الخميس، 16 مايو 2024

بروكلين هايتس ..الذات الأنثوية المتمزقة بين عالمين





إنتصار بوراوي

منذ عقدين تقريبا قرأت روايتين من روايات الروائية المصرية ميرال الطحاوي وهن رواية  "الخباء "ورواية " نقرات الضباء" التي تسرد الروائية  في عوالمهن الروائية تفاصيل مجتمع البدو فى الصحراء الغربية، على الحدود الشرقية فى ليبيا حيث أبدعت الروائية باعتبارها ابنة تلك المنطقة ،فى رسم موروثات وتقاليد المجتمع البدوي ومحاولة بطلات  الروايات التمرد على مجتمع البدو وموروثاته التي تخنق أرواحهن.

فى روايتها "بروكلين هايتس" تكتب الروائية ميرال الطحاوي عن عالم بلدة          " بروكلين"  إحدى بلدات مدينة نيويورك ،وهى المدينة التي انتقلت، إليها الكاتبة لإكمال دراستها العليا ورغم اختلاف نسق روايتها ، عن رواياتها السابقة ،ولكن عالم بدو الصحراء الغربية بارز في الرواية، من خلال سيرة بطلة الرواية "هند" التي تركت بلادها  وسافرت لإكمال دراستها العليا مع ابنها، وعملت مدرسة للغة العربية و أصبح لديها حلم  بأن تكون شاعرة،  فى بلدة بروكلين التي تبرع فى وصف تفاصيلها وعالم المهاجرين العرب الذين تلتقيهم ،فى المنطقة التي استقروا فيها وهم خليط من فلسطينيين ولبنانيين ومصريين ويمنيين يلتقون يوميا ،فى مقهى "ألف ليلة وليلة"  ويبدو اسم المقهى كأسقاط على اسم الرواية الشهيرة وكعنوان لقصص اغتراب العرب في مدينة نيويورك  الأمريكية.

تسرد الكاتبة في فصول روايتها، تفاصيل قصص هجرة بعض  المهاجرين العرب بأمريكا ومنهم نجيب الفلسطيني، من مدينة الخليل والأرمني ناراك وعبد الكريم الكردي  وليليت المصرية، التي غدت تفقد الكثير من ذاكرتها وغيرها من الشخصيات التي تلمسها الكاتبة وتكتب عن عوالمها ،فى بلدة بروكلين ولكن من بعيد دون أن يكون ثمة أحداث مع سيرة بطلة الرواية ،التي تجلس من بعيد تراقب ذلك الجزء من بلدة بروكلين، التي تضج بحياة المهاجرين من جنسيات المختلفة والقهوة العربية التى تجلس فيها لتستذكر، ذكريات بلادها وموطنها التي تركتها خلفها وتستدعيها فى فلاش باك عبر استذكار طفولتها وحياتها، مع والديها وأخوتها التي كانت تسكن قرية في البحيرة اسمها"تلال فرعون" ،وعن رغبتها الدائمة في الهرب من أسرتها  والسفر بعيدا عن قريتها الضيقة، وحتى بعد أن تتزوج تشعر بأن القيد ازداد متانة حول رقبتها بعد اكتشافها لخيانات زوجها المتكررة ،فتترك كل شيء، وتسافر مع ابنها إلى أمريكا ولكنها حتى وهى فى أمريكا ،لا تستطيع الهروب من ذاكرتها وماضي طفولتها وشبابها فى قريتها البدوية ،ومجتمعها البدوي الذكوري الذى رسم تفاصيله على روحها والذى جعلها دائما تشعر بالأثم ،من جسدها فكانت تعمل على تغطية جسدها بالكامل كى تكون أكثر تقوى، في عيون الآخرين وترهق نفسها بالصلاة ولاترفع عينيها  عن الطريق طيلة مشيها مع صديقاتها إلى المدرسة

ولكنها رغم كل ذلك كان شيء في روحها ، يحلم بالتمرد وأن تكون لائقة بدور البطولة وتلبس ملابس مكشوفة وترقص ،مثل زميلتها بالمدرسة زوبة التي تحاول مغازلة مدرس الرسم الذى يحرم رسم الكائنات الحية ،ويطلب منهن رسم الطبيعة فقط ويتظاهر بكراهية زوبة التي تناكشه، و تتعلق هند بمدرسها وتحبه فى الخفاء ولكن بعد فترة تصحو المدرسة على خبر حمل زوبة من مدرس الرسم وهروبهما ثم زواجهما وعودتهما للمدرسة كزوجين.

تسرد الكاتبة في روايتها عالم  القرية القديم ،الذى تستذكره هند بطلة الرواية وكأن جسدها فقط هو الموجود ببروكلين ولكن عقلها وفكرها وذاكرتها، تتحرك هناك فى أقاصي ماضي الطفولة والصبا فى قريتها فبطلة الرواية هند ،التي حققت حلم السفر والخروج من قريتها بداية بالزواج ممن أحبته ثم بالسفر إلى أمريكا، لم تستطيع التحرر من ذاكرتها وروائح الحنين والشجن التي تكتبها عن ماضي حياتها بالقرية فهى لم تمتزج مع حضارة البلاد التى هاجرت إليها ولم.تدخل فى تجارب أو تمازج مع الآخر بل انتبذت مكانا قصيا ،تتأمل عالم البلاد الجديدة لتصف الشخصيات التى تراها وتصادفها أمامها وتصف الشوارع والمباني ،بلغة بصرية جميلة تنقلك لبلدة بروكلين ولكن كل ذلك يتم عن بعد وكأن ببطلة الرواية منقسمة، بين روحين روح تركتها هناك فى القرية مع روائح الأم والأب والأخوة وأهالى القرية، وروح جديدة استقرت فى بلاد المهجر باحثة عن عالم أجمل وأكثر رحابة كما حلمت، قبل سفرها ولكنها  تصطدم بقيم العالم الجديد الذى لا تستسيغ تميعه واستهلاكيته فترفض أن تدخل فى علاقة عابرة ،مع جارها بالسكن لأن روحها مسكونة بهند المتمسكة بمبادئها وقيمها الشرقية، التي استقتها من روح القرية التى ترفض أن تكون مجرد جسد عابر على فراش رجل اشتهاها وحاول أغوائها بتمارين الرقص

تنجح الروائية ميرال الطحاوي من خلال روايتها، فى رسم تمزق امرأة شرقية بين عالمين عالم يغطيها من رأسها حتى قدميها، ويعتبر جسدها وصوتها عورة ومنبع للخطيئة والأثم فيجب أن تحجبه عن الجميع، وعالم أخر يرى فى جسد المرأة متاح وسهل وعابر .

الكاتبة ضمنيا فى الرواية تدين العالمين، فهي لم تجد نفسها فى عالم القرية والبدو ولم تجد نفسها في عالم البلاد الحديثة، التي تهب البشر كل شيء ولكنها تستلب منهم إنسانيتهم وإحساسهم بذواتهم.

في آخر الرواية تموت "ليليت" المرآة المصرية، المهاجرة من بلادها منذ عقود وتعيش مع ابنها الوحيد وزوجته وأولاده ،بعد أن كبرت فى العمر وأصبحت تنسى وتفقد جزء من ذاكرتها وحين تعرض مقتنياتها ،فى ساحة البلدة ،و تدهش بطلة الرواية حين تكتشف بانها مقتنياتها الشخصية وملابس ومقتنيات والدتها القديمة وتختم الروائية الرواية بهذا المشهد السوريالي في إشارة إلى تنبؤ بطلة الرواية بموتها، بعد عقود فى البلاد التي هاجرت إليها وتناثر أشياؤها بين الغرباء وسواح المدينة فى رثائية وصورة واقعية ،لنهاية المغتربين عن بلادهم وموتهم ودفنهم في أوطان ليست أوطانهم.

الرواية رغم اعتمادها الكلى على الذاكرة والذكريات وخلوها من الأحداث إلا إن بها الكثير من الرموز والإشارات والإحالات على علاقة الشرق بالغرب وعلاقة المرأة العربية الممتلئة بزخم هويتها وموروثها الشرقي بالغرب.

شاعرات شابات يحلقن بأجنحة الخيال والتمرد

 إنتصار بوراوى



شهدت الألفية الجديدة بزوغ أقلام شعرية نسائية شابة ، حملت وعى مبكر في نظرتها لمجتمعها وللوجود وسطرت رؤيتها فى نصوص شعرية لافتة ،لاقت اهتمام المتابعين ومتذوقي ومحبى الشعر وفى هذا الريبورتاج نحاول الاقتراب من عوالم بعض الأصوات الشعرية المختلفة التي تكتب نصوصها بشعرية فيها كثير من التمرد على اقانيم المجتمع ومحظوراته وبجرأة الطرح الأنثوي في التعبير عن مكنوناتهن ومشاعرهن وعواطفهن نحو الآخر

آية الوشيش وقصائد البوح الرقيق

الشاعرة آية الوشيش هي دكتورة صيدلة من بنغازي صدر لها ديوان بعنوان “زيتونة مجعدة" تنبض قصائدها بالرقة والهشاشة و نصوصها تأخذ قارئها إلى مرابع الدهشة بنعومتها ورقتها وتعبيرها عن ذاتها بكثير من الجرأة ،غير عابئة بعيون المجتمع المترصدة لنصوصها فتقول في نص لها بعنوان     " دعنا نرقص"   

خذ يدى ودعنا نرقص أبد الدهر

يضمني العجز مثلك وأكرهه

خذ يدى لملاذ الدراويش على هامش الوجع

أجهض بالرقص ترهات الفزع

وخذ يدي كصديق

كأخ ..كحبيب كابن ..وكظل

الشاعرة تصرح برغبتها بالرقص مع من تحبه ،نكاية فى الحزن الذى ينشب مخالبه فى قلوبهم غير مبالية بمحاذير المجتمع ومحظوراته ،التى تربط خيط الشنق على رقبة القصيدة النازفة بالبوح الجرىء  فقصائد  آية الوشيش الشعرية فيها الكثير من البوح والرغبة في الحياة وإعلان الحب والرقص والفرح والبهجة كما تقول فى نص آخر لها:

أشياء صغيرة لكنها كبيرة

كلمة حب ربما ممن نحب

فى وقت انشغاله

عناق طويل دون سؤال مابك؟

 

 

الشاعرة نعمة كركرة.. أمواج غاضبة

 

نعمة كركرة هي شاعرة من بنغازي وهى أيضا دكتورة ، ، ربما لأن الطب يعالج الجسد والشعر يعالج الروح ،لذا فليس من المستغرب أن تكون أكثر من شاعرة ليبية ممتهنة للطب ومنهن الشاعرة الشابة نعمة كركرة  التي تبدو قصائدها  كالأمواج الغاضبة ، وتتسم  نصوصها بالقوة والقدرة على النفاذ للمجتمع والوجود بعمق وبكثير من عدم الرضا والغضب كما تصف نفسها فى قصيدة الصحراء

انا ابنة البحر

تغزو عظامي هشاشة الشمال

وتأكل مفاصلي رطوبة المدن

مزكومة برائحة القلق والارتياب

فلا أتذوق طعم الخطيئة

أنا ابنة البحر لاتعرفنى الرمال

إلا موجة غاضبة تنخمد عند شاطئها

وفى قصيدة لها أخرى تصف فيها الشارع بالتقاطات شعرية ذكية وتناجى فيها الحبيب بجرأة متمردة وتطالبه برجم الشارع الذي يتربص بهم بإعلان حبهما بقبلة فى وسط الشارع فتقول :

خطوات الذكور التي تسبق إناثها إلى ناصيته

غسيل الأموال المنشور على ذراعيه

و بصقات المدخنين صباحا في وجهه

تعال نكسر شوكة

هذا الشارع الملعون

ب " قبلة "

 

الشاعرة أمل بنود .. قصائد عنفوان الأنوثة 

أمل بنود هى شاعرة من بنغازى تكتب الشعر بلغة النار، حيث تبدو نصوصها وكأنها تغلى فى مرجل بركانى لايهدأ وتلتقط نصوصها التفاصيل الصغير،ة فى سردية شعرية تعتنى بسرد الحالة الشعرية فى كثير من قصائدها  ،ولقد بدأت الشاعرة أمل بنود كتابتها الشعرية بكثير من الحدية التى تصطبغ بكثير من العنفوان الأنثوى ،قبل أن تتطور لغتها الشعرية وتنضج على نار التجارب وتعتنى أكثر برسم الشعر بسردية وبلغة شعرية جميلة ،وبين من قصائدها القديمة التى كتبتها فى بداية نشرها قصيدة  لها بعنوان "ثورة نسائية" بها كثير من العنفوان ومحاولة لفت الأنظار لكينونتها كإنسانة وشاعرة تقول فيها: 

متمردة أنا فى عصر المراجل

مدينة أنا ليس لها حاكم

جـــــــميلة لا أحتاج أساور

تخجل وينحني عبيرها عندما تراني الأزاهر

عند وصفى يستقيل القلم ويجف الحبر وتطوى الدفاتر

 ثورة لا أحتاج لــــــ ثائر

روح أنا   تسكن المقابر

بلقيس والهدهد هاجر

محاربة سلاحي الأظافر

طفلة أنا تسعدها السكاكر

مطعونة تسكنني الخناجر

مجرمة أنا تطلبني المخافر

آثمة   يتهموني بالكبائر

 

وفى قصيدة اخرى تتمرد الشاعرة على قلبها ، وتعلن كفرها بالحبيب وتبصق على وجهه بجرأة امرأة طاغية الأنوثة تعرف ما لذى تريده من حبيبها ،ومالا يعجبها فيه وبدون مواربة تصرح عن كرهها له في قصيدتها التي تقول فيها:

أنت وغد كفاية في حبي

وقد آن الاوان كي يبصق قلمي في وجهك

وينقلب على مؤخرته

وتأخذ الممحاة في شأنك مجراها

بهذا الشكل تنتقل قصائد الشاعرة امل بنود، بين إعلان الحب برقة وعاطفة جياشة وبين التمرد والرفض الناري معبرة عن روح شاعرة نارية لا ترضى بأنصاف الأشياء وأنصاف الحلول

 

الشاعرة فيروز العوكلى  والبحث عن العدالة المفقودة

فيروز العوكلى شاعرة من مدينة درنة ، لا تتشرنق   قصائدها في خانة علاقة الحب مع الرجل فقط بل تحمل  كثير من قصائدها ،بعدا رؤيويا أوسع وتحمل نظرة نقدية لواقع المرأة فى المجتمع الليبي وتعمل على تفكيك علاقتها بالمجتمع ،من خلال تشريح نظرة المجتمع للنساء اللواتي يحاولن التحليق بعيدا عن خطوط المجتمع وتعقيداته فتقول فى إحدى قصائدها:

أعرف أنكن ترقصن أمام مرآة في غرفكن

لصديقاتكن

وفي حفلات العائلة النسائية

أجساد مغطاة

ضيع النمل الطريق لحلاوتها

أجساد يجرحها الضوء

يتنكر يمازحها يرتطم بها ولا يخترق متاريسها

أجساد تتمايل في مخيلة حلبات الرقص

وترعى جمالها في الظلمة

وفي الصندوق الوارد لصديق وحبيبين

 

وفى قصيدة أخرى لها تلقى الشاعرة أسئلتها الوجودية عن العدالة الأرضية المفقودة وتسأل الله بأسئلة فلسفية عن معنى الوجود فى قصيدتها " كل شيء ينتهي بسؤال"

 

شاهدت في التلفاز

رجلا بقبعة أنيقة ومعطف طويل مكوي للتو

يضعون حبل المشنقة حول ابتسامته

وامرأة أنيقة مصلوبة

شعرها مسدل

على وجه المدينة العبوس

أجلت بكائي

كما تؤجل أسئلتي

مع من تبكي يا الله؟

لمن تبكي يا الله؟

للضحية أم للمجرم

الضحية

مقتول: تمشي في جنازته دموع حبيباته

نحيب النساء من خلف الشبابيك المذعورة

ودعاء الجدات المنشور على حبل الغسيل

 

نورهان عبد الحق .. وقصيدة التفاصيل الحياتية

شاعرة من درنة غزيرة الانتاج الشعرى، تكتب قصائدها بروح طفولية نزقة وتمتلك جرأة جيل شاعرات الألفية الجديدة في البوح والإعلان، عن ذواتهن الأنثوية ومشاكسة المجتمع ومناكشته وشعرية نصوصها مندلقة بكل تفاصيلها، ومشاعرها فهي تكتب عن طفولتها وصباها وزواجها العاثر وطفلها الذي يعاني من إعاقة بكثير من الأمومة الفائقة والحب الدافق كما تكتب عن الحرب ضد الدواعش التي اكتوت بها مدينتها درنة عبر قصائد ترسم ظلال الحرب على نفوس البشر والحجر تقول: فى قصيدة لها عن ابنها

عجز طفلي عن الحراك والكلام

والبوج عما يريد

يسند رأسه على ظهري

يأكل من يدي وينام بين يدى

وفى قصائد أخرى لها عن الحرب التي ترسم تفاصيلها وتصف ويلاتها في كثير من نصوصها نقرأ لها هذا النص التى تقول فيه

وإني أرجع إلى الديار

كما لو أنّني مساء صيفي مكتظ بألسنة الشارع

وكنتُ قد رجوت الله

ألا أعود بفتيل حرب لا ينطفئ

 

قصائد الشاعرة نوران عبد الحق ، جياشة بالمشاعر والتفاصيل فهى تكتب عن كل شىء فى حياتها بنفس شعرى سردي

مع هذه الجولة البانورامية على أبرز الأسماء الشعرية ،لشاعرات الألفية الجديدة نلمح روح كبيرة تجمعهن فى كتابة الشعر بروح وثابة ،ومتمردة مخترقة للإشارات  الحمراء التي يضعها المجتمع كقيد على كتابة المرأة ،فهن يحلقن فى عوالم الشعر بأجنحة الخيال والحلم ومقاومة مجتمعهن الذى يسعى لتكبيلهن ومنعهن من الكتابة والبوح وإعلان ذواتهن الإنسانية قبل الأنثوية برؤية واسعة وعميقة للمجتمع والكون.

الأربعاء، 15 مايو 2024

حصون على الرمال... تريبوليتانيا الليبية

 



إنتصار بوراوي

 كتاب حصون على الرمال.. تريبوليتانيا الليبية 1934» للرحالة البولندي برونيسواف كريستين فيجايسكي الذى  ‏قام بترجمته ميخائيل عبدالله و‏الصادر ،عن منشورات   (دار الجمل)، يجوب بالقارىء في سفر ورحلة زمنية إلى ماقبل تسعين ‏عام من التاريخ الليبي، عبر المشاهدات الحية للرحالة البولندي برونسيوف الذى زار ليبيا ودون رحلته إلى المدن الليبية خلال ثلاثينيات القرن الماضي ببراعة وأسلوب سردى جميل.

برونيسواف كريستين فيجايسكي هو طالب بولندي في ‏العشرينيات، من عمره كان يدرس بإحدى جامعات روما دعاه صديقه الإيطالي لزيارة المستعمرة ‏الإيطالية الليبية ،والتمتع بجمال الصحراء الأفريقية ونجح الشاب حين وصل إلى ليبيا بشهر يناير من عام 1934 ،فى الحصول على رخصة من ‏قيادة الجيش الإيطالي في المستعمرة تخوله حقّ استعمال المواصلات العسكرية ، مع المبيت مجاناً في كل مراكز ‏الحصون العسكرية والإعفاء من تكاليف التغذية في المطاعم العسكرية وثمن المواد الغذائية من المخازن ‏العسكرية.‏

بالبو في مدينة طرابلس

يبدأ المؤلف الشاب ‏ برونسيواف  ‏ مشاهداته في مدينة طرابلس بوصف مجيء حاكم ليبيا الجديد الإيطالي بالبو واستقبال الناس له ‏بالمدينة بقوله :‏

بحر من والرؤوس البشرية وفوقها علقت بكثافة لافتات زرقاء ممتدة على عرض الشارع كتبت عليها بخط ‏عريض واضح كلمة واحدة "بالبو" وليس هناك عبارة أخرى سواها بعد لحظة يندفع إلى الأمام، رتل من ‏السيارات في السيارة الأولى بالبو مع مطران طرابلس، وفى السيارة الثانية ركبت زوجة بالبو برفقة الجنرال ‏سيسلانى وهو قائد القوات المسلحة فى ليبيا ،يبتسم يالبو يحى الجمهور ويرد التحية محولا نظره من جهة إلى ‏أخرى عند عبوره على أرتال بليلى و"بيككولو إيتاليانو" يقف فى مكانه ويرفع القبعة ،من على رأسه ،تصفيق ‏شديد وهتافات حماسية ،حارة ،باقات من الورود يلقيها الأطفال على السيارةص45‏

ويتجول الشاب البولندى داخل مدينة طرابلس ،ويصف  ببراعة تفاصيل المدينة القديمة بطرابلس ونوعية الناس ‏الذين يسكنونها من ليبين بسطاء ويهود وأتراك وإيطاليين ،وطبيعة عملهم بحرف يدوية ،فى دكاكاينهم البسيطة ‏ويصف سوق الترك الذى كما يقول يخيم عليه الصخب والضوضاء ، بدكاكاينه المكتظة بكل مايريده المشترى ‏من مصنوعات جلدية ،ونحاسية وفضية وطرابيش وأقمشة وتوابل وعطور وجلد أفاعي ،وغيرها من دكاكين ‏الحرفيين ودكاكين القصة 

يستغرب برونيسواف من طريقة ذبح الخراف والعجول، ويصفها بالقذارة والوساخة وينتقد كما يسميها رائحة ‏الشرق التي، لطالما تغزل بها الشعراء ولكنه سرعان ما يتراجع عن رأيه بقوله بأن للشرق جاذبية ،رغم كل ‏شيء وعليه ان يستكشف أسراره وهذا سبب مجيئه وزيارته لليبيا ،فهو نهم للمعرفة وإلى استكشاف ليبيا التي ‏تسطع تحت شمس أفريقيا الحارقة ،وتقوده رحلته لاستكشاف أسواقها وشوارعها القديمة ومساجدها ،فيدخل ‏إلى مسجد فرجى ويصف ببراعة زواياه ومنارته التي يخرج منها صوت المؤذن، ثم يقصد الشوارع والمقاهي ‏الأوربية التي بناها وشيدها الإيطاليين، وينطلق إلى سوق الجمعة وهى قرية تبعد عن طرابلس بخمسة عشرة ‏كيلومتر ،ويعرض فيها كل يوم جمعة من الأسبوع مختلف السلع الشرقية التي يتوارد، عليها حشد من الليبيين ‏واليهود والزنوج على أقدامهم أو على ظهور الحمير ،وعبر زحام السوق يصف تقسيمات السوق المتنوعة بين ‏بيع الجمال وقطعان الماعز، ومختلف  السلع الغذائية عبر أجنحة مختلفة ويلفت نظره وجود  ،خياطات يهوديات ‏يقمن بخياطة بقص وخياطة ألبسة داخلية بسيطة ويهوديات ،أخريات يقمن ببيع مسبحات وعطور ومرايا ‏

ينتقل بعد ذلك إلى قرية العمروس، وهى كما يقول قرية يهودية منقولة حرفيا من العهود البعيدة، التي تتحدث ‏عنها كتب التوراة والتي يصفها بانها "عبارة عن أزقة صغيرة تفصل المساكن المنخفضة الشبيهة بالسور ‏المغلق الأعمق لولا بعض الفتحات النادرة التي تستخدم كأبواب للدخول ويعمها الفقر المدقع والروائح الكريهة ‏والأوساخ.‏

ويمضي الشاب البولندي في رحلته ،ميمما صوب تاجوراء التى يصفها بأنها واحة غنية تعطى المياه الجوفية ‏الحياة لآلاف مؤلفة من أشجار النخيل الضخمة ويقيم البدو فبها خيامهم بين الأشجار ‏

وبداخل قرية تاجوراء قام الإيطاليين ببناء مدرسة علقت في وسط قاعتها صوة الملك وموسولينى بكتابة ‏ضخمة "حياتكم لإيطاليا الإخلاص للملك ،القلب للقائد"‏

ويذكر الكاتب بـأن الدراسة تستمر بالمدرسة لمدة أربع سنوات، يداوم بها الطلاب يوميا والصفوف خليط من ‏الطليان والليبيين، "السكان الأصليين وأولاد العائلات الفقيرة يدرسون مجانا ويحصلون على وجبة غذاء ‏بالمدرسة.‏

سكان الكهوف في غريان وقرية تيغرنة ‏

يزور الرحالة البولندي" برونيسواف كريستين فيجايسكي " مدينة غريان التي تبعد100كيلو عن طرابلس ويدفع ‏ليرتين، لأحد الرجال الليبيين ،كي يدخل مع صديقه الإيطالي مارسيلو إلى الكهوف المحفورة بجبال غريان التي ‏يقطنها أهل المدينة ويصف الكهف ،وطريقة العيش فيه ،الصعبة والقاسية ويظهر استغرابه من قدرة أهل المنطقة ‏على العيش فيها رفقة زوجاتهم وأولادهم، وحتى جمالهم لطبيعة الصعود إليه الصعبة والوعرة.‏

ويجد الرحالة البولندي مع صديقه الإيطالي، فجاة نفسه مع "سكان الكهوف" من اليهود ويشاهدون الورش ‏البدائية ،للغزل والنسيج التي تقوم بها النساء اليهوديات اللواتي لا يخجلن كالعربيات ،ويهربن منهم بل يقبلن ‏عليهم للحديث معهم لبيع سجاداتهن ،ثم يزوران معبد يهودي تحت الأرض يعود تاريخه إلى 400 عام يوجد ‏بخزانته بعض الكتب اليهودية، المقدسة ويقدم لهم الرابين كتاب التوراة لمعاينته  ثم يحملهم إلى قاعة دروس ‏المعبد الذي يقرأ ويدرس  فيه الأطفال  التوراة ويصف الكاتب الرابين المشرف على تدريس الأطفال بجسمه ‏المعقوف وذقنه الأبيض وعمامته الخضراء

فى فصل من الكتاب يدور حديث، بين ضباط إيطاليين والرحالة البولندي عن اليهود ويبدى أحد الضباط تذمره، ‏من تمكنهم السيطرة على البنوك والاقتصاد في أوروبا وعن العجز عن محاربة مجموعات رؤوس الأموال ‏اليهودية ،وهذا الجزء من رحلة الرحالة البولندي ‏يعطى صورة واضحة عن تعايش اليهود في المجتمع الليبي ‏بأمان وسلام دون تعرضهم للمضايقات أو التنكيل  قبل احتلالهم لفلسطين .‏

يمضي الكاتب فى وصف ترحاله، وتجوله في مدن الغرب الليبي عبر قيادة دراجته بين المزارع والحقول ‏ويبدو الكاتب منبهر بما يقوم به المستعمر الإيطالي، من زراعة الحقول حول المدينة على مد النظر وبناء ‏المدارس والمؤسسات الحكومية، ومن خلال ثناؤه على ما يفعله الاحتلال الإيطالي يظهر جليا  ،أن الكاتب الزائر ‏لليبيا لا يجد غضاضة في الاستعمار ويرى فيه بارقة ،للنهوض بالبلاد المتلهفة لبلاد متحضرة معبرا بذلك عن ‏النظرة الاستشراقية، المعتادة للإنسان الغربي تجاه العرب فهو يشيد بالمستعمرات والمستوطنات التي ‏بناها المحتل الإيطالي، والتي تمنحها الحكومة لمن يريد تعمير قطعة أرض فى ليبيا فيقوم بزراعتها والاعتناء ‏بها بعد إبرام عقد مع الحكومة الإيطالية التى تساعده ،في بناء البيت وتحفر له بئر وتقوم بتوصيل البيت بالطريق ‏ويقوم صاحب الامتياز، بدفع نصف التكاليف للحكومة أما النصف الثاني فيتعهد بتسديده بعد عشرة سنوات، وبعد ‏المدة المحددة تقوم لجنة من  الحكومة بفحص المستعمرة مع موازنة لما تنتجه وإذا تبين إن المتعاقد نفذ ‏شروط الاتفاقية، حينها يعطى الحق بدفع النص المتبقي من التكاليف وبهذا تصبح المستعمرة بكاملها ملكه، ‏فالحكومة الإيطالية كانت تقدم كل التسهيلات  للإيطاليين للاستيطان في ليبيا لاعتقادهم بأنهم سيبقون فيها إلى الأبد ولكن هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية حطمت كل التخطيطات والأحلام ‏الاستعمارية لإيطاليا

رحلته إلى الجفرة

ينتقل الرحالة من أقليم طرابلس إلى الجفرة ،ومدن الواحات هون وسوكنه وودان ويقدم إحصائيات مهمة عن ‏أعداد السكان في كل مدينة وطبيعة عملهم ،ويتحدث عن المقاومة التي قادها سيف النصر والى فزان ضد ‏الاستعمار الإيطالي التي قمعها الجيش الإيطالي بقيادة ناتالى ،والذى حكم على سيف النصر بالموت فلجأ إلى ‏مصر لحمايته  من الاحتلال الإيطالي ،ويشيد  الكاتب بازدهار هون والجفرة إلى الحاكم الإيطالي ناتالى الذى ‏عمل على تنظيفها وأنشأ طرق معبدة وبناء أقواس وحصن ومدرسة ومستوصف وورشات ميكانيكية ‏

يبدع الرحالة ببراعة فى ذكر تنقلاته وسفره بين المدن ،بأسلوب سردى ‏جميل به كثير من البراعة السردية ‏الأدبية من حيث التصوير البلاغي والتشبيه والوصف الأدبى، الجميل للمدن ‏والناس وعاداتهم الاجتماعية فى ‏الأكل واللباس وحفلات الزواج وطريقة عيش حياتهم  فيبدو الكتاب ليس مجرد كتاب ‏رحلات عادى بل قطعة ‏سردية أدبية ممتعة  في أدب الرحلات بجمالياته الأسلوبية في وصف المدن والناس والبحر الذى ‏يكتب عنه ‏فيقول:‏

‏" أنا افضل البحر ولا ارضى عنه بديلا ،فالبحر فى تغير أبدى هو خلاب دوما وفاتن يعطى الإنسان راحة بدنية ‏كاملة ‏كالبلسم العجيب الذى يكوى جراح الروح وآلام النفس وحسرات القلب وهذا الانتظار ثم الانتظار لمفاجأة ما ‏فى الأفق ‏البعيد حيث تتداخل المياه بالسماء اللامتناهية مشكلة قطعة واحدة بدون أبعاد ..ياله من شعور كامل ‏بالحرية الحقيقية ‏ص257‏

وفى مقطع أخر من الكتاب يصف محبته وحزنه لوداع مدينة براك الشاطئ الصحراوية في الجنوب الليبي بقوله ‏‏"هى مرة ‏فكرة مغادرتك يابراك ،أنت التي فتحت لى ذراعيك الكريمتين وآويتني بين ظهرانك يا لؤلؤة وضاءة ‏لامعة في واحات ‏مقاطعة فزان  قاطبة"‏

ويذكر الرحالة الشاب بأن هناك مرسوم تشريعي صدر بتاريخ 3/12/1934 يقضى بضم تريبوليتانيا وسيرينايكا ‏بمستعمرة واحدة تحت قيادة ‏والى عام مقره الثابت طرابلس وتحمل المستعمرة "اسم ليبيا"‏

في نهاية الكتاب يورد" برونيسواف "معلومات إحصائية، مهمة وبالأرقام عن أقليم طرابلس تشمل معالم ‏الطبيعة والتعليم، حيث رصد بالأسماء والأعداد مختلف المدارس بمدن أقليم طرابلس وأسماء الصحف و النوادي ‏والتجار والثروة النباتية والحيوانية وتعداد السكان بالمدن، وتوزيعهم وأصولهم ويعتبر الجزء الأخير من الكتاب ‏مصدر وثائقي مهم للباحتين والدارسين لتلك المرجلة من عمر ليبيا ‏

ويتحدث  المترجم ميخائيل عبدالله عن مصير مؤلف الكتاب وعن سبب عدم وجود أى ذكر له في بولندا  بعد ‏صدور كتابه فى عام،1935م حيث اكتشف بعد البحث والتقصي بأنه توفى مقتولا  على يد القوات الروسية وذلك ‏بعد أن راسل المترجم عدة جهات ثقافية ببولندا للتقصي عنه ،فوصلته  رسالة  من هيئة حماية ذكرى المعارك ‏ بأن المذكور، وجد اسمه ضمن تسعة عشرة ألف ضابط من ضباط الجيش البولندى ،الذى تم قتلهم ‏وأبادتهم جميعا على يد القوات الروسية ،برصاصة فى الرأس فى منطقة تدعى كاتين تقع فى أقصى غرب ‏روسيا فى سنة 1940 م وتم العثور على جثته عند النبش فى المقبرة الجماعية بغابة كاتين سنة194 م  وبذلك ‏انتهت حياة الشاب البولندى برونيسواف‏ بطريقة مأساوية وهو فى سن الثلاثين من عمره، تاركا خلفه كتاب رحلات  قيم ‏كان شاهد على حقبة مهمة في تاريخ ليبيا.

الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...