إنتصار بوراوي
الممثل جمال سليمان كان دائما بارعا ،في
اختيار مواضيع مسلسلاته السورية القائمة أغلبها على ملامسة المواضيع الاجتماعية المختلفة
فى مضمونها واستمر بنفس الطريق فى اختيار نوعية مواضيع مسلسلاته المصرية بعد أن ترك
سوريا وأتجه للعمل في الدراما المصرية.
فى هذا العام يشارك الممثل جمال سليمان
في بطولة مسلسل "الطاووس" الذي تروى قصته حادثة اغتصاب فتاة من الطبقة الشعبية
البسيطة على أيدى مجموعة من أبناء أشخاص متنفذين في السلطة.
قصة المسلسل تستند على حادثة حقيقية وقعت
في عام 2014 م وتم الكشف عنها في عام 2020 م بعد أن قامت ضحية واقعة الاغتصاب الجماعي
بنشر قصتها في صفحة تهتم بقضايا التحرش والعنف ضد النساء ثم قدمت بلاغ للمجلس الأعلى
لحقوق المرأة فى مصر، وظهرت الأسماء الحقيقية لمرتكبي الجريمة وتم القبض على بعضهم
بينما استطاع البقية الهرب إلى خارج البلاد .
الأختلاف فى قضية قصة مسلسل "الطاووس
“،هو تشابك السياسي بالأجتماعي فمن قاموا بالجريمة هم أبناء متنفذين في الدولة ،عادة
ما يتم التغطية على جرائمهم وإفلاتهم من العقاب ولايطبق عليهم القانون لأنهم فوق القانون
بالتالي تكمن محاذير عرض مثل هذه القضية فى مسلسل تلفزيوني إلى عدم رغبة أي سلطة سياسية
بمناقشة وعرض مثل هذه القضايا في الدراما التلفزيونية العربية ، و يحسب للممثل البارع
جمال سليمان اختياره لبطولة مسلسل جرئ يتحدث في مضمونه عن الفساد والانتهاك الذى تتعرض
له بعض نساء الطبقة الفقيرة على أيدى أصحاب السلطة والمتنفذين في الدولة وذلك ليس غريب
على ممثل بمستوى براعة الفنان جمال سليمان الذى يصل إلى مستوى ممثلين عالميين كبار.
وكذلك ابدعت الممثلة السمراء الواعدة
"سهر الصاغى" فى تجسيد وتقمص شخصية الضحية ، وتفوقت فى دورها على كثير من
نجمات المسلسلات المصطنعة المكتوبة على مقاس ذواتهن المتضخمة التى انتشرت فى الدراما
المصرية بشكل غير مسبوق
لفتنى خبر قرار صدر عن المسلسل من المجلس
الأعلى للإعلام فى مصر يذكر فيه أنه" تم التحقيق مع المسؤولين عن إنتاج مسلسل
"الطاووس "، ومسؤولي القنوات التي تعرضه، بعدما تلقى شكاوى عديدة حول استخدام
لغة لا تتفق مع الأكواد (المعايير) التي أصدرها المجلس، وتؤكد على ضرورة إعلاء القيم
وعدم المساس بالأسر المصرية، أو الحط من شأنها، أو إظهارها في صورة تسيء إليها"
فكم يبدو هذا القرار صادم وغريب تجاه مسلسل
يقدم كشف ودعم لمن قد يتعرضن لمثل هذا النوع من الجرائم فى الوقت الذى أنتجت الدراما
المصرية فى شهر رمضان هذا العام قرابة 30 مسلسل تتناول مواضيعها قصص تجارة وتعاطى المخدرات
وجرائم القتل والخيانات الزوجية ، وقصص الثأر والحروب بين العائلات فى مدن الصعيد.
فلماذا تم تمرير كل هذه المسلسلات ولم يتم
التحقيق مع منتجيها بدعوى الإساءة لصورة المجتمع المصرى والأسرة المصرية
ثم أن الأعمال الإبداعية والفنية ، لا يجوز
تقييمها خارج المعايير الفنية والجمالية لأن باب معايير قيم المجتمع فضفاض وهو مجرد
تهمة جاهزة للتضييق على الفنون ومحاصرتها وفرض شروط السلطة عليها وهذا مالم نعهده فى
تاريخ الدراما والسينما والإبداع المصرى بصورة عامة بهذا الشكل الفج المعبر عن توجه
غير مسبوق يمارس سلطته على الفن والإبداع
وحسب اعتقادي أن المجلس الأعلى للإعلام
فى مصر اختار محاصرة ومحاربة مسلسل "الطاووس" و لم يطبق معاييره على المسلسلات
الأخرى التى تضج بقصص العنف والقتل والخيانات والسرقة لأن أغلب قصص تلك المسلسلات تدور
فى أجواء الطبقة الشعبية والمتوسطة ولكن مسلسل الطاووس اقترب من قضية تمس طبقة متنفذى
الدولة من أولاد الذوات وأظهر جريمة من أبشع الجرائم ضد فتاة من الطبقة الفقيرة المهمشة
بالتالى المسلسل أقترب من عصب حساس فى السلطة التى عليها دائما أن تظهر فى صورة غير
مسيئة ، وكأن الجرائم منحصرة فقط بين أبناء الطبقة الشعبية والمتوسطة!
وكم هو مؤسف محاربة عرض المسلسل ومحاولة
إيقافه تحت مبررات واهية نتمنى أن لا تنجح في إيقافه عن العرض فالمسلسل حسب متابعتى
له لايسىء للمجتمع كما يذكر قرار المحلس الأعلى للأعلام ، بالعكس هو يبعث رسالة مفادها
حتمية تنفيذ القانون على كل الطواويس الذين يعتقدون بأنهم فوق القانون لأنهم من طبقة
غير طبقة البشر العاديين ولايحارب المسلسل ويحاول إيقافه إلا من يتحسسون من كشف وتعرية
الانتهاكات ويعرى المسكوت عنه من الجرائم والفساد المخفي الذى يحاول التستر والهروب
من جرائمه
#مدونة_ضفاف





