السبت، 12 أغسطس 2023

العقيد....وأسلوب السرد الحكائى

 

 



إنتصار بوراوى

 

عند قراءة عنوان رواية الروائية كوثر الجهمى "العقيد"  ،  قد يلوح في ذهن القارى بأنها رواية  سردية حول شخصية  العقيد معمر القذافي، الحاكم السابق لليبيا ولكن الرواية تروى سيرة ضابط برتبة عقيد  اسمه"على المرابط" ،  شارك فى انقلاب عام 69 م حسب قصة الرواية  ثم شارك فى  ثمانينيات القرن العشرين فى حرب تشاد  ،ووقع في الأسْر ثم انضَمّ للمعارضة الليبية بالخارج بعد رفض القذافي الاعتراف بالأسرى،  من الجنود والضباط الذين أسرتهم تشاد  فى نهاية الحرب بعد هزيمة الجيش الليبى، وبعد قرابة سبع  سنوات من انضمامه للمعارضة الليبية قرر "على المرابط"  العودة لليبيا بعد اتفاقه ومصالحته  ،مع نظام القذافي ولكن يتم اغتياله فى عام1994م  قبل رجوعه إلى بلاده بأيام، ويعتقد الجميع بأن نظام القذافي هو من قام باغتياله ولكن فصول الرواية تحمل فى مضمونها عملية البحث عن القاتل الحقيقي من خلال شخصية الابن الباحث عن الجهة التي قتلت والده إلى أن يخبره صديق والده " بركة " في النهاية بأن المعارضة هي التي قامت بقتل والده.

وكأن بخاتمة الرواية تبعث برسالة إلى القارئ ،بأن القذافي لم يكن هو فقط من يقتل معارضيه بل أيضا المعارضة بالخارج كانت تستخدم، أسلوب القذافي بالبطش بكل من يقرر الخروج  من إطارها واستخدمت قاتل مأجور لتنفيذ جريمتها، وهذا مالم تثبته الوقائع التاريخية فى تاريخ المعارضة الليبية فى الخارج ضد حكم القذافي ،بكل تشكلاتها الإسلامية واليسارية و لعلمانية التي عانت  طيلة عقود من مطاردة  أذرعه الاستخباراتية ، وقيادات لجانه الثورية التي كانت تقوم بعمليات اغتيالات سياسية كثيرة ضد المعارضين بالخارج على الساحة العربية والأوربية والأمريكية تحديدا خلال عقود ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم .  

 

الأسلوب السردي للرواية بين تبادل الرسائل والحكي  

 

في الفصل الأول من الرواية الذى كان بعنوان " النهاية " أنبنى  أسلوب السرد على ضمير الغائب لرواية واقعة مقتل الضابط المعارض "على المرابط ، ثم في الفصل الثانى يظهر صوت الشخصية الرئيسية  الساردة بالرواية، وهى شخصية  آدم على المرابط ابن الضابط المقتول    الذى يتحدث بضمير المتكلم  ثم تمضى الرواية، في السرد بأسلوب مبنى على الحكي و تبادل الرسائل ، بين شخصيات الرواية  ومع أن الإطار الزمنى التي يتم فيها الحكي عن الأحداث هى مدة طويلة  ممتدة من عام  69 م إلى  عام 94 م ،إلا إنها اختصرت  فى أسلوب السرد الحكائى على ألسنة الشخصيات التى تروى حكاية ،سيرة حياة ومقتل الضابط العقيد وذلك من خلال  الصوت الحكائى السردي لعمر المرابط أخ القتيل ، والصوت الحكائى السردي لشخصية غزالة زوجة " على المرابط" الأولى التي يسافر ، الابن "أدم المرابط"  إليها في  تونس للالتقاء بها فتروى له فصول من حياة والده وحياتها معه إلى يوم ذهابه  للاشتراك فى حرب تشاد وانقطاع الاتصالات به وعدم معرفة مصيره ثم استقبالها خبر استشهاده في الحرب.

ويظهر الصوت الحكائى الثالث عبر صوت صديق عمر والده "بركة" الذى يقوم بتسجيل شهادته عن شخصية والده ويروى له "بركة"  تفاصيل رفقته مع والده فى حرب تشاد ثم محاولة الهرب والآسر وبعدها الانضمام للمعارضة الليبية والسفر إلى أمريكا وزواجه للمرة الثانية ثم مقتله وفى نهاية الرواية يصدم" بركة " الابن   "أدم المرابط"  حين يخبره  بأن والده لم تغتاله أذرع  نظام القذافي بل إن الاغتيال كان  بتدبير من زملاؤه بالمعارضة فى أمريكا بعد قراره الرجوع إلى الوطن.

ولقد كتبت بعض فصول الرواية بأسلوب فن الرسائل، التى يبعثها بطل الرواية ابن الضابط المغتال إلى صديقه الأمريكي سيمون، التي يروى من خلالها سيرة حياة والده الضابط العقيد المعارض ورغبته في البحث، عن الجهة الحقيقية التي قتلت والده وفى هذه الرسائل يعبر بطل الرواية عن أفكاره ومشاعره حول قضية مقتل والده لصديقه واستخدمت الكاتبة أسلوب الرسائل المتبادلة كمتن سردى أيضا بالرواية.

 

توثيق الرسائل بين الواقع والخيال

 

وثقت الكاتبة روايتها بمجموعة صور للرسائل المتبادلة ،بين الضابط على المرابط ووالد زوجته  " مصطفى الكريتلى الذى يكذب عليه حين يخبره، بزواج ابنته بعد اعتقادهم بوفاته فى وادى الدوم خلال حرب تشاد  كى يتخلص من علاقته، بعائلتهم بعد معرفته بانضمامه إلى المعارضة الليبية ولا أعرف ما المغزى من وضع الرسائل المكتوبة بخط اليد والمتبادلة بين "على المرابط"  و"مصطفى الكريتلى " داخل الرواية إلا إذا كان المقصد من ذلك هو توثيق الرواية، وإظهارها كسردية روائية لشخصيات حقيقية ،وتثبيت ذلك من خلال رسائلها المكتوبة بخط يدها  كما لو أن الكاتبة بأدراجها للرسائل الشخصية تريد التأكيد على أن قصة الرواية ليست متخيلة أو من عالم الافتراض بل هي قصة فعليةعن شخصيات حقيقية تعمل من خلال روايتها على سرد سيرة حياتها.

 

الأمكنة وتداخل الأزمنة في الرواية

ينتقل السرد الروائي برواية "العقيد" للروائية كوثر الجهمى بين عدة بلدان ،  منها ليبيا وتونس وأمريكا  وفى فلاش باك الحكاية الاسترجاعية  ينتقل السرد الروائي إلى تشاد حيث تدور رحى الحرب الليبية التشادية في ثمانينيات القرن الماضي .

الرواية يطغى فيها صوت السارد الرئيسي ،الذي يروي للقارئ أحداث الرواية عبر شهادات حكايات الشخصيات ويبدو كالمراسل الصحفي، الذي ينقل ما يجري من أحداث حوله و ينقل كلام الشخصيات في الرواية ويقص على القرّاء، أحاديث شخصيات الرواية عن سيرة حياة والده كما أن الرواية اعتمدت على السرد المتقطع فليس هناك تسلسل زمني طبيعي بل هناك تداخل في الأزمنة واستخدمت تقنيات استرجاع الماضي والانتقال بين الأزمنة في فصولها المختلفة.

 تناولت رواية"العقيد" مرحلة من التاريخ الليبي بأسلوبها الحكائى، ورسمت بعض التفاصيل السردية للحرب الليبية التشادية،التي لم تقترب منها الرواية الليبية إلا في مرات قليلة ومنها رواية "التابوت" للروائي عبد الله الغزال، لذا فالرواية تعتبر تجربة مختلفة للروائية  التي عملت على طرح قضية تعتبر أرض بكر في مدونة السرد الليبي من زاوية فكرها وخيالها الذى قد يقبله القارئ الحصيف والملم بالتاريخ السياسي الليبي، أو يرفضه وينتقده  ولكن  لا أحد يملك أن يحجر على حرية أي كاتب في طرح فرضياته  وخياله  في العوالم الأدبية المختلفة وعلى رأسها  عالم الفن الروائي العظيم  الذى يحتاج إلى عقول فكرية مبدعة وخلاقة  تشد القارئ وتلهمه بمضمونها الفني والفكري.


الأحد، 6 أغسطس 2023

خبز على طاولة الخال ميلاد.. وتفكيك معنى الرجولة

 


إنتصار بوراوي

 

رواية " خبز على طاولة الخال ميلاد" ، هي الرواية الأولى للكاتب والقاص الليبي محمد النعاس التي  فازت  بجائزة البوكر العربية  في عام 2022

الرواية يرتكز عنوانها ويستقى مضمونها، من العبارة المتداولة في ليبيا  "عيلة وخالها ميلاد"  التي يطلقها المجتمع  في الغرب الليبي على العائلة التي  تحضي بناتها بفسحة من الحرية في الخروج والعمل في مجالات لا يحبذها المجتمع  ، مع وجود أب أو أخ  يمنح بنات العائلة  تلك المساحة من الحرية والعبارة فى عمقها تحمل معنى رجعى، ليس  ضد النساء  فقط بل  وأيضا  ضد الرجل الذى يحمل عقل متنور ومتفتح خارج عن سياق تقاليد وعادات وفكر المجتمع الليبى التقليدي .

 ومن وحى تلك العبارة قام الكاتب برسم بطل روايته " ميلاد" الذى ولد في منزل بين أم وأربع بنات يتشارك معهن أفكارهن وأحلامهن، بتفهم وحنان ومودة ويساعدهن في تدبير شئون البيت فتظهر شخصية بطل الرواية "ميلاد " ، بشكل مغاير عن السائد للرجل الليبى  فطغى حبه واحترامه لزوجته " زينب"  على شخصيته ، نتيجة لتربيته بين أخواته البنات مما أكسبه الحنان والحب والعاطفة والتفهم للمرأة، والذى تجسد فى محبته لأخواته ومعاملتهن بلطافة ورقة واحترام كبير  ثم إلى زوجته، التي عاش معها قصة حب قبل الزواج ، فلم يفرط فى علاقته معها ولم يتخلى عنها رغم أنها تجاوزت معه ،التعاليم الدينية والأعراف الاجتماعية بل ارتبط بها وتزوجها ودافع عن خياره الذى رفضته والدته ،ووقف مع زوجته ضد كل الحروب التى شنتها والدته وأخواته عليها ، وعندما طلبت منه زوجته الخروج من بيت الأسرة للاستقلال فى بيت لوحدهم وافقها على ذلك وقام ببناء بيت له بعيد عن أمه وأخواته اللواتى يحاولن التدخل في حياته مع زوجته.

ونتيجة لاختياره الاستقلالية فى اختيار زوجته، وقيامه بالابتعاد عن أسرته للأستقلالية بحياته بعيدا عن تدخلات عائلته فلقد أصبح موضع سخرية من أبن عمه "عبسى" والمجتمع الذكوري حوله فهو فى نظر رفاقه وابن عمه والمجتمع ليس رجل كامل قوى بل شخص ضعيف الشخصية حسب المنظور التقليدي الليبي.

  أسلوب  الرواية السردي حي وطازج  ،ولكن هناك بعض الحشو والتكرار فى بعض الفصول لم يكن هناك داعى له بالإضافة إلى بعض العبارات المبتذلة، بالرواية التي  كان يمكن للروائي أن يعبر عنها بطريقة أقل فجاجة، وربما يدافع البعض عن وجود تلك الألفاظ بأنها ضمن السياق الروائي لطبيعة الشخصية الماجنة بالرواية ،وهى شخصية ابن عم البطل الذى يحاول جر البطل لأن يغوص معه في عالم المجون  ،بدعوته لقضاء ليلة مع إحدى الفتيات العاملات بالدعارة وهذا مفهوم ضمن السياق السردي للرواية ، ولكن هناك مئات الروايات العربية والعالمية التى كتبت عن الشخصيات التي تتردد على بيوت الدعارة، ولكن بأسلوب سردي أدبى ومجازى مما يتسق مع طبيعة الرواية كعمل أدبى قائم على جمالية اللغة .

بطل الرواية "ميلاد" الذى واجه سخرية المجتمع ،وتنمره ورفضه لشخصيته المتفتحة المتفهمة والمساندة لحقوق المرأة يتعرض لصدمة وهزة كبيرة ،حين تتسرب السخرية والهجوم  على شخصيته من المجتمع الى المرأة التي اختارها ،رفيقة لحياته وتخلى عن أمه وأخواته من أجلها وبعد مرور عشر سنوات يتسرب الملل للزوجة ،التي لم تعد ترضيها الحياة معه وتخلت عن مبادئها فى العمل، ورفضها لسلوكيات رئيسها فى العمل وتحولت شخصيتها الى إمرأة باحثة عن المال ولو كان عن طريق إقامة علاقة مع رئيسها ،فى العمل وهنا تكون الصفعة القوية لبطل الرواية "ميلاد" الذى يتفاجأ بالتغيير الكبير فى شخصيتها، وفى البداية لا يصدق ما أخبره به ابن عمه عن رؤية ،زوجته فى سيارة مع مديرها فى العمل ولكنه بعد مراقبتها ومتابعتها يكتشف فعلا بأنها تخونه مع رئيسها فى العمل ،وحين يواجهها بالأمر تصرخ فى وجهه وتصارحه بانها لم تعد تحبه وأصبحت تكره رقته وحنانه، وكل شيء فيه وينهار العالم فى عيون بطل الرواية الذى يتجه، لزميلتها فى العمل التى تتحرش به لإقامة علاقة معها ،انتقاما من خيانة زوجته له  ولكنه لا يجد نفسه فى تلك العلاقة وكتعبير، عن يأسه وصدمته بما فعلته زوجته يقوم بخنقها وقتلها وتنتهى الرواية بهذا المشهد الدامي، الذى يعبر عن النهاية المأساوية لرجل مختلف فى مجتمع يعلى من قيمة الرجل العنيف، الذى يعامل المرأة بذكورية مفرطة وبعنف ويسخر من الرجل الذى يحترم المرأة ويقدرها ويتشارك معها الأفكار والخيارات ،والرؤى ويمنحها مساحة كبيرة من الحرية وليس المجتمع فقط من يرفض هذه الشخصية، ويستهين بها ويسخر منها ، وإنما المرأة نفسها عندما يقدم لها الرجل ،كل تلك المساحة من الحرية والاحترام  ترى ذلك تعبير عن  ضعف  شخصية الرجل، وتستهين به وبرجولته لأن المرأة الليبية تلقت تربية تقوم على التسلط الذكوري الذى تتماهى معه ،وتعجب به وتراه معيار للانجذاب والحب عكس موقفها من  الرجل المنفتح  الذى يحترم ذاتها وكينونتها، ويمنحها مساحة للحرية بناء على قناعاته وثقافته المختلفة وروح الحنان والعاطفة، التي استقاها من محيطه العائلي  فهي كثيرا ما تنقلب عليه وتتبرم منه وتستهين به وتعتبر ذلك معبر عن ضعف شخصيته ،وهذا مانجده في شخصية بطلة الرواية      " زينب" التي انتهت علاقتها بزوجها بحادثة قتلها ،نتيجة الضغط المجتمعي الذى قاده للتحول من شخصية مسالمة إلى قاتل ومجرم نتيجة الضغط المجتمعي، الذى يريده أن يكون على مستوى مقاس تربية الذكر الليبى حيث العنف  وإهانة المرأة وتعنيفها ،هو مقياس للرجولة  المجتمعية التي تنال التبجيل والاحترام فكل تلك الضغوطات  المجتمعية وانقلاب  المرأة التي اختارها  زوجة ورفيقة له بعد قصة حب، وسخريتها من شخصيته حولته في النهاية إلى مجرم وقاتل .

الرواية تفكك ذهنية المجتمع الليبي في معنى ومفهوم، الرجولة بالمقاييس الليبية من خلال طريقة تربية الرجل التي تنحو نحو تجذير العنف في عقله ،وجعل معيار الرجولة يتجسد في القتال والعنف والتسلط   لذلك يتعرض الرجل ، ضغوط نفسية واجتماعية حين يحاول التمرد على تلك الذهنية المجتمعية من والأقارب والرفاق ،وأبناء الجيران ويدفع ثمن باهظ  لتمرده على الصورة التي يرسمها المجتمع  والتي قد تدفعه ،إلى أن يتحول إلى شخص عنيف أوقاتل وكأن بمشهد قتل بطل الرواية "ميلاد" لزوجته  في نهاية الرواية كناية عن رغبة مكبوتة في داخله لقتل المجتمع الذ ى سخر من شخصيته واستهان به  .

  بطلا الرواية " ميلاد" وزوجته" زينب" يجسدان الصراع بين السعي للحداثة والنكوص والإرتداد للخلف بفعل الذهنية المجتمعية، التي ضغطت عليهما فقادت بطلة الرواية " زينب" للجنوح وخيانة زوجها وقادت “ميلاد" لارتكاب جريمة القتل، فصراع الماضي مع الحاضر متجذر بالرواية ما بين المفاهيم التقليدية الراسخة، حول الرجولة بمعنى العنف والتسلط والصورة المجتمعية المضخمة للشخص المقاتل في الحروب، وبين محاولات التحرر من تلك المفاهيم التي تبوء فى النهاية بالفشل الذريع. 

 

 

 

 

رواية أثر الغائبين .... سردية محاربة لمرض السرطان

 

 إنتصار بوراوى


 

تسرد الصحافية والروائية نهلة العربي ، فى روايتها “أثر الغائبين" ، الصادرة عن دار السراج للنشر والتوزيع سيرة الألم وتفاصيل المرض الذى يخاف الكثيرين من مجرد ذكر اسمه ،“السرطان"  المرض الوحش الذى يحل فجأة بجسد  الإنسان فيزرع فيه ألم فوق تحمل الطاقة البشرية، وبالقوة والعزيمة يحارب مريضه حلوله في جسده ،وهذا ما فعلته الروائية نهلة العربي التي روت في روايتها الثانية ، قصة معايشتها للمرض الذى داهمها بغتة ،وهز كيان أسرتها الصغيرة المتكونة من زوجها وابنها آدم" الذى توجه حديثها له طيلة الرواية بضمير المتكلم فتذكره بالاسم وتصرح من خلال روايتها بأن الرواية موجهة إليه كي يقرأها ،عندما يكبر ويدرك تفاصيل معايشتها للمرض وتأثيره على علاقتها به وبوالده بكل شفافية ودون مواربة وبشجاعة سردية.

استوقفني عنوان الرواية الذي يعطى للغياب ملمح كبير ولكن لا غياب لمن يمتلك القوة والشجاعة لرواية تفاصيل الوجع والألم فالرواية هي أثر باقي ضد شراسة المرض وحضور وديمومة خالدة لا يفنيها مرض ولاغياب.

تذكر الروائية في بداية روايتها عن عزمها، رواية سيرتها الذاتية مع المرض  والسيرة الذاتية كما يذكر الناقد جيرارد جينيت تحمل ثلاث سمات «مصير ذاتية حقيقية، وصيغية ،سرد استعادي على لسان المتكلم) وهذا ما نجده في رواية الروائية نهلة العربي التي تكتب روايتها بضمير المتكلم  وتستعيد عبر ضمير المتكلم  تفاصيل حياتها ،مع المرض  خلال المدة الزمنية التي كافحت فيها المرض ومن خلالها تسرد نهلة العربي بداية تكون المرض بجسدها مخاطبة ابنها الصغير في بداية الفصل الأول من روايتها قائلة   " لا أعلم بالتحديد متى بدأ الأمر ومن غير المهم أن تعلم أنت أيضا المهم أن تعلم أنه بدأ فجأة بدون أى مقدمات، مثل انطلاقك من الميناء فى قارب صغير فى يوم مشمس جميل، وبعد التوغل لمسافة ليست بقريبة تغضب الطبيعة منك ويتحول يومك المشمس إلى يوم عاصف ممطر يحمل أمواجا غاضبة تصفع قاربك الصغير دون رحمة" 

تصور الروائية حلول الورم السرطاني ،كعاصفة قلبت حياتها رأسا على عقب فبعد أن كانت تعيش حياة بسيطة هانئة ، وتقضى يومها فى عملها الصحفي وتعود لبيتها لقضاء شئونها البيتية ومشاركة زوجها وطفلها ، فى تفاصيل حياتهما اليومي ،قلب المرض مسار حياتها وجعلها عاجزة عن الحركة لفترة وجالسة على الكرسي المتحرك  ،واحتاجت لمساندة من أختها وزوجة أخيها وعون زوجها وقيامها بعمليات لإزالة الورم من رأسها ،ودخولها لمرحلة العلاج الكيماوي ولكنها بعد فترة تعبها من العلاج الكيماوي قررت التوقف نهائيا عن العلاج مع استعدادها لتحمل تبعات قرارها.

وتسرد الروائية تأثير العلاج الذي امتد لشهور على نفسيتها، وكان سبب فى دخولها بنوبات اكتئاب أثرت على علاقتها بزوجها وابنها، مما اضطرها للذهاب إلى بيت أهلها ثم ذهابها لدكتورة نفسية للعلاج النفسي ولكن الدواء النفسي كان له تأثير سيء على جسدها مما جعلها تقرر التخلي عن فكرة العلاج النفسي من الاكتئاب وتصف الكاتبة حالتها مع الاكتئاب قائلة

"كان القدر متجهم الوجه فى نظري، وظلت بداخلي رغبة في أن أرى يوما ابتسامته، الاكتئاب كان كظلى وبرغم اختفاء الظل فى العتمة، حتى في ظلام أفكاري، كان يتربص بي ويدفعني لنوبات بكاء شديدة أفقد فيها القدرة على التوقف"

ولكنها بشجاعة تقرر العودة إلى بيت زوجها وطفلها، لاستعادة العلاقة مع طفلها وزوجها التى أصابها التوتر نتيجة المرض والغياب عنهما، ولكنها تستغرب من معاملته الغير مفهومة معها نتيجة توتره من تقلباتها النفسية التي الحقها بها المرض.

تصف الكاتبة علاقتها بزوجها وابنها بعد عودتها لبيتها، وعملها الدؤوب على التوازن النفسي كي يستمر الحب الذي جمعها بزوجها، وبعد جلسات مصارحة شجاعة وقوية، تستعيد علاقتها الجميلة به ويحلق ابنها كما تصفه كنورس، فى بيتهم الذي استعاد الحب والحنان نتيجة صبرها ومقاومتها للمرض وعدم استسلامها لقوته الضارية بجسدها وروحها ونفسيتها وبمشاركة قصتها مع المصابات بالمرض وتكوين مجموعة دعم نفسي لبعضهن عبر قناة اليوتيوب التي أنشأتها لتفاصيل أصابتها بالمرض استطاعت تخطى الأثار النفسية المدمرة للمرض

رواية نهلة العربى"أثر العابرين" هي رواية مكتوبة بعمق القلب والروح عن قصة حقيقية لكاتبتها وكان أسلوب السرد فيها بضمير المتكلم طيلة الرواية، وهو صوت البطلة التي التقطت كل التفاصيل والأحداث والشخوص وروت قصتها، بكل شفافية وبشجاعة في رسالة روائية مستقبلية لطفلها الذي تحلم بأن يقرأ روايتها ذات يوم، وهي سيرة روائية ملهمة أيضا لمحاربات السرطان اللواتي قد يجدن بالرواية الكثير من التفاصيل ،المتشابهة  مع تجربتهن فسيتمدن منها القوة  والصلابة وربما هي المرة الأولى في تاريخ الرواية الليبية التي تكتب فيها كاتبة روائية ليبية رواية عن تجربتها مع مرض السرطان ،بشجاعة وقوة وبدون مواربة في مواجهة مع المرض وجها لوجه عبر الكتابة  ،التي تحمل فى وجه من وجوهها المتعددة نوع من الدواء والعزاء لكاتبها ضد محن ونوائب الحياة والأقدار، وعلامة قوة في طريق الانتصار على المرض و آلام الحياة  والأوجاع.

 

الأربعاء، 19 يوليو 2023

مذاق الريشة..رواية عن الأحلام والحرب في بنغازي

 




إنتصار بوراوى

الروائي الليبى محمد الأصفر فى روايته "مذاق الريشة"، يكتب بمداد القلب عن مدينة بنغازي الليبية كما تعودنا في أغلب رواياته، التي تكتب الروح البنغازية فى عمقها الأصيل عبر أزقتها وشوارعها ومناطقها، وشخصياتها البنغازية الصميمة التي يبدع الكاتب فى التقاطها من الأزقة والشوارع ويرسمها برواياته ،بكل واقعيتها السيئة والجميلة دون فذلكة وبأسلوبه الذى يحمل بصمة خاصة به فى كتابة الرواية الليبية، يفتح أبواب روايته الجديدة على سرد تفاصيل الحرب في بنغازي ،وبأسلوبه السردي السلس يمضى فى روايته الجديدة ليروي حكاية بنغازي مع الحرب عبر مسار تفاصيل أسرة بنغازية ،كانت تعيش أيامها فى دعة وسلام وسكون والتحام عائلي في إحدى شوارع خريبيش، المطلة على منارة وبحر الشابي ببنغازي من خلال شخصيات الأخوة الذكور الثلاثة، وأختهم وأمهم المرأة الأرملة التى عاشت حياتها من أجل تربيتهم بكدها وعملها فى مستشفى المدينة للولادة ، وتتشارك مصائر العائلة فى الرواية مع جارتهم الأرملة وابنتها فاطمة ، ومع شخصيات أخرى رسمها الروائي ليعبر بها عن روح المحبة التى كانت تتميز بها بنغازي، في احتضان الغرباء من كل الجنسيات التي تطأ أرضها وتلتحف سماؤها وتعيش من خيراتها ،عبر شخصيات السوداني والمغربي والباكستاني الذين وجدوا في مدينة بنغازي المأوى والأمان والسكن .

يرسم الروائي خيوط الرواية وينسجها، بين كل هذه الشخصيات عبر أبواب الرواية الزاخمة بأصوات الرواة ، فكل راوى يعبر عن شخصيته وتفكيره عبر سرد حكايته من خلال شخصيات أنور ونوري ونورية وبنت الجيران فاطمة اللذين أجبرتهم الحرب، على النزوح إلى مكان أخر في ضواحي مدينة بنغازي ولكنها لم تبعدهم ،عن روح وسط المدينة وتفاصيل عشقهم لها و"الإضبارة" المتكونة من مجموعة أوراق مجمعة ،من الكتب المتطايرة والتى جمعها نورى فى قرطاس هى متن الرواية وكلمة سرها ، فهي تعبر عن عشق الكلمات والأحرف التى تنسج الرواية فصولها من خلال الكتب والمكتبات الخاصة التى أقامها كل من نورى وأنور لبيع الكتب فى منزلهم بس بمنطقة خريبيش بوسط البلاد ثم منطقة البركة بعد النزوح

فى الرواية نقرأ مسار الحرب فى  مدينة بنغازى بكل جنونها وعنفها ترسم تفاصيلها ،عبر سرد شخصية المغترب السوداني الذى تشاء الصدف أن يكون الشاهد عليها من داخل جحيمها  فيرى الجثث وهى تتطاير والبيوت وهى تنهدم تحت قصف الصواريخ، والمقابر التي تفتح أفواهها لابتلاع قتلى الطرفين ، فمن خلال صوت شخصية الرجل السوداني السارد لمجرى الحرب، خلال ثلاث سنوات من القتال بين الجيش والدواعش المتمترسين فى أزقة المدينة القديمة تنفتح الرواية ،على القبح والبشاعة الإنسانية فى أعلى تجلياتها لتكون الرواية شاهدا على السنوات الصعبة التي عاشتها المدينة التي يبدع الروائي في رسم تفاصيلها بكل ألمها وحزنها وخرابها ،الذى يثقل كاهل أهل المدينة المتعايشين يوميا مع أصوات القصف والقذائف التي تتساقط البعض منها على طرقاتهم وبيوتهم، وتتلون الرواية بقصص الحب الرقيقة التي يمزجها الروائي بين نورية والسودانى وقصة حب نورى لأبنة الجيران فاطمة ولم يعد ثمة حل أمام نورى المتمرد على القمع والظلم، دائماً إلا بالرحيل مع زوجته وأخته وزوجها إلى إحدى الدول الأوروبية وطلب اللجوء إلى ألمانيا التي  ربما تتسع لصهيل حريته وتمرده بعيدا وهكذا تنتهي الرواية بسؤال مفتوح  على كل الاحتمالات .

رواية "مذاق الريشة" هى رواية الحرب والحب، والحرية فى مدينة الثورة والأحلام الكبيرة المدينة التى كتبت سطور أحلامها بدماء شبابها ودموع الثكالى والأرامل والتي أبدع الأصفر فى تخليد تفاصيلها عبر سرده الممتع الشيق السلس لتكون بذلك أول رواية ليبية تكتب عن الحرب التي دارت رحاها في مدينة بنغازي وتخلد تفاصيل شموخ وقوة المدينة وأهلها في مواجهة الحرب وويلاتها عبر سردية روائية تعتنى بالتفاصيل الصغيرة والكبيرة.

الأحد، 18 يونيو 2023

رسائل مس توللى وثيقة اجتماعية وتاريخية

 


إنتصار بوراوى

كتاب "عشر سنوات في بلاط طرابلس " هو في مجمله عبارة عن رسائل كتبتها مس توللى شقيقة المستر ريتشارد توللي، القنصل البريطاني في ليبيا، طيلة عشرة سنوات أقامتها في طرابلس من سنة 1783 الى سنة1793، وفي عام 1816  نُشِرَت  الرسائل في كتاب تحت عنوان "قصة عشر سنوات من الإقامة في طرابلس أفريقيا" وبين يدينا  للقراءة والعرض نسخة الكتاب الصادرة عن  دار الفرجانى التي قام بترجمتها المترجم عمر الديراوي أبو حجلة.

 الكتاب وثيقة تاريخية عن مرحلة مهمة من مراحل حكم الاسرة القرملنلية فى ليبيا  و بالإضافة لذلك ،هو وثيقة اجتماعية عن طريقة حياة الباشوات وأهل الحكم بالقلعة  بأسلوب أدبى وسرد قصصي جميل، فالكاتبة لا تغفل أي تفصيل من تفاصيل الحياة الاجتماعية بالقلعة بدون أن تذكرها ،ولديها قدرة سردية بارعة فى التقاط تفاصيل الملابس التي يرتديها الباشوات والاميرات وعموم الناس، داخل مدينة طرابلس بالإضافة إلى تفاصيل  الأثاث والفرش والارائك والأواني المنزلية المطهمة بالذهب والفضة بالقلعة.

حس السرد الروائي عالي فى كتابة الرسائل، التي تظهر على هيئة مخاطبة الكاتبة لصديقتها التي تحدثها فى رسائلها طيلة عشرة سنوات عن أحداث القلعة الكبيرة والصغيرة وما تحويه داخلها من غرف واجنحة واثاث وجياد وكل ما يخص الباشوات والأميرات وقصص الحب والغدر والخديعة وحتى القتل بين الأخوة الأشقاء  

وصف برقة

في مراسلاتها تصف مس توللى إقليم برقة جغرافيا فتقول:

تقترب الصحراء من طرابلس وتمتد اليها ولازالت تحمل اسم برقة وهو الاسم الذى اطلقه الرومان علي سكان برقة لبسالتهم وضراوتهم فى القتال فى تلك الفترة التاريخية وصحراء برقة خالية من السكان الحضر وإنما يقطنها البدو الرحل من الإعراب

البدو الرحل

تتحدث الكاتبة عن البدو الرحل المحيطين بمدينة طرابلس وتصف حياتهم وتجارتهم في طرابلس بالقول: يقترب البدو فى فصل الربيع ،من طرابلس قادمين عن طريق السهل المجاور للمدينة  حيث  يزرعون الذرة، وينتظرون حتى وقت حصادها ثم يختفون ويعودون السنة القادمة وخلال اقامتهم فى السهل تنهمك النساء فى الحياكة والنسيج وبيع أعمال أيديهن إلى الطرابلسيين ،يقيمون خيامهم تحت أسوار المدينة لكن لا يستطيعون الدخول من باب المدينة دون استئذان رخصة وعند ارتكاب البدو أى عمل يخل بالنظام ويسئ إلى السلوك فأن رئيسهم يستدعى للاستجواب أمام الباشا.

وباء الطاعون الذي اجتاح طرابلس في عام 1885

تصف الكاتبة مرض الطاعون الذي اجتاح مدينة طرابلس فى شهر مايو 1885

قضى الطاعون الآن على سكان هذه البلاد، وأخلاها فكان أقسى عليها من وباء الطاعون الذى اصاب القسنطينة منذ قرون خلت، وظهر في نتيجة البرهان الإحصائي أنه أهلك ضعف النسبة لعدد أولئك الذين، ماتوا من نفس الوباء أخيرا في تونس حيث كانت تحمل جثة خمسمائة شخص، كل يوم منها وتجاوز اليوم عدد الموتى المائتين بطرابلس ثم تذكر إحصائية عدد سكان مدينة طرابلس التي كانت يبلغ عدد سكانها14'000

وتتحدث المؤلفة عن علاقة أهل البلاد، أو من تطلق عليهم البربر بالنصارى وهو لفظ تطلقه على الجالية الأوربية بالمدينة، فتصفها بكثير من الأعجاب بخصالهم ومرؤتهم في التعامل مع مرضى الطاعون من النصارى، حيث يقوم أفراد من البربر بتسليم المؤن إلى النصارى الذين طلبوها ،ويقوم البربر بأعمال الرحمة والإحسان فى الوقت الحاضر التي إذا رافقتها مثل تلك الظروف المرعبة فمن النادر جدا أن يقوم بها أحد في معظم أجزاء العالم النصراني ص184

وتسهب الكاتبة في رسائلها بالحديث ،عن مرض الطاعون وتصف هوله ورعبه الذي جثم على المدينة وكانت ضحاياه عائلات بكاملها، فنيت ولم يبق فرد منها يرث أموالها فتم استئثار الباشا به و توزيع ما تبقى منه على الأوقاف

وتذكر مس توللى فى مراسلاتها، بأن مرض الطاعون أودى بحياة أربعة آلاف شخص خلال شهرين  وتصف مس توللى مشهد موت الرجال والنساء وطقوس العزاء لأهل بيت المتوفى حال وفاته والتى تبدا بالعويل والنحيب ،مع ترديد العويل والصراخ بين الاقرباء وأهل البيت من مسافة بعيدة، يدعو كل امرأة من الاقرباء والأصدقاء فيجتمعن فى منزل الاسرة يصرخن ويندبن وتصف مس تولى بذهول مشهد الأم الثكلى أو الزوجة الارملة وهى بين الحياة والموت ألما وأسى على فقيدها مضطرة وفقا لتقاليد بلدها ان تستقبل القادمات، من المعزيات اللواتي لايقل عددهن عن مائة جئن يشاطرنها حزنها فيندبن وتأخذ ،كل واحدة منهن الأرملة البائسة او الأم الثكلى إلى ذراعيها وتضع رأسها على كتفها فتصرخ حتى تخور قواها وترتجف قدماها وتسقط فاقدة الشعور بين يديها على الارض195

وتذكر المؤلفة بأن الأسرة تقوم بتأجير نادبات وقوالات اللواتي يقمن بضجة مفزعة حول النعش الموضوع فى وسط الحوش

تمرد بنغازي على أوامر الباشا

تذكر مس توللى بأن هناك سفينة قادمة، من قسطنطينية إلى بنغازي رفض الباشا استقبالها خوفا من الطاعون ولكن أهالي بنغازي، كانوا فى هياج عنيف وأصروا على تفريغ شحنة السفينة من البضائع ولم يخضعوا للأوامر، الصادرة إليهم فانسحب بك بنغازي إلى قلعته وأغلق أبوابها ليفر من عدوى الإصابة، بوباء الطاعون وترك أهل بنغازى وشأنهم لأنه لم تكن لديه قوات عسكرية، كافية تدعم سلطته وعندما وصلت نفس السفين إلى ميناء طرابلس أصر الباشا على وجوب مغادرتها ص152

وهذه الحادثة التي ذكرتها مس توللى، عن رفض تنفيذ أوامر الباشا من أهل بنغازى تعطى ملمح عن حس الاستقلالية والرفض لدى أهل بنغازي منذ قرون

مقتل البك حسن على يد أخيه يوسف

تروى مس توللى تفاصيل مقتل البك حسن والى طرابلس على يد أخيه الأمير يوسف الذى كان يعد العدة لذلك منذ زمن ،وبيت النية على قتل أخيه كى يستولى على حكم طرابلس ونجح في تنفيذ خطته في يوم 2 أغسطس 1790م

 كان الامير يوسف يرى فى نفسه الأحقية فى حكم طرابلس والبلاد ويرى بأن وجود أخيه البيك  حسن ، عثرة فى طريقه فدبر مكيدة واوهم والدته بأنه قادم للمصالحة مع أخيه وطلب من والدته استدعاء أخيه البيك كى يتصالح معه وعندما حظر أخيه وجلس معه أدعى مصالحته ثم نهض من مقعده ودعا خدمه لتقديم القرآن الكريم وبداخله المسدس وأطلق النار على أخيه الجالس بجانب والدته وأرداه قتيلا ثم فر من القصر وقتل في طريق هروبه الكيخيا ،واستمر الأمير يوسف هاربا من القلعة إلى أن التقاه أخيه البيك أحمد وتصالحا واعترف بأخيه كبيك على طرابلس خلفا لأخيه الأكبر المقتول البيك حسن

حملة الباشا لإخضاع مدينة مصراتة

في تشرين الثاني من عام 1790 قام البك والأمير يوسف بتجريد حملة على مصراتة وأنظم اليه مجموعة من القبائل بعد ان منحوا، شيوخ عشائرهم مبلغ من المال نظير مشاركتهم لهم في الحملة العسكرية ضد مصراتة، لأنها رفضت الاعتراف بقيادة البك أحمد لولاية طرابلس  بعد مقتل أخيه البك حسن ،إلا إذا جاء هو نفسه إلى مصراتة أو أي شخص اخر يختاره عدا عن الباشا يوسف بسبب الفظائع التي ارتكبها رجاله بمصراتة حين زاروها  في مرة سابقة .

ونتيجة لذلك خرج البك على رأس قوة كبيرة ، لتأديب أهلها بمساندة البدو وتذكر المؤلفة فى رسالتها بأن "سيف النصر" شيخ كبرى القبائل البدوية كاتب الباشا بأنه لن يسمح بالإساءة إلى أهل مصراتة ،وأنه سينحاز إلى جانبهم إذا ما توجهت قوة كبيرة ضدهم وهاجم المصراتيين ، الأميرين البك أحمد والى طرابلس وأخيه الباشا يوسف بأعداد ضخمة بالقرب من مصراتة، وقاتل الأميرين ومعهم الشيخ عليف المصراتيين وجموع سيف النصر وقتل ولده  وبعث برأسه ليعلق فوق أسوار قلعة طرابلس وانتصر البيك أحمد واخيه يوسف على المصراتيين والحقا بمدينة مصراتة أضرار كثيرة .

عودة الخلاف على الحكم بين الشقيقين

تذكر مس توللى فى إحدى رسائلها، بأن الخلاف نشب مجددا بين البك أحمد وإلى طرابلس وأخيه الباشا يوسف ،وذلك حين عرض الباشا يوسف على أخيه البك أحمد ان يساعده فى عزل والدهما ،من حكم البلاد ويستولى البك أحمد والى طرابلس على العرش فيما يتولى هو حكم طرابلس ولكن البك أحمد رفض المؤامرة التى طرحها أخوه عليه فخاصمه أخيه يوسف وغادر إلى أحد قصوره بمنطقة المنشية وأصبح يطوف بين شيوخ القبائل طارحا عليهم مساعدته، فى اغتصاب العرش من والده واعدا لهم بالمنح والعطايا إذا وقفوا بجانبه ثم ذهب للجبل ليجيش آيضا رجال ضد والده.

زحف الأمير يوسف على طرابلس

فى شهر يونيو من عام 1791زحف الأمير يوسف، على طرابلس فى ثلاثمائة رجل وأصدر الباشا اوامره بالتصدي للأمير يوسف ،وقواته وأرسل إلى حكام المنشية يطلب إليهم القدوم برجالهم للدفاع عن المدينة ولكن الباشا يوسف هددهم بأنه سيقتل عائلاتهم ويحرق بساتينهم إذا تحركوا من مكانهم

وراسل الباشا  المصراتيين فحضر بعضهم لنصرة البك و،ونادى شيوخ البلد أهل طرابلس للدفاع عن مدينتهم وأغلقت القنصليات، أبوابها وحمل الناس أسلحتهم فى الأسواق والشوارع للدفاع عن أنفسهم، وأرسل الباشا قوات إلى قرى المنشية كى تصد قوات الباشا يوسف التى تقدمت بعد ذلك، وهاجمت المدينة واطلقت مدافعها عليها فتم الرد عليها بأطلاق، ما يربو عن ثلاثة الاف طلقة وتصف مس توللى المدافع بقولها بأنها لم تكن على عجلات بل كان يجرها العبيد ولم يطل حصار المدينة من الأمير يوسف فلقد انسحب مع رجاله ،فى أخر اليوم واتجهوا الى المنشية وجاب يوسف مناطق البدو ينشد عونهم فصدوه ،وأسىء استقباله فى قبائل "بنى وليد" و "اهل ترهونة" و"مسلاتة

ونتيجة  الفشل فى اقتحام طرابلس، مضى الأمير يوسف الى الجبال ثم بعث رسل إلى  والده الباشا عارضا عليه الوصول إلى اتفاق وفشلت المفاوضات بينهما وبعد فترة استطاع  الأمير يوسف اقناع عرب ترهونة بالانضمام إليه وقبيلتهم من أكبر القبائل حيث أعدت  ثلاثة الاف بندقية مع 500 فارس، وتضيف مس توللى فى رسالتها بان أهل مسلاتة أيضا اعلنوا نصرة  الأمير يوسف الذى اعاد الهجوم على مدينة طرابلس حيث  استولى على مساحات كبيرة من ضواحي طرابلس علاوة على سطرته التامة عل  منطقة المنشية مما دفع الباشا لأن يبعث بقوة كبيرة من عساكره إلى المنشية واستطاعوا طرد الامير يوسف منها 

محاولة الباشا طلب المعونة من بنغازى 

وتذكر مس توللى فى رسائلها بأن الامير يوسف، لم يرضخ لمحاولات والده اثناؤه عن محاصرة المدينة و مهاجمتها ،وفاوضه أكثر من مرة للصلح والعودة للسرايا ولكنه رفض وضل يحاصر المدينة، مما اضطر والده الباشا بعد رفض البدو من المناطق المجاورة للدفاع عن طرابلس، أن يرسل قوارب تأتى بالرجال من بنغازى لكن الخبر وصل للأمير يوسف ،فبعث رجالا إلى تاجوراء وطردوا القوارب واطلقوا النار على رجالها .

   بعد فترة استطاع بك بنغازي، وهو زوج ابنة الباشا والى البلاد إلى طرابلس ومعه ثروة ضخمة من الأموال والقمح والشعير وكان ما جلبه يكفى لإطعام من هم تحت السلاح من البدو والمحاربين الموجودين داخل القلعة

وتذكر مس توللى في رسائلها بأن محاصرة الأمير يوسف للمدينة استمرت قرابة عامين وكانت الحرب تهدأ أحيانا، ثم تقوم مرة أخرى وظلت قذائفه تمطر المدينة من حين إلى أخر مع صد قوى من قوات الباشا ،وتكتب  مس دوللى  فى رسائلها بأن  يوسف نجح بعد مدة فى تقريب مدافعه إلى مدى يجعل قذائفها تصيب كلا من القلعة والميناء 

دخول على بن زول إلى طرابلس

تذكر مس توللى بأنه فى يوم 29يوليو من عام 1793 وهم يتجهزون للخروج من طرابلس هربا من الحصار والحرب التي يقودها الأمير يوسف باشا عليها  رأوا أسطول من المراكب التركية ترسو في الميناء، وسرعان ماوصل الخبر بأن رجلا تركيا اسمه على بن زول كان على ظهر ، أحد تلك المراكب ومعه فرمان من السلطان العثماني يأمر بعزل الباشا وتوليته مكانه على العرش ودخل الاتراك للمدينة وتم ترحيل عائلة القرمانلى واستبدلت ،جميع الرايات العربية بأخرى تركية ورفع الهلال القرمزي ذو الهلال وسطه في كل مكان بالمدينة ،وفيما رحل الباشا وابنه البك أحمد وعائلاتهم إلى تونس استمر الامير يوسف، في محاصرة المديمة حتى بعد دخول الباشا التركى  وعلى الرغم من القذائف الكثيرة التي يقذفها الاتراك من داخل أسوار القلعة إلا أن المحاصرين  نجحوا فى التضييق على الاتراك وقطع الأغذية والمؤن عنهم وبلغ حيش يوسف عشرة الاف شخص اغلبهم  من قبائل المدن المحيطة بطرابلس

وتذكر مس توللى في أخر رسائلها بالكتاب، بأن أحد شيوخ القبائل أخبرها قبل ان تخرج من طرابلس بأن الباشا والبك والأمير يوسف موجودون فى أحد البساتين المحيطة بطرابلس ولقد تخالفوا مع البدو والمغاربة، واتفقوا على أن يجردوا التركي من كل خبرات المنشية ولكنهم تراجعوا إلى تونس، لاقناع التونسيين بالوقوف معهم فى قضيتهم وخاصة ان الفظالع التي ارتكبها ،على بن زول قد بلغت السلطان وعلم بأنه نصب نفسه باشا دون فرمان رسمي منه، فبعث  لحكام الايالات الإفريقية يأمرهم بالحرب ضد الباشا المزيف الذى اغتصب طرابلس بالتدليس واستعدت تونس لأرسال 10  الاف رجل مسلح بقيادة البك احمد والأمير يوسف لطرد على بن زول من طرابلس وفعلا عاد البك احمد والامير يوسف ،من تونس بقوات كبيرة الى طرابلس وطردوا  الغاصب التركى منها ،ولكن ما ان تم طرد الغاصب على بن زول  وخضعت البلاد للعائلة القرناملية مجددا ،حتى نفذ الأمير يوسف مشروعا بإقصاء أخيه البك أحمد من ولاية طرابلس وعن حقه فى العرش ،حيث قام بأغلاق البوابات في وجه  أخيه  البك احمد والى طرابلس ،وطلب منه   أن يتوجه إلى درنة حيث يمكنه أن يكون بيك على تلك المدينة، اما إذا رفض فسيقتله أمام اسوار المدينة وتوجه بيك ووالى طرابلس وولى العهد إلى مدينة درنة، وترك أخيه ليتولى حكم طرابلس والعرش وبذلك نال الأمير يوسف بالخديعة مالم يناله بالحرب وتولى عرش إيالة طرابلس كما تذكر المؤلفة مس توللى فى  نهاية كتابها ورسائلها الرائعة التي سردت فيها بالتفصيل تاريخ  حقبة عقد كامل من الحياة  الاجتماعية والسياسية في طرابلس  خلال عقد كامل من أواخر القرن الثامن عشر .

 

 

عشر سنوات في بلاط طرابلس المؤلفة ريتشاردو توللى _ ترجمة عمر الديراوى أبوحجلة _ الناشر دار الفرجانى

 

السبت، 17 يونيو 2023

آزاتسى سردية حقبة الرعب






إنتصار بوراوى

 بنفس سردي جميل ترحل بنا الرواية الأولى للشاعر "مجاهد البوسيفى" آزاتسى"  إلى زمن عايش الليبيين تفاصيله بكل أسوار رعبه وخفاياه ولكن لم يتم سرد تفاصيله في مدونة السرد الليبى إلا في بعض الروايات القليلة جدا.

"أزاتسى ".. رواية تفتح كهف الذاكرة الليبية الهاربة للنسيان لتعيد تشكيل ماحدث وماكان  عبر فسيفاء روائية    تنتقل بين محطات زمنيه  ممتدة طيلة عشرين عام ، منذ ماعرف في ليبيا بأصبح الصبح عام 1987 إلى العيد الثلاثين للانقلاب  وهو اليوم الذى  نجح فيه بطل الرواية  بالخروج من ليبيا  للبحث عن خلاصه الفردي  بعد انسداد كل أمل في التغيير  داخل الوطن.   

تنبش الرواية الذاكرة الليبية التي عاشت سنوات الرعب، والخوف من خلال الشخصية المحورية للرواية التي تنتقل في سرد الأحداث ،عبر الانتقال بين زمنين زمن بلاد الرعب والخوف وزمن البحث والسعى نحو الخلاص من ربقة الديكتاتورية والرعب والخوف الى  وطن الحرية والانطلاق  عبر محطة مركز واء اللاجئين "آزاتسى"  من خلال اللعب بفنية سردية جميلة بين الزمنين جعلت الرواية ،تنبض بالحياة  والتجدد في فصولها  وكذلك بالثراء  في  ثنايا احداثها من خلال  الشخصيات المتعددة التي زخر بها  السرد  الروائي  سواء في البلد الام أوالبلد الثانى الذى يلجأ اليه بطل الرواية  فى رحلة الهروب والخلاص.

 تطل مدينة طرابلس من الرواية بكل تفاصيل، عقد الثمانينات وأوائل التسعينيات حيث يبدع الروائي في وصف الحالة النفسية والاقتصادية، والسياسية للمدينة وأهلها حين كانت تعيش رهينة بين يدى جلادها الذى يمارس عليها ساديته  ويعذبها بأمراضه المأزومة كما يقول بطل  الرواية  واصفا محاولة تكيف اهل المدينة مع شراسة النظام :

"كانوا حذرين جدا وخفيضى الحركة حتى انهم كانوا، يشبهون الدواب الليلية يلتزمون التعبير عما يريدون بشبكة من التعاير والايماءات المرمزة، التي يبتكرونها لقاموسهم الخاص المصاغ بحذر شديد "

 ويمضى السارد في وصف حال المدينة "طرابلس " التى تجسد صورة بانورامية للمدن الليبية الأخرى ولكنها تختلف عن سواها، لأنها تعيش تحت واقع الرعب والخوف  بفعل تمركز الديكتاتور وأولاده وزبانيته  الذين يلقون بظلالهم عليها من خلال تمركز بيت الرعب الذى يشرف علي كل حركة وهمسة بالمدينة .

 يلج السارد الى تفاصيل محاولاته كصحفي، لإنارة ضوء في عتمة الليل الدامي عبر اصدار مجلة ترصد واقع الانهيار والفساد في البلاد ، ولكن كل ذلك يقابل بمزيد  من الضغط والترهيب الى ان يتم اصدار قرار ، بإقفال المجلة وطبعا لايغيب عن ذهن  أي متابع  لمسيرة الثقافة في ليبيا  معرفة الكثير من اسماء الشخصيات المذكورة  بالرواية وكذلك اسم المجلة التى كانت معروفة في ليبيا في أوائل تسعينيات القرن العشرين  كل ذلك أعطى الرواية كثير من حميمية السرد.

الرواية تحمل اسم "ازاتسى "وهو مركز اللجوء الذى قضى به  بطل الرواية قرابة العام حتى يوم حصوله على قرار اللجوء إلى هولندا ،ولكن  مركز اللجؤ "ازاتسى" هو الهامش في الرواية لأن المتن الحقيقي  في الرواية  ،مدينة هى طرابلس بليبيا التى يدور حولها أغلب  السرد الروائي  من خلال  لعبة السرد المبنية على الفلاش باك المتنقل بين محطات الذاكرة  الزمنية.

 ليبيا كانت هى بطلة الرواية بدون منازع ،وكانت الهاجس الذى سكن عقل وذهن السارد الذى ابدع في وصف تفاصيل أيام الرعب  والخوف ، فيما كان يتأمل البلاد التى  يسعى للحصول على  اللجؤ السياسي بها  بكثير من التأملات الفلسفية كما يقول في هذا المقطع  من مقاطع الرواية عن مفهوم الحرية بها :

"ماحفزنى هو فكرة الحرية في أن تجد مكانا يسعك تمارس فيه عاداتك دون أن يراقبك أو يعاقبك احد "

فالحرية هى الهاجس الرئيسي للرواية ،التي تنتقل عبر سردها الروائى بين أبرز الأحداث الدامية التي حدثت في مدينة طرابلس  ،ومنها حادثة قتل جمهور الكرة في احد المباريات وحادثة مجزرة ابوسليم التى  أحد رفاق بطل الرواية ضحاياها  "يحى  " الذى انتقل  من شخص مدمن للهيروين  الى شخصية،  مؤمنة بالفكر الدينى  للجماعات المسلحة التى  حاولت الإطاحة بالنظام عبر العمل السرى المسلح أبان حقبة ثمانينات وتسعينيات القرن العشرين الذى حاول السارد  ايجاد تفسير لهذا التوجه لديهم  بالقول بانه

"كان واضحا انهم غادروا الدنيا بعد تجارب خائبة وغير ذات شأن ووضعوا أرجلهم على أول الطريق الذى عليهم أن يسلكوه من أجل الوصول للجنة مباشرة لتخليص أرواحهم المعذبة بفهم الاشياء بطريقة بريئة .

"أزاتسى " هى رواية حقبة الرعب ،التي عاشتها ليبيا في فترة ثمانينيات القرن المنصرم والتي وصلت ذروتها حين انغلق كل أمل بتغيير جذرى بالبلاد في أواسط التسعينيات مما جعل الكثيرين من شباب الوطن يرحلون، في مسيرة هجرة جماعية بعد أنسداد أى أفق أو أمل بإنتهاء أو سقوط النظام بعد فشل كل المحاولات لإنهاء طيلة أربعين عام من  جانب كافة  التوجهات الفكرية والايدلوجية بالوطن وترسم بريشتها السردية من خلال حبكة أحداثها وزخم شخصياتها بعض من سيرة حقبة الرعب والخوف وبعض من تفاصيل ما حدث وماكان  خلال حقبة حكم الديكتاتور وهى التيمة الغائبة  بمدونة السرد الروائى الليبى  تقريبا طيلة  أربعين عام  هىرواية تستدعى الذاكرة المثقوبة والذاكرة المغيبة في أتون الحاضر الذى هو نتيجة طبيعية لركام  خراب أربعين عام  وعام .

 

الأربعاء، 14 يونيو 2023

بلاد مستيقظة في عيوني




 إنتصار بوراوي

يامن تفتحين أبوابك للعابرين وتقفلينها فى وجه عشاقك المقيمين في حضرتك موائد محبة ولوعة واشتياق اليك؟ ما بالك أيتها السامقة لا تفارقين خاطري ولااتهجى العالم دون أن تكوني انت أول الحكايات ومنتصفها ونهايتها .

 

ياأمنا الطيبة التي فر منك عشاقك ومحبيك ميممين صوب سواحل المدن المبعثرة فى أقاصي العالم ..كى يتناسوا عشقك الصعب والمستحيل ويهنأو بالرضا بعيدا عن جحافل الظلام التى خيمت فوق طرقاتك ويتها العاصية القاسية على احبتك ..والعنيدة على عشاقك ..كيف لى ان اغمض عيوني لاارى وجعك المرسوم فى حدقات شبابك الضائعين على طرقاتك وبناتك اللواتي انتحرت الاحلام فوق جفونهن فى انتظار زمن لم يجئ.

 

أيتها البتول الجميلة ..كيف أدارى شجن قلبى المتكئ على عتبة نافذة العمر المحدق فى سرابك الذى خلته سيغدوا ذات يوم  ماء عذب سلسبيل.

 

ياأمنا الطيبة التى نامت فوق ضفة الحكايات المبتورة والمقتولة ،لماذا تقفين بينى وبيني؟ولماذا حين أحدق في وجهى لاأرى سوى صورتك فى مرايا الامس الجميل ولاأرى وجه الحبيب إلا بهامة تليق بمحبتك؟ ولاتنسج روحي عشقها الا لمن جاب فيافى دروبك الوعرة ومنح اجمل أيام عمره مهرا لمحبته اليك

 

بأي اللغات أكتبك يامن انحنت الأبجدية لأجلك، وتسامق الوجد بقلب من عشقوك فوهبوا أرواحهم قرابين عشق ببلاط عشقك المقيم .

 

بأي اللغات أكتبك وهل لحزن العالم النائم في قلبي أن يشفى وجع عمري الذي تهجى أحلامك الناعسة فوق سرير الأماني بأيام أكثر عدلا وانسانية فلم تجىء .

 

ها أنا جاثية على أعتاب هاويتك أرثيك بكلمات تضيق عباراتها على أن تستوعب حجم كارثة فجيعتك وفجيعتنا الموغلة فينا وفيك .

 

أي الكلمات سترثيك وكل الكلمات محض هباء فارغ يتناثر فى سديم الكون المحدق بفجيعة عجزنا على أن نمد الأيادي لانتشالك من هاوية الخراب العظيم.

 

ياوجع العمر كله الملتف كأفعى حول رقبة الامنيات المقتولة فلا يد تمسح رأس الأحلام المتوارية خلف سديم الغيوم ،ولا غد يمسح حزن عمرنا الملتاث بأثر فجيعة تفاصيل ذاكرة ارهقها رعب الماضي ويأس الحاضر الأليم  .

 

ما عاد البكاء مجديا ولا استدعاء الأماني الغابرة يشفى جرح فجيعتنا وحزننا المقيم، بعد ان ابتلع حوت الخواء ايامك وأحلامك المقتولة والموءودة تحت رمل الخوف المريع.

 

بأى اللغات أكتبك وأي أبجدية تتسع لرثائك وكل اللغات تضيق أمام هول الوجع المسكون فينا وفيك .

 

يا أمنا الطيبة كيف لنا أن نمسح الدموع التي حفرت أخاديدها فوق وجهك الجميل وأنت تراقبين ابناءك وهم يقصمون ظهر احلامك ويجيرون  الزمن لهاوية اليأس المقيم .

 

 ياأمنا الطيبة هبينى لحظة صحو كي اتأمل بعيون الوجد وجوه أولادك الطيبين الكبار فى عيوني ، مهما أشتدت بهم احزان  الوجع الاليم

أولادك القابضين على جمر الحياة القاسي، المديرين ظهرهم لغوايات طريقهم الوعر، الراقصين فوق نيران الصدق والحقيقة، الدافعين ثمن حقيقتهم صحارى ألم و غابات حزن مقيم .

 

ابناءك الطيبين الذين يتضوع عطرهم في سماءك فيغطى أريجه غثاثة بهرجة القبح القميء المتصدر واجهات العرض المسرحي المثير للضحك المخنوق الحزين .

 

ياأمنا الطيبة كيف لى ان أتأمل بهدوء وحياد وجه ابناؤك في مدينتي النائمة فوق أرصفة اليتم ، وأنا المكتفية بذاتها كملجأ وملاذا من بغى وجوه تصدرت شرفات الأيام وسحبت اكسجين الحياة من عروق عمرها المتسربل بالدمع الدفين .

 

وكيف لي ان أغمض عيوني كى لاأرى تفاصيل الفقر والاهتراء في شوارعك ونواصيك وكيف لى أن أصم أذاني عن سماع صوت أنين ألم ابناءك المتروكين على حافتك يهذون بانتظار صبح لم يجيء .

 

ياأمنا الطيبة هل تسامحي عجزنا، نحن الذين لم نمتلك امام صوت أنين ألمك سوى الحزن وترتيل مراثي ترثيك.


 

 

 

الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...