السبت، 12 أغسطس 2023

العقيد....وأسلوب السرد الحكائى

 

 



إنتصار بوراوى

 

عند قراءة عنوان رواية الروائية كوثر الجهمى "العقيد"  ،  قد يلوح في ذهن القارى بأنها رواية  سردية حول شخصية  العقيد معمر القذافي، الحاكم السابق لليبيا ولكن الرواية تروى سيرة ضابط برتبة عقيد  اسمه"على المرابط" ،  شارك فى انقلاب عام 69 م حسب قصة الرواية  ثم شارك فى  ثمانينيات القرن العشرين فى حرب تشاد  ،ووقع في الأسْر ثم انضَمّ للمعارضة الليبية بالخارج بعد رفض القذافي الاعتراف بالأسرى،  من الجنود والضباط الذين أسرتهم تشاد  فى نهاية الحرب بعد هزيمة الجيش الليبى، وبعد قرابة سبع  سنوات من انضمامه للمعارضة الليبية قرر "على المرابط"  العودة لليبيا بعد اتفاقه ومصالحته  ،مع نظام القذافي ولكن يتم اغتياله فى عام1994م  قبل رجوعه إلى بلاده بأيام، ويعتقد الجميع بأن نظام القذافي هو من قام باغتياله ولكن فصول الرواية تحمل فى مضمونها عملية البحث عن القاتل الحقيقي من خلال شخصية الابن الباحث عن الجهة التي قتلت والده إلى أن يخبره صديق والده " بركة " في النهاية بأن المعارضة هي التي قامت بقتل والده.

وكأن بخاتمة الرواية تبعث برسالة إلى القارئ ،بأن القذافي لم يكن هو فقط من يقتل معارضيه بل أيضا المعارضة بالخارج كانت تستخدم، أسلوب القذافي بالبطش بكل من يقرر الخروج  من إطارها واستخدمت قاتل مأجور لتنفيذ جريمتها، وهذا مالم تثبته الوقائع التاريخية فى تاريخ المعارضة الليبية فى الخارج ضد حكم القذافي ،بكل تشكلاتها الإسلامية واليسارية و لعلمانية التي عانت  طيلة عقود من مطاردة  أذرعه الاستخباراتية ، وقيادات لجانه الثورية التي كانت تقوم بعمليات اغتيالات سياسية كثيرة ضد المعارضين بالخارج على الساحة العربية والأوربية والأمريكية تحديدا خلال عقود ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم .  

 

الأسلوب السردي للرواية بين تبادل الرسائل والحكي  

 

في الفصل الأول من الرواية الذى كان بعنوان " النهاية " أنبنى  أسلوب السرد على ضمير الغائب لرواية واقعة مقتل الضابط المعارض "على المرابط ، ثم في الفصل الثانى يظهر صوت الشخصية الرئيسية  الساردة بالرواية، وهى شخصية  آدم على المرابط ابن الضابط المقتول    الذى يتحدث بضمير المتكلم  ثم تمضى الرواية، في السرد بأسلوب مبنى على الحكي و تبادل الرسائل ، بين شخصيات الرواية  ومع أن الإطار الزمنى التي يتم فيها الحكي عن الأحداث هى مدة طويلة  ممتدة من عام  69 م إلى  عام 94 م ،إلا إنها اختصرت  فى أسلوب السرد الحكائى على ألسنة الشخصيات التى تروى حكاية ،سيرة حياة ومقتل الضابط العقيد وذلك من خلال  الصوت الحكائى السردي لعمر المرابط أخ القتيل ، والصوت الحكائى السردي لشخصية غزالة زوجة " على المرابط" الأولى التي يسافر ، الابن "أدم المرابط"  إليها في  تونس للالتقاء بها فتروى له فصول من حياة والده وحياتها معه إلى يوم ذهابه  للاشتراك فى حرب تشاد وانقطاع الاتصالات به وعدم معرفة مصيره ثم استقبالها خبر استشهاده في الحرب.

ويظهر الصوت الحكائى الثالث عبر صوت صديق عمر والده "بركة" الذى يقوم بتسجيل شهادته عن شخصية والده ويروى له "بركة"  تفاصيل رفقته مع والده فى حرب تشاد ثم محاولة الهرب والآسر وبعدها الانضمام للمعارضة الليبية والسفر إلى أمريكا وزواجه للمرة الثانية ثم مقتله وفى نهاية الرواية يصدم" بركة " الابن   "أدم المرابط"  حين يخبره  بأن والده لم تغتاله أذرع  نظام القذافي بل إن الاغتيال كان  بتدبير من زملاؤه بالمعارضة فى أمريكا بعد قراره الرجوع إلى الوطن.

ولقد كتبت بعض فصول الرواية بأسلوب فن الرسائل، التى يبعثها بطل الرواية ابن الضابط المغتال إلى صديقه الأمريكي سيمون، التي يروى من خلالها سيرة حياة والده الضابط العقيد المعارض ورغبته في البحث، عن الجهة الحقيقية التي قتلت والده وفى هذه الرسائل يعبر بطل الرواية عن أفكاره ومشاعره حول قضية مقتل والده لصديقه واستخدمت الكاتبة أسلوب الرسائل المتبادلة كمتن سردى أيضا بالرواية.

 

توثيق الرسائل بين الواقع والخيال

 

وثقت الكاتبة روايتها بمجموعة صور للرسائل المتبادلة ،بين الضابط على المرابط ووالد زوجته  " مصطفى الكريتلى الذى يكذب عليه حين يخبره، بزواج ابنته بعد اعتقادهم بوفاته فى وادى الدوم خلال حرب تشاد  كى يتخلص من علاقته، بعائلتهم بعد معرفته بانضمامه إلى المعارضة الليبية ولا أعرف ما المغزى من وضع الرسائل المكتوبة بخط اليد والمتبادلة بين "على المرابط"  و"مصطفى الكريتلى " داخل الرواية إلا إذا كان المقصد من ذلك هو توثيق الرواية، وإظهارها كسردية روائية لشخصيات حقيقية ،وتثبيت ذلك من خلال رسائلها المكتوبة بخط يدها  كما لو أن الكاتبة بأدراجها للرسائل الشخصية تريد التأكيد على أن قصة الرواية ليست متخيلة أو من عالم الافتراض بل هي قصة فعليةعن شخصيات حقيقية تعمل من خلال روايتها على سرد سيرة حياتها.

 

الأمكنة وتداخل الأزمنة في الرواية

ينتقل السرد الروائي برواية "العقيد" للروائية كوثر الجهمى بين عدة بلدان ،  منها ليبيا وتونس وأمريكا  وفى فلاش باك الحكاية الاسترجاعية  ينتقل السرد الروائي إلى تشاد حيث تدور رحى الحرب الليبية التشادية في ثمانينيات القرن الماضي .

الرواية يطغى فيها صوت السارد الرئيسي ،الذي يروي للقارئ أحداث الرواية عبر شهادات حكايات الشخصيات ويبدو كالمراسل الصحفي، الذي ينقل ما يجري من أحداث حوله و ينقل كلام الشخصيات في الرواية ويقص على القرّاء، أحاديث شخصيات الرواية عن سيرة حياة والده كما أن الرواية اعتمدت على السرد المتقطع فليس هناك تسلسل زمني طبيعي بل هناك تداخل في الأزمنة واستخدمت تقنيات استرجاع الماضي والانتقال بين الأزمنة في فصولها المختلفة.

 تناولت رواية"العقيد" مرحلة من التاريخ الليبي بأسلوبها الحكائى، ورسمت بعض التفاصيل السردية للحرب الليبية التشادية،التي لم تقترب منها الرواية الليبية إلا في مرات قليلة ومنها رواية "التابوت" للروائي عبد الله الغزال، لذا فالرواية تعتبر تجربة مختلفة للروائية  التي عملت على طرح قضية تعتبر أرض بكر في مدونة السرد الليبي من زاوية فكرها وخيالها الذى قد يقبله القارئ الحصيف والملم بالتاريخ السياسي الليبي، أو يرفضه وينتقده  ولكن  لا أحد يملك أن يحجر على حرية أي كاتب في طرح فرضياته  وخياله  في العوالم الأدبية المختلفة وعلى رأسها  عالم الفن الروائي العظيم  الذى يحتاج إلى عقول فكرية مبدعة وخلاقة  تشد القارئ وتلهمه بمضمونها الفني والفكري.


الأحد، 6 أغسطس 2023

خبز على طاولة الخال ميلاد.. وتفكيك معنى الرجولة

 


إنتصار بوراوي

 

رواية " خبز على طاولة الخال ميلاد" ، هي الرواية الأولى للكاتب والقاص الليبي محمد النعاس التي  فازت  بجائزة البوكر العربية  في عام 2022

الرواية يرتكز عنوانها ويستقى مضمونها، من العبارة المتداولة في ليبيا  "عيلة وخالها ميلاد"  التي يطلقها المجتمع  في الغرب الليبي على العائلة التي  تحضي بناتها بفسحة من الحرية في الخروج والعمل في مجالات لا يحبذها المجتمع  ، مع وجود أب أو أخ  يمنح بنات العائلة  تلك المساحة من الحرية والعبارة فى عمقها تحمل معنى رجعى، ليس  ضد النساء  فقط بل  وأيضا  ضد الرجل الذى يحمل عقل متنور ومتفتح خارج عن سياق تقاليد وعادات وفكر المجتمع الليبى التقليدي .

 ومن وحى تلك العبارة قام الكاتب برسم بطل روايته " ميلاد" الذى ولد في منزل بين أم وأربع بنات يتشارك معهن أفكارهن وأحلامهن، بتفهم وحنان ومودة ويساعدهن في تدبير شئون البيت فتظهر شخصية بطل الرواية "ميلاد " ، بشكل مغاير عن السائد للرجل الليبى  فطغى حبه واحترامه لزوجته " زينب"  على شخصيته ، نتيجة لتربيته بين أخواته البنات مما أكسبه الحنان والحب والعاطفة والتفهم للمرأة، والذى تجسد فى محبته لأخواته ومعاملتهن بلطافة ورقة واحترام كبير  ثم إلى زوجته، التي عاش معها قصة حب قبل الزواج ، فلم يفرط فى علاقته معها ولم يتخلى عنها رغم أنها تجاوزت معه ،التعاليم الدينية والأعراف الاجتماعية بل ارتبط بها وتزوجها ودافع عن خياره الذى رفضته والدته ،ووقف مع زوجته ضد كل الحروب التى شنتها والدته وأخواته عليها ، وعندما طلبت منه زوجته الخروج من بيت الأسرة للاستقلال فى بيت لوحدهم وافقها على ذلك وقام ببناء بيت له بعيد عن أمه وأخواته اللواتى يحاولن التدخل في حياته مع زوجته.

ونتيجة لاختياره الاستقلالية فى اختيار زوجته، وقيامه بالابتعاد عن أسرته للأستقلالية بحياته بعيدا عن تدخلات عائلته فلقد أصبح موضع سخرية من أبن عمه "عبسى" والمجتمع الذكوري حوله فهو فى نظر رفاقه وابن عمه والمجتمع ليس رجل كامل قوى بل شخص ضعيف الشخصية حسب المنظور التقليدي الليبي.

  أسلوب  الرواية السردي حي وطازج  ،ولكن هناك بعض الحشو والتكرار فى بعض الفصول لم يكن هناك داعى له بالإضافة إلى بعض العبارات المبتذلة، بالرواية التي  كان يمكن للروائي أن يعبر عنها بطريقة أقل فجاجة، وربما يدافع البعض عن وجود تلك الألفاظ بأنها ضمن السياق الروائي لطبيعة الشخصية الماجنة بالرواية ،وهى شخصية ابن عم البطل الذى يحاول جر البطل لأن يغوص معه في عالم المجون  ،بدعوته لقضاء ليلة مع إحدى الفتيات العاملات بالدعارة وهذا مفهوم ضمن السياق السردي للرواية ، ولكن هناك مئات الروايات العربية والعالمية التى كتبت عن الشخصيات التي تتردد على بيوت الدعارة، ولكن بأسلوب سردي أدبى ومجازى مما يتسق مع طبيعة الرواية كعمل أدبى قائم على جمالية اللغة .

بطل الرواية "ميلاد" الذى واجه سخرية المجتمع ،وتنمره ورفضه لشخصيته المتفتحة المتفهمة والمساندة لحقوق المرأة يتعرض لصدمة وهزة كبيرة ،حين تتسرب السخرية والهجوم  على شخصيته من المجتمع الى المرأة التي اختارها ،رفيقة لحياته وتخلى عن أمه وأخواته من أجلها وبعد مرور عشر سنوات يتسرب الملل للزوجة ،التي لم تعد ترضيها الحياة معه وتخلت عن مبادئها فى العمل، ورفضها لسلوكيات رئيسها فى العمل وتحولت شخصيتها الى إمرأة باحثة عن المال ولو كان عن طريق إقامة علاقة مع رئيسها ،فى العمل وهنا تكون الصفعة القوية لبطل الرواية "ميلاد" الذى يتفاجأ بالتغيير الكبير فى شخصيتها، وفى البداية لا يصدق ما أخبره به ابن عمه عن رؤية ،زوجته فى سيارة مع مديرها فى العمل ولكنه بعد مراقبتها ومتابعتها يكتشف فعلا بأنها تخونه مع رئيسها فى العمل ،وحين يواجهها بالأمر تصرخ فى وجهه وتصارحه بانها لم تعد تحبه وأصبحت تكره رقته وحنانه، وكل شيء فيه وينهار العالم فى عيون بطل الرواية الذى يتجه، لزميلتها فى العمل التى تتحرش به لإقامة علاقة معها ،انتقاما من خيانة زوجته له  ولكنه لا يجد نفسه فى تلك العلاقة وكتعبير، عن يأسه وصدمته بما فعلته زوجته يقوم بخنقها وقتلها وتنتهى الرواية بهذا المشهد الدامي، الذى يعبر عن النهاية المأساوية لرجل مختلف فى مجتمع يعلى من قيمة الرجل العنيف، الذى يعامل المرأة بذكورية مفرطة وبعنف ويسخر من الرجل الذى يحترم المرأة ويقدرها ويتشارك معها الأفكار والخيارات ،والرؤى ويمنحها مساحة كبيرة من الحرية وليس المجتمع فقط من يرفض هذه الشخصية، ويستهين بها ويسخر منها ، وإنما المرأة نفسها عندما يقدم لها الرجل ،كل تلك المساحة من الحرية والاحترام  ترى ذلك تعبير عن  ضعف  شخصية الرجل، وتستهين به وبرجولته لأن المرأة الليبية تلقت تربية تقوم على التسلط الذكوري الذى تتماهى معه ،وتعجب به وتراه معيار للانجذاب والحب عكس موقفها من  الرجل المنفتح  الذى يحترم ذاتها وكينونتها، ويمنحها مساحة للحرية بناء على قناعاته وثقافته المختلفة وروح الحنان والعاطفة، التي استقاها من محيطه العائلي  فهي كثيرا ما تنقلب عليه وتتبرم منه وتستهين به وتعتبر ذلك معبر عن ضعف شخصيته ،وهذا مانجده في شخصية بطلة الرواية      " زينب" التي انتهت علاقتها بزوجها بحادثة قتلها ،نتيجة الضغط المجتمعي الذى قاده للتحول من شخصية مسالمة إلى قاتل ومجرم نتيجة الضغط المجتمعي، الذى يريده أن يكون على مستوى مقاس تربية الذكر الليبى حيث العنف  وإهانة المرأة وتعنيفها ،هو مقياس للرجولة  المجتمعية التي تنال التبجيل والاحترام فكل تلك الضغوطات  المجتمعية وانقلاب  المرأة التي اختارها  زوجة ورفيقة له بعد قصة حب، وسخريتها من شخصيته حولته في النهاية إلى مجرم وقاتل .

الرواية تفكك ذهنية المجتمع الليبي في معنى ومفهوم، الرجولة بالمقاييس الليبية من خلال طريقة تربية الرجل التي تنحو نحو تجذير العنف في عقله ،وجعل معيار الرجولة يتجسد في القتال والعنف والتسلط   لذلك يتعرض الرجل ، ضغوط نفسية واجتماعية حين يحاول التمرد على تلك الذهنية المجتمعية من الأقارب والرفاق ،وأبناء الجيران ويدفع ثمن باهظ  لتمرده على الصورة التي يرسمها المجتمع  والتي قد تدفعه ،إلى أن يتحول إلى شخص عنيف أوقاتل وكأن بمشهد قتل بطل الرواية "ميلاد" لزوجته  في نهاية الرواية كناية عن رغبة مكبوتة في داخله لقتل المجتمع الذ ى سخر من شخصيته واستهان به  .

  بطلا الرواية " ميلاد" وزوجته" زينب" يجسدان الصراع بين السعي للحداثة والنكوص والإرتداد للخلف بفعل الذهنية المجتمعية، التي ضغطت عليهما فقادت بطلة الرواية " زينب" للجنوح وخيانة زوجها وقادت “ميلاد" لارتكاب جريمة القتل، فصراع الماضي مع الحاضر متجذر بالرواية ما بين المفاهيم التقليدية الراسخة، حول الرجولة بمعنى العنف والتسلط والصورة المجتمعية المضخمة للشخص المقاتل في الحروب، وبين محاولات التحرر من تلك المفاهيم التي تبوء فى النهاية بالفشل الذريع. 

 

 

 

 

رواية أثر الغائبين .... سردية محاربة لمرض السرطان

 

 إنتصار بوراوى


 

تسرد الصحافية والروائية نهلة العربي ، فى روايتها “أثر الغائبين" ، الصادرة عن دار السراج للنشر والتوزيع سيرة الألم وتفاصيل المرض الذى يخاف الكثيرين من مجرد ذكر اسمه ،“السرطان"  المرض الوحش الذى يحل فجأة بجسد  الإنسان فيزرع فيه ألم فوق تحمل الطاقة البشرية، وبالقوة والعزيمة يحارب مريضه حلوله في جسده ،وهذا ما فعلته الروائية نهلة العربي التي روت في روايتها الثانية ، قصة معايشتها للمرض الذى داهمها بغتة ،وهز كيان أسرتها الصغيرة المتكونة من زوجها وابنها آدم" الذى توجه حديثها له طيلة الرواية بضمير المتكلم فتذكره بالاسم وتصرح من خلال روايتها بأن الرواية موجهة إليه كي يقرأها ،عندما يكبر ويدرك تفاصيل معايشتها للمرض وتأثيره على علاقتها به وبوالده بكل شفافية ودون مواربة وبشجاعة سردية.

استوقفني عنوان الرواية الذي يعطى للغياب ملمح كبير ولكن لا غياب لمن يمتلك القوة والشجاعة لرواية تفاصيل الوجع والألم فالرواية هي أثر باقي ضد شراسة المرض وحضور وديمومة خالدة لا يفنيها مرض ولاغياب.

تذكر الروائية في بداية روايتها عن عزمها، رواية سيرتها الذاتية مع المرض  والسيرة الذاتية كما يذكر الناقد جيرارد جينيت تحمل ثلاث سمات «مصير ذاتية حقيقية، وصيغية ،سرد استعادي على لسان المتكلم) وهذا ما نجده في رواية الروائية نهلة العربي التي تكتب روايتها بضمير المتكلم  وتستعيد عبر ضمير المتكلم  تفاصيل حياتها ،مع المرض  خلال المدة الزمنية التي كافحت فيها المرض ومن خلالها تسرد نهلة العربي بداية تكون المرض بجسدها مخاطبة ابنها الصغير في بداية الفصل الأول من روايتها قائلة   " لا أعلم بالتحديد متى بدأ الأمر ومن غير المهم أن تعلم أنت أيضا المهم أن تعلم أنه بدأ فجأة بدون أى مقدمات، مثل انطلاقك من الميناء فى قارب صغير فى يوم مشمس جميل، وبعد التوغل لمسافة ليست بقريبة تغضب الطبيعة منك ويتحول يومك المشمس إلى يوم عاصف ممطر يحمل أمواجا غاضبة تصفع قاربك الصغير دون رحمة" 

تصور الروائية حلول الورم السرطاني ،كعاصفة قلبت حياتها رأسا على عقب فبعد أن كانت تعيش حياة بسيطة هانئة ، وتقضى يومها فى عملها الصحفي وتعود لبيتها لقضاء شئونها البيتية ومشاركة زوجها وطفلها ، فى تفاصيل حياتهما اليومي ،قلب المرض مسار حياتها وجعلها عاجزة عن الحركة لفترة وجالسة على الكرسي المتحرك  ،واحتاجت لمساندة من أختها وزوجة أخيها وعون زوجها وقيامها بعمليات لإزالة الورم من رأسها ،ودخولها لمرحلة العلاج الكيماوي ولكنها بعد فترة تعبها من العلاج الكيماوي قررت التوقف نهائيا عن العلاج مع استعدادها لتحمل تبعات قرارها.

وتسرد الروائية تأثير العلاج الذي امتد لشهور على نفسيتها، وكان سبب فى دخولها بنوبات اكتئاب أثرت على علاقتها بزوجها وابنها، مما اضطرها للذهاب إلى بيت أهلها ثم ذهابها لدكتورة نفسية للعلاج النفسي ولكن الدواء النفسي كان له تأثير سيء على جسدها مما جعلها تقرر التخلي عن فكرة العلاج النفسي من الاكتئاب وتصف الكاتبة حالتها مع الاكتئاب قائلة

"كان القدر متجهم الوجه فى نظري، وظلت بداخلي رغبة في أن أرى يوما ابتسامته، الاكتئاب كان كظلى وبرغم اختفاء الظل فى العتمة، حتى في ظلام أفكاري، كان يتربص بي ويدفعني لنوبات بكاء شديدة أفقد فيها القدرة على التوقف"

ولكنها بشجاعة تقرر العودة إلى بيت زوجها وطفلها، لاستعادة العلاقة مع طفلها وزوجها التى أصابها التوتر نتيجة المرض والغياب عنهما، ولكنها تستغرب من معاملته الغير مفهومة معها نتيجة توتره من تقلباتها النفسية التي الحقها بها المرض.

تصف الكاتبة علاقتها بزوجها وابنها بعد عودتها لبيتها، وعملها الدؤوب على التوازن النفسي كي يستمر الحب الذي جمعها بزوجها، وبعد جلسات مصارحة شجاعة وقوية، تستعيد علاقتها الجميلة به ويحلق ابنها كما تصفه كنورس، فى بيتهم الذي استعاد الحب والحنان نتيجة صبرها ومقاومتها للمرض وعدم استسلامها لقوته الضارية بجسدها وروحها ونفسيتها وبمشاركة قصتها مع المصابات بالمرض وتكوين مجموعة دعم نفسي لبعضهن عبر قناة اليوتيوب التي أنشأتها لتفاصيل أصابتها بالمرض استطاعت تخطى الأثار النفسية المدمرة للمرض

رواية نهلة العربى"أثر العابرين" هي رواية مكتوبة بعمق القلب والروح عن قصة حقيقية لكاتبتها وكان أسلوب السرد فيها بضمير المتكلم طيلة الرواية، وهو صوت البطلة التي التقطت كل التفاصيل والأحداث والشخوص وروت قصتها، بكل شفافية وبشجاعة في رسالة روائية مستقبلية لطفلها الذي تحلم بأن يقرأ روايتها ذات يوم، وهي سيرة روائية ملهمة أيضا لمحاربات السرطان اللواتي قد يجدن بالرواية الكثير من التفاصيل ،المتشابهة  مع تجربتهن فسيتمدن منها القوة  والصلابة وربما هي المرة الأولى في تاريخ الرواية الليبية التي تكتب فيها كاتبة روائية ليبية رواية عن تجربتها مع مرض السرطان ،بشجاعة وقوة وبدون مواربة في مواجهة مع المرض وجها لوجه عبر الكتابة  ،التي تحمل فى وجه من وجوهها المتعددة نوع من الدواء والعزاء لكاتبها ضد محن ونوائب الحياة والأقدار، وعلامة قوة في طريق الانتصار على المرض و آلام الحياة  والأوجاع.

 

إصدارات الكويت الثقافية.. ذاكرة الورق وبداية المعرفة

    إنتصار بوراوى تمتدّ عرى علاقتي بإصدارات دولة الكويت الثقافية، إلى زمان بعيد في الذاكرة؛ إذ استهللتُ ملامستها منذ فجر التعليم الابتدا...