الأحد، 18 يونيو 2023

رسائل مس توللى وثيقة اجتماعية وتاريخية

 


إنتصار بوراوى

كتاب "عشر سنوات في بلاط طرابلس " هو في مجمله عبارة عن رسائل كتبتها مس توللى شقيقة المستر ريتشارد توللي، القنصل البريطاني في ليبيا، طيلة عشرة سنوات أقامتها في طرابلس من سنة 1783 الى سنة1793، وفي عام 1816  نُشِرَت  الرسائل في كتاب تحت عنوان "قصة عشر سنوات من الإقامة في طرابلس أفريقيا" وبين يدينا  للقراءة والعرض نسخة الكتاب الصادرة عن  دار الفرجانى التي قام بترجمتها المترجم عمر الديراوي أبو حجلة.

 الكتاب وثيقة تاريخية عن مرحلة مهمة من مراحل حكم الاسرة القرملنلية فى ليبيا  و بالإضافة لذلك ،هو وثيقة اجتماعية عن طريقة حياة الباشوات وأهل الحكم بالقلعة  بأسلوب أدبى وسرد قصصي جميل، فالكاتبة لا تغفل أي تفصيل من تفاصيل الحياة الاجتماعية بالقلعة بدون أن تذكرها ،ولديها قدرة سردية بارعة فى التقاط تفاصيل الملابس التي يرتديها الباشوات والاميرات وعموم الناس، داخل مدينة طرابلس بالإضافة إلى تفاصيل  الأثاث والفرش والارائك والأواني المنزلية المطهمة بالذهب والفضة بالقلعة.

حس السرد الروائي عالي فى كتابة الرسائل، التي تظهر على هيئة مخاطبة الكاتبة لصديقتها التي تحدثها فى رسائلها طيلة عشرة سنوات عن أحداث القلعة الكبيرة والصغيرة وما تحويه داخلها من غرف واجنحة واثاث وجياد وكل ما يخص الباشوات والأميرات وقصص الحب والغدر والخديعة وحتى القتل بين الأخوة الأشقاء  

وصف برقة

في مراسلاتها تصف مس توللى إقليم برقة جغرافيا فتقول:

تقترب الصحراء من طرابلس وتمتد اليها ولازالت تحمل اسم برقة وهو الاسم الذى اطلقه الرومان علي سكان برقة لبسالتهم وضراوتهم فى القتال فى تلك الفترة التاريخية وصحراء برقة خالية من السكان الحضر وإنما يقطنها البدو الرحل من الإعراب

البدو الرحل

تتحدث الكاتبة عن البدو الرحل المحيطين بمدينة طرابلس وتصف حياتهم وتجارتهم في طرابلس بالقول: يقترب البدو فى فصل الربيع ،من طرابلس قادمين عن طريق السهل المجاور للمدينة  حيث  يزرعون الذرة، وينتظرون حتى وقت حصادها ثم يختفون ويعودون السنة القادمة وخلال اقامتهم فى السهل تنهمك النساء فى الحياكة والنسيج وبيع أعمال أيديهن إلى الطرابلسيين ،يقيمون خيامهم تحت أسوار المدينة لكن لا يستطيعون الدخول من باب المدينة دون استئذان رخصة وعند ارتكاب البدو أى عمل يخل بالنظام ويسئ إلى السلوك فأن رئيسهم يستدعى للاستجواب أمام الباشا.

وباء الطاعون الذي اجتاح طرابلس في عام 1885

تصف الكاتبة مرض الطاعون الذي اجتاح مدينة طرابلس فى شهر مايو 1885

قضى الطاعون الآن على سكان هذه البلاد، وأخلاها فكان أقسى عليها من وباء الطاعون الذى اصاب القسنطينة منذ قرون خلت، وظهر في نتيجة البرهان الإحصائي أنه أهلك ضعف النسبة لعدد أولئك الذين، ماتوا من نفس الوباء أخيرا في تونس حيث كانت تحمل جثة خمسمائة شخص، كل يوم منها وتجاوز اليوم عدد الموتى المائتين بطرابلس ثم تذكر إحصائية عدد سكان مدينة طرابلس التي كانت يبلغ عدد سكانها14'000

وتتحدث المؤلفة عن علاقة أهل البلاد، أو من تطلق عليهم البربر بالنصارى وهو لفظ تطلقه على الجالية الأوربية بالمدينة، فتصفها بكثير من الأعجاب بخصالهم ومرؤتهم في التعامل مع مرضى الطاعون من النصارى، حيث يقوم أفراد من البربر بتسليم المؤن إلى النصارى الذين طلبوها ،ويقوم البربر بأعمال الرحمة والإحسان فى الوقت الحاضر التي إذا رافقتها مثل تلك الظروف المرعبة فمن النادر جدا أن يقوم بها أحد في معظم أجزاء العالم النصراني ص184

وتسهب الكاتبة في رسائلها بالحديث ،عن مرض الطاعون وتصف هوله ورعبه الذي جثم على المدينة وكانت ضحاياه عائلات بكاملها، فنيت ولم يبق فرد منها يرث أموالها فتم استئثار الباشا به و توزيع ما تبقى منه على الأوقاف

وتذكر مس توللى فى مراسلاتها، بأن مرض الطاعون أودى بحياة أربعة آلاف شخص خلال شهرين  وتصف مس توللى مشهد موت الرجال والنساء وطقوس العزاء لأهل بيت المتوفى حال وفاته والتى تبدا بالعويل والنحيب ،مع ترديد العويل والصراخ بين الاقرباء وأهل البيت من مسافة بعيدة، يدعو كل امرأة من الاقرباء والأصدقاء فيجتمعن فى منزل الاسرة يصرخن ويندبن وتصف مس تولى بذهول مشهد الأم الثكلى أو الزوجة الارملة وهى بين الحياة والموت ألما وأسى على فقيدها مضطرة وفقا لتقاليد بلدها ان تستقبل القادمات، من المعزيات اللواتي لايقل عددهن عن مائة جئن يشاطرنها حزنها فيندبن وتأخذ ،كل واحدة منهن الأرملة البائسة او الأم الثكلى إلى ذراعيها وتضع رأسها على كتفها فتصرخ حتى تخور قواها وترتجف قدماها وتسقط فاقدة الشعور بين يديها على الارض195

وتذكر المؤلفة بأن الأسرة تقوم بتأجير نادبات وقوالات اللواتي يقمن بضجة مفزعة حول النعش الموضوع فى وسط الحوش

تمرد بنغازي على أوامر الباشا

تذكر مس توللى بأن هناك سفينة قادمة، من قسطنطينية إلى بنغازي رفض الباشا استقبالها خوفا من الطاعون ولكن أهالي بنغازي، كانوا فى هياج عنيف وأصروا على تفريغ شحنة السفينة من البضائع ولم يخضعوا للأوامر، الصادرة إليهم فانسحب بك بنغازي إلى قلعته وأغلق أبوابها ليفر من عدوى الإصابة، بوباء الطاعون وترك أهل بنغازى وشأنهم لأنه لم تكن لديه قوات عسكرية، كافية تدعم سلطته وعندما وصلت نفس السفين إلى ميناء طرابلس أصر الباشا على وجوب مغادرتها ص152

وهذه الحادثة التي ذكرتها مس توللى، عن رفض تنفيذ أوامر الباشا من أهل بنغازى تعطى ملمح عن حس الاستقلالية والرفض لدى أهل بنغازي منذ قرون

مقتل البك حسن على يد أخيه يوسف

تروى مس توللى تفاصيل مقتل البك حسن والى طرابلس على يد أخيه الأمير يوسف الذى كان يعد العدة لذلك منذ زمن ،وبيت النية على قتل أخيه كى يستولى على حكم طرابلس ونجح في تنفيذ خطته في يوم 2 أغسطس 1790م

 كان الامير يوسف يرى فى نفسه الأحقية فى حكم طرابلس والبلاد ويرى بأن وجود أخيه البيك  حسن ، عثرة فى طريقه فدبر مكيدة واوهم والدته بأنه قادم للمصالحة مع أخيه وطلب من والدته استدعاء أخيه البيك كى يتصالح معه وعندما حظر أخيه وجلس معه أدعى مصالحته ثم نهض من مقعده ودعا خدمه لتقديم القرآن الكريم وبداخله المسدس وأطلق النار على أخيه الجالس بجانب والدته وأرداه قتيلا ثم فر من القصر وقتل في طريق هروبه الكيخيا ،واستمر الأمير يوسف هاربا من القلعة إلى أن التقاه أخيه البيك أحمد وتصالحا واعترف بأخيه كبيك على طرابلس خلفا لأخيه الأكبر المقتول البيك حسن

حملة الباشا لإخضاع مدينة مصراتة

في تشرين الثاني من عام 1790 قام البك والأمير يوسف بتجريد حملة على مصراتة وأنظم اليه مجموعة من القبائل بعد ان منحوا، شيوخ عشائرهم مبلغ من المال نظير مشاركتهم لهم في الحملة العسكرية ضد مصراتة، لأنها رفضت الاعتراف بقيادة البك أحمد لولاية طرابلس  بعد مقتل أخيه البك حسن ،إلا إذا جاء هو نفسه إلى مصراتة أو أي شخص اخر يختاره عدا عن الباشا يوسف بسبب الفظائع التي ارتكبها رجاله بمصراتة حين زاروها  في مرة سابقة .

ونتيجة لذلك خرج البك على رأس قوة كبيرة ، لتأديب أهلها بمساندة البدو وتذكر المؤلفة فى رسالتها بأن "سيف النصر" شيخ كبرى القبائل البدوية كاتب الباشا بأنه لن يسمح بالإساءة إلى أهل مصراتة ،وأنه سينحاز إلى جانبهم إذا ما توجهت قوة كبيرة ضدهم وهاجم المصراتيين ، الأميرين البك أحمد والى طرابلس وأخيه الباشا يوسف بأعداد ضخمة بالقرب من مصراتة، وقاتل الأميرين ومعهم الشيخ عليف المصراتيين وجموع سيف النصر وقتل ولده  وبعث برأسه ليعلق فوق أسوار قلعة طرابلس وانتصر البيك أحمد واخيه يوسف على المصراتيين والحقا بمدينة مصراتة أضرار كثيرة .

عودة الخلاف على الحكم بين الشقيقين

تذكر مس توللى فى إحدى رسائلها، بأن الخلاف نشب مجددا بين البك أحمد وإلى طرابلس وأخيه الباشا يوسف ،وذلك حين عرض الباشا يوسف على أخيه البك أحمد ان يساعده فى عزل والدهما ،من حكم البلاد ويستولى البك أحمد والى طرابلس على العرش فيما يتولى هو حكم طرابلس ولكن البك أحمد رفض المؤامرة التى طرحها أخوه عليه فخاصمه أخيه يوسف وغادر إلى أحد قصوره بمنطقة المنشية وأصبح يطوف بين شيوخ القبائل طارحا عليهم مساعدته، فى اغتصاب العرش من والده واعدا لهم بالمنح والعطايا إذا وقفوا بجانبه ثم ذهب للجبل ليجيش آيضا رجال ضد والده.

زحف الأمير يوسف على طرابلس

فى شهر يونيو من عام 1791زحف الأمير يوسف، على طرابلس فى ثلاثمائة رجل وأصدر الباشا اوامره بالتصدي للأمير يوسف ،وقواته وأرسل إلى حكام المنشية يطلب إليهم القدوم برجالهم للدفاع عن المدينة ولكن الباشا يوسف هددهم بأنه سيقتل عائلاتهم ويحرق بساتينهم إذا تحركوا من مكانهم

وراسل الباشا  المصراتيين فحضر بعضهم لنصرة البك و،ونادى شيوخ البلد أهل طرابلس للدفاع عن مدينتهم وأغلقت القنصليات، أبوابها وحمل الناس أسلحتهم فى الأسواق والشوارع للدفاع عن أنفسهم، وأرسل الباشا قوات إلى قرى المنشية كى تصد قوات الباشا يوسف التى تقدمت بعد ذلك، وهاجمت المدينة واطلقت مدافعها عليها فتم الرد عليها بأطلاق، ما يربو عن ثلاثة الاف طلقة وتصف مس توللى المدافع بقولها بأنها لم تكن على عجلات بل كان يجرها العبيد ولم يطل حصار المدينة من الأمير يوسف فلقد انسحب مع رجاله ،فى أخر اليوم واتجهوا الى المنشية وجاب يوسف مناطق البدو ينشد عونهم فصدوه ،وأسىء استقباله فى قبائل "بنى وليد" و "اهل ترهونة" و"مسلاتة

ونتيجة  الفشل فى اقتحام طرابلس، مضى الأمير يوسف الى الجبال ثم بعث رسل إلى  والده الباشا عارضا عليه الوصول إلى اتفاق وفشلت المفاوضات بينهما وبعد فترة استطاع  الأمير يوسف اقناع عرب ترهونة بالانضمام إليه وقبيلتهم من أكبر القبائل حيث أعدت  ثلاثة الاف بندقية مع 500 فارس، وتضيف مس توللى فى رسالتها بان أهل مسلاتة أيضا اعلنوا نصرة  الأمير يوسف الذى اعاد الهجوم على مدينة طرابلس حيث  استولى على مساحات كبيرة من ضواحي طرابلس علاوة على سطرته التامة عل  منطقة المنشية مما دفع الباشا لأن يبعث بقوة كبيرة من عساكره إلى المنشية واستطاعوا طرد الامير يوسف منها 

محاولة الباشا طلب المعونة من بنغازى 

وتذكر مس توللى فى رسائلها بأن الامير يوسف، لم يرضخ لمحاولات والده اثناؤه عن محاصرة المدينة و مهاجمتها ،وفاوضه أكثر من مرة للصلح والعودة للسرايا ولكنه رفض وضل يحاصر المدينة، مما اضطر والده الباشا بعد رفض البدو من المناطق المجاورة للدفاع عن طرابلس، أن يرسل قوارب تأتى بالرجال من بنغازى لكن الخبر وصل للأمير يوسف ،فبعث رجالا إلى تاجوراء وطردوا القوارب واطلقوا النار على رجالها .

   بعد فترة استطاع بك بنغازي، وهو زوج ابنة الباشا والى البلاد إلى طرابلس ومعه ثروة ضخمة من الأموال والقمح والشعير وكان ما جلبه يكفى لإطعام من هم تحت السلاح من البدو والمحاربين الموجودين داخل القلعة

وتذكر مس توللى في رسائلها بأن محاصرة الأمير يوسف للمدينة استمرت قرابة عامين وكانت الحرب تهدأ أحيانا، ثم تقوم مرة أخرى وظلت قذائفه تمطر المدينة من حين إلى أخر مع صد قوى من قوات الباشا ،وتكتب  مس دوللى  فى رسائلها بأن  يوسف نجح بعد مدة فى تقريب مدافعه إلى مدى يجعل قذائفها تصيب كلا من القلعة والميناء 

دخول على بن زول إلى طرابلس

تذكر مس توللى بأنه فى يوم 29يوليو من عام 1793 وهم يتجهزون للخروج من طرابلس هربا من الحصار والحرب التي يقودها الأمير يوسف باشا عليها  رأوا أسطول من المراكب التركية ترسو في الميناء، وسرعان ماوصل الخبر بأن رجلا تركيا اسمه على بن زول كان على ظهر ، أحد تلك المراكب ومعه فرمان من السلطان العثماني يأمر بعزل الباشا وتوليته مكانه على العرش ودخل الاتراك للمدينة وتم ترحيل عائلة القرمانلى واستبدلت ،جميع الرايات العربية بأخرى تركية ورفع الهلال القرمزي ذو الهلال وسطه في كل مكان بالمدينة ،وفيما رحل الباشا وابنه البك أحمد وعائلاتهم إلى تونس استمر الامير يوسف، في محاصرة المديمة حتى بعد دخول الباشا التركى  وعلى الرغم من القذائف الكثيرة التي يقذفها الاتراك من داخل أسوار القلعة إلا أن المحاصرين  نجحوا فى التضييق على الاتراك وقطع الأغذية والمؤن عنهم وبلغ حيش يوسف عشرة الاف شخص اغلبهم  من قبائل المدن المحيطة بطرابلس

وتذكر مس توللى في أخر رسائلها بالكتاب، بأن أحد شيوخ القبائل أخبرها قبل ان تخرج من طرابلس بأن الباشا والبك والأمير يوسف موجودون فى أحد البساتين المحيطة بطرابلس ولقد تخالفوا مع البدو والمغاربة، واتفقوا على أن يجردوا التركي من كل خبرات المنشية ولكنهم تراجعوا إلى تونس، لاقناع التونسيين بالوقوف معهم فى قضيتهم وخاصة ان الفظالع التي ارتكبها ،على بن زول قد بلغت السلطان وعلم بأنه نصب نفسه باشا دون فرمان رسمي منه، فبعث  لحكام الايالات الإفريقية يأمرهم بالحرب ضد الباشا المزيف الذى اغتصب طرابلس بالتدليس واستعدت تونس لأرسال 10  الاف رجل مسلح بقيادة البك احمد والأمير يوسف لطرد على بن زول من طرابلس وفعلا عاد البك احمد والامير يوسف ،من تونس بقوات كبيرة الى طرابلس وطردوا  الغاصب التركى منها ،ولكن ما ان تم طرد الغاصب على بن زول  وخضعت البلاد للعائلة القرناملية مجددا ،حتى نفذ الأمير يوسف مشروعا بإقصاء أخيه البك أحمد من ولاية طرابلس وعن حقه فى العرش ،حيث قام بأغلاق البوابات في وجه  أخيه  البك احمد والى طرابلس ،وطلب منه   أن يتوجه إلى درنة حيث يمكنه أن يكون بيك على تلك المدينة، اما إذا رفض فسيقتله أمام اسوار المدينة وتوجه بيك ووالى طرابلس وولى العهد إلى مدينة درنة، وترك أخيه ليتولى حكم طرابلس والعرش وبذلك نال الأمير يوسف بالخديعة مالم يناله بالحرب وتولى عرش إيالة طرابلس كما تذكر المؤلفة مس توللى فى  نهاية كتابها ورسائلها الرائعة التي سردت فيها بالتفصيل تاريخ  حقبة عقد كامل من الحياة  الاجتماعية والسياسية في طرابلس  خلال عقد كامل من أواخر القرن الثامن عشر .

 

 

عشر سنوات في بلاط طرابلس المؤلفة ريتشاردو توللى _ ترجمة عمر الديراوى أبوحجلة _ الناشر دار الفرجانى

 

السبت، 17 يونيو 2023

آزاتسى سردية حقبة الرعب






إنتصار بوراوى

 بنفس سردي جميل ترحل بنا الرواية الأولى للشاعر "مجاهد البوسيفى" آزاتسى"  إلى زمن عايش الليبيين تفاصيله بكل أسوار رعبه وخفاياه ولكن لم يتم سرد تفاصيله في مدونة السرد الليبى إلا في بعض الروايات القليلة جدا.

"أزاتسى ".. رواية تفتح كهف الذاكرة الليبية الهاربة للنسيان لتعيد تشكيل ماحدث وماكان  عبر فسيفاء روائية    تنتقل بين محطات زمنيه  ممتدة طيلة عشرين عام ، منذ ماعرف في ليبيا بأصبح الصبح عام 1987 إلى العيد الثلاثين للانقلاب  وهو اليوم الذى  نجح فيه بطل الرواية  بالخروج من ليبيا  للبحث عن خلاصه الفردي  بعد انسداد كل أمل في التغيير  داخل الوطن.   

تنبش الرواية الذاكرة الليبية التي عاشت سنوات الرعب، والخوف من خلال الشخصية المحورية للرواية التي تنتقل في سرد الأحداث ،عبر الانتقال بين زمنين زمن بلاد الرعب والخوف وزمن البحث والسعى نحو الخلاص من ربقة الديكتاتورية والرعب والخوف الى  وطن الحرية والانطلاق  عبر محطة مركز واء اللاجئين "آزاتسى"  من خلال اللعب بفنية سردية جميلة بين الزمنين جعلت الرواية ،تنبض بالحياة  والتجدد في فصولها  وكذلك بالثراء  في  ثنايا احداثها من خلال  الشخصيات المتعددة التي زخر بها  السرد  الروائي  سواء في البلد الام أوالبلد الثانى الذى يلجأ اليه بطل الرواية  فى رحلة الهروب والخلاص.

 تطل مدينة طرابلس من الرواية بكل تفاصيل، عقد الثمانينات وأوائل التسعينيات حيث يبدع الروائي في وصف الحالة النفسية والاقتصادية، والسياسية للمدينة وأهلها حين كانت تعيش رهينة بين يدى جلادها الذى يمارس عليها ساديته  ويعذبها بأمراضه المأزومة كما يقول بطل  الرواية  واصفا محاولة تكيف اهل المدينة مع شراسة النظام :

"كانوا حذرين جدا وخفيضى الحركة حتى انهم كانوا، يشبهون الدواب الليلية يلتزمون التعبير عما يريدون بشبكة من التعاير والايماءات المرمزة، التي يبتكرونها لقاموسهم الخاص المصاغ بحذر شديد "

 ويمضى السارد في وصف حال المدينة "طرابلس " التى تجسد صورة بانورامية للمدن الليبية الأخرى ولكنها تختلف عن سواها، لأنها تعيش تحت واقع الرعب والخوف  بفعل تمركز الديكتاتور وأولاده وزبانيته  الذين يلقون بظلالهم عليها من خلال تمركز بيت الرعب الذى يشرف علي كل حركة وهمسة بالمدينة .

 يلج السارد الى تفاصيل محاولاته كصحفي، لإنارة ضوء في عتمة الليل الدامي عبر اصدار مجلة ترصد واقع الانهيار والفساد في البلاد ، ولكن كل ذلك يقابل بمزيد  من الضغط والترهيب الى ان يتم اصدار قرار ، بإقفال المجلة وطبعا لايغيب عن ذهن  أي متابع  لمسيرة الثقافة في ليبيا  معرفة الكثير من اسماء الشخصيات المذكورة  بالرواية وكذلك اسم المجلة التى كانت معروفة في ليبيا في أوائل تسعينيات القرن العشرين  كل ذلك أعطى الرواية كثير من حميمية السرد.

الرواية تحمل اسم "ازاتسى "وهو مركز اللجوء الذى قضى به  بطل الرواية قرابة العام حتى يوم حصوله على قرار اللجوء إلى هولندا ،ولكن  مركز اللجؤ "ازاتسى" هو الهامش في الرواية لأن المتن الحقيقي  في الرواية  ،مدينة هى طرابلس بليبيا التى يدور حولها أغلب  السرد الروائي  من خلال  لعبة السرد المبنية على الفلاش باك المتنقل بين محطات الذاكرة  الزمنية.

 ليبيا كانت هى بطلة الرواية بدون منازع ،وكانت الهاجس الذى سكن عقل وذهن السارد الذى ابدع في وصف تفاصيل أيام الرعب  والخوف ، فيما كان يتأمل البلاد التى  يسعى للحصول على  اللجؤ السياسي بها  بكثير من التأملات الفلسفية كما يقول في هذا المقطع  من مقاطع الرواية عن مفهوم الحرية بها :

"ماحفزنى هو فكرة الحرية في أن تجد مكانا يسعك تمارس فيه عاداتك دون أن يراقبك أو يعاقبك احد "

فالحرية هى الهاجس الرئيسي للرواية ،التي تنتقل عبر سردها الروائى بين أبرز الأحداث الدامية التي حدثت في مدينة طرابلس  ،ومنها حادثة قتل جمهور الكرة في احد المباريات وحادثة مجزرة ابوسليم التى  أحد رفاق بطل الرواية ضحاياها  "يحى  " الذى انتقل  من شخص مدمن للهيروين  الى شخصية،  مؤمنة بالفكر الدينى  للجماعات المسلحة التى  حاولت الإطاحة بالنظام عبر العمل السرى المسلح أبان حقبة ثمانينات وتسعينيات القرن العشرين الذى حاول السارد  ايجاد تفسير لهذا التوجه لديهم  بالقول بانه

"كان واضحا انهم غادروا الدنيا بعد تجارب خائبة وغير ذات شأن ووضعوا أرجلهم على أول الطريق الذى عليهم أن يسلكوه من أجل الوصول للجنة مباشرة لتخليص أرواحهم المعذبة بفهم الاشياء بطريقة بريئة .

"أزاتسى " هى رواية حقبة الرعب ،التي عاشتها ليبيا في فترة ثمانينيات القرن المنصرم والتي وصلت ذروتها حين انغلق كل أمل بتغيير جذرى بالبلاد في أواسط التسعينيات مما جعل الكثيرين من شباب الوطن يرحلون، في مسيرة هجرة جماعية بعد أنسداد أى أفق أو أمل بإنتهاء أو سقوط النظام بعد فشل كل المحاولات لإنهاء طيلة أربعين عام من  جانب كافة  التوجهات الفكرية والايدلوجية بالوطن وترسم بريشتها السردية من خلال حبكة أحداثها وزخم شخصياتها بعض من سيرة حقبة الرعب والخوف وبعض من تفاصيل ما حدث وماكان  خلال حقبة حكم الديكتاتور وهى التيمة الغائبة  بمدونة السرد الروائى الليبى  تقريبا طيلة  أربعين عام  هىرواية تستدعى الذاكرة المثقوبة والذاكرة المغيبة في أتون الحاضر الذى هو نتيجة طبيعية لركام  خراب أربعين عام  وعام .

 

الأربعاء، 14 يونيو 2023

بلاد مستيقظة في عيوني




 إنتصار بوراوي

يامن تفتحين أبوابك للعابرين وتقفلينها فى وجه عشاقك المقيمين في حضرتك موائد محبة ولوعة واشتياق اليك؟ ما بالك أيتها السامقة لا تفارقين خاطري ولااتهجى العالم دون أن تكوني انت أول الحكايات ومنتصفها ونهايتها .

 

ياأمنا الطيبة التي فر منك عشاقك ومحبيك ميممين صوب سواحل المدن المبعثرة فى أقاصي العالم ..كى يتناسوا عشقك الصعب والمستحيل ويهنأو بالرضا بعيدا عن جحافل الظلام التى خيمت فوق طرقاتك ويتها العاصية القاسية على احبتك ..والعنيدة على عشاقك ..كيف لى ان اغمض عيوني لاارى وجعك المرسوم فى حدقات شبابك الضائعين على طرقاتك وبناتك اللواتي انتحرت الاحلام فوق جفونهن فى انتظار زمن لم يجئ.

 

أيتها البتول الجميلة ..كيف أدارى شجن قلبى المتكئ على عتبة نافذة العمر المحدق فى سرابك الذى خلته سيغدوا ذات يوم  ماء عذب سلسبيل.

 

ياأمنا الطيبة التى نامت فوق ضفة الحكايات المبتورة والمقتولة ،لماذا تقفين بينى وبيني؟ولماذا حين أحدق في وجهى لاأرى سوى صورتك فى مرايا الامس الجميل ولاأرى وجه الحبيب إلا بهامة تليق بمحبتك؟ ولاتنسج روحي عشقها الا لمن جاب فيافى دروبك الوعرة ومنح اجمل أيام عمره مهرا لمحبته اليك

 

بأي اللغات أكتبك يامن انحنت الأبجدية لأجلك، وتسامق الوجد بقلب من عشقوك فوهبوا أرواحهم قرابين عشق ببلاط عشقك المقيم .

 

بأي اللغات أكتبك وهل لحزن العالم النائم في قلبي أن يشفى وجع عمري الذي تهجى أحلامك الناعسة فوق سرير الأماني بأيام أكثر عدلا وانسانية فلم تجىء .

 

ها أنا جاثية على أعتاب هاويتك أرثيك بكلمات تضيق عباراتها على أن تستوعب حجم كارثة فجيعتك وفجيعتنا الموغلة فينا وفيك .

 

أي الكلمات سترثيك وكل الكلمات محض هباء فارغ يتناثر فى سديم الكون المحدق بفجيعة عجزنا على أن نمد الأيادي لانتشالك من هاوية الخراب العظيم.

 

ياوجع العمر كله الملتف كأفعى حول رقبة الامنيات المقتولة فلا يد تمسح رأس الأحلام المتوارية خلف سديم الغيوم ،ولا غد يمسح حزن عمرنا الملتاث بأثر فجيعة تفاصيل ذاكرة ارهقها رعب الماضي ويأس الحاضر الأليم  .

 

ما عاد البكاء مجديا ولا استدعاء الأماني الغابرة يشفى جرح فجيعتنا وحزننا المقيم، بعد ان ابتلع حوت الخواء ايامك وأحلامك المقتولة والموءودة تحت رمل الخوف المريع.

 

بأى اللغات أكتبك وأي أبجدية تتسع لرثائك وكل اللغات تضيق أمام هول الوجع المسكون فينا وفيك .

 

يا أمنا الطيبة كيف لنا أن نمسح الدموع التي حفرت أخاديدها فوق وجهك الجميل وأنت تراقبين ابناءك وهم يقصمون ظهر احلامك ويجيرون  الزمن لهاوية اليأس المقيم .

 

 ياأمنا الطيبة هبينى لحظة صحو كي اتأمل بعيون الوجد وجوه أولادك الطيبين الكبار فى عيوني ، مهما أشتدت بهم احزان  الوجع الاليم

أولادك القابضين على جمر الحياة القاسي، المديرين ظهرهم لغوايات طريقهم الوعر، الراقصين فوق نيران الصدق والحقيقة، الدافعين ثمن حقيقتهم صحارى ألم و غابات حزن مقيم .

 

ابناءك الطيبين الذين يتضوع عطرهم في سماءك فيغطى أريجه غثاثة بهرجة القبح القميء المتصدر واجهات العرض المسرحي المثير للضحك المخنوق الحزين .

 

ياأمنا الطيبة كيف لى ان أتأمل بهدوء وحياد وجه ابناؤك في مدينتي النائمة فوق أرصفة اليتم ، وأنا المكتفية بذاتها كملجأ وملاذا من بغى وجوه تصدرت شرفات الأيام وسحبت اكسجين الحياة من عروق عمرها المتسربل بالدمع الدفين .

 

وكيف لي ان أغمض عيوني كى لاأرى تفاصيل الفقر والاهتراء في شوارعك ونواصيك وكيف لى أن أصم أذاني عن سماع صوت أنين ألم ابناءك المتروكين على حافتك يهذون بانتظار صبح لم يجيء .

 

ياأمنا الطيبة هل تسامحي عجزنا، نحن الذين لم نمتلك امام صوت أنين ألمك سوى الحزن وترتيل مراثي ترثيك.


 

 

 

قصر الصبار ...الجسد الأنثوي المقتول

 

 

إنتصار بوراوي


تبدأ رواية "قصر الصبار" للقاص والروائى العراقى زهير كريم بصوت الراوى وهو  شخصية  الصحافي بمؤسسة الصحافة العراقية ،الذى يتحدث عن مهمته الصحافية التي أوكلت اليه بإعداد تقرير صحفي، عن "المباني التراثية " في بغداد فيقع اختياره على مبنى  قصر قديم يطلق عليه، اسم "قصر الصبار" ، بمدينة بغداد  وحين يذهب للتقصي الصحفي عن القصر يمنعه ،الجنود الأمريكيين الذين اتخذوه مقرا لهم بعد احتلال العراق في عام 2003 " وبينما هو يتحدث معهم يخرج أحد جيران القصر  ليروي له قصة القصر والسكان الذين تواردو ،عليه منذ بناؤه فى عام1915 وفى معرض حديثه عنه يخبره بأنه عثر على مجموعة، كتب بها يوميات كتبتها امرأة اسمها  "نرجس" وهى أخر من سكنت بالقصر ،الذى توالى على شرائه والسكن فيه عدة شخصيات منذ بناؤه على يد ضابط بريطاني في عشرينيات القرن العشرين ومن خلال ثيمة "اليوميات" يبنى الصحفى الكاتب  البنية السردية لروايته التي يرويها عن شخصيات وأحداث القصر.

زمن الرواية بين الاسترجاع والاستباق

يبدأ زمن الرواية عند مجيء الصحفي للقصر ،  في عام 2004م   

ثم يعود زمن الرواية للخلف لما قبل احتلال بغداد،في  عام 2003 من خلال استرجاع أحداث الماضي عبر صوت، بطلة الرواية التي كتبت أحداث حياتها في دفتر لليوميات الذى ينسج منه الصحفي بطل الرواية روايته التي يرويها للقارئ .

اعتمد الروائي على تقنية الحبكة السردية الحديثة، في كتابة الرواية من حيث تمازج الأزمان بين الحاضر والماضي والمستقبل،  كما  ذكرت الكاتبة نتالى ساروت في  فصل من كتاب  " الرواية الجديدة والواقع " 

الزمن الحكائى فى الرواية الجديدة، تخلص من تعاقبيته الكرونولجية القياسية فى الرواية الواقعية ليتحول الى سيرورة تزامنية تتحابك فيها ازمنة الاستذكار (الماضى) والاستشراف(المستقبل) والكتابة الحاضر فلم يعد الزمن ذلك التيار السريعى الذى يدفع الحبكة الروائية الى الامام ، بل أصبح مثل ماء راكد تحدث تحت سطحه تقلبات وتحللات بطيئة"1"

وهذا مانجده في رواية "قصر الصبار " ،التي تنتقل فيها الأزمنة  بشكل غير متوقع للقارئ  بين الماضي والحاضر والمستقبل، بصورة  تحتاج من القارىء للتفاعل كى يربط الأحداث الزمنية للرواية

ويظهر الاستباق فى الرواية فى التلميح لأكثر من مرة عبر صوت الراوى وهو الصحفى الكاتب بالرواية إلى حدوث حدث مأساوى كبير باليوم الأخير لشخصية "نرجس " بالقصر ورغم ان كاتب الرواية أشار إليه إلا أنه لم يفصح عنه خلال السرد الروائى كما يقول الدكتور سعيد يقطين فى كتابه" تحليل الخطاب الروائى " ان الاستباق كما يذكر جينيت بكونه" يحيل مسبقا على حدث سيحكى فى حينه بتطويل" لذلك يلعب الاستباق التكرارى دور الاعلان وان هذا الاعلان او الافتتاحية كمايبدو من خلال هذا النوع من الاستباق هو مؤطر الترتيب التتابعى إننا نبدأ به لنصل إليه" 2"

وذلك نجده في خطاب السرد الروائي، الذى يتتابع في سرده إلى أن يصل للمحطة الأخيرة بمقتل بطلة الرواية " نرجس" .

 

نموذج بطلة الرواية

كتب كثير من الأدباء، عن المرأة التي تعمل بالدعارة في رواياتهم ولعل أشهرهم الكسندر دوما الابن في روايته "غادة الكاميليا، ودستوفيسكى في روايته " الجريمة والعقاب"  وتولستوي في روايته " البعث " ، والروائي الكبير غابريل غارسيا ماركيز في  روايته "ذاكرة غانياتي الحزينات ، و باولو كويلهو في  رواية "إحدى عشر دقيقة " وغيرهم من الأدباء العالميين.

       أيضا كتب الروائيين العرب عن نموذجها في تفاصيل رواياتهم منهم ونجيب محفوظ يوسف ادريس وحنا مينه ، ادوارد الخياط ومحمود المسعدي ورشيد بوجدرة ولكن شخصيات  النساء اللواتي،  يعملن بالدعارة في  أغلب روايات الأدباء العرب لم يكن بطلات روائيات وإنما شخصيات عابرة ،يدخل أبطال  الروايات لعوالمهن بشكل عابر ولكن في في رواية " قصر الصبار" للروائى  زهير كريم ،  نجد إن شخصية المرأة التي تبيع جسدها هي بطلة الرواية كاملة، و تدور الرواية حول حكايتها وقصتها فتتحدث عن نفسها وعن مشاعرها ،واحساسها بنفسها وجسدها من خلال صوت الشخصية الروائية الرئيسية " نرجس" ،التى يغوص الروائي في أعماق شخصيتها من خلال دفتر يومياتها ،الذى تروى فيه تفاصيل كثيرة  عن الفتاة الجامعية البسيطة التي كانت عليها، قبل إن تتحول إلى  "بائعة هوى" كما تقول في أحد مقاطع دفتر يومياتها تقول " لو عرفت ما سيحدث لي لبحثت عن طريقة ما كي أبقى طفلة ولا اكبر"ص30

ومن خلال استرجاع ماضى حكاية "نرجس"، يمتد السرد الروائي ليكشف العوالم المعتمة التي قادتها  للطريق السيء الذى سارت فيه ،  والذى كانت بدايته بعلاقة الحب القصيرة مع شاب التقته، وهى فى سنواتها الاخيرة بالجامعة فاقنعها بكلامه المعسول كي تلتقيه في شقة صديقه، و سلمت له جسدها بعد ذلك تركها وسافر من مدينتها البصرة  وعندما أخبرت أمها، بماحدث معها  لم تقف بجانبها وتساندها وتبحث عن الشاب الذى قام بفعلته وهرب ، بل هددتها بإبلاغ اخيها كى يغسل عاره ويقتلها ولكى تستبق "نرجس" أمها في كشف سرها الدامي، سارعت إلى أخيها  وأخبرته بأن الحى يتحدث عن سمعة والدتهما السيئة وعليه أن يغسل عاره ويتخلص من والدتهما  وفى حمى غضبه،  يذهب ويقوم بقتل والدته ويلقى في السجن فيما تهرب هي من مدينتها  للبحث عن الشاب ،الذى سلمت له جسدها ولكنها لا تجده لتقع بين يد رجل يأخذها إلى  بيت للدعارة  ،فتعمل فترة في ذلك البيت إلى أن تلتقى بشخصية "سالم "  الذى يلتقطها  من بيت الدعارة الذى كانت ،تعمل به  ويتزوجها وكان يرغب فى ارتدائها  الحجاب ولكنها رفضت ،فحدثت مشاكل وعدم اتفاق بينهما ثم  يقتل  زوجها  على يد ضابط استفز زوجها بالكلام عنها ورغبته فيها.

 بعد حادثة مقتل زوجها على يد الضابط ،تهرب " نرجس" للعيش مع الضابط الذى قتل زوجها ويقضى أخ زوجها المغدور سنوات، في البحث عنها ولكنها تهرب مع الضابط من البصرة إلى بغداد ،ويتم اعتقال اخ زوجها بعد الانتفاضة التى حدثت بالبصرة بعد غزو العراق للكويت ،ولبث فى السجن لمدة عامين وعندما خرج من السجن استمر فى البحث ولكنه لم يعثر عليها.

تكتب نرجس فى يومياتها عن الرجال، الذبن يترددون على بيتها بعد أن تركها الضابط   "هؤلاء الرجال الذى يجيئون الى هنا يبحثون عن المتعة ،الحياة التى يتمنونها ولا يستطيعون عيشها في العلن انهم يبحثون عن الزوايا السرية، التى تحيطها الأسوار العالية والستائر المنسدلة الحياة الاخرى المفضلة مع الاحتفاظ بالصورة المزيفة التي يواجهون بها الناس كلهم جوعى ومتصدعون خاصة من كان له علاقة بالسلطة يأكل الخوف قلوبهم المؤامرات والمكائد أقدم لهم ما يرضى رغباتهم المنحرفة انا اريدهم لأجل المال والامان زبائن بيننا مصلحة متبادلة، أوفر لهم بنات بحجم بناتهم بل حفيداتهم ويوفرون لى المال وقضاء حوائجي " ص 112

تتحدث صوت الشخصية " نرجس "هنا في مونولوج سردى،  معبرة عن رؤيتها للرجال الذين يتواردون على  البيت، وتكشف كتابة يومياتها بأسلوب المونولوج الداخلي عن شخصية تكره العالم والوجود، وكل الرجال الذين كانوا يتواردون على جسدها أو على بيت الدعارة  للحصول على فتيات صغيرات ، مطلقة عليهم صفة الحشرات  وتوجه غضبها للظروف والأيام، التى قادتها للعمل بالمهنة القذرة التي شوهت روحها .

شخصية " نرجس" في رواية قصر الصبار انتقلت من فتاة عادية تطمح للحب والزواج  إلى امرأة حاقدة قاسية القلب،  لا تبحث إلا عن المال ومن خلال علاقتها برجال السلطة والقيادات الأمنية ، تتكشف حماية رجال السلطة، بعصابات الدعارة المتكونة من شخصيات لديها مناصب عليا بالدولة ،والتي تتكاثر في البلدان التي تتعرض للضيق الاقتصادي والحروب ،والقمع وعدم وجود حرية للتعبير للكشف عن تلك الشخصيات القيادية بالدولة ،التي تستغل الأوضاع الاقتصادية  للفتيات الصغيرات الفقيرات كى تقودهن لبيع أجسادهن ،من أجل الحصول على المال

أصوات شخصيات الرواية

في بداية الرواية يهيمن صوت الصحفي ،حيث نعرف من خلال سرده حيثيات رغبته في كتابة الرواية التي كتبها، عن القصر وسكانه ثم يخرج صوت الراوي الصحفي ليسرد تفاصيل بعض شخصيات الرواية ،وخيوط علاقة  التي تكونت بينهم وبين بطلة الرواية “نرجس ، وتتوزع أصوات شخصيات الرواية  بصيغة ضمير المتكلم  ، السائق سعيد  ،الحارس جبار ،الطباخة سونا   مدبرة المنزل  خلود وسردها قصة زواجها، من وطبيعة علاقة زواجهما التي غزاها البرودة والملل ،  صوت أم السائق سعيد وصوت زوجة الحارس جبار التي تتحدث عن تفاصيل علاقتها بزوجها.

وصوت أخ سالم زوج "نرجس" الأول، كل شخصية منهم تروى علاقتها بها ورؤيته لها وتكشف جانب من حياة نرجس، وحياة من يروى عنها وعن نفسه من خلال استدعاء كل شخصية لقصة حياتها، والكثير عن ماضي عائلتها التي تبدو متماسة مع الواقع السياسي الذي مر في العراق، خلال حكم صدام حسين من اعتقالات واغتيالات واعدامات وانتفاضات، وحروب مع دول الجوار فتموج الرواية بتفاصيل الشخصيات الدامية التى تتشابك احداث حياتها مع واقع البلاد السياسي بدمويته ورعبه وخوفه.

من بين أصوات الرواية التي تروى قصة حياتها ،يبرز  صوت  شخصية حارس القصر "جبار "  الذى يتحدث عن طبيعة عمله ،بالقصر وعشقه للعزف على الآت الموسيقية   ويصف محبته للموسيقى بقوله: "المحيط الذى عشت داخله ينظر إلى الفن على انه شيء فارغ ليس الموسيقى فقط بل الرسم و المسرح والنحت والغناء هذه الأشياء كلها فارغة فى نظرهم  ولقد اكتشفت ان بينى وبين الموسيقى حديثا بالضبط مثلمة لو كنت تحكى اسرارك لصديق تيقنت ان الانسان دون موسيقى ينقصه شىء مهم فى حياته الناقصة اصلا او ربما يكون اكثر استعداد ليكون شريرا قاسيا يستطيع العازف ان يحكى كل شيء الموسيقى لو عظيمة بالنسبة لك لو وجدت إنسانا يحبك وآلة موسيقية تعزف عليها ستكون سعيدا ،هما السعادة ، تحتمى بهما من الخوف " ص44  

 ويلمح الحارس في بداية الرواية، إلى الحادث الذي وقع باليوم الأخير له في القصر والذى لا تتضح  تفاصيله إلا في الفصل الأخير من الرواية في  حركة سردية استباقية للأحداث التي يسردها الروائى في الفصول التالية.                              

فى الفصل الاخير من الرواية بعنوان " الراوى العليم يجمع خيوط الواقعة" يخرج صوت بطل الرواية "الصحفى والكاتب" الذى اختفى بعد الفصل الأول من الرواية ليتحدث عن  البناء المعماري لروايته التي استقاها، من تدوينات نرجس والخادمة بالقصر "سونا " إضافة إلى حديثه مع حارس القصر "جبار" ،ووالدة سائق القصر "سعيد"

ثم يشرح بانه أضاف خيط من الخيال إلى الحكاية ، استقاه من التدوينات واليوميات التي اعطاها له أحد جيران القصر، ويصف "الكاتب" يوم الحادثة المأساوي الذى تمت فيه جريمة قتل "نرجس" صاحبة القصر على يد "عباس" أخ زوجها الاول الذى قضى سنوات وهو يبحث عنها إلى ان عثر عليها ودخل بحيلة للقصر واطلق عليها رصاصات الموت، وتنتهى حياة نرجس بالقتل  على يديه .

الجسد المرغوب والمقتول

رواية" قصر الصبار" تعمل على كشف البؤس، الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في العراق في عهد صدام وتكشف الزوايا المعتمة للبلاد، التي هي صورة من صور كل بلد عربي عاش تحت حكم ديكتاتور ومستبد ،لا يعترف بالفساد الموجود ولايعالجه بل يحميه ويعمل على توطينه وتجذره في البلاد ،الفساد الاجتماعي والسياسي الذى تكون المرأة الفقيرة  هي أول ضحاياه بالموت المعنوي، حين تستولى عليها عصابات الدعارة  حين تفقد بكارة جسدها  عندما تقيم علاقة جسدية بالرجل، أو بالموت المادي حين يتلقى جسدها الرصاصات القاتلة. 

نموذج "نرجس" في الرواية معبر عن رؤية الرجل للجسد الأنثوي ، الذى يكون مرغوب ومشتهى وهو في عفته وطهارته، وما أن يتم الوصول إليه  تحت ستار الحب يصبح جسد مؤبوء ،خاطئ  يهرب منه من اشتهاه ورغب به ، ونتيجة لتقديم المرأة لجسدها خارج إطار الزواج ، فمحكوم عليها بأن يتحول  جسدها إلى بضاعة تجارىة للبيع  مقابل حفنة من النقود ، أو تتحول إلى جسد مقتول  غارق في الدماء محوا للفضيحة والعار الذى ارتكبه الجسد  بخروجه من الإطار الشرعى للعلاقة بين الرجل والمرأة  في المجتمعات العربية ، ومن خلال قصة "نرجس"  تقدم الرواية تشريح اجتماعي  لواقع جسد المرأة في المجتمعات العربية  ، المحكوم عليه بالموت المعنوى والمادى إذا خرج من الإطار المرسوم له ، فيما ينجو الرجل المشارك في عملية قتله معنويا  من فعلته ويعيش حياته وكأنه لم يرتكب أي جرم ، فيما يكون قد عمل على ضياع  مستقبل الفتاة التي سلمت له جسدها ، وكان سبب  في تحول جسدها إلى بضاعة للبيع  ولعبة في أيدى عصابات تجارة الجنس  ، أو يكون مصيرها القتل على يد أهلها أو أقاربها ، غسلا لشرف العائلة فيما يعرف بقضايا "الشرف" في البلدان العربية وهو  الخطاب السردي الروائي الذى كان فحوى رواية  "قصر الصبار" بتفاصيلها النفسية والاجتماعية والسياسية التي كشفت الكثير من المسكوت عنه من العالم المظلم لواقع نوعية مسحوقة من النساء في البلدان العربية  .

 

 

هوامش

1_ الرواية الجديدة والواقع_تأليف نتالى سارون،الان روب غرييه، لوسيان جولدمان ترجمة رشيد بن حدو _ كتاب الدوحة _ ديسمبر 2018

2_تحليل الخطاب الروائى _ تأليف الدكتور سعيد يقطين_الناشر المركز الثقافي ال

عربي _الطبعة الثالثة _ 1997

 

3_ قصر الصبار _ زهير كريم _ دار الآن ناشرون وموزعون_ الطبعة الأولى_ 2022

كيف تصنع العواطف.... الحياة السرية للدماغ

  


 إنتصار بوراوى

كتاب " كيف تصنع العواطف؟ الحياة السرية للدماغ "  لعالمة النفس والأعصاب "ليزا فيلدمان باريت "صدر عن دار التنوير للطباعة والنشر اللبنانية، ومن ترجمة إياد غانم

الكتاب يقدم قراءة علمية عن العاطفة والدماغ ،من خلال دراسات علمية تطرح نظريات  عن العواطف و علاقتها بالدماغ البشري فالعالمة النفسية تربط بين خبراتنا في الحياة، وما يراه دماغنا كما تقول: أنك ترى مايعتقده دماغك وتلك هي الواقعية الوجدانية، والأمر ينطبق على معظم المشاعر التي خبرتها في حياتك ، إن كل ما تشعر به مبنى على تنبؤات تصنعها معرفتك وخبراتك المسبقة إنك مهندس خبراتك في الحياة إن تصديقك لأمر ما هو ما يقودك إلى الشعور به

وهذا الربط حقيقي فى كثير من جوانبه، فمثلا الشخص الذى لديه يقين بقدرة السحر مثلا على أذيته وقتله سيعيش فى حالة رعب من شخص، ما يعتقد بأنه لايحبه وقد يعمل على أذيته بالسحر فمعرفة وخبرة مثل هذا الشخص تقوده ،إلى مشاعر الخوف والرعب وتحول حياته إلى جحيم لأن دماغه يحمل تفكير محدد لا يستطيع الفكاك عنه.

العاطفة والعقلانية

تقول العالمة النفسية " ليزا فيلدمان باريت " بأن الانسان لا يمكنه أن يهزم العاطفة من خلال التفكير العقلاني لأن أساس أي فكرة وإدراك ،لدي الإنسان هو حالة ميزانية الجسد وهكذا فأن التنبيه الحسى الباطني والوجدان موجودان، فى كل لحظة حتى عندما تجد نفسك عقلانيا تكون ميزانية جسمك وارتباطاتها مع الوجدان موجودة كامنة تحت السطح.

وتتساءل الباحثة لماذا يمكن لك مقاضاة شخص، ما من أجل كسره لرجلك ولكن لا يمكنك مقاضاة ضد من عمل على تحطيم قلبك؟ إن القانون يعتبر الأذى العاطفي أقل خطورة من الأذى الجسدي وأقل استحقاقا للعقوبة، فالقانون يحمى سلامة جسمك التشريحي ولكنه لا يحمى سلامة عقلك مع أن جسمك هو مجرد وعاء للعضو الذي يجعلك من تكون وهو دماغك

والعالمة النفسية لا تقصد بأن الإنسان عليه مقاضاة، من يسبب الأذى العاطفي له ولكنها تؤكد على أن الأذى العاطفي لا يقل ضرر عن الأذى الجسدي الذي قد يتعرض له الانسان

علاقة الأذى العاطفي بالمرض الجسدي

تربط العالمة النفسية بين طرق الأذى العاطفي، الناجم عن الكرب المزمن وما يسببه من مرض وأذى جسديا  فيؤدى الكرب إلى مشكلات صحية، عديدة بما فيها ضمور الدماغ وزيادة احتمال الإصابة بالسرطان، ومرض فى القلب، السكر، السكتة الدماغية ، وتذكر العالمة النفسية بأن القصة لا تنتهى هنا، يمكن للأذى العاطفي أن يقصر من حياتك لأنه لدينا داخل أجسامنا رزم صغيرة من المادة الوراثية التى تستقر فى نهاية الصبغات (الكروم وسومات) مثل القلنسوات الحامية إنها تدعى( التيلوميرات) التى تتأثر بالكرب النفسي وما يتعرض له الشخص من أحداث مؤلمة فى حياته فتنقص وتذوى وتسبب فى موت الانسان مبكرا

وفى محور مهم من الكاتب تحاول عالمة النفس، دحض النظرية النفسية التي تربط بين السلوك الغير القانوني مثل ارتكاب جرائم القتل أو العنف بالدماغ، وتذكر بأن العلم لم يتمكن على الإطلاق من ربط السلوك غير القانوني بشكل مؤكد، بأى موقع محدد من الدماغ إذا استثنينا حالات أورام الدماغ أو حالات الانتكاس العصبي.

تحاول عالمة النفس في الكتاب أن تشرح، كيف يمكن للإنسان أن يسيطر على أفعاله باعتباره المسئول عنها والتي هى في الغالب تنشأ، عن خبرة مستمرة على مدى حياته من محيطه وبشكل غير مباشر عن طريق التلفزيون، الأفلام، الأصدقاء ،فتغيير مفاهيمه يقع على عاتقه و مسئوليته إذا قام بتثقيف نفسه وتحصينها ضد الصور النمطية التي تزرعها ثقافة المجتمع حوله وقد تكسره وتؤدى به إلى المرض  إذا لم يكن على وعى بعواطفه وانفعالاته  وتأثيرها على صحة دماغه وجسده.

رواية روما تيرمينى .. وتعرية تغول البرغماتية الغربية

 

إنتصار بوراوى

فى نقلة أخرى من نقلاتها الإبداعية، التى بدأتها في عالم القصة القصيرة والكتابة عن دهاليز مجتمع المرأة الليبية وعوالمها المسيجة ،برعاية ذكورية وتلاعب ومكر أنثوى للهروب ومواجهة التسلط والتحكم الذكوري ،وبعد أن عرت المجتمع الليبي ووخزته ونكزته في مجموعاتها القصصية بعقلها وفكرها ،دخلت لرحابة الرواية ،ونسجت في كل رواية عالم قائم بذاته من حيث اختلاف فكرة موضوع كل رواية ،عن الأخرى تنتقل  نجوى بن شتوان في روايتها الجديدة "روما تيرمينى" الى روما بإيطاليا ،والى عالم النساء المسنات في إيطاليا بالبيوت التي يعشن فيها رفقة الوحدة والصقيع ، وعن نساء أوروبا الشرقية اللواتي يبحثن في إيطاليا عن العمل التي تجسد واحدة من قصصهن بطلة الرواية "نتاشيا" القادمة من أوكرانيا  كمستأجرة في إحدى هذه البيوت ،لتلملم خيوط الرواية وقصص العجائز المتروكات دون رعاية من ابنائهن وبناتهن الذين استقلوا بحياتهم وتركوهن ليصارعن الأيام وحدهن.

تحل بطلة الرواية" نتاشيا "كمستأجرة في إحدى شقق عمارات، مدينة روما هاربة من جحيم الحرب في بلادها بحثا عن الحياة والعمل والانطلاق، بعيدا عن شبح الحرب التي تمزق بلادها فتنشأ بينها وبين العجوز التي استأجرت، غرفة بشقتها علاقة مودة واحساس بالتعاطف رغم سلاطة لسان العجوز "انا ماريا " وطلباتها، التي لاتنتهى ولكن الفتاة القادمة للحياة في بلاد غريبة لا تعرف فيها أحدا تمتلك من سعة الصدر والإرادة كي تواجه ما قد تلاقيه من أحداث مفاجئة بكثير من الحذر او كما تقول في إحدى فقرات الرواية:

"الحذر حارسي الشخصي، لن أخسر شيئاً إن تعلمت الحيطة وأمنت حياتي قدر ما أستطيع مما قد توقعني فيه شرور الأخرين ،كما لا ينبغي أن يشعر الناس أو يحسوا بأني أحذرهم أو أني اتخذت استراتيجية ما لحماية نفسي من خداعهم

 ربما كانت لهم نية في خداعي، وربما لا لكني لن أنتظر حتى تقع واقعتهم بي لأتعلم الحذر"

فثمة تربص من العجائز اللواتي تستأجر بطلة الرواية ،غرفة بشقتهن لمعرفة التفاصيل عن حياتها فيلجأن للتلصص وتفتيش غرفتها في غيابها ،ولأنها ذكية وحذرة بطبيعتهاتقوم بوضع جهاز يترصد ويسجل ما يقمن به من تفتيش وتنقيب في أغراضها خلال أوقات غيابها عن غرفتها.

"نتاشيا "الشخصية الرئيسية فى الرواية ، والتي تعمل خادمة لعجوز سليطة اللسان وفضولية وعجوز أخرى مريضة  تبدو متحفظة جداً ،قليلة الكلام وحيادية جداً في التعاطي حولها وثمة برود فى شخصيتها كما رسمتها المؤلفة ،كما لو أنها تحولت إلى آلةٌ لا مشاعر ولاردات أفعال قوية لها تجاه ما يحدث في حياتها، فلقد انعدم اشتعال بالحياة فى روحها الميتة بفعل ما عاشته فى بلادها وواقعها كخادمة فى إيطاليا، أو لعل السبب هو تكوين المرأة الأوكرانية الأوروبية التي تتعاطى مع حياتها ،وما يحصل لها بنفعية وبرغماتية ولقد أبدعت  المؤلفة في تقمص روح وتفكير امرأة من أوروبا المختلفة تماماً، عن روح المرأة الشرقية و العربية التي تحمل الكثير من الحرارة والانفعال في تكوينها  كما تقول نتاشا في هذا المقطع من الرواية:

جزء من صلابة المرء تتكون بفقدان شعوره البدائي بالألم، يتروض على البرودة والجمود بالتكرار، حتى يتعامل مع الألم وكأنه نزيل سيء يقاسمه سجناً.

يستمتع القارئ بتفاصيل السرد الجميل ، ليوميات نتاشيا مع العجائز وشخصية ليزا وكاميليا وكذلك بعلاقتها  العاطفية بحمزاتوف، الذى  ظهر في الرواية كطيف عابر وتعاملت معه نتاشيا ببرود تام ودون ردة فعل من جانبها حين أطلعها برغبته بالزواج من عجوز إيطالية من أجل المال .

وتتعرف بطلة الرواية "نتاشيا " بعد ذلك على الدكتور يورنس الذى اعتقدت في البداية بأنه وقع في غرامها وأحبها ولكن عنصر المفاجأة في الرواية كلها يكمن في هذا الجزء الأخير منها حين يخبرها الدكتور يورنس بأنه مثلى الجنس، ولا يحبها ولا يريدها للزواج بل يرغب في تأجير رحمها فيحدث صراع داخل نتاشيا بين خوفها ،من تعلقها كأم بما ستنجبه وشعورها الديني  بأنها سترتكب خطيئة حين توافق على ما عرضه عليها روبرتس وإلحاح أمها على قبول العرض ثم موافقتها عليه .

شخصية نتاشيا  في الرواية هي نموذج، للمرأة المسحوقة التي سحقها واقع وتاريخ بلادها الشيوعية فهربت لائذة الى بلد موغل في الرأسمالية، فوجدت نفسها مجرد سلعة تبيع رحمها لرجل رأت فيه لأول مرة صورة للدكتور المثقف الإنساني، فحلمت بأن يدرك جمال روحها ويشعر بما عانته من ألم وخوف وفقدان فى بلادها ،ولكنه كشف عن وجهه الحقيقي البشع الذى تمظهر في كونه مجرد شخصية برغماتية ،ليس لديه أي مكان للعاطفة أو الأحاسيس وإنما يراها مجرد صفقة للحصول على حلم الأبوة، وكل المسألة بيع وشراء فقط ليولد أطفال بدون أم سيبحثون عندما يكبرون عن  أمهاتهم البيولوجيات  في عالم  تغولت فيه الرأسمالية وحولت فيه  البشر إلى سلع للبيع والشراء وتأجير أرحام النساء من أجل الهروب من الفقر والحصول على المال  .

الطرح السردى في  رواية نجوى بن شتوان " روما تيرمينى "  يتمحور حول مواضيع  لاتطرحها عادة الرواية العربية ،وهو طرح جرئ دخل لعمق قضايا المجتمع الغربى الذى نجحت الكاتبة في تعريته عبر روايتها وأظهرت نفعيته وبرغمايته في التعامل  الإنسانى ،الذى يعلى من قيمة المال على حساب المشاعر والأحاسيس، ويدمر معنى الزواج والأسرة كقيمة إنسانية ويحولها إلى مؤسسة مشوهة يولد فيها أطفال مهجنين إنسانيا بدون ملامح ولاهوية حقيقية.

 

الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...