الجمعة، 8 أبريل 2022

الرقابة فى ليبيا... أدبية اجتماعية دينية

 


إنتصار بوراوى

الحرية هي أوكسجين الكتابة، ولكن الكاتب العربي يدرك بأن ثمة رقيبا سيخرج له من بين الأكمة ليحاسبه على فكره، وكتابته الشعرية أو القصصية والروائية فالكتابة في بلداننا العربية هي كالمشي فوق حقل من الألغام.

ليبيا  مثل أي بلد عربي، كانت ولازالت تعانى من الرقابة سواء كانت الرقابة رسمية من الدولة أو رقابة دينية ،وفى كثير من الأحيان تكون الرقابة اجتماعية وهى في بلاد مثل ليبيا أشد ضراوة أحيانا من الرقابة الرسمية للدولة  .  

بدأ الأدب في ليبيا بصدور رواية " اعترافات انسان" للروائي محمد على سيالة في عام 1961 م وهى رواية واقعية تتحدث ،عن المجتمع الليبي  وتنقد عاداته وتقاليده القديمة البالية وفى مجال الشعر ،كان هناك مجموعة من الشعراء الذى يكتبون الشعر المقفى والتفعيلة وكان من بينهم ،الشاعر محمد الشلطامى الذى تعرضت قصائده للمنع من الرقابة ثم قامت السلطات بسجنه لاتجاهه القومي والعروبي، الذى كان يتجسد في قصائده المتمردة على الواقع السياسي، في العهد الملكي وللمفارقة أن قصائده تعرضت للمنع في عهد القذافي، الذى سجنه  هو أيضا في عام  1976 م  نتيجة عدم رضاؤه على ما كان يكتبه من قصائد رافضة للظلم والقمع.

الكاتب الصادق النيهوم والاصطدام مع الرقابة الاجتماعية والدينية

حين بدأ الكاتب الصادق النيهوم ،كتاباته في أواسط الستينيات مع صدور صحيفة الحقيقة في مدينة بنغازي، بدأ الصدام الأول مع رقابة المجتمع عندما نشر مقالاته الناقدة  والساخرة من  تقاليد وعقلية المجتمع ،ثم مقالاته التي  حلل فيها  بعض من الرموز بالقرآن  وهى  سلسلة نقدية بعنوان "الرمز في القرآن" والتي نُشرت  على حلقات بجريدة الحقيقة الليبية أواخر الستينيات ،ولكنه توقف عن نشرها بعد الحلقة السابعة  نتيجة اعتراض أصحاب الفكر الديني ،على ما اعتبروه  تشويه للدين        ثم نشر روايته الأولى "من مكة إلى هنا" التي كان  تحمل في مضمونها نقدا لدور الفقيه في المجتمع ورغم أن الرواية كانت جريئة في طرحها إلا أنها استطاعت الهروب من مقص الرقيب .

 

 

الرقابة في عهد القذافي

بعد انقلاب سبتمبر  1969 بقيادة القذافي، فرضت الدولة رقابة مشددة على الكتب والإصدارات ووضعت قيود متعددة، على حرية التعبير والإبداع فلم يكن ممكن نشر أي عمل أدبى إلا بعد أن يمرعلى الرقابة، قبل إصداره وفق أحكام قانون المطبوعات رقم 76 لسنة 1972م الذى قيد النشر وإصدار الصحف والمجلات، و أقفلت دور النشر الخاصة وانحصر النشر، وإصدار الصحف والكتب عبر مؤسسات الدولة وبدأ التضييق على  الكتاب والأدباء، ومحاولة حصر كتاباتهم  في الأدب الثوري المحرض للجماهير ووصلت ذروة القمع للأدباء والكتاب في عام  1978، حين تم إلقاء القبض على مجموعة من الأدباء ،خلال أقامتهم لندوة أدبية  في مدينة بنغازي  كان من ضمنهم  القاص عمر الككلى والقاص محمد الزنتانى والقاص والروائي جمعة بوكليب  والروائي  والكاتب أحمد الفيتورى ،والشاعر أدريس بن الطيب والكاتب  أدريس المسماري وغيرهم  من طليعة، أدباء السبعينيات في الشعر والقصة والرواية   وسجن أيضا المسرحي والروائي  “منصور بوشناف” لمدة  12 عام بسبب بعد عرض مسرحيته "عندما تحكم الجرذان" ، و بعد خروجه من السجن منعت الرقابة نشر  روايته   " سراب الليل  فعمل على نشرها بدار نشر خاصة بالقاهرة ومنعت أيضا من التوزيع داخل ليبيا.

كان لهذه الأجواء الكابوسية المهيمنة ،على البلاد أثر في نفوس الأدباء والكتاب في ليبيا  الذين شعروا، بسيف الرقابة المسلط على رقابهم  والعيون الأمنية التي تراقب كل حرف وكلمة ،ينشرونها سواء في الملاحق الثقافية أو في  الكتب التي يحاولون إصدارها  فحدثت حالة من الصمت والانعزال ، والابتعاد عن النشاط الأدبي والثقافي  في ليبيا  بعد حملة القبض على الأدباء الشباب من جيل السبعينيات.

وفي أواسط الثمانينيات ظهرت مجموعة شابة ،من شعراء قصيدة النثر حاولت الهروب من سيف الرقيب بكتابة بها كثير ،من الرموز التي تحاول التحايل على عين الرقيب  وكان على رأس ذلك الجيل المتمرد ،الشاعر الكبير مفتاح العماري والشاعر فرج العربي والشاعر فرج العشة  والشاعرة فاطمة محمود والشاعرة عائشة المغربي وغيرهم فيما كان كتاب الرواية ينسجون ،رواياتهم في عالم  محمل بالرؤى الجديدة  التي ظهرت  بتلك الفترة في روايات الروائي إبراهيم الكوني والروائي  أحمد إبراهيم الفقيه والروائي خليفة حسين مصطفى.

بعد الإفراج عن الأدباء السجناء في عام 1988،  بزغت كوة للتنفس  فظهرت منذ أوائل التسعينيات أقلام شابة جديدة، كتبت في مجال الشعر والقصة والرواية حيث استفادت من مناخ الحرية الصغير للكتابة، ولكن كالعادة اصطدم بعض الأدباء  بجهاز الرقابة الرسمية الحكومية والدينية والاجتماعية .

 

الروائية وفاء البوعيسى ورقابة رجال الدين

الرقابة في ليبيا ليست مقتصرة، على جهاز الرقابة على المطبوعات والنشر وإنما هناك أيضا رقابة اجتماعية ودينية ،متمثلة في رجال الدين الذين قد يقومون بدور الرقيب لو نجى العمل الأدبي من عين ومقص الرقيب، كما حدث مع  الروائية، وفاء البوعيشى، التي صدر لها في عام 2006 رواية  " للجوع وجوه كثيرة " عن دار المؤتمر" وهى دار رسمية تابعة للدولة ، وقام بقراءتها أحد شيوخ الأوقاف، فكتب مقال ضد الكاتبة والرواية يتهمها فيها بالتحريض على الفسق والفجور، ونشر الدعاية للمسيحية في البلاد وقامت وزارة الأوقاف  بتعميم خطبة على المساجد ضد الكاتبة وروايتها مما عرض  حياتها للخطر نتيجة شحن العوام ضدها ، فاضطرت الكاتبة للخروج من البلاد واللجوء للمنفى هربا بحياتها من القتل .

نيابة الصحافة والروائية نجوى بن شتوان

  واجهت القاصة والروائية نجوى بن شتوان ، معركة شرسة بعد أن تم تحويلها للنيابة العامة للصحافة  بعد نشر قصتها " فخامة الفراغ " التي تناولت فيها قضية فساد لأحد  ضباط الجيش ،وتم التحقيق مع الروائية في النيابة و صدرت بيانات متضامنة مع  الكاتبة من بعض المثقفين الليبيين والمنظمات الحقوقية العربية .

ونتيجة التضييق على الأدباء، والرقابة الحكومية والاجتماعية والدينية على الأعمال الأدبية اتجه  كثير من الأدباء الليبيين ،إلى النشر في الخارج بدور النشر العربية  هربا من الرقابة  الرسمية والدينية والاجتماعية داخل البلاد

الرقابة بعد عام  2011

بعد سقوط نظام القذافي، انفتحت الأبواب أمام حرية التعبير وحرية الكتابة وصدر الإعلان الدستوري الذي احتوت المادة 15 منه على البند التالي:  " تضمن الدولة حرية الرأي وحرية التعبير الفردي والجماعي، وحرية البحث العلمي، وحرية الاتصال، وحرية الصحافة ووسائل الإعلام والطباعة والنشر"

 وصدرت الكثير من الكتب لأدباء ليبيين، في الشعر والقصة والرواية وتناولت الكثير من الروايات  واقع القمع والتسلط  ،الذى كانت تعيشه البلاد خلال  حقبة القذافي  وتناولت كثير من القضايا التي كانت الكتابة عنها   من المحرمات وقامت  وزارة الثقافة في عام 2012 ، بالسماح بإصدار الصحف والمجلات دون قيود، وأصدرت قرار بإلغاء إدارة رقابة المطبوعات وتلاشت تقريبا القبضة الأمنية  التي كانت  مشددة على الكتاب إلا أن ذلك لم يستمر طويلا ، بعد أن ظهرت أنواع  أخرى من الرقابة تمثلت في  المجموعات  الدينية السلفية، التي تمتلك  تشكيلات مسلحة التي أضحت تراقب  الحركة الثقافية والأدبية ،وتسلط سيفها على رقبة الأدباء الشباب تحديدا كما حدث مع كتاب " شمس على نوافذ مغلقة ،  وهو كتاب  جمع  نصوص  مجموعة من الأدباء الشباب في مجال القصة القصيرة والشعر والرواية وكان من بين  النصوص التي نشرت ،بالكتاب نص  من رواية " كاشان "  للروائي الشاب "أحمد البخاري" الذى رأت إحدى  المجموعات الدينية السلفية بأنه خادش للحياة ويدعو للانحلال بين الشباب ، فتم الهجوم  على مقر  المكتبة  التي كان  من المزمع  إقامة حفل توقيع للكتاب بها ،  وقامت  المجموعة  السلفية بتهديد حياة القائمين على نشر الكتاب مما اضطرهم للخروج من البلاد ، وحدث تضامن كبير من المثقفين داخل ليبيا وخارجها مع الأدباء الشباب ، فيما قامت وزارة الثقافة  وإدارة المطبوعات بالتبرؤ من الكتاب واتهمته بأنه يسئ للأخلاق العامة وقامت بمنعه ومصادرته من السوق. 

وفى أكتوبر من العام الماضي، منعت إدارة الرقابة على المطبوعات الروائي عبد الفتاح البشتي من طبع روايتين له سبق له طباعتهما، في أوائل الألفية دون أن توضح إدارة الرقابة على المطبوعات سبب المنع.

لم تتوقف الرقابة عن الترصد للأعمال الأدبية، عبر أدواتها التي تضع معاييرها الأخلاقية والدينية في محاولة لمنع الأدباء، من التحليق بخيالهم وفكرهم دون أن يتحسسوا رقابهم خوفا من أحكام الرقابة، التي قد تحكم عليهم بالسجن أو تضطرهم للهروب إلى المنفى هربا بحياتهم من التهديدات التي قد تطالهم نتيجة كتاباتهم الرافضة للقمع السياسي والديني والاجتماعي.

 

نشر ضمن ملف عن الرقابة في الوطن العربى  بصحيفة أخبار الأدب  المصرية

 

 

الخميس، 7 أبريل 2022

الشاعر عاشور الطويبى والإنصات إلى هسيس الطبيعة والكائنات

 

إنتصار بوراوى





 يقول الشاعر  ريلكه في مقطع  له: «لكي تكتب بيتا واحدا من الشعر ينبغي ان تكون قد رأيت مدنا عديدة، وبشرا عديدين واشياء لا تحصى، وينبغي ان تعرف حتى الحيوانات ينبغي ان  تتحسس كيف تطير العصافير، وكيف تتفتح الازهار في الساعات الاولى للفجر.

 وعند قراءة  دواوين الشاعر الليبي عاشور الطويبى، سوف تتحسس هذه الروح الشعرية التي ذكرها الشاعر العظيم  ريلكه ، حيث  الإنصات العالي لذبذبات الطبيعة و الوجود والكائنات فى قصائده، التي تحتفى بالطبيعة وبالحجر والشجر والحيوانات والطيور والغابات ،والحقول فثمة روح شعرية عالية تتماهى مع الطبيعة، التي تتجلى بكل صورها و تتقافز من القصائد في صور سردية بانورامية ، ويتجسد ذلك فى  كثير من دوواينه منها ديوانه "فى معرفة الكائنات والأشياء"، الذى ينصت فيه الشاعر للكائنات من الحيوانات والطيور والفراشات والأسماك و الضفادع و كأن بالشاعر فى بعض المطارح يستشف منطق الطيور والحيوانات وكل ما يصادفه من الكائنات  والطبيعة حوله من أنهار وبحار وغابات  وحتى الجماد من شجر وحجر.

يبدو صوت التاريخ جليا فى قصيدة "ترنيمة القرن السابع قبل الميلاد "، التي تحكى سيرة مدينة صبراتة الأثرية ذات العواميد الضخمة.

في النص النثري "قلقة عين لاعب النرد" ،  يروى  الشاعر حكاية مدينتي سوسة  و طلميثة ، و يأخذ الشاعر صوت الراوي في القصائد  كأنه سافر عبر الزمان ليخلد عبر قصائده تاريخ المدن الأثرية كما خلد هوميروس في قصائده حكايات وقصص أثينا

منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد لأربعين نهار وأربعين ليلة

 ريح الملتم تسرح خيلها من رأس الهلال إلى رأس التين

تستحى البوح بأسرارها، تستحى أن تفك اسراها

روح المكان تأسر الشاعر، فيهيم بين فيافيه منتقلا في نصه النثري بين الماضي والحاضر ليرسم لوحة شعرية تأسر قارئها فى قصيدة احببت صبراتة

هل كنت حقا تفهم صبراتة؟

كانت فيك بعض يفاعة طاهرة

لذا وقفت اغلب مساءتها

مواجها البحر بوجهك الرصين الصامت تسال

بأى لغة أدفن المخيلة فى رحم هذا الكائن المراوغ؟

ويبدو من خلال قصائد الشاعر عن المدن الأثرية صبراتة وشحات وسوسة وطلميثة مدى ولع الشاعر بالمدن الأثرية ،فيستنطق التاريخ والشخصيات التاريخية التي عاشت فيها عبر العصور القديمة .

فى ديوانه "ابن رشد فى لباس البحر" يستوقفك عنوان الديوان وكأن الشاعر يريد الإيحاء من خلال الصورة البصرية التي يتخيلها القارئ لهيئة الفيلسوف ابن رشد بلباس البحر، للتحرر من القمع الذى تعرض له الفيلسوف ابن رشد  بعد تكفيره وحرق كتبه ،فالشاعر في نصه يخرج ابن رشد من الظلم الذى تعرض له من العقول الضيقة ليتكلم بلسانه بكل حرية عن فكره وفلسفته والطريق  الذى اختاره دون خوف وقمع وتنكيل ، ابن رشد في القصيدة وكأنه يرمز  للمثقف  العربي الذى لازال يتعرض للقمع والقتل والسحل حين يعبر بحرية عن فكره  أو كما يقول في قصيدته:

 

 

الرائحة ذاكرة شجرة

أي عنوان أبحث؟

أي طريق سأخذ وأنا خارج الصلوات؟

لعلى سأجد روحي الهاربة في ميلان الخط ودكنة الحبر

الخيل واقفة على جانبي الوادي

الوادي بلاد مجروحة ويدى مليئة بالدموعة

ليس في الغابة غير ذئاب تعوى

 

يمضي الشاعر في الإنصات للطبيعة والكائنات والوجود والحياة والموت فيكتب فى قصيدته " فى ظله تزهر الحكايات" عن المقبرة بنظرة شعرية تأملية تخترق ما خلف الموت:

سكينة الليل عميقة أنظر قبر من ذلك

على قبته تجلس الطيور وفى ظله تزهر الحكايات؟

وراء النوافذ عيون تطل على مقبرة

بين شمس تأتى وشمس تغيب ..نشيج النائحات

الشاعر لا يلتقط بإحساسه هديل الحمام ،ورفيف الطيور فى الطبيعة حوله فقط بل تبدو كل تلك الطبيعة التي يمتزج ،بها الشاعر تطارده حتى فى غرفته فيحلق بخياله ليراها داخل غرفته كما فى قصيدته الجميلة طيور الحناء

على الحائط نهر وأشجار مشمش

على أرضية الحجرة حقل أرز وحقل لفت وحمار يقف قبالة شمس

على الحائط حاشية سماء زرقاء

على سقف الحجرة شجرة تين

وسرب طيور لقلق تكاد تختفى

على الحائط بحر وسباحون مهرة

على ارضية الحجرة حقل نعناع وحقل جزر

على أوراقه تلمع قطرات ماء

وهكذا تمضي القصيدة في جلب الطبيعة، بحقولها وبحرها وغاباتها وطيورها وحيواناتها لتحلق في فضاء بيت الشاعر الذى يخلق كون وفضاء من الخيال الشعرى الشاهق الذى يعيد تركيب المكان وتأثيثه بما يشتهيه خياله ..

فى قصيدة "أرأيت" يفتح الشاعر أبواب الأمل عل مصراعيه أمام القارئ

لك أن تصنع شمسك بورق مقوى وأسلاك صدئة

لك أن تصنع قمرك بوردة ذابلة

لك أن تصنع ليلك وحدك خذ من النهار كل شىء

لك أن تصنع نهارك وحدك

أفتح النوافذ على شمس اخرى

وارفع الستر حتى تصل أقدام الغيمة

أرايت

لك أن تصنع الكثير كى ترى العالم

فى قصيدة "النخلة والطائر " يستنطق الشاعر النخلة والطائر في محاورة فلسفية

النخلة تبث حزنها للطائر المقيم

هكذا يفعل الفجر بى

يأتي على جنب كهديل حمام كهل

على كتفيه الباردتين رائحة زيت الزيتون

في نص "لابد" يعتمد الشاعر على أسلوب تكرار الكلمة لتبيان قيمة ومعنى  نتيجة الفعل :

لابد من أيد كى تجمع أشلاءهم

لابد من نهار كى يخرجوا من سباتهم

لابد من كلام كى تعرف اقدامهم الدروب

لابد من غناء كي ترقص زهرة اجسادهم

وفى قصيدة " هدهد ونافذة وشتاء" يخاطب الشاعر الهدهد باحثا عنه بقصيدة شعرية يتناص فيها الحاضر مع الموروث الديني وكأن الشاعر لا يبحث عن طائر ألف وجوده على نافذته بل يبحث عن روح الطيران والحرية في طائر الهدهد الذى يمنح إشارة ودلالة على الأخبار السعيدة

 

فى الشتاء إلى أين يذهب الهدهد؟

سألت نافذتي هذا الصباح

لعله يبقى فى عشه

لكن لا عش له

هو يحفر في الارض الواطئة مايقيه الريح والمطر

لعله ذهب إلى بلقيس

أو أخذته عفاريت سليمان ورمته في الجب العميق

للغابة قوانينها هكذا يخبرنا الشاعر عاشق الطبيعة والغابات ،وقوانين الغابة هي من وحى معرفة وقرب الشاعر من الطبيعة والاشجار

للغابة قوانينها

لاتلبس حذاء ثقيلا

كن خفيفا لا تتعب في حملك الأعشاب

لا تكسر عودا من عيدانها

هات معك عين قلبك

المشي في دروبها بلاعجل

إن وضعت ظهرك على جذع شجرة

استأذن اولا

لاتتصنت على احاديثها

اترك اناك خارجا

للأشجار أيد فسلم عليها وآذان فسلم عليها

الشاعر فى هذه القصيدة لا يكتفى، باستنطاق الغابة وماتحويه من شجر وأغصان وأعشاب بل يؤنسنها ويحولها إلى انسان من لحم ودم تسمع وتتحدث مثل البشر.

الماضي وعبقه وصورة الاب والجد تطل من قصائد الشاعر الذي يستذكر فى لحظات تجلى صوت وحديث والده وجده

شجرة التين فى فناء بيتي

أخذت عودها من شجرة غرسها جدى

جدى الذى مات وهو يقول

للشاى روح فلا تشعلوا فيه النار إلا بقدر

ولا تقتربوا منه إلا على طهارة

الشاى طريق الجنة

في قصيدته "صاحب الدف" ..يحاور الشاعر رياح القبلي التي تهب خلا ل فصل الصيف  بغبارها وصهد حرارة نارها:

دفوف تدق اشجار طلح اورادها فى حلوق طير

الذين قاتلوا ريح القبلي لم يجدوا علامات الطريق

فى أيديهم تمر يابس

وعيونهم تلمع تحت الشمس

حين سمعوا صوتا أليفا نظروا إلى أعلى

القبلي دق دفوف الموت، القبلي مذراة النسيان

الذين قاتلوا القبلي صاروا صخورا سوداء

في ديوانه " كاليماخويس القورينى يعبر حقل الصبار " ،يخيل للقارئ بأن الشاعر الأغريقى  كاليماخوس ، يتهادى بين حقول الصبار بقورينا  مترنما بقصائده

 

فضوحات اللسان في الليل ،غير فضوحات اللسان في النهار

كذلك فضوحات القدم والعين والقلب

ليس كل فضوح يوصل إلى شارع او سقيفة

ليس كل فضوح عتمة

فضوح الوردة عطرها

عالم الشاعر الشعرى يحلق في فضاء الفلاسفة والشعراء والعلماء ابن رشد وكاليماخوس القورينى ،والشاعر تشارلز سيميك ، نيوتن ، اقليدس  سيدى قنانة،الكونت بيزى، رينيه ديكارت ، ديوفانتس الاسكندرانى، أرخميدس  إقليدس ، الن غينسبيرغ،الشاعر ناظم حكمت ، والشاعر حافظ الشيزارى الذى كتب قصيدة على شكل محاورة بينه وبين الشاعر وبعين الخيال الشعرى يحلق الشاعر فى محاورته للشاعر الصوفي العظيم  

جئت من كوة فى السماء

تكلمت بلا لسان

وقفت بلا قدمين

ثم مشيت خلف قلبى

فى الساحل ..فى الجبل  

بين الناس كلما أوجعني

جلست على حجر وحدقت في الأعالى

لم أسع وراء جواب

لم اسع وراء طمأنينة عابرة

لم أسع وراء شيء

 

الشاعر لم يسع إلا للشعر الذى فاض كالنهر الرقراق في مجموعاته الشعرية الجديدة التي يصعب الإلمام، بكل عوالمها الشاسعة المتنقلة بين رحاب الطبيعة والكائنات والوجوه وذكريات الطفولة البعيدة ، بأشكال فنية متنوعة في قصيدة النثر ،مابين السرد القصير والصور البصرية  التي  تلتقط أدق  التفاصيل في عوالم الطبيعة والكائنات  والوجود  ومنتقلة بين نص وأخر بجمالية شعرية  تحمل  مشروع شعرى مختلف  في قصيدة النثر الليبية  وموقعة بصمتها  الخاصة بروح  الشاعر  الكونية  الشاسعة  .

 

الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...