتنثر علينا مطر محبتها دون حسابات الربح والخسارة.

السبت، 21 يونيو 2025

المطرب وحيد سالم.. الصوت الشجي الذي اعتزل وانطفأ مبكرًا

 

 

إنتصار بوراوى

كان المطرب وحيد سالم في بداية عشرينياته حين بدأ الغناء بأغنيته الليبية الشهيرة "خدعونا"، التي لاقت نجاحًا عريضًا. تبعتها مجموعة من الأغاني الناجحة منها: "من الهاتف مال قلبي لقلبه"، "إيش يهم خليهم يقولوا"، و"هذه أنغام حبي وبالهاتف مال قلبي لقلبك"، و"صابرين احنا ع السية"، و"مكتوب والله مكتوب"، وأغنية "نسيتي اليوم وإلا تذكريني" وغيرها. حققت هذه الأغاني نجاحًا كبيرًا عند صدورها، وأغلبها من كلمات الشاعر فرج المذبل وألحان الملحن إبراهيم أشرف. كما قام المطرب وحيد سالم بتلحين مجموعة من أغانيه.

لكن من المؤسف أن  المطرب وحيد سالم توقف عن الغناء في منتصف الثمانينيات نتيجة لظروف يعرفها الكثيرون في تلك المرحلة ، ولم يكن هو الوحيد الذي ترك الساحة الفنية واعتزل الغناء؛ فخلال تلك الفترة وتحديدًا منذ نهاية الثمانينيات، ابتعد كثير من المطربين بمختلف الأجيال عن الغناء وبحلول عقد التسعينيات، ذوى نتاجهم الفني وانحصر في بضعة أغانٍ قليلة، وتوجه البعض منهم إلى غناء المالوف مع فرقة حسن العريبي، مثل الفنانين راسم فخري، ولطفي العارف، وعلي القبرون، نتيجة لتوقف دعم إنتاج الأغاني العاطفية الخاصة بهم والبعض الآخر ترك البلاد بسبب محاربة ومنع إذاعة لونه الغنائي، مثل المطرب أحمد فكرون، أو بسبب عدم الدعم، مثل المطرب إبراهيم فهمي. فيما اعتزل البعض الغناء، مثل المطرب محمد نجم ونوشي خليل. واختفى مطربون آخرون عن الساحة الغنائية، منهم سلام قدري، وخالد سعيد، وأحمد كامل، وغيرهم الكثير.

سيطرة فن الخيمة الغنائية وتأثيرها

منذ بداية التسعينيات، تسيد فن الخيمة الغنائية المشهد الليبي، واحتكر الغناء الليبي في شخصيات محددة مثل الشاعر والملحن علي الكيلاني والشاعر عبد الله منصورو أصبح الغناء الليبي ذا لون واحد لا شريك له، واختفى التنوع والاختلاف في أشكال الغناء الليبي. حتى الأصوات النسائية الليبية القليلة، التي تعد على أصابع اليد، كان عليها أن تنضم بعد عقد الثمانينيات إلى جوقة النوع نفسه، وإلا حُرمت من الدعم الإنتاجي المادي وتصوير أغانيها. بل تم استجلاب أصوات نسائية من تونس وسوريا والأردن لغناء لون الخيمة الغنائية، ثم الجلسة الليبية التي تكونت أغلبها من الإيقاع واللحن الغنائي نفسه مع اختلاف الأصوات. أغلب تلك الأصوات اختفت تمامًا من المشهد الغنائي الليبي بعد ثورة فبراير وانتهاء ممولي برنامج الجلسة الليبية.

الإهمال وحرمان الفنانين من الاستمرارية

إن ما قام به نظام القذافي منذ بداية التسعينيات ،من إهمال وحجب لمطربي الأغنية الليبية البنغازية والطرابلسية بشكلها الحداثي الأنيق، واحتكار الغناء الليبي في لون واحد حرم المطربين والمطربات الليبيين من الاستمرارية، وأجبرهم على الابتعاد والانعزال والتوقف، وحرمهم من مراكمة تاريخ غنائي خاص بهم. تمت محاربة جميع مطربي الريادة والأجيال التالية بطريقة سرية وخفية وغير ظاهرة.

لكن تراثهم الغنائي، منذ عقد الخمسينيات وحتى أواخر الثمانينيات، ظل راسخًا وموجودًا في أذهان محبيهم الذين يسترجعون ،أغانيهم عبر البرامج الإذاعية أو الصفحات الفنية في مواقع الإنترنت المختلفة، وعلى رأسها موقع "سماعي" الذي يقوم قسمه الليبي بأرشفة وتوثيق الطرب الليبي وعلى الرغم من  المحاربة، والجحود والتجاهل لهذا التراث الغنائي على مدى عقود إلا أنه لم يذهب للعدم بل لا يزال موجودًا وخالدًا.، ونتمنى أن يعمل قطاع الإعلام بالدولة أو القطاع الخاص على استحداث قناة ،على غرار قنوات "ماسبيرو زمان" المصرية، وقناة "ذكريات" السعودية، وقناة "الريان القديم" القطرية، وقناة "طرب" العراقية، لتهتم بإعادة بث أغاني عقود الريادة وما بعدها، كما فعلت الدول الأخرى المهتمة بتاريخها وهويتها الفنية.

تحرر المشهد الغنائي بعد الثورة التكنولوجية

كان يمكن للإنتاج الغنائي للأغنية الليبية ،أن يستمر لولا حالة البتر العنيفة التي تعرضت لها الأغنية الليبية الحديثة، واحتكار الغناء واللحن والشعر الغنائي الليبي على لون واحد قد يكون لهذا اللون جمهور ومريدون، ولكنه أقصى جميع الألوان الأخرى طيلة أكثر من عشرين عامًا. إلى أن حدثت ثورة الاتصالات، التي منحت الشباب إمكانية نشر أغنياتهم عبر فضاءات اليوتيوب وتحقيق مشاهدات عالية، دون وصاية إعلام الدولة واحتكار القناة الواحدة لنوع غنائي واحد ،فتواجدت أغانٍ مثل الراب والأغنية الشبابية الراقصة الخفيفة وأغاني المرسكاوي والأغنية الطربية على كافة منصات الإنترنت الموسيقية، هذا ما حُرمت منه أجيال مطربي عقود الريادة وما بعدهم، الذين لم يجدوا إلا المحاربة والإهمال والجحود وعدم الدعم، مما اضطرهم لترك الساحة والاعتزال مبكرًا كما حدث مع المطرب وحيد سالم.

الثلاثاء، 17 يونيو 2025

حين فقدنا الرضا

 



للأدب العالمي الكلاسيكي مذاقٌ خاص لا يتذوقه إلا عشّاقه المهووسون بكل ما يخلب الذات الشغوفة بالمعرفة الجمالية. ورواية «حين فقدنا الرضا» للأديب العالمي جون شتاينبك، لا تأسر عقل القارئ وفكره بأسئلتها الأزلية المحبوكة عبر فسيفساء إبداعية ثرية بالمعاني الإنسانية فحسب، بل تفتح أمامه مغارةً من المعرفة بتفاصيل فكر الآخر أيضاً.

الروائي الأمريكي جون شتاينبك حائز على جائزة نوبل للآداب في عام 1962م، وله كثير من الروايات العالمية التي شكلت بصمة قوية في تاريخ الأدب الروائي العالمي. ومن أشهر رواياته التي تُرجمت إلى العربية: «عناقيد الغضب»، و«شرق عدن» (وليس العاقر)، و«مراعي السماء»، و«شارع السردين المعلب»**.

تطرح رواية «حين فقدنا الرضا» السؤال الأكبر الذي واجه البشرية منذ بدايتها وحتى الألفية الجديدة؛ ألفية التقدم الإنساني عبر منتجاته الصناعية ووسائل راحته المترفة، التي ليست بالضرورة ممثلةً للخير الإنساني، بل ربما تحمل في طياتها بذور الشر المنطلق من معقله منذ جريمة قابيل الأولى. وهي الجريمة التي تثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن البشر في الأصل سلالة القاتل قابيل، على حد تعبير الشاعرة المصرية هدى حسين.

تستكشف الرواية سطوة المال في حياة الإنسان؛ بوصفه قوة وسلطة يسعى إليها البشر في سباق محموم لمزيد من النفوذ والراحة والمتعة. فإلى أي مدى يمكن للإنسان أن يتخلى عن مبادئه، ويقتل الخير الفطري بداخله، ويمحو إنسانيته من قاموس حياته، ويدوس في طريقه على الآخرين من أجل الوصول إلى قوة المال وسطوته؟ هذا ما ترصده الرواية التي تدور أحداثها حول إيثان، الموظف المخلص لزوجته وطفليه، الذي يقع تحت وطأة صراع نفسي عميق حين يعجز عن تلبية متطلبات زوجته المهووسة بتقليد أصحاب الجاه والمال.

يدفعه إصرارها الشديد إلى التفكير في طريقة للحصول على الثروة، فيخطط لسرقة مصرف البلدة الصغيرة التي يعيش فيها، مبرراً فعلته بالقول إن ضحية هذه الجريمة لن تكون أشخاصاً، بل المال نفسه. ويرسم الكاتب بفنية مذهلة خطوات البطل نحو تحقيق هدفه دون أن تشعر زوجته بما يختمر في ذهنه. ورغم أن ارتباكه بدأ يظهر عليه، إلا أنها لم تستطع قراءة بداية سقوطه في نظرات عينيه الواجفة، لانشغالها بتطلعاتها المادية، بل كانت تستفزه بكلماتها اللاذعة قائلة: "إني لأتساءل إذا كنت ستصبح رجل أعمال قط! إنك شديد الحساسية". لم تدرك أنه كان يخطط بهدوء ليصبح أثرى رجل في البلدة، ولكن بطريقته الخاصة.

يعدل البطل عن فكرة سرقة المصرف، وبدلاً من ذلك، يشِي بصاحب عمله ليحل محله، ثم يغدر بصديق طفولته تحت ستار المساعدة ليستولي على أرضه. وبهاتين الخطوتين، يحقق حلم الوصول إلى الثروة التي تهبط بين يديه بسلاسة. لكن شيئاً في داخله يُشعره بوضاعة النفس وتأنيب الضمير، لأنه فقد إحساسه بالنبل الذي كان يغمر روحه، أو كما تقول إحدى شخصيات الرواية: "إن بعضاً من أنبل النبلاء ليسوا سوى حشرات زاحفة، فليس بالضرورة أن تقترن الثروة بالنبل، فالمال لا قلب له".

تجسد الرواية بتفاصيلها صورة لانعدام رضا إنسان العصر الحديث ولهاثه وراء المال. فبطل شتاينبك هو صورة لأي إنسان على كوكبنا في هذا العصر، الذي يركض في سباق محموم للحصول على المال الوفير بطرق قد تكون غير إنسانية، دون تفكير في الآخرين الذين قد يدوسهم في طريقه. لقد كسب بطل الرواية المال، ولكنه خسر نفسه وفقد رضاه عنها.

تطرح الرواية فكرة قوة المال كمطمع إنساني يتحقق عبره الإحساس بالسلطة، وكيف يتحول إلى غاية في حد ذاته، يصبح الباحث عنه مستعداً لأن يوقع عقداً مع الشيطان (كما فعل فاوست) للوصول إليه، حتى لو كان الثمن هو خسارة نفسه.

إن الجميل في رواية شتاينبك هو تصوير حركة الضمير الذي يتأرجح بين الوخز والرضاوهذه الثيمة القوية أبدع الروائيون الكبار في تعريتها وجعلها محور أعمالهم، كما في مسرحيتي «هاملت» و**«ماكبث»** لشكسبير، ورواية «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، التي كان العقاب الحقيقي فيها للبطل القاتل هو تأنيب الضمير الموجع، وليس عقوبة السجن ذاتها.

لقد اعتمد الأدب الكلاسيكي على رسم ملامح الشخصية ،وتحليلها عبر الحوار والسرد التقليدي، حيث يظهر البطل وهو يصارع ضميره، حين كان لا يزال في دواخل البشر بقايا ضمير ينازعهم عند إيذاء الآخرين، أما روائيو الحداثة، فقد أدركوا واقع الحياة المختلف الذي غدا فيه الضمير الإنساني وكأنه يعيش لحظات احتضاره الأخيرة، لتتحول الشخصيات إلى أشباه مسوخ كمسخ كافكا.

ونتيجة لذلك، أصبحت الشخصيات التي تحمل الخير والحب ،والجمال شخصيات كلاسيكية تجاوزها زمن الطمع والزيف، وغدت فكرة وجود شخصيات ذات ضمير حي يؤنبها حين تؤذي الآخرين، مجرد حبر على ورق، مندثرة ومنتهية، تجاوزها الزمن تماماً كما تجاوز الرواية التقليدية نفسها، وأصبحت الرواية الحديثة تعتمد في كتابتها على رسم التشظى والفصاميات والتحولت بصورة أكثر اتساق مع عصر وزمن التشظى وغياب المعايير وانعدام الضمير الذى يعيشه البشر.

 

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

    إنتصار بوراوى تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدا...