الأربعاء، 29 ديسمبر 2021

الْـكِـتَابَةُ واسْتِشْرَافُ الْمُسْتَـقْـبَل

 


  انتصار بوراوي

 كنت منذ أيام مُنكبّة على قراءة بعض الروايات التي صدرت قبل عام 2011 م لبعض الروائيين الليبيين فلاحظت أن ثمة استشراف في رواياتهم لما حدث فعلا في عام 2011م  وكل ذلك يعطينا دلالة على إن الكتابة الإبداعية الشعرية والروائية والمسرحية ليست فقط بحثا عن الحقيقة بل هي أيضاً تحليق في مفازات الخيال واستشراف للمستقبل.

في رواية “الأيام الأخيرة لعلاج” للروائي الليبي محمد العريشية يروي الكاتب تفاصيل المصير الدموي لقرية “علاج” في مدينة سرت وهي القرية التي يقطنها الكاتب في ضواحي سرت ،تذهلك تفاصيل الرواية وما يحدث للقرية من دمار وحرب فهنا عين الروائي رأت بعين العارف مالا يراه البشر العاديّون و رسم خياله مالم يكن في الحسبان أبدا وماوقع وحدث  في سرت بعد ثورة فبراير.

وفي رواية القاصة و الروائية “نجوى بن شتوان ” “وبر الأحصنة” ثمة رؤية مستقبلية للبلاد وكيف ستنقلب إلى فوضى بفعل استبداد حاكمها ،كل ذلك في لغة مشفرة ومحملة بكثير من الرموز والمجاز والخيال الذي تبدع الروائية في نسجه برواياتها.

 الروائي محمد الأصفر فى روايته “سرة الكون”  استشرف وقوع حرب أهلية في البلاد وقصف للطيران الأمريكي والغربي وحالة من الهلع والهروب لأهل البلاد ولحالة التناحر بين قبائلها ومدنها وانتشار الأسلحة بين أيدي الناس.

الرؤية الاستشرافية لدى بعض الروائيين الليبيين كانت واضحة في كثير من الروايات ولكن أغلب من كانت لهم هذه الرؤية الثاقبة للزمن، ولاستقراء لحال البلاد قبل الانفجار والزلزال العظيم الذي حدث في عام 2011م، لم ينشروا رواياتهم داخل البلاد نتيجة قمع الرقابة والسلطة ،فمثلا هذه الروايات الاستشرافية الثلاثة التي قرأتها نشرت في دور نشر عربية ولم يقرأها كثير من القراء الليبيين.

أيضاً هناك قلة من الشعراء المميزين ،في خارطة الشعر الليبي كتبوا بعين الرائي عن مستقبل البلاد في ظل القمع والفساد الذي أكل كل شيء في البلاد قبل 2011م مما أدى في النهاية لانهيارها بهذا الشكل المأساوي الذي تعيشه اليوم ولكن مشكلة الليبيين أنهم شعب غير قارئ، وغير متابع للنتاج المختلف ،الذي يقرع نواقيس الخطر وهذا ما يحدث حاليا من حالة عدم استشراف أفق ما يحدث من تفكك للبلاد وغلبة أصوات القمع وفرض الرأي الواحد وانتشار ثقافة الإفلات من العقاب وكأن دوائر الزمن في الوطن تعود للوراء دائماً ولا تريد أبدا أن تتعظ من المآسي والنهايات التراجيدية من نشر ثقافة القمع وكبت الحريات في البلاد وتغوّل الأيدلوجية الدينية المتطرفة وتشكلها في ميليشيات باسم الله والدين فأحرقت البلاد وعاثت بالفساد والخراب فيها.

هنا يقف دور الأدب في أعلى تجلياته وهو البحث عن الحقيقة والتنوير وعدم موالاة أي سلطة سياسية أو دينية ،فالأديب والكاتب ليس كلب حراسة للسلطة مهما كان اسمها أو نوعها ،بل هو دائماً في الجانب النقيض لها، دوره تنويري ويحمل رؤية استشرافية للمستقبل تقرع أجراس الخطر وتنبه النيام من غفلتهم ،أما التصفيق والتطبيل والهيحان غير العقلاني الذي يعمل على تضليل الناس فهو ليس دور الأديب والكاتب الحقيقي ،وإنما هو دور الكتبة مدفوعي الأجر من أجل حضور المهرجانات المزيفة والمتزلفة لكل سلطة جديدة تستلم مقاليد الحكم واللهاث خلفها في الفنادق الفخمة لأجل بضعة سفريات في هذه العاصمة أو تلك ومعها حفنة من الدولارات ،ليبقى الأدباء الحقيقيين حاملين مشاعل التنوير والحرية ، هم وحدهم القابضون على جمر الوعي يسيرون في درب نشر الحقيقة واستشراف الواقع بكل دراميته وفانتازيته ووجعه مهما كانت الخسائر في طريقهم الطويل.

” أنتَ قُلْتَ ” … رواية الحب القاتل

 


انتصار بوراوي 

“أنت قلت” هى رواية كتبتها الكاتبة الهولندية كوني بالمن وقامت بترجمتها الشاعرة التونسية  لمياء المقدم، وصدرت هذا العام ضمن سلسلة الجوائز في الهيئة العامة للكتاب المصرية ، فى الرواية تحاول الروائية الغوص في عالم وتفاصيل أشهر ثنائي في عالم الشعر والحب الشاعران سيليفيا بلاث و البريطانى تيد هيوز .

كانت سيليفيا بلاث في الرابعة والعشرين من عمرها  في عام 1956 حين سافرت من أمريكا إلى انجلترا للدراسة في جامعة كامبريدج حيث التقت هناك لأول مرة بالشاعر الشاب  تيد هيوز الذي كان في بداية حياته ،وحدث بينهما انجذاب وقصة حب عنيفة انتهت بالزواج  واستمرا زوجين لمدة سبع سنوات، ولكن  العلاقة الزوجية بينهما كانت متطرفة ومضطربة بانفعالات غيرة سيليفيا وعبث الشاعر تيد هيوز  وحين اكتشفت الشاعرة  سيليفيا خيانة زوجها تيد طلبت الطلاق منه وبعد عام من طلاقهما  انتحرت بوضع رأسها في فرن الغاز في عام 1963 ،وتذكر الكاتبة الهولندية كوني بالمن في هامش بآخر الرواية بأن روايتها هى  سيرة ذاتية عن قصة الشاعرين ،جمعتها من خلال قراءتها ومتابعتها لنتاج الشاعرين، والديوان الأخير لهيوز والمجموعات الشعرية والرواية واليوميات التى تركتهن الشاعرة خلفها قبل انتحارها

الشاعر الانجليزى تيد هيوز الذى ظل صامتا طيلة حياته ولم يتحدث عن انتحار زوجته  يتحدث في هذه الرواية بصوت عال ومسموع، فالصوت الميهمن في الرواية هو صوت الشاعر بضمير المتكلم يروي خلال الرواية تفاصيل العلاقة المخفية فيشد أنفاس القارىء الذي يتابع السرد الجميل الذي تبدع الكاتبة فيه حيث تتقمص الكاتبة روح تيد هيوز وتتكلم عن مشاعر الشاعر  وأحاسيسه وأفكاره ،فالكاتبة منحته صوتا كي يعيد سيرة حكاية علاقة الحب والزواج التى استمرت لمدة سبع سنوات ،وكي يعيد النظر في شخصية زوجته المنتحرة الشاعرة سيليفيا بتحليل أعمق من نظرته الأولى وبداية معرفته بها التي كانت سطحية في البداية أو كما يقول الراوي تيد هيوز في مقطع من الرواية ( من عرفها ظاهريا لم يكن ليتكهن أبدا بأنها تخفى بداخلها مقاتلة شرسة وأنها أكثر بكثير من تلك الفتاة الأنيقة التي ترفع شعرها في ذيل حصان) ص28



ثم يسرد صوت الراوي وقائع لسيليفيا في تجارب خطيرة وقفت فيها أمام الموت وجها لوجه دون خوف بل وبرغبة جامحة به ،كل ذلك منح بداخله رغبة في حمايتها لإدراكه بهشاشتها الداخلية ، وكثيرا  ما يقطع الراوي تسلسل أحداث الرواية التى يسردها عبر صوت المتكلم الشاعر تيد هيوز ليحلل كل محطات العلاقة منذ بداية اللقاء الأول مرورا بيوم زواجه بها إلى آخر لحظة رآها فيها فيعمد أحيانا إلى تحليل ذلك  عبر مفاتيح كثيرة يحاول عن  طريقها فك  شفرة شخصية زوجته السابقة والأسباب الحقيقية التي قادتها للانتحار  ويستذكر  رموز وإشارات الأحلام التي راودته خلال معرفته بها وقبل أن يتزوجها والتي تحمل مضمون تحذيري من زواجهما حين يتحدث عن ذلك بالقول:

(كنت أصدق أحلامي وأبحث لها عن تفسيرات ،ودربت نفسي على تذكرها منطقة اللاوعي لدى الشاعر هى مخزن معادل  للمعرفة  في استعارات قديما قدم الزمن، وعليه أن يألفها ويتألف معها وعليه أن يجرؤ على  فك ألغازها  لأنها تملك حقيقته)

صوت الراوي الشاعر هيوز يسيطر على كل الرواية فى نفي تام لصوت سيليفيا ورؤيتها للعلاقة حيث جرد الراوي سيليفيا من حقيقتها المجهولة وصورها كامرأة مريضة ومحتالة حتى في كتابة الشعر ، وذلك في كلماته عنها في الصفحة  46  من الرواية “لم تكن تملك الكثير من الخيال فكل رموزها وصورها واستعاراتها المنمقة ابتاعتها بحرفية من مجلد روجيه”

يروي هيوز بطل الرواية تفاصيل الحياة اليومية ،المشتركة مع سيليفيا بعد زواجهما وعيشهما فى شقة صغيرة بلندن ،حيث عمل الشاعر مدرس لطلبة ثانوية وواصلت هي دراستها الجامعية العليا في جامعة كامبردج ، تلك التفاصيل الصغيرة التي توضح طبيعة علاقتهما الممتلئة عشق وحب ونشاط وحيوية ومشاركة في البيت وفى طباعة كتاباته الشعرية  و إرسالها لدور النشر، وتشاركهما في قراءة الكتب معا ومناقشتها  ثم يروي صوت الشاعر  تفاصيل الإرباكات التي حدثت لعلاقتهما نتيجة نفور أخت الشاعر تيد هيوز لسيليفيا والمعاملة الجافة السيئة التي قابلتها بها منذ أن تعرفت عليها ونوبات غيرتها وشكوكها المتوالية  .        مؤلفة الرواية كوني بالمن ترسم صورة الشاعرة سيليفيا فى الرواية كمخطئة ومتشككة دائما بينما ترسم  صورة الشاعر تيد هيوز ،وكأنه الحمل الوديع الذى يعاني من غيرة وشكوك زوجته دون أي تعاطف من كاتبة الرواية، لما عانته الشاعرة من ألم وكمد نتيجة نزوات زوجها والتي انتهت بالظهور الدراماتيكى للشاعرة “اسيا ملفيل ” فى حياتهما فكانت كالقشة التي قصمت ظهر الزواج وأنهته .

 حيث أعجب بها  تيد هيوز ووقع بغرامها وصارح زوجته برغبته في الابتعاد عنها وعن ولديهما ،لعيش تجربته الغرامية مع حبيبته الجديدة “اسيا ملفيل” وتعمدت المؤلفة أن تضع الإطار المجهول لما حدث فعلا بين الشاعر تيد هيوز وصديقة العائلة الجديدة الشاعرة اسيا ملفيل ،في إطار سردي يجعل القارىء يتعاطف مع خيانة هيوز ويضع لها مبررات ، فهى لم تمنح جانب من الرواية لما انتاب سيليفيا من قهر وألم وأحساس بالغدر والخذلان من زوجها الذى تزوجته بعد أن خاضت معه قصة حب رائعة وتشاركت معه فى زواج لمدة سبع سنوات، أنجبت خلاله بنت وولد بل جعلت صوت الراوي المهيمن على الرواية الشاعر تيد هيوز يضع الحجج والتبريرات     لا نتحارها بعيدا عن مسؤوليته تماما ،ولم تكتف مؤلفة الرواية بذلك فى دفاعها المستميت عن الشاعر بل إنها مرت بسرعة في سردها عن النهاية التراجيدية لزوجته التالية التى أنهت حياتها بالانتحار أيضا مع ابنتها بوضع رأسها بالغاز ، بنفس طريقة موت زوجته السابقة وذلك عبر أسطر مقتضبة  يتحدث فيها الشاعر عن الحادثة المفجعة بقوله ” بعد مرور سبع سنوات على لقاءنا الأول حاولت حبيبتى ليليث  المعذبة أن تحصل على حياة في مستوى حياة زوجتى السابقة عبر تقليد موتها بالحرف والانتهاء إليه وفى  الثالث والعشرين من شهر مارس 1969وضعت رأسها في الفرن وقتلت نفسها ومعها ابنتنا شورا ذات الأربع سنوات”

بأسلوب حيادي وقاس  تروي المؤلفة على لسان صوت الراوي تيد هيوز تفاصيل موت الزوجة الثانية بنفس الطريقة التي أنهت بها زوجته السابقة حياتها واضعة تفسير غير إنساني على لسانه بقوله :”بأنها رغبت بالموت والانتحار لأنها رغبت بالحصول على شهرة  زوجة زوجها السابقة  بعد انتحارها” وهو تفسير غير إنساني ومعبر عن رغبة ملحة لدى الروائية  لإيراد تبريرات لشخصية الشاعر تيد هيوز الغامضة التي أصابت لعنته كل امرأة أحبته  ولكن الرواية حسب مطالعتي ، لم تفلح بكل جمال وانسياب سردها بأن تهب القارىء تعاطفا مع بطل الرواية والصوت الراوي المهيمن على الرواية التى حاولت الكاتبة عبر استعارة صوته إيجاد  مساحة للتعاطف معه ،وتبرئته من مسؤوليته  فى المصير التراجيدى لكل إمرأة أحبها وأحبته بعنف ،لتبقى أسرار النهايات التراجيدية لنساء الحب القاتل والمسموم والمدمر لشاعر البلاط الملكى البريطانى ميتة ومدفونة مع أبطالها إلى الأبد.

لينا الطيبى تهز الحياة

 









إنتصار بوراوي 

 ثمة شيء فى شعر الشاعرة السورية لينا الطيبى يأسر قارئها و يأخذ معه هفيف الروح لعلها الصوفية العالية المرتسمة  فى قصائدها، أوأبجدية تفاصيل روحها المشعة عبر نصوصها الشعرية ، التي تمنح القارىء أحساسا بانه  يجوس بداخل روح شعرية صافية كقطعة الماس مبهرة عبر مجموعة قصائدها المنشورة فى ديوانها الشعرى “أهز الحياة” ، نلملم خيوط القصائد التي  تنسجها الشاعرة من هدير الفقد وتواجه بها التلاشي في زمن تآكل المشاعر  الإنسانية وتشوهها

أهز الحياة هو عنوان الكتاب الذي يحتوى على مجموعة قصائد  قصيرة وطويلة تبداها الشاعرة بقصيدة نعناع الأهل” التي نلمح فيها توق شفاف وشعرية عالية تناجى مذاق صور الآهل والأحبة الذين تستقى الشاعرة فيضهم الدافق من أنين أرواحهم داخلها فالأهل مغروسون فى خلايا جيناتها مهما أبتعدت عنهم:

الأمل فى ضحكة الأهل

أصواتهم تحفر وتحفر

أصواتهم تأخذ بأيدينا وتمر بأيدينا

ينهض الأهل فينا

يتناسلون فى دمعة اعيننا يربتون على ألواح أكتافنا

وكأن الذات الشعرية هنا تستشعر الذنب لفقدان الأهل نتيجة غربة المكان فتجترح اهاتها الممزوجة بالحنين لزمن الطفولة ولنعناع الشاى فى  فنجان الأهل

الأهل فى البعيد يستعيدون ذكرياتنا

يستنطقون الحجر فى غيبة أصواتنا

و تهز الشاعرة الحياة بتأمل الأمكنة التي تركتها خلفها وتحدق فيها من على بعد:

من بعيد وقفتُ
أُحدق بالممرات الكثيرة التي تركتُ
بالأشجار التي تمايلتْ عند خطوتي
بالماء الذي موجته أحجاري الصغيرة
بالسفن التي عبثت بأحلامي
بالشمس تجدل أسمرها
بالقمر يضوي
وبالنجمة تنحدر لتلامس ما كان شباكي
من بعيد نظرتُ
يدي تهزّ الحياة
وقلبي  ينتفض

هنا تبدو روعة قدرة الشاعرة على عدم ترك الحياة  تهزها أنما هي التي تهزها بقدرتها الفائقة على تأملها من بعيد لترى بوضوح أكثر فالأشجار  تتمايل عند خطوتها وأحجارها الصغيرة  حركت المياه الراكدة  وحتى السفن لم تحطم أحلامها وانما عبثت بها فى مرور عابر ، الشاعرة بيدها  تهز الحياة اليد هنا هي  صورة للفعل  الذي هو فعل الكتابة الشعرية التي تواجه بها الموت والفقد .

كل مقطع فى القصيدة يبدأ بعبارة من بعيد لتؤكد الشاعرة على  ان النظر  لكل شىء من على بعد مسافة   يهب الذات  وضوح اكثر ويمنحها قدرة على  التناغم مع الكون أكثر  فى  قصيدتها المعنونة ب”صمت يتمم ركعتي”نجد النفس الصوفي عاليا لدى الشاعرة فى هذه القصيدة التي تناجى الله عند انكسار حلم الحبيب الذي  تلاشى حضوره في حياتها على حائط الغدر

في كل مرة حلمتُ
ردّني الله إلى ركبتي
جلستُ، وصليتُ
وتساقط تعب عن كتفي
كنتُ حلمتُ بالسنونوة
تخطفُ قمحها من راحتي
أتلمسُ جناحيّ
وأتلمسُ الطيران في جناحيها.

الله كان يحبني.

كطائر السنونو الذى يرحل باحثا عن قمح الحياة تهاجر الشاعرة بانخطاف الروح فى ركعة الحب إلى وجه الله  لتتقمص وحدتها بعد ان غدا  صهيل الأخر يرتجف فى العراء لينسج الصمت مسارب حياتها ولكنها بوجد صوفى جميل تعلن بأن الله يحبها.

فى قصيدتها المعنونة ب” ناهض الألم”  يتبدى الحزن والوجع الذي يسربل جسد هذه القصيدة التي  تعرى وجع الروح  في  قسوتها على ذاتها قبل قسوتها على الأخر

لم تكن وجوهنا التي تعرتْ
غير وجوهنا التي تعرت
ولم يكن شعاعنا غير الشعاع
لم يكن موتنا غير موتنا
ولم نكن أكثر مما..
جمع الماضي انفراطه في راحاتنا.

ما أجلّ من قسوة علينا هي قسوتنا.

أمل وأنكسار ماكان

الروح هنا تحاول النهوض من جديد  من ألم الانكسار وانفراط ماكان وفى صفاء روحى تنشد الشاعرة نشيد الحياة  عبر كشفها العرفانى الجوانى  للوجوه التى انكشفت وغدت مجرد ماضى انفرط بقسوة فى راحة اليد.

فى قصيدتها الطويلة” مقتطفات لسيرة طويلة من تاريخ الروح” تأبجد الشاعرة كل مضامين الفقد ، ،و تتهجى الحياة بدون الأخر الذى انفرط و سقط من الماضى والحاضر والمستقبل ، بينلوب الشعر هنا لاتنتظر رجوع أوديسها  وإنما هى تنسج عبر حبكة شعرها نشيد الفقد العظيم لرفيق الروح الذى سقط فى عتمة الطريق بينلوب الشاعرة  هنا تحيك كفن الفراق ولا تنتظر "أوديسها" الذى قصم روحها بفعل الخيانة

أرسم ذكرياتي على جدار كبير
لأمحو كل ما مضى
لأستقبل الآتي بنشوة الحلم
وبالماء والماء والماء.
أزيّن فوضى الرفوف
وأهبط
لأكتب من جديد:
هذا التاريخ أنتَ
صنعته وصنعتني
وحفرت به الألم
وأنهضته بالسطوع وواريتني.

حزن العاشقة التى تصرخ فى وجه عاشقها الذى قتلها بالتخلى وكأنها صوت جثة القتيلة وهى تصرخ فى وجه قاتلها  فهى لاترسم الذكريات لكى تحتفظ بها بل  لكى تمحوها وتنزعها من ذاكرتها  لتستقبل الأتى بالحلم.

لعل قصيدة نزوة تبدو وكانها مكملة لقصيدة”  ناهض الألم  ” التى تعبق بنف
س الروح الشعرية المصلوبة فوق عمدان  الغدر والروح المكلومة المتفجعة على أفتراق روحين بفعل  نزوة عابرة:

ولأجل نزوة
امضى قتلاً من عبورها
ذهبتَ بالماضي الى مقبرة الموتى
وأقفلتَ المستقبل بمفتاح الخيانة

ففعل الخيانة يقصم الروح العاشقة والمحبة ، فكيف حين تكون روح شاعرة  وزوجة هى أليفة الأنسجام الفكرى والروحى  للأخر الذى أهداها الأذى، الشاعرة فى هذه القصيدة تعلو و تعلو بتراجيديا فعل الخيانة الذي قد يرتكبها الأخر ولو فى نزوة عابرة غير مدرك بأنه يقصم روح قريبة جدا منه :

ولأجل نزوة
تركتَ قلبي يخون ذكرياته
ويكّذب ضحكاته
ويصفع رقته
بخنجر من موت

تتبدى القسوة المفرطة فى فعل الأخر الذى يحول كل ماكان الى كذبة كبيرة  ويهوى بصفعته على الرقة والحنان والمحبة  بخنجر الغدر

لأجل نزوةٍ صغيرةٍ
عابرة، ربما
تركتَ يدي إلى مقتل
وروحي في مهب شقاء
وقلبي إلى فحمةٍ سوداءَ
تشعله
وتطفئ بدخانها
ما تصاعد من نداء.

لأجل نزوة صغيرةٍ
أقفلتَ الستائر
وأزحتَ الشمس
وأهلتَ التراب على الذكريات والصور

ولأجل نزوة عابرة
جمعتَ الخواتم
وسوَّرتَ حفيف البكاء بصرخة مكتومة

تذهلنا الشاعرة فى هذه المقاطع  بمدى العشق الذى  أمتلك روحها   فتنشج  بصوت فجائعى مكروب مصير كل جنون الحب فى قلبها  الذى يكاد يكون غير قابل للتصديق وأقرب للخيال  وتستدعى صور ماكان وما انتهى بفعل نزوة عابرة  و الجميل والمؤثر أنه لاوجود للكراهية لأو الحقد فى قصائدها رغم فعل الخيانة من الأخر فقط ثمة ألم  عاصف وقوى  زلزل اركان العاشقة المتولهة بمن احبته ومناجاة مكلومة  محفوفة ببكاء لايهدأ دون قدرة على إطلاق صرختها المكتومة على فعل القتل لروحها العاشقة والمتولهة بالحبيب ،ثمة روح صافية  حلقت فوق مشاعر البغض والكراهية ونسجت مشاعر متاملة فى فعل خيانة رفيق الروح  الشاعرة “لينا الطيبى ”  فى ديوانها “أهز الحياة”  بدت فى قصائدها   روح شاعرة صادقة متأملة شفافة  ترصد وجوه الأهل والأحبة والأمكنة وتبكى موت الحب بغنائية عالية وعاطفة كاسحة تهدر فى روح قارئها بشجن عميق محمل بوجد صوفى يتماهى فى حالة العشق بالأخر لدرجة  كادت أن تصل لحد الفناء فيه عبر مجموعة  قصائدها التى هزت شجرة الحياة بفعل التأمل بهدوء وعمق فيها فتساقطت  في يدها كل ثمارها المبهجة والمؤلمة.

 

الثلاثاء، 28 ديسمبر 2021

محظية” بين الواقع والفنتازيا


مناقشة رواية اغتصاب محظية لعائشة الأصفر.
مناقشة رواية اغتصاب محظية لعائشة الأصفر.

ربما اول ما يجذب القارئ لرواية “اغتصاب محظية” للروائية الليبية عائشة الأصفر هو اسمها الملفت الذي يثير في الذهن عدة أسئلة عن فحواها.

فاسم محظية المقترن بعنوان الرواية يحمل معنى الامرأةٌ التي تُفضَّل على غيرها في المحبَّة وبالأخصّ عند أمير أو مَلِك أو رَجُلٍ ذي سلطان، ولطالما كانت المرأة المحظية في التاريخ العربي هي العشيقة، ولكنها في الرواية هنا هي أبنة أمير وزوجة حاكم البلاد.

 اقتران اسم محظية بفعل الاغتصاب يجعل ذهن القارئ يتخيل بأن محتوى وفحوى الرواية يدور حول جريمة جنسية يحدث فيها فعل اغتصاب لبطلة الرواية “محظية”، ولكن ما أن نتوغل بقراءة الرواية سنكتشف بأن العنوان رمزي وبه إسقاط قصدته الروائية باختيارها له بهذا الشكل الصادم للقارئ لأول وهلة.

تبدأ الرواية بحديث لصوت الراوي الذي يتحدث عن نفسه وعن ولادته وعلاقته بالآخرين، ونمضي قليلا في القراءة لنكتشف أن صوت الراوي المتحدث هو أصبع وليس شخصية من لحم ودم

وبأسلوب فانتازي تحملنا الروائية إلى عالم وحياة الأصبع الذى تطلق عليه اسم زايد ، وهو الأصبع السادس في يد شخصية “ابوستة” الذى تفرد الروائية مساحة لسرد  حكايته مع الأصبع ومحظية والأمير حيث يختلط الواقع بالخيال في سرد القسم الأول من الرواية التي تتحدث بصوت الراوي “الأصبع زايد”، الذى هو في الحقيقة ليس إلا الأخ التوأم “لابوستة” الذى لم يسمح له بالتحقق والخروج للحياة من رحم أمهما ،وتحول إلى أصبع سادس في يده ، حيث بدا كجاسوس على أخوه حيث يشاهد كل تفاصيل حياته اليومية حتى الحميمية بفراش زوجته وحين يضيق بوستة من اصبعه ويشعر بالحرج من وجوده بيده امام زوجته محظية يقوم ببتره لينمو الأصبع في حوض مائي ثم يتحول إلى شجرة أصابع وتتقافز الفانتازيا عبر صور متعددة من خلال أصبع زايد وحكاياته وروايته للأحداث حوله ومحبته لمحظية التي تزوجها شقيقه “بوستة” بعد أن قتل والدها الأمير، وفى تفاصيل بارقة يلوح زمن القص بأنه في زمن الاستعمار الإيطالي ، حيث يبدو الأمير وكأنه اسقاط على شخصية الأمير إدريس السنوسي ومحظية التي لم تنجب” لأبو ستة ” الأبن وكأنها ترمز لليبيا التي غدت محظية ورهينة “بوستة” الذى يغتصب خيراتها ويستولى على كل الأراضي والكروم وبيت الأمير الذى غدر به وقتله و استولى علي حكم البلاد وعلى ابنته محظية بالزواج

فتبدو محظية وكأنها اسقاط على ليبيا التي يتوالى عليها المغتصبون لأرضها وخيراتها وتعذيب شعبها وقهره بالظلم والسجون وكبت الحريات.

تتدخل الصور عبر فضاء الفانتازيا الروائية في القسم الأول من الرواية ثم يكشف لنا القسم الثاني بأن كل تلك الحكاية التي رحلت بنا بين بيت ابوستة ومحظية والأصبع زايد ليست إلا هلوسات في عقل شخصية بطل الرواية الرئيسي زايد الذي وقع ضحية تفجير بمقر عمله بالشركة وبقي مصلوبا على نافذة مكتبه إلى حين حضور سيارة الاسعاف التي حملته للمستشفى ليدخل في عالم فنتازيا الأحلام التي تختلط بها صورة حبيبته الجليلة بمحظية التي تغزو أحلامه وهذياناته.

في الجزء الثاني من الرواية يدخل السرد في عالم أكثر اتساق ورسم واضح للشخصيات وللزمن حيث تنتقل الرواية لزمن آخر هو زمن جهاز المحمول والفيلات الفخمة التي تم بناؤها بعد هجر شوارع المدينة القديمة التي سكنها المهاجرين غير الشرعيين وانتشرت فيها الجريمة والمخدرات والسطو المسلح  

وتدور احداث القسم الثاني من الرواية في شركة الاستثمار التي يعمل بها بطل الرواية زايد الذى ترك عالم الصحافة بعد ان اقفلت الدولة صحيفته وانتقل للعمل في شركة استثمارية يكتشف من خلالها عالم الوساطة ولعبة المصالح ، وفيما تستمر زميلته في الجامعة والفتاة التي احبها في المضي بعالم الصحافة وكتابة مقالاتها النارية عن الفساد والمفسدين، يختار هو طريق السلامة والمال وتحدث بينهما حوارات ونقاشات عن الطريق الذى اتخذه كل واحد منهما بأسلوب فلسفي كثيرا ما تحيل إلى مناقشاتهما في الجامعة حين كانا يشاركان في المحاضرات التثقيفية بالجامعة .

وتمضى الرواية في سرد قصة حياة زايد باللحى الذي نشأ به وتبدو صورة شخصية جليلة شبيهة بصورة محظية التي تزوره بأحلامه طيلة وجوده بالمستشفى.

تختلط الصور والشخصيات في عقل وفكر بطل الرواية ولكن تبقى الجليلة هي الحقيقة الراسخة التي يراها أمامه وتتجسد حضوريا في ايامه بأفكارها ومقالاتها وجرأتها وشجاعتها ، وتختم الرواية بنهاية مفتوحة بعد التفجير الكبير الذى دمر الشركة الاستثمارية وحولها إلى حطام في رمزية لانفجار الفساد ،بصوت الممرضة وهى  تخبر بطل الرواية “زايد” بأن كل ما يتحدث عنه من حكايات وقصص عن بوستة ومحظية وحضور الجليلة ليس إلا هلوسات وهذيان نتيجة إصابته بالتفجير ووجوده بالمستشفى  وهكذا تنتهى الرواية بشكل موازى مع الفانتازيا التي تداخلت مع الصور السيريالية طيلة تفاصيل السرد بالرواية التي نكتشف من خلالها أن للاغتصاب وجوه كثيرة  فليس الجسد الأنثوي فقط من يتم اغتصابه بل أن البلدان أيضا تغتصب حين يستولى عليها حكام ظالمين يسومون أهلها سوء العذاب والظلم ولعل محظية في الرواية هي وجه ليبيا المغدورة التي يتوالى انتهاك روحها قبل جسدها   عبر الأزمان والعهود.

الاثنين، 27 ديسمبر 2021

القاص خليفة الفاخرى .. والكتابة التى لا تخون الروح

 



إنتصار بوراوى

القاص خليفة الفاخرى هو جوهرة مضيئة في تاريخ الكتابة السردية في ليبيا فمع القاص  خليفة الفاخرى ،قفزت القصة القصيرة قفزة نوعية حديثة، تقوم على التكثيف والاختزال وروح السخرية ،وكان القاص خليفة الفاخرى كبيرا  بأحلامه الشاسعة  بالعدالة والحق والخير، ثائرا  يستكشف الواقع من حوله ويكتب عنه قصصه الهادئة الأقرب إلى الومضات البارقة وفى لغة مقتصدة ومكثفة يشحن قصصه القصيرة برؤيته الفكرية للحياة والناس ،وجودة كتابته تكمن في أسلوب رؤيته  للموروث الذي يعتمل  بمجتمعه الذى يقرأه بعمق ثم يعيد صياغته برؤية  قصصية ناقدة.

في القصص التي كتبها القاص خليفة الفاخرى في ستينيات القرن العشرين  نتشمم عطر الماضى  لمدينة بنغازى حيث  شوارع المدينة القديمة  ونسائم الصيف  بالبيوت التى بنيت خلال العهد العثمانى والأيطالى و روائح حكايات ناسها البسطاء “سي عمر” و”السائق خالد  والحارس الليلي والسكير ووجوه أهلها البسطاء العاديين الذين يبحثون عن نقطة ضوء في أرضهم.

ثمة رومانسية وغنائية في قصص الفاخرى ،فالراوي في جميع القصص هو نفس الشخصية المتمردة على مجتمعها، ولكنه ليس التمرد المبنى على الرفض المطلق للإرث الفكري والحضاري وإنما الرفض والتمرد على القيم المتخلفة من أجل التغيير  المبنى على العلم والعقل والتنوير الفكرى .

في قصته “الوجه الأخر للقمر”يتحدث الراوي عن  الفتاة التي أحبها في رسالة طويلة يصفها بالجمال والدفء ولكن لا وجود لأمرأة  حقيقية  في هذه القصة أو غيرها من قصص خليفة الفاخرى ،المرأة موجودة فقط في أحلامه وأفكاره أو فى وجه فتاة مارة بالشارع ،لكل ذلك تخلو قصص خليفة الفاخرى من ملامسة عالم المرأة  لطبيعة المناخ الأجتماعى والديني والفكري الذي كان منغلقا نوعا ما

في إحدى قصصه المعنونة ب فتاة جميلة “يتخلى القاص عن صوت الراوي الرجولي ليكتب قصة بصوت فتاة من بنغازي تتحدث فيها عن مدينتها وعن نفسها بصورة نرجسية فائقة وبأسلوب تقريري يظهر عدم أهتمام الكاتب بالمرأة الليبية في ذلك الوقت لذلك  يتجه بطل قصص خليفة الفاخرى بفكره وذهنه إلى وجوه النساء الأوربيات بجمالهن وحريتهن والى مدن الغرب الأوروبية بجمالها  وحيويتها إلا أن هناك دائما شيء في داخله يشتاق للوطن بشوارعه المهترئة وحكايا البشر البسطاء الذين يبدو كأبطال الملاحم الإغريقية ببؤسهم وعراكهم الدائم مع أقدارهم .

الفاخرى في قصصه كان محملا  بهواجس المنبوذين والمهمشين فيرسمهم فى  قصصه القصيرة جدا في مجموعته القصصية “موسم الحكايات ” بطريقة مكثفة ومختزلة و بروح شعرية هائلة وفى قصتة “العذاب “يمزج   الحقيقة بالخيال فى رؤية فانتازية ، ليعبرمن خلالهاعن حالة الانسحاق التي غاص فيها “سى عمر”عند رؤيته لمتناقضات الموروث الاجتماعي المنافق ، وهكذا هى قصص الفاخرى فى مجموعاته القصصية ..تلامس الوجع وتكتبه بقلم رؤيوى سابق لعصره، وبصدق جميل ،وكما يقول أد وارد غاليانو :”في لغة الهنود الحمر الكلمة تعنى الروح وكل من يكذب أو يبدد الكلمات يخون الروح”، فأن الفاخرى كان صادقا حتى منابت العظم كما عرفنا من خلال قراءة سيرة حياته ،ومن مجموعاته القصصية ومقالاته وكان متطابق فى كتابته مع حياته فى صدق نادر ، وعاش مبتعدا ومنعزلا عن ضجيج وتزلف الوسط الثقافى طيلة عقود حكم القذافى ، مشتغلا في محرابه بالكتابة والأبداع القصصى وترك خلفه نتاج قصصى معبر عن مجتمعه ومشاكله وقضاياه و بيئته  إلى أن توفاه الله في يونيو 6 يونيو 2001 ولكن القاص خليفة الفاخرى لم يمت بل ينام هادئا تحت تربة مدينته التى أحبها وسقاها من روحه وفكره إلى أخر يوم في عمره

حميدة العنيزى رائدة تعليم الفتيات في بنغازي

 

إنتصار بوراوي

 يشرع كتاب ” المرأة الليبية ابداع واشعاع” للمؤلفة أمينة حسين بن عامر في رصد تفاصيل الحياة المهنية لرائدة من رائدات التعليم في بلادنا وهي السيدة حميدة طرخان التي عرفت باسم حميدة العنيزى.

قام بتقديم الكتاب الكاتب والدكتور “وهبي البوري” الذي أبدى في بداية مقدمته أسفه على التجاهل والنسيان، للسيدة حميدة العنيزى التي فتحت الأبواب المغلقة امام تعليم الفتاة الليبية، في مدينة بنغازي ويتأسف الدكتور في مقدمته لعدم ذكر اسمها، في المحافل والتنظيمات النسائية الحديثة وعدم إطلاق أسمها على أي مدرسة في مدينتها بنغازي التي أحبتها وعشقتها وبذلت كل عطائها، من أجل تعليم فتياتها في فترة وحقبة زمنية.

ولدت المربية “حميدة العنيزى” في عام 1892 م بمدينة بنغازي، وفى سنة 1911 م أوفدت إلى “المعهد النسائي العالي” بمدينة اسطنبول التركية وعادت بشهادة التعليم العالي بعد أربع سنوات دراسية درست وحفظت فيها القران وأجادت اللغة التركية إلى جانب اللغة العربية ومنذ أن رجعت إلى بلادها تطوعت لتعليم الفتيات في منزلها.

في عام 1924 افتتحت الحكومة الإيطالية بليبيا مدرسة بنات لتعليم اللغة الإيطالية واللغة العربية والقران الكريم وفن الخياطة والتطريز وكان مقر المدرسة شارع عثمان بحيح في وسط مدينة بنغازي القديمة وتولت السيدة حميدة العنيزى إدارة هذه المدرسة.

نشاطها وجهودها لفتح المزيد من المدارس

تعرض مؤلفة الكتاب لجهود المربية “حميدة العنيزى” في تولى إدارة مدارس أخرى في بنغازي، حين اسست الإدارة البريطانية أول فصل دراسي للبنات في بنغازي واسندت الى المربية ” حميدة العنيزى” مهمة مديرة تعليم ثم موجهة تربوية ثم تولت مديرة لأول مدرسة للبنات في عهد الأدارة البريطانية

افتتحت أول مدرسة ابتدائي للبنات في مدرسة أطلق عليها اسم ” الأميرة ومدرسة اخرى في منطقة البركة، ثم بدأت تعد أوائل الفتيات اللاتي تحصلن على قسط من التعليم لإدارة هذه المدارس.

أسندت إدارة مدرسة “الأميرة” الى المربية “فضيلة بومنير”، أما مدرسة البركة فلقد اسندت اداراتها الى المعلمة والمربية الرائدة بديعة فليفلة.

وفي منتصف الخمسينات  من القرن العشرين وعندما كانت المربية “حميدة العنيزى تتولى ادارة تعليم البنات بنضارة المعارف راودتها فكرة  التوسع بإنشاء معهد المعلمات العام  ،و عرضت الفكرة على وزارة التعليم فتمت الموافقة  على  انشاء المعهد ، الذى كانت الدراسة فيه  لمدة سنتين بعد اتمام الشهادة الابتدائية، ويذكر الكتاب بأن  السيدة “حميدة العنيزى” كانت تقوم بتشجيع الأهالي والفتيات ،على دخول معهد المعلمات وخصصت منحة  شهرية لكل طالبة لشراء الكتب والمؤلفات الدراسية  ومن خريجات الدفعة الأولى من رائدات التعليم النسائي في ليبيا والتي أظهرتهن الصور التوثيقية في الكتاب: معيتيقة الفرجانى، نجية اليمنى، مباركة الورفلى، فاطمة الودانى، نوارة الشريف، حليمة بوراوى.

لم تكتفى السيدة “حميدة العنيزى” بالأشراف على انشاء معهد المعلمات الذي أصبحت الدراسة فيه بعد ذلك أربع سنوات، انما افتتحت مدرسة اعدادية وثانوية في الفترة المسائية، ومع أنها وجدت اعتراض من أولياء الأمور في البداية ولكن مع الوقت تحمس أولياء الأمور لمواصلة تعليم بناتهم في المراحل الإعدادية والثانوية.

 وكذلك قامت المربية حميدة العنيزى بترشيح ثلاث طالبات لبعثة دراسية الى مصر وطالبتين لبعثة دراسية الى بريطانيا.

افتتاح جمعية النهضة النسائية بنغازي

تأسست الجمعية النسائية الجديدة عام 1954  برئاسة المربية” حميدة العنيزى” وعضوية 12 سيدة من النساء الفاعلات في العمل الوطني وتذكر المؤلفة  في الكتاب بأن: “اجتماع الجمعية الأسبوعي كان بشكل منتظم تتدارس فيه عضوات الجمعية مع الرئيسة كل الخدمات التي يمكن تقديمها للمجتمع ففي عيد الأضحى تقدم  المساعدات الى الأسر الفقيرة  لشراء الأضحية  وملابس العيد وفى عيد الفطر تجمع الزكاة لتوزيعها على المستحقين وفى المولد النبوي تقدم القناديل و الملابس والألعاب  للأطفال المحتاجين ، وتستطرد المؤلفة عن مناشط الجمعية التي كانت تقيم  ندوات ادبية وفكرية وثقافية  يقيمها اساتذة  معروفين  بعطائهم الفكري والتربوي مثل:

المرحوم يوسف الدلنسى
المرحوم الأستاذ عبد القادر طه الطويل
المرحوم فرج الشويهدى
المرحوم طالب الرويعى.

 لا تتوقف حين تقوم بقراءة الكتاب لمحاولة التقاط انفاسك وانت تسبح كقارئ في متابعة رصد فضاء النشاط والحيوية والمعرفة التي كانت تقوم به المعلمة والمربية “حميدة العنيزى”فى كافة الأوجه التربوية والإنسانية 

توفيت المناضلة والرائدة ” حميدة العنيزى” في 15-اغسطس -1982م عن عمر يناهز التسعين، بعد ان قضت ما يقارب الستين عاما من عمرها وهي تهب العطاء والحب لما فيه خير المرأة من اجل تعليمها ودراستها.

حين يتملى القارئ  بالصور التوثيقية المصاحبة للسرد التاريخي والنضالي للرائدة الفاضلة  يرى وجوه ممتلئة حب وعزم  للعلم والدراسة  بثيابهن الأنيقة و تسريحاتهن الجميلة  ، لم يكن محجبات الشعر ولكنهن كن  محصنات الروح والقلب  ومتحجبات بالقيم  الداخلية ، جميلات رائعات بأرواحهن المشعة بالحب والرغبة في التعلم والمعرفة وكفاءة العمل بصدق وعطاء وناضلن  تحت ظروف اجتماعية صعبة كانت تنظر إليهن بدهشة واستغراب وفى ظروف بلد يعيش تحت وطأة المستعمر ولكنهن رغم كل ذلك  وثقن  بأنفسهن وبحقهن  في التعليم والمعرفة ونالن بعد وقت كل احترام وتقدير المجتمع الذي كان ينظر إليهن بدهشة وتعجب  صورة جميلة للفتيات الليبيات هي ما نحب ان نراهن عليها دائما متحصنات بعفتهن وقيمهن التربوية ومتمسكات بحقهن في الدراسة والتعليم  هن أولئك جداتنا وأمهاتنا اللواتي  كن بالإضافة لكل ذلك أمهات صالحات عملن على تربية اولادهن على القيم الإنسانية والحس الوطني العالي بمحبة العمل كقيمة ورسالة وطنية قبل كل شيء ،و رغم أن الكتاب لا يورد تواريخ الأحداث بدقة الا أنه كتاب توثيقي وسردي قيم وجميل لقيمة تعليمية كبيرة في تاريخ التعليم في بلادنا.

سيرة حياة بنت الوطن السيدة خديجة الجهمي

 




شهد عام 2006 صدور كتابين عن الرائدة الإذاعية والصحافية خديجة الجهمي، وذلك لأنه صادف ذكرى مرور عشر سنوات على رحيلها. الكتاب الأول بعنوان (خديجة الجهمي نصف قرن من الابداع)، من اعداد الاستاذة حميدة بن عامر، التي سبق وأصدرت كتاب عن رائدة تعليم الفتيات في بنغازي السيدة حميدة العنيزى. أما الكتاب الثانى فهو من اعداد الاستاذة الباحثة أسماء الأسطى، وهو بعنوان (أنا خديجة الجهمي).

 كتاب الاستاذة حميدة بن عامر عبارة عن لقاءات صحافية وحوارات مع مجايليها من الاعلاميين والاعلاميات، وتلميذاتها من الاذاعيات والصحافيات، رفقة سرد بسيط لسيرتها المهنية، فيما كان كتاب الباحثة أسماء مصطفي الأسطى سرد لحياة السيدة خديجة الجهمي الشخصية والمهنية، بالحوار المباشر والمسجل معها شخصيا.
تورد الباحثة في مقدمتها للكتاب سبب اختيارها لسرد السيرة الذاتية لرائدة حقوق المرأة في ليبيا، ورائدة الاعلاميات والصحافيات الليبيات بنت الوطن خديجة الجهمي، كما تقول في مقدمة كتابها: عندما صدر كتاب (ورقات مطوية) لعمى محمد الأسطى متضمنا السيرة الذاتية التي سبق نشرها في صحيفة الأسبوع الثقافي عام 1976 أهديتها نسخة منه وكتبت لها في الصفحة الاولى ان تحذو حذوه وتكتب سيرتها الذاتية.
بعد ذلك انشغلت الباحثة كما تقول في مقدمة الكتاب بالتزاماتها الاسرية والامومية الى ان هاتفتها السيدة خديجة الجهمي واتفقتا على ان تتحدث السيدة خديجة الجهمي على سجيتها وتقوم الباحثة بتسجيل سيرتها على اشرطة تسجيل، تقوم بعد ذلك الباحثة بتفريغها، والذي اثمر عن صدور الجزء الاول من هذه السيرة الذاتية، ولكن الباحثة اسماء الاسطى لم تكتف بما أجرته من تسجيل حى وسردى للسيرة الذاتية للسيدة خديجة الجهمي شخصيا وانما اعتمدت كما تقول في كتابها على ما تركته السيدة من رسائل عند عزيزة الشيبانى، التي استلمتها منها الباحثة بعد وفاة السيدة خديجة الجهمي.

ومن المعروف ان السيدة عزيزة الشيبانى كانت قد اصدرت كتابا عن السيدة خديجة الجهمي بعنوان (بنت الوطن) نشرت فيه بعض من سيرتها الذاتية وبعض من كتاباتها وخواطرها.
وتذكر الباحثة اسماء الاسطى بأن كل مقتنيات السيدة خديجة الجهمي لازالت موجودة في مخازن ذويها، وانها تستحق ان ينِشأ متحف خاص بها باعتبارها اول من دافع عن حقوق المرأة واول اذاعية وصحافية واول مؤسسة لمجلة مختصة بالمراة.
تورد الباحثة في الصفحات الاولى من كتابها كلمة الاستاذ منير البعباع الذي ابدى تحسره على تجاهل تاريخ خديجة الجهمي النضالى الطويل وما عانته من من شقاء في طفولتها وشبابها، وكفاحها في وقت الحرب والصعوبة الاجتماعية التي واجهتها في حياتها، وانها تستحق ان تكون من ضمن الاسماء التي يشاد بها ليس على المستوى المحلى بل على المستوى العربى والعالمى.

* السيرة الذاتية للسيدة خديجة الجهمي كما روتها شخصيا

تذكر مؤلفة كتاب (الذاكرة والفلسفة) في فصل من فصول كتابها يتحدث عن السيرة الشخصية، كلمات لكاتبة السيرة ستورم جيمس في سيرتها الذاتية المعنونة بـ (رحلة الى الشمال) تقول فيها: حين يعيش الرجل او المرأة حياة غير اعتيادية او يلعب دورا في مشروع عظيم ما فانه لا يحتاج الى تقديم اسباب اخرى تدعوه الى تسجيل ما مربه، ولأن السيدة خديجة الجهمي امتلكت مشروعا كبيرا نذرت له كل حياتها فإن تجميع بعض الباحثات لسيرتها الذاتية هو عمل تستحقه هذه المرأة العظيمة، وما قامت به السيدة عزيزة الشيبانى والأستاذة أمينة بن عامر هو مجهود كبير من أجل اضاءة كثير من الجوانب الشخصية والمهنية لها.
ولكن كتاب (انا خديجة) للباحثة أسماء الاسطى هو كتاب مختلف عن الكتابين السابقين لأنه سيرة السيدة خديجة الجهمي بروايتها وبكلماتها، لذا جاء الكتاب دافقا حيويا ممتعا في قراءته بحيث تستحضر روح السيدة خديجة الجهمي بصفحات الكتاب وكأنها تتحدث بجانبك حين تسرد بلهجة بنغازية بسيطة كل صفحات حياتها الشخصية والمهنية بصدق وعفوية وبساطة بنت البلاد الأصيلة التي كونت اسما كبيرا لها بجهدها وكفاحها وتعبها وفتحت الطريق أمام أجيال كثيرة بعدها للتعلم ومعرفة الحقوق التي أعطاها لها الله، وكان العرف المجتمعي يحرمه منها. وأيضا لروحها الإنسانية الخيرة التي ظهرت من خلال اهتمامها بمشاكل وقضايا الناس عبر برنامجها الاذاعى الأول والرائد في البرامج الاذعية الاجتماعية والذي كان بعنوان (أضواء على المجتمع).
تبدأ السيدة خديجة الجهمي سيرتها في كتاب (أنا خديجة الجهمي) بذكر سنة ميلادها الذي كان في مدينة بنغازي، فجر يوم الجمعة 7 رجب الموافق 15/3/1921 ثم تتحدث عن والدها بالقول: أبى رجل متعلم بالنسبة لجيله، فهو يقرأ ويكتب باللغتين العربية والايطالية، رغم انه لم يدخل مدرسة قط، وكان يعمل في مطبعة يصفف الحروف ويطبع الجريدة التي كانت الإدارة الايطالية تصدرها انذاك وهى جريدة (بريد برقة). ثم تسترسل السيدة خديجة في الحديث عن والدها بحنان ومحبة حين تقول عنه في مقطع تالي من الكتاب: كان والدي شاعرا رقيقا وسيما أبيا، ذا شخصية قوية، عطوفا كريما وقد احبنى كثيرا. وتسرد السيدة خديجة تفاصيل العائلة الخاصة وطريقة زواج والدها من أمها وطفولتها في بيت الجد الذي عاش والداها فيه لمدة طويلة، ثم تصف بسلاسة وجمال بيت العائلة الذي تقول عنه: يقع بيتنا في شارع الكيش، وهو زقاق صغير يتكون من بيوت متشابهة محصورة بينه وبين زنقة البعباع. بيتنا ككل البيوت، له نفس الهندسة التقليدية التي تبدأ بممر طويل يتوقف عند سقيفة تفتح على ساحة في وسط البيت، وفي كل ضلع من أضلاعها المربعة دارين أرضيته مرصوفة بالاسمنت.

وتسرد السيدة خديجة الجهمي بعفوية ملامح البيت من الداخل وتصف تفاصيله عبر منمنات دقيقة احتفظت بها ذاكرتها طازجة حية وكأنها ابنة اللحظة وكأنها لازالت تلك البنت الصغيرة التي تتجول في ربوع ذلك البيت وتغني لحصالتها باللغة الايطالية الأغنية التي علمتها لها مدرسة اللغة الايطالية. وتتحدث عن بنغازي بحنان غامر وحب دافق حين تسترجعها ذاكرتها: كانت مدينة صغيرة جدا، ولم يكن بها سوى شارع رئيسي واحد يصل وسط المدينة بالبركة إحدى ضواحيها، رغم أن المسافة بينهما لا تزيد عن كيلومتر ونصف إلا إننا كنا نعتبرها سفرا كلما اضطررنا لقطعها، أما عدد سكانها انذاك فلا يزيد عن عدد سكان حي في ضواحي مدينة كبيرة، الا انها كانت بالنسبة لي مدينة كبيرة جدا قضيت فيها ربع قرن من عمري.
وتسهب السيدة خديجة الجهمي في وصف أسواق المدينة التي كانت كما تقول: الأسواق الوحيدة في ذلك الوقت التي يقبل عليها المشترين من كل المناطق مثل سوق الفندق وسوق الحشيش. والحديث عن سوق الحشيش حديث ذو شجون فهو اكبر أسواق المدينة ويقع وسط الحي على مساحة مربعة تقريبا، منه تمتد طرق تؤدى إلى شارعي سالم الزوبيك ومقام ولى سمى الشارع باسمه هو عثمان بحيح. كان السوق ولا يزال له اكبر الأثر في خيالي بل في حياتي، ففي ساحته لعبت، ومن الحوانيت التي على جانبيه ابتعت لاسرتى جل ما تحتاج له.
وتمضى السيدة خديجة في سردها الممتع الجميل لكل زوايا المدينة والأشخاص المعروفين بالمنطقة، في استدعاء حميم ومذهل ويعبر عن ذاكرة صافية وذهن متقد بالرغم من أنها سردت سيرة حياتها وهى متجاوزة للسبعين من عمرها الا انها تذكر تفاصيل حدثت معها وهى طفلة في السابعة من عمرها مع الجيران والاهل باسلوب عفوى ممتع يجعل القارئ يواصل قراءة كل تلك الذكريات المنهمرة لزمن اخر وعالم اخر وناس غير الناس بشغف وحب. وفي رواية دقيقة لتفاصيل اليومية في البيت والشارع وطريقة التسوق وانواع الاكلات التي كان تعدها العائلات في تلك الفترة الزمنية عبر لوحة بانورامية جميلة تعبر عن وعى مبكر منذ طفولتها بمجريات الاحداث السياسية حولها حيث تتحدث عن استشهاد شيخ الشهداء عمر المختار، في عام 1931. كما ان وعيها المبكر وفطنتها وذكاءها سانده ما كانت تتحصل عليه من مجلات مهربة من مصر، لان حيازة المجلات كانت تهمة في ذلك الوقت، فكانت تطالع مجلة الرسالة، الثقافة، الأزهر، الاسلام، الاثنين، الدنيا، الكواكب، روز اليوسف.
ومع إطلالة عام 1934 تقول السيدة خديجة الجهمي: احضر لي والدي راديو كبير، نسمع عبره إذاعة مصر بصعوبة اثناء الليل، كما يصلنا بوضوح بث راديو بارى وراديو طنجة باعتبارهما مركزا دوليا.

* عمل النساء في البيوت

السيدة خديجة الجهمي في صباها
السيدة خديجة الجهمي في صباها

تسرد السيدة خديجة الجهمي لدور المرأة وعملها من داخل البيت في تلك الفترة الزمنية من عقد ثلاثينات القرن العشرين عند العائلات الليبية التي بدأت صناعات بسيطة تقليدية للأحذية والبلغ. والبلغة جمعها بلغ، والرقعة هي التي تنتعلها النساء وهى حذاء يصل الى ما تحت الركبة تشبه البوت او الجزمة ونص الرقعة، اما الصباط حيث تأتى النساء بالقطع المفصلة والمقصقصة من الجلود لتتحول بأناملهما بواسطة اداة ذات رأس حاد تسمى المشفة حيث تستعمل لحرم الجلد الذي يطرز فيما بعد بخيوط رفيعة من الجلد ذاته او بخيوط ملونة، بينما تقوم عائلة سيدى فرج بصنع اسرجة الخيول التي تطرزها النساء بخيوط من الذهب والفضة ليبيعها سيدى فرج في دكانه بسوق الحشيش. اما خالتي سعدة وبناتها وزوجة ابنها فهن جميعا في بيت اخر يصنعن الثياب الخاصة بالرجال من الصوف الذي يقمن بغزله ونسجه، كما تعمل نساء اخريات في صنع الجوارب من القطن او الجدائل المستعارة من الصوف المصبوغ باللون الاسود، كما ان هناك نساء اخريات يعملن في فن الدانتيل او الكروشيه الذي تصنع منها انصاف اكمام وياقات المريول، ذلك القميص القصير الذي يلبس تحت الزى الشعبى للنساء.

* شخصيات من معالم مدينة بنغازي

تورد السيدة خديجة الجهمي شخصيات شعبية معروفة بمدينة بنغازي في أوائل القرن العشرين محفورة في ذاكرة أهل المدينة الأوائل ومنها كما تتحدث السيدة خديجة شخصية محضية والتي تصفها بالقول: هي امرأة ضخمة الحجم تمشى كالمجنونة في الشارع تكلم نفسها ولا تؤذى احدا. وعبابودة ملامحه تشبه الصوماليين يلبس جلابية مفرطة الطول ينتعل صباطا او شبشبا ويرتدى فوق كل ذلك جاكبيتى. ثم تتحدث بصورة طريفة عن ثريا التي تقول عنها جاءت من البادية، لكنتها غريبة سمراء ذات تقاطيع رقيقة بوجهها استطالة تقترب في عمرها من الخامسة والثلاثين حلوة. وبطة المغنية اليهودية، زوجها خموس له دكان قبالة شارعنا يعمل لحاما وتسهب السيدة خديجة في الحديث عن كل شخصية بعفوية وطيبة وحياد وموضوعية كما رأتهم عين الطفلة وكما احتفظت بهم في الذاكرة عين المرأة الكبيرة.

* نشوب الحرب العالمية الثانية

تقول السيدة خديجة الجهمي في سيرتها الذاتية: عندما نشبت الحرب العالمية الثانية كنت في العشرينات من عمري، ولم أغادر مدينتي سوى مرتين، واحدة إلى القوا رشة والأخرى إلى قمينس. وتتحدث في مقطع اخر من الكتاب عن مغادرة عائلتها من بنغازي إلى منطقة القوارشة عند نشوب الحرب العالمية الثانية: غادرنا إلى القوارشة مع جدي البعباع حيث عملت هناك كممرضة متطوعة لأنني أتقن ضرب الحقن ومداوة الجروح وتضميدها. كان جدي يناديني مداعبا جيجا وهو اسم عجوز أرمينية كانت تحقن بالإبر وهى معروفة في أوساطنا الأسرية. كان هذا العمل تطوعي اى بلا مقابل فكيف نعيش أنا وامى واختى جازية وربيعة؟ لم يكن من المنطقي أن نكون في عنق جدي الذي يعول أربعة اسر غيرنا. عندها أخرجت آلة أو ماكينة الخياطة وبدأت العمل. لم يكن هناك قماش، لكن المظلات التي تسقطها الطائرات في الحرب الدائرة – وهى من نسيج الحرير الطبيعي وتخاط بشكل دائري – أوحت بالحل، فلم يكن من الصعب فتق الخياطة الأصلية وإعدادها قطعا من القماش، كما كنت أصبغها بالألوان وأفصلها إلى سواري رجالة وقفاطين، بذلك صار لدى الكثير من المال الذي لا يحقق اى شيء ففي السابق الألف فرنك يمكن المرء من شراء منزل الا انه في زمن الحرب لا يأتى برغيف خبز.

* سفرها الأول إلى مصر

بعد انتهاء الحرب رجعت السيدة خديجة الجهمي رفقة عائلتها إلى بنغازي ولكن والدها لم يرجع وإنما سافر إلى مصر، ثم توفت أمها بعد ذلك، وعاشت رفقة أختها ربيعة وجازية في بيت عمها محمد على دغيم، وطرأت عليها فكرة السفر لوالدها في مصر برفقة اختها ربيعة، فطلبت من عمها أن يصحبها إليه وكان يعدهم خيرا ولكنه لم يفعل. تقول السيدة خديجة الجهمي في سرد تفاصيل سفرها إلى مصر: قررنا أنا واختى ربيعة أن نسافر دون صحبته بل ودون علمه، خرجنا من البيت صباح يوم الخميس 1-11-1946 دون عدة ولاجواز سفر، بدون مال وبدون تقدير لمخاطر الرحلة التي عزمنا القيام بها من بنغازي عند الساعة العاشرة صباحا. كنت متنكرة في زى عجوز بدوية تضع غطاء على وجهها وتتوكأ على عكاز. وتروى السيدة خديجة الجهمي تفاصيل الرحلة الخطرة التي قضتها طيلة يوم كامل إلى أن وصلت إلى مصر، والتقت بوالدها ومكثت في بيته بعد أن اكتشفت أن والدها قد تزوج من امرأة مصرية، و أنجب منها أربعة أبناء.

في هذا الفصل من الكتاب تسترجع السيدة خديجة الجهمي رحلتها مع التعليم والقراءة حيث تذكر بأنها دخلت إلى المدرسة في سن السابعة اى في سنة 1928 وتقول عن تلك المرحلة: عندما بلغت السابعة من عمري رأى أبى ضرورة الالتحاق مع تلك القلة المدرسة، وبفضله انخرطت مع عشر تلميذات أغلبهن غير ليبيات، البعض أمهاتهن من تونس والبعض الاخر من أصول كريتلية، كنا ثلاث بنات ليبيات الاصل فقط. أختان يعمل والدهما قاضيا في الشق الشرقى من البلاد جاءتا من طرابلس هما بهيجة وسكينة ميلاد العرادى وأنا، رفض الناس دخولى الى المدرسة، ووقفوا موقف الهجوم على والدى، إلا إن أبى لم يكن يشابه أبناء جيله في نظرتهم وتفكيرهم تجاه البنات، عادة يصل عدد التلميذات الى 25 في الغالب، وما ان يصلن الى الصف الثالث حتى ينحسر عدد التلميذات، الى اربع أو خمس تلميذات فقط. مدرستنا عبارة عن بيت فيه عدة حجرات للدراسة، وهى ايطالية المنهج والادارة، تتخللها حصتان في الاسبوع للغة العربية وقواعد النحو والقران الكريم، درستها على يد الشيخ محمود بن مسعود، اما باقى العلوم مما يتعلق بتاريخ الرومان وجغرافيا إيطاليا والرياضيات، فتدرس لنا باللغة الايطالية. تبلغ مدة الدراسة خمس سنوات، تبدأ بأول وثانى تحضيرى ومن ثم اول وثانى وثالث ابتدائى، بعدها يتوقف سلم التعليم في بنغازى للبنات، اما البنين فتتاح لهم ثلاث سنوات اخرى للصنائع. انخرطت في فصول المدرسة الملوكية الابتدائية للبنات المسلمات، ولكنى توقفت عن تعليمى الابتدائى عامين امضيتهما في البيت ولم اعد اذهب للبيت، وصرت اطرز المحارم الخاصة برؤوس النساء، ثم عدت للمدرسة مرة اخرى حيث نلت الشهادة الابتدائية للصف الخامس وعمرى حينذاك 14 سنة.

* رسالتها إلى الزعيم الفاسيشتى موسيلينى

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن رسالة تطالب فيها موسيلينى بالرحيل وجيوشه عن ليبيا، بعثتها إلى مجلة (ليبيا المصورة) في عام 1939 ولكنها لم تنشر، عند ذلك تقول السيدة خديجة الجهمي راوية تفاصيل الحادثة التي أدت للتحقيق مع والدها: أعقبتها برسالة مفتوحة للزعيم الفاسيشتى موسيلينى أوضح فيها استيائي من وجود الاستعمار، وأعلن فيها عن رغبتي في طرده وجيوشه من بلادي. تقول السيدة خديجة هذا المقال عرضني لتعنيف أبى لي بعدما خضع لتحقيقات مرهقة.

* رحلتها الثانية الى مصر

تقول السيدة خديجة الجهمي عن سبب سفرها مرة ثانية إلى مصر بعد عودتها منها: كنت متحفزة دائما لاكمال تحصيلي العلمي، خاصة بعد ما عاد والدي إلى ليبيا فسافرت في 10/8/1952 الى مصر مرة ثانية، برفقة أختي ربيعة مع ابنتها سعاد البالغة من العمر أربع سنوات وأقمنا في بيت أقارب لنا في القاهرة، هناك بدأت أبحث عن عمل بعدما تعرفت على صديقة تدعى إنصاف سرى، وهى زوجة منصور باشا فهمى التي تعد أول امرأة في مصر كلفت بإدارة المدرسة السنية حيث طمأنتني بأنها ستتوسط لي لدى وكيل وزارة التعليم لأعمل كمعلمة وأواصل تعليمي. استقبلنى المعنى واسمه جعفر وسألني عن المؤهل ؟ قلت: خامس ابتدائي ايطالي وبمجاملة المصريين المعروفة أضاف أنا مقتنع بأنك أفضل من أية مدرسة هنا إلا إن الملف يحتاج لـ .. قاطعته بشكرا وخرجت.
تمضى السيدة خديجة الجهمي في سرد مسيرة أيامها في مصر وبحثها عن العمل إلى أن قادتها المصادفة للعمل خياطة في بيت الممثلة ليلى رستم وهى المذيعة المصرية في الإذاعة الانجليزية وخريجة الجامعة الأمريكية التي عرفت بجمالها وثقافتها العالية، وأكملت السيدة خديجة الجهمي دراستها فخاضت امتحان الشهادة الابتدائية ثم الإعدادية.

* نادي الشباب الليبي

كان لدى السيدة خديجة الجهمي نشاط وافر وعدم رغبة في الركون للسكون والرتابة في حياتها، وذلك يتضح من خلال نشاطها الذي وزعته بين الدراسة والعمل، ولم تكتف بذلك بل انضمت لنادي في مصر اسمه (نادي الشباب الطرابلسى)، كما تقول ثم تغير اسمه إلى (نادي الشباب الليبي). تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن هذا النادي بالقول: كان النادي يضم فريقين، فريق يدرس في الجامعات المصرية، والاخر في الجامع الأزهر الشريف، ويخيل لي انه كانت بينهما بعض الحساسية، ففي كل يوم خميس من كل أسبوع أتردد على هذا النادي، فوجئت بأن الجمعية العمومية تعقد اجتماعها لاختيار أعضاء لمجلس الإدارة وبأنهم انتخبونى للرئاسة ضد مصطفي التريكى. اعتذرت ولم يقبل اعتذارى الجامعيون الذين يمثلهم: محمود كامل المقهور، منصور الكيخيا، شوقى كانون، عثمان الكاديكى، أحمد نجم، الدغيس، وغيرهم. أما الازهريون فيمثلهم: محمد التركى التاجورى، مصطفي التريكى، واخرون. بعد التصويت فاز مصطفي التريكى مما أعفانى من هذه المهمة.

* محاضرة لها عن المرأة تثير معركة

الراحلة خديجة الجهمي
الراحلة خديجة الجهمي

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن محاضرة القتها في النادى اثارت معركة بين الطلبة الجامعيين وذوى التوجه الاسلامى المتشدد. تسرد السيدة خديجة الجهمي تفاصيل ما حدث من خلال هذه الفقرة في الكتاب: في زيارة لى للنادى أقترح على من في النادى إلقاء محاضرة، رغم انى لست مستعدة لها، لا ثقافيا ولا علميا، فأعددت كلمة بسيطة قلت في اولها انى اثبت وجود اختكم الليبية بينكم وهى بعنوان المرأة في الاسلام، كتبتها فيما يقارب ثلاث صفحات جمعت بعض معلوماتها من المراجع، وبينما انا في منتصف المحاضرة دخل الشيخ … وقاطعنى بالقول: مع احترامى للآنسة خديجة الجهمي، لعن الله قوما ولوا امرهم امرأة، ونسج على هذا المنوال لمدة ساعتين حتى احتدم الخلاف بين الفريقين إلى حد الاشتباك. كان كامل المقهور من ضمن اثنين أو ثلاثة يحاولون فض الاشتباك وإصلاح الموقف الذي عرفت فيما بعد أن أحدهم أخبره بأن خديجة قالت بأن المرأة يجب أن تكون قاضيا وحاكما الخ .. رغم انى كنت أدعو لأن تعرف وتتعلم المرأة القرأة والكتابة.

* زواج السيدة خديجة الجهمي وطلاقها

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن زواجها بالقول بانه كان نكتة. وتسرد قصة زواجها بالقول: تزوجت من رجل فاضل، سورى الجنسية، مقيم في مصر اسمه محمود خليل السباعى، وهو ارمل له ولد وبنت احببتهم واحبونى. وتتحدث السيدة خديجة عن العوامل التي دفعتها لهذا الزواج منها ان اقامتها في مصر كانت مهددة، فاضطرت لان تتزوج من الرجل صاحب مشغل الخياطة الذي عملت فيه. وتقول في فقرة اخرى: استمرت هذه الزيجة عاما واحدا تقريبا، لم تتحقق فيها أمومتى حينما وضعت بنتين توأمين ماتا فور الولادة. وعندما توفي والدى اردت العودة الى ليبيا، لكن زوجى ابقانى هناك، ثم قررت العودة بدونه لأنه كان يتابع قضايا تتعلق بمحلات يملكها في مصر، فلم أنتظر مرافقته لى وعدت الى ليبيا. وتحصلت بعد ذلك على طلاقها منه.

* مشكلة رجوعها للعمل في التعليم

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن المعاناة التي تعرضت لها بعد عودتها من مصر التي قضت خمس سنوات فيها، ومعها شهادة الثقافة والشهادة الاعدادية، ولكنها تفاجأت بأن المدة التي تغيبت فيها عن عملها بالتعليم ستعيدها لدرجة الصفر فرفضت العودة للتعليم.

* ثانى صوت نسائى في الاذاعة في عام 1956

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن عملها بالاذاعة من خلال العرض الذي قدمه لها الاستاذ محمود للعمل في الاذاعة ولكنها ترددت مخافة رفض عائلتها، كما تقول في هذا المقطع: لم أخبر أحدا بهذا العرض، حتى جاءتنى السيدة حميدة العنيزى تقول لى لماذا التشدد في الرفض اليس افضل من التعليم بثمانية جنيهات؟ فقلت لها: تعلمين بأننى أتحصل بالخياطة على مبالغ اكبر ولكن لن أعمل بالاذاعة. قالت: لكن جدك البعباع موافق. قلت: ولكن عائلة ابى لن يوافقوا.
بذلك التدخل من حميدة العنيزى بدأت العمل في الاذاعة، ولكن عائلة عمى لم تكن راضية عن عملى كمدرسة فكانت مجازفة كبرى دخولى للإذاعة. حينها كان ابن عمى عبد القادر شابا متحمسا فقال مهددا: نخش عليها في نص الليل نقبض روحها. فلم أخف، وفكرت ثم ذهبت الى عائلة عمى رحمهم الله: تعال اقتلنى اما تهددنى لا. فخجل وقال: حشمتينا يقولوا الناس بنت عمك تخدم في الاذاعة. قلت له: تعال وتبعنى واحكم.
وتسرد السيدة خديجة الجهمي دخولها الاول للإذاعة في بنغازى والتي كان المسؤول الاول فيها مستر فليشر السكرتير الاول بالسفارة البريطانية، ثم قيامها بتقديم برنامج (اضواء على المجتمع) الذي استمر لمدة 18 عاما بعد ذلك، واصبحت اول مذيعة تقرأ الاخبار في الاذاعة الليبية، واول من اعد برنامجا يذاع على الهواء للأطفال بعنوان (ركن الاطفال). بعد ذلك توالت البرامج التي قدمتها في الاذاعة:
صور من الماضى يتحدث عن سيرة المجاهدين – سل طبيبك – ندوة الاذاعة – اسهر معانا – ربع ساعة – يا فتاح يا عليم – صباح الخير – فكر معى – ركن المرأة – من حياة الناس – جولة الميكرفون – لقاءات مع الفنانين العرب، بالاضافة لاعداد الكثير من التمثيليات الاذاعية.

* دورة اذاعية في تونس

تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن الدورة الاذاعية التي تم فيها إيفاد ثلاثة عشر رجلا وهى العنصر النسائى الوحيد بينهم في عام 1960 والتي استمرت لمدة 100 يوم حيث سافرت اولا من بنغازى الى طرابلس، ثم من طرابلس الى تونس وتتحدث بروح انسانية جميلة عن لقاءها بمدير الاذاعة الشاذلى القليبى وتدريبها رفقة المذيعين والمذيعات من تونس وعن لقاءها بالرئيس التونسى الحبيب بورقيبة.

* إقامتها في طرابلس

بعد عودتها من تونس إلى بنغازي وجدت ان الأسرة قد قررت تزويج أختها ليلى، وهى لم تتجاوز الخامسة عشر من عمرها، فعارضت ذلك ولكن الاسرة لم تأبه لذلك، فقررت السفر والعيش مع أخيها بالرضاعة منير البعباع رفقة زوجته وأولاده، وتتحدث في هذا الفصل عن بداية عملها بالإذاعة في طرابلس وعن اصطدامها بالرفض من قبل العاملين من الرجال بالإذاعة لها، إلى أن استطاعت بإخوتها واحترامها أن تكسبهم كأخوة، ثم تتحدث عن مشكلة لهجتها البنغازية ومحاولة إزاحتها من البرامج، وتتحدث عن حادثة طريفة لذلك كما تذكرها في سيرتها الذاتية: كلفني المراقب أن أتولى (ركن المرأة) بسبب أن المذيعات الموجودات كن يتعاركن عليه فالخلاف حوله قائم بصورة دائمة سواء في اذاعة بنغازى او طرابلس. ومن ضمن فقرات هذا الركن الذي توليته لمدة عشرين يوم فقط فقرة بعنوان ايش ناكلوا بكرة وصلتنى على اثره رسالة رسمية مضمونها الاتى: لازم تحترمى المجتمع الذي تخاطبينه. المفروض مادمتى تتكلمى باللهجة الدارجة ان تقولى شن ناكلوا غدوة مش كيف ما تقولى.

* نظمها للزجل والشعر الشعبى

نظمت خديجة الجهمي كثير من الزجل الشعرى كما تتحدث في سيرتها الذاتية ولكنها لم تحتفظ بالكثير منه مكتوبا ولكنها اوردت في كتابها قصيدة (نصيحة) عن ضرورة تعليم الفتاة وعدم منعها من القراة والكتابة، باعتبار ان ذلك يعمل على تقدم المجتمع، بالاضافة لكتابتها لكثير من كلمات الاغانى وبذلك هى تعتبر اول امراة ليبية كتبت كلمات اغانى، ومنها اغنية نور القلب والجوبة بعيدة، وغيرها من االاغانى الاجتماعية واغانى الاطفال.

* اصدارها لأول مجلة ليبية عن المرأة

تولت السيدة خديجة الجهمي الاشراف على اصدار مجلة المراة في 5/1/1964 وتعاون معها من المحررين رباب ادهم، عمر الجعفرى، عبد الله القويرى، يوسف الشريف، كامل عراب، محمد عكاشة، محمد غضبان، واخرون ثم التقت بعد ذلك بصديقة عريبى، فوزية بربون. وفي لمحات بارقة قصيرة تتحدث السيدة خديجة الجهمي عن باقى الصحفيات اللواتى التحقن بالصحيفة في بداية صدورها وكن من المؤسسات لها، ومنهن من اصبحت اسم معروف في عالم الكتابة القصصية والروائية تقول عن كل اسم منهن:
مرضية النعاس: كانت موظفة في المطبوعات ولكونها ام لاطفال وتقيم في طرابلس بعيدا عن اهلها واهل زوجها، طلب منى زوجها ان تعمل معى وهى قلم جيد
نادرة العويتى: جاءنى اخوها صبرى الذي يعمل معنا في المطبوعات وقال لى اريدها ان تعمل ولو بدون مقابل.
شريفة القيادى: جيدة وجدية جدا.
نزهات القريتلى: كانت تجيد الايطالية أكثر من الايطاليين أنفسهم.
زهرة الفيتورى: جاءت بعد عام من صدور المجلة كطباعة في البداية، حيث كان والدها يعارض عملها اخذتها معى والحقتها بدورة تصوير فوتوغرافي لتصبح مصورة صحافية بالمجلة.
ثم تسرد السيدة خديجة الجهمي تفاصيل العمل بالمجلة الذي كانت تقوم به، بالموازاة مع عملها في الاذاعة المسموعة، واستمرارها في اعداد وتقديم برنامج اجتماعى معنى بحل المشاكل الاجتماعية للمستمعين من الجنسين، بعنوان (أضواء على المجتمع).

* تفاصيل العمل اليومي بمجلة المرأة

السيدة خديجة الجهمي
السيدة خديجة الجهمي (أرشيفية عن الشبكة)

تقول السيدة خديجة الجهمي في هذه الفقرة من الكتاب عن تفاصيل العمل بالمجلة: يوميا أتابع المجلة بالمرور على المطبعة لأرى المادة التي تمت طباعتها، حيث كان الجمع يدويا لا مرئيا وبعدها أذهب إلى مكتبي في المجلة بمجرد صدور العدد، أذهب للموزع في شارع الوادي، أحمل معي الأعداد في سيارتي لتسويقها وأحيانا اذهب للمطار لأرسل المجلة إلى بنغازي وسبها واتأكد من ذلك. كم تمنيت ان تصبح المجلة مدرسة وان تكون مجلة (المرأة) مثل مجلة الهلال.

* مجلة الامل

انبثقت مجلة الأمل كما تقول السيدة خديجة الجهمي عن مجلة البيت، كما اسماها الصادق النيهوم بعد قيام الثورة الليبية باعتبار أن لا تكون المرأة منفصلة عن الاسرة. وبدأت مجلة الأمل في 22/6/1975 واستلمتها لطفية القبائلى مع زهرة الفيتورى ومحمد الزوواى.
بكل هذا الزخم التاريخي، للحياة الشخصية، والمهنية للسيدة خديجة الجهمي ينتهي الجزء الأول من كتاب السيرة الذاتية لها، الذي صدر منذ أكثر من عامين. ولقد قصدت أن اعرض لهذا الكتاب بهذا الشكل المفصل وحاولت لملمة أهم، المحطات المذكورة في هذا الكتاب الجميل الذي يستحق القراءة، لأنه يتحدث عن امرأة ليبية كافحت وناضلت، من اجل أن تتعلم وتنشر العلم والتعليم ليس من اجل المرأة فقط، كما يعتقد البعض، وإنما كافحت من اجل مجتمع بكامله، حاربت ذهنية الأعراف والتقاليد، التي كبلت كل من الرجل والمرأة، وكانت رؤيتها ومبدأها الذي سارت عليه هو التعويل على التعليم للجنسين باعتباره الطريق الوحيد كي ينهض المجتمع، وينفض عنه غبار الافكار البعيدة عن روح وجمالية الاسلام الذي لا يحارب التعليم والمعرفة، لذا لم يكن من الغريب أن تكون أول محاضرة عامة لها والتي أثارت معركة بين اتجاهين من التفكير، بعنوان (المرأة في الاسلام).

الا نحتاج في هذا الوقت من تاريخ بلادنا لأن نستضيء بمثل هذه الرموز الوطنية، التي مثلتها السيدة خديجة الجهمي التي لم تبحث عن مصلحتها الشخصية، أو اتخذت مناصبها الإعلامية، كوسيلة للربح المادي أو التكسب من خلاله، بل عاشت وسط الناس ووهبت نفسها لمساعدتهم عبر العمل الاذاعى والصحافي طيلة حياتها، فكانت بحق كما أطلق عليها بنت الوطن، لأنها عشقت الوطن فوهبت نفسها له. ومن المثير للأسى أنه لم يتم حتى الآن إنشاء متحف خاص بها كما أشارت واقترحت الباحثة في مقالتها المنشورة بالملحق الثقافي، وخاصة أن السيدة خديجة الجهمي كما تقول الباحثة تركت كثير من المقتنيات والأعمال المكتوبة الخاصة بها والتي لم تنشر في كتب حتى اليوم.





الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...