السبت، 27 نوفمبر 2021

وجدان عياش ومراعى الكلأ الافتراضي



إنتصار بوراوى

 

وجدان شكري عياش شاعرة فلسطينية  لا تتذكر بلادها فلسطين إلا كطيف  في خيالها وفكرها بعد  أن تركت عائلتها  فلسطين ،بعد النكسة وهى بعمر الخمسة سنوات ونزحت إلى ليبيا ولكنها لم تنسى فلسطين، والأرض التي أغتصبها الآخرون ليجيروها باسمهم فخرجت أجيال وراء أجيال تنبض باسمها في إبداع إنساني شعري وقصصي وروائي عظيم . 

وجدان يمامة البوح الشجى، كانت بدايتها الشعرية حين اصدرت ديوانها الأول "قصائد تتعقب ألفة الحروف " ، الذى كان يعبر عن ذات حالمة وادعة ولكن في دواوينها التالية  خرجت من حالة الحلم العفوي، الرقيق لتتشح قصائدها برداء ايروتيك كثيرا ما أثار غضب، بعض ضيقي الأفق والخيال ،فالشاعرة وجدت  في الخيال تعويضا عن واقع الحرمان، الذى عاشته لفترة طويلة من حياتها  فكان الشعر هو المنقذ لها، من جدب الحياة بجسدها المهدور الذى أخذت تدلله بقصائدها العابقة برائحة الاشتهاء  ،ولجأت  إلى خيال القصيدة تغترف من معينه غير عابئة باللعنات التي  تصوب نحو قصائدها، منذ بداية النفس  الأيروتيكى في قصائدها التي أصبحت أكثر شراسة فلقد تخلت اللغة ،عن هدوءها الرومانسي لتكتسي، بصور شعرية نثرية ملتحفة رداء ثورة جسدية ، فمراعى الكلاء الافتراضي هي نصوص متوهجة بالحب وكما يقول رولان بارت "يحتاج النص إلى عاشق موله لا يتورع عن اختطاف محبوبته والبقاء معها فى المطلق بعيدا عن كل حدود المنطق والواقع"

النصوص قائمة على حوارية متخيلة ،بين أنا معشوقة وأخر عاشق  عبر النصوص النثرية المتكونة من ( 114 ) ،نصا نثريا يلفحك وهجها وعشقها ونزقها وخيباتها فى لغة طازجة عارية من التكلف  تبدأها الشاعرة  بسرد ،واقعة العشق الافتراضي الذى يمثل حالة جديدة فى كتابة النصوص النثرية التي تتكئ على التكنولوجيا، فى التواصل مع الأخر المتواجد بعيدا عن جغرافيا ،المكان ولكنه يحل في الخيال والفكر عبرحالة عشقية  عابرة للجغرافيا والبحار والمحيطات ، لهذا كان عنوان الديوان  "مراعى الكلاء الافتراضي " فمراعى كلاء القلب في الألفية الجديدة لليلى القرن  الواحد والعشرين غدت  تتم عبر الواقع الافتراضي لشبكة الانترنت  لا الواقع الحقيقي علي الأرض

 تذيل الشاعرة رسائلها باسم "لباس الخاتم"الشبيهة بزهرة "عوينة القطوس" وهي زهرة جميلة تتهدل أوراقها كرفيف عيون قطة ناعسة

أما الشخص المجهول الذى تتبادل الرسائل معه فتطلق عليه اسم "تاتم بن تاتم" الشبيه بأوراق النعناع الجاف.   

 الشاعرة في نصوصها هي امرأة متوهجة بحب لا يموت، ولا يندثر وكأنها خلقت من طين العشق الذي لا يرتوى، تنثر مرايا الروح فيها بلغة الجسد فلغة الرسائل النثرية عابقة بانتظار ما لن يجئ ، و بمرايا الجسد الذى لا يجد منفذ للارتواء إلا عن طريق الخيال الشعرى، كبينلوب العاشقة التي تحيك من سجادة الصبر طريق لانتظار الراحلين .

تمضي وجدان في كتابة نصوصها بروح مرهفة فيما يكون الرد من"تاتم بن تاتم " الشبيه بورقة النعناع الجاف، كما تصفه الشاعرة به الكثير من شرح اليومي والتفاصيل الحياتية عكس رسائل الشاعرة العاشقة" زهرة عوينة القطوس " المضمخة بكثير من الوجد والهيام والحب، والمشاعر الدافقة واللغة الحسية المتخمة بصور شعرية مكثفة كسيل نهر عذب رقراق.

في اول رسالة رد من الحبيب الافتراضي، الذى أرسلت له رسالته الأولى يخبرها بإحساس المفاجأة من رسالتها قائلا : نثرت بهائك عبر الأثير، انساب البهاء طيفا ملونا واستلقى على عتبة بريدى ، ولايد تلتقطه ، أو فم يناغيه، أو مجنون يتحسس سلال فاكهته المستديرة ، فقد كان محملا بهداياه ، مصابا بحالة عشق افتراضي قاطعا فيافي الوجد كأن سليمان النبي ارسله"

ويمضى المجهول الذى تراسله الشاعرة، في شرح أسباب عدم قدرته على قراءة أول رسالة منها نتيجة عطل نظام الأنترنت لديه ،وفى رسالته الأولى يذكرها بلقائه الآول بها في مدينة بنغازي باحتفالية ثقافية ،ثم يروى لها محطات حياته في العمل الدبلوماسي بين مدن العالم، من الرياض وجدة ، والبحرين والكويت ومن خلال رد رسالته يعبر عن فرحته برسالتها الأولى، التي يصورها بأنثى تتغنج وتفيض بدلالها ويشكرها على فتح بوابة الكتابة التي نامت منذ سنوات ، نتيجة العمل والتنقل من مدينة لأخرى

وتندلق الشاعرة التي تطلق على نفسها اسم لباس الخواتم، في فيض مشاعرها وتصفه في رسالتها بورقة نعناع جافة متشققة ، ولكن نسيم حروفها ستعانق وريقاته الجافة حتى يفوح شذاه وعطره.

و ترد الشاعرة على رسالته ، التي يشكو فيها من كأبة المكان  وغربته  بنص يحمل عنوان جذاب "سأفتح الباب لذئب الكتابة" ، وفى هدا النص النثرى الجميل تنهمر الشاعرة فى الكتابة بعشق وجنون وكثير من الشبق ، واصفة كلماته بالنطف التى تتغلغل برحمها ، فالشاعرة ترى نفسها، كحقل والحرف مسح اثرها تنبش به تربتها كى تخرج أطايب ولذائذ مشاعرها الدافقة ، ولكن الحبيب الافتراضي الذى تراسله الشاعرة يقوم بحركة مفاجئة برد كل رسائلها إلى بريدها، دون ان يرد على رسائلها الأخيرة فترد عليه برسالة قاسية تخبره فيها بأنها لن تراسله ، وستتوقف عن مراسلته لأنه صفع كلماتها برده المهين، ولكن الشاعرة لا تنفذ وعيدها، ونقرأ ثلاث رسائل تكتب فيها وجدها وعشقها إليه فيرد عليها برسالة مشاكسة "مع هذا الجفاف ألا تتوقف ؟، حيث يبدى استغرابه من دففها ويصفها بالشاعرة الرومانسية المفرطة " انت من الرومانسيات اللواتي يرتحن فى حدائق الورد،  لم تدم غفوتك الرومانسية فسرعان ما أطلقت عليها ماعز رسائل الاخرى ليأكل اخر وردة زرعتها فى رسالتي الأولى التى بعثتها لك"

ويصف عدم رده على رسائلها ، بالدواء المر الذى يجب أن تتجرعه كي تشفى من اسقامها الرومانسية ثم يعترف لها فى رسالته بان عليه ان يكون جاف ، كأوراق النعناع حتى لا يضعف أمامها

ولكنه ينهمر فى رسائله التالية ، ويرسل لها مجموعة من الكتب والمجلات التى يناقشها فيها ، ويبدو  برسائله التي يحدثها فيها عن جديد الأدباء والكاتبات العربيات، وكأنه يأخذ دور الاستاذ، الذى يوجه تلميذته لقراءة ما يتعين عليها قراءته  وتشعر حين تقرا رسائله ، بان ثمة حس سلطوي في طريقة مراسلتها  فهو لا ينهمر مثلها فى الكشف عن مشاعره وعواطفه ، بل يتخفى خلف ألف حجاب وحجاب ربما هي عقدة الرجل الليبى الذى يرى فى التعبير، عن عواطفه ضعف  لذلك هو يستلذ مناكفتها  ومشاكستها والتلذذ بقراءة رسائلها، التي هي عبارة عن نصوص نثرية في منتهى الرقة والعذوبة في تعرية الذات ، ذلك التعري الذى لا تجرؤ عليه إلا شاعرة جريئة ضربت بكل  الممنوعات عرض الحائط ،واستطاعت بعد مداورات و سلاطة لسان الحبيب الافتراضي ، أن تنزع غطاء الجلالة عنه ، وتجعله يبوح لها بمكنونات قلبه  ورغبته بها في رسائله التالية بعد أن عاقبته بالصمت الطويل، وتأتى أول رسالة منه بلغة مختلفة بعد كل المداواة ومحاولات الهروب، ويعلن استسلامه لمناوشات حروفها ولغتها التي تتسلل إلى أوردة قلبه ويكتب لها رسالة عنوانها

" أفكر فى الاستحمام بماء حروفك"، حيث ينهمر في لغة شعرية طازجة معتذرا عن كل رسائله الجافة السابقة، معترفا بأنه مثل راعى بدعوى :" ألم تسمعي بالمثل  الذى يقوله البدو عن الزراعي، يكسر الشاة ثم يحملها ذلك هو أنا ، أكسر عظام  وصالة ولغتك بعنادى ، وأجعل دموع حروفك تقطر وتهر على مخدة أفكارك، ثم أجلس جلسة راع زفر مهموم ينتظر جبر كسرها وانتظار يراع حروفها " ، وتنهمر رسائله بلغة آخاذة تخلصت من حدتها وأزهرت بنصوص  نثرية تنبئ على ان كاتب الرسائل او الحبيب الافتراضي هو كاتب ضليع متخفى خلف سياج الدبلوماسية ، وتفيض الرسائل المتبادلة بين الحبيبين الافتراضيين بالشبق  في كتابة نصوص شعرية ونثرية معطرة بكثير من البوح والرغبات والاشتياق والأيروتيكية فيما تفيض نصوص الشاعرة وجدان عياش بالوجد والحب والغامر ، والتى تعبر عنها عناوين الرسائل النثرية "ياسمين يعرش على باب حديقة منسى"، و"دفء يغرينى بنزع غلالة الخجل، "أى فتنة تمنح لهوس روحي بخيال جسدي المقموعين ؟

ويرد عليها الحبيب الافتراضي بنصوص شجية  ،مندلقة بعنفوان الرغبة والحب أغمض عينيك فأنا قريب"، ونصه "انا محموم بك"،"العبث اللذيذ"ط"

نصوص رسائل "مراعي الكلأ الافتراضي “،ليست مجرد رسائل ، أدبية بين حبيبين  بل هي فيض بلاغي ولغوي لا يمكن أن تغمض عينيك كقارئ، عن جمالياته النثرية  فعدا عن بضعة رسائل مباشرة تتحدث عن الحال والأحوال ،والتفاصيل اليومية للحبيب الافتراضي ، فأن باقي النصوص هي لوحات شعرية نثرية خلابة ، متبادلة بين شاعرة مرهفة خلعت ، رداء رومانسيتها التي قرأناها  فى ديوانها الأول ، لتدخل ميدان الكتابة الايروتيكية ، المزدانة بكثير من الشبق والرغبات في تعبير لغوى عن الجسد المقموع الذى وجد فى البوح والكتابة والتراسل الشعرى مع حبيب افتراضي   غير موجود أمامها، فهى لا تراه ولا تلمسه ولا تشم رائحته ، بل ربما تضفى  من خيالها الكثير من ا لبهاء عليه  ، ولكننا كقراء كسبنا قراءة نصوص نثرية مضمخة بكثير من الحلم والخيال والرغبات والحب والوله ، ونشر رسائل النصوص النثرية  الجريئة يحسب للشاعرة وجدان شكرى عياش ، كما ان إخفاء اسم الحبيب المرسلة إليه الرسائل  يوضح مدى خوف الكاتب الليبي من الإعلان عن جرأته ، وإخفاء جانبه العشقي الذاتي واعتباره شيء معيب يجب اخفاؤه  فيما كانت الشاعرة أكثر جرأة وشجاعة من الرجل الذى تخفى تحت اسم مستعار كى لا يكتشفه أحد وكأن الحب خطيئة يجب التستر من إعلانها.

فن المراسلات الأدبية الغرامية ، قديم وموجود بين الأدباء العرب والغربيين ومنها  مراسلات فدوى طوقان و أنور المعداوى، وغادة السمان و غسان كنفاني وأنسى الحاج ومى زيادة وجبران وفى الغرب مراسلات البير كامو وماريا كارزاس،،و حنة أرندات وهايدغر ، وسيمون بو فوار وغرين أليسون ، و رسائل كأفكارنا إلى ميلينا.

وربما هذا أول كتاب فى فن تبادل الرسائل الغرامية في ليبيا فلم يسبق أن نشرت أي مراسلات بين أدباء وأديبات من ليبيا، ولكن الشاعرة وجدان عياش  استطاعت عبر كتابها" مراعى الكلأ الافتراضي كشف الستار عن رسائل نثرية  متخمة بكثير من الرقة والجمال.

 

رسائل إلى ميلينا.......قصة الحب المعذّب

 

إنتصار بوراوى

"رسائل الى ميلينا" للكاتب التشيكي فرانز كافكا هو كتاب صدر عن «دار الأهلية» للنشر في عمان، وقامت  بترجمته هبة حمدان وراجعه ودقّقه محمد حنون

الكتاب  يعرض  لرسائل الكاتب التشيكي فرانز كافكا إلى  حبيبته الصحافية والمترجمة ميلينا جيسينسكا حيث  كتب كافكا ما يقرب من 149 رسالة وبطاقة بريدية ، 140 رسالة منها كتبت خلال فترة لا تزيد عن 10 أشهر، من مارس/آذار إلى ديسمبر/كانون الأول من العام 1920، بمعدل يصل أحيانًا إلى أكثر من رسالة في اليوم الواحد.                                                  

فرانز كافكا(3 يوليو 1883 - 3 يونيو 1924) كاتب تشيكي كتب بالألمانية، وهو رائد الكتابة الكابوسية ،  ويعد أحد أفضل أدباء الألمانية في فن الرواية والقصة القصيرة ودرس  كافكا الكيمياء والحقوق والأدب في الجامعة الألمانية في براغ (1901)، وفي  18 يوليو 1906 حصل على درجة الدكتوراة، في القانون وعمل موظفا في شركة تأمين حوادث العمل  ، أمضى وقت فراغه في الكتابة الأدبية التي رأى فيها هدف وجوهر حياته  القليل من كتاباته، نشرت خلال حياته، معظمها  يشمل رواياته العظمى (الحكم) و(الغائب) التي لم ينهها و نشرت بعد موته، على يد صديقه المقرب ماكس برود، الذي لم يستجب لطلب كافكا بإبادة كل كتاباته.

الصحافية والمترجمة ميلينا جيسينسكا ، هى مترجمة وكاتبة تشيكية  ولدت  في “براغ” في أغسطس  1896 ، وكان والدها جراح أسنان معروف وأستاذ في جامعة براغوز شارلي، وتوفت والدتها وهي في عمر 13 عاما ، كانت تعمل مترجمة لكتابات “كافكا” للغة التشيكية ، وكان عملها هو السبب الرئيسي لتبادل الرسائل بينهما عام 1920، وكانت ميلينا مقاومة للاحتلال النازي لبلادها  وقام النازيون بإلحاقها بمخيم للمعتقلين الذين ساعدوا اليهود ، وتوفت  في 1944  عن عمر يناهز الخمسين عام .

في مقدمة الكتاب يذّكر الدكتور محمد حنون ،بأن ناشر كتاب الطبعة الأولى من كتاب “رسائل إلى ميلينا” ويلي هاس وصف ميلينا في شبابها بالتاليط كان يخيل لمرافقيها، وكأنها امرأة نبيلة من القرن السادس عشر، أو السابع عشر، تضفي على اللحظة طابعاً إيطالياً قديماً، وكأنها تعيش في رواية قديمة مع دوق جسور مقدام، ذكي، لكن طبيعتها المتهورة، كانت تطفو عندما يسوقها قلبها ولطالما هذا ما حدث في شبابها، كانت غامضة وطيبة إلى حد الخيال، تأسر القلوب بغموض عجيب

 كانت ميلينا  في الرابعة والعشرين من عمرها ،عندما قامت بترجمة كتاب "الفحام" لفرانز كافكا الى اللغة التشيكية  وكان  كافكا ، قد التقى بميلينا للمرة الأولى في بداية الخريف في شهر سبتمبر من عام 1919 في أحد مقاهي براغ، حيث اقترحت عليه ميلينا يزينسكا، أن تترجم أعماله من الألمانية التي كان يكتب بها إلى اللغة التشيكية

 و خلال عملها على ترجمة كتابه، بدأت المراسلات بينهما في عام1920 م وكان فرانز كافكا في الثامنة والثلاثين من عمره، فشل في مشاريع زواجه حيث انتهت خطوبتين سابقتين له لم تتوجا بالزواج ، وربما  لذلك وجد في مراسلاته لميلينا البراح للحديث عن نفسه وحياته وعن كتاباته  بأريحية وصفاء  وعراء نفسى تام .

في مراسلات كاتب الروايات الكابوسية الغرائبية، يكتشف القارئ الوجه الحساس للروائي الّذى يكتب تفاصيل يومية، كثيرة في رسائله فهو لا يغفل أي حدث يمر به  في يومه  دون أن يسرده  بأسلوب سردي قصصي جميل تنهمر فيه يومياته الحياتية  ويذكر في رسائله تفاصيل معاناته من مرض السل، الذى كان يعانى منه منذ عام  1917 م ونزيف الرئة الذى ينتابه من حين لأخر، ويبدى خوفه من الوعكة الصحية التي تلم به من حين لأخر والرسائل في اغلبها تحوى أفكار ونقاشات عن كتبه ورواياته وقصصه،  وروايات دستوفسكى،  وغيره من الأدباء .

في بداية المراسلات بينهما يبدو كافكا، راغبا بمعرفة كل شئ عن تفاصيل حياتها وتفاصيل أيامها وعن علاقتها بأهلها، وكذلك يحدثها عن علاقته بأهله وأخته حيث يبدو واضحا أنه يجد ارتياح وسعادة في البوح لها بمكامن نفسه ،فالعلاقة بينهما لم تكن  علاقة حب  فقط بل أيضا علاقة صداقة فكرية يبدو فيها واضحا الانسجام والارتياح، بين كافكا وميلينا ،لذلك يروى لها كل هواجسه وأفكاره ويحدثها عن علاقته بوالده وخطيباته السابقات وأسباب فشله فى علاقته معهما.

في إحدى رسائله يصف ببراعة لعب طفلتان ،من بنات الجار الودود معه في لوحة قصصية رشيقة ثم في رسالة أخرى ،يتابع ما ترسله له ميلينا من ترجمات قصصه إلى اللغة التشيكية ويقوم ببعض التعديلات ، كذلك يبدى رأيه  بمقالاتها التي تنشرها في الصحافة التشيكية ، ويبدى اعجابه بقوة قلمها ورشاقته ويناقشها في أفكار مقالاتها بحرص ، ولا يستنكف أن يعترف لها بمرضه بقوله : أنا مريض روحي وأن مرض الرئة ـليس إلا امتداد لمرضى الروحي ويمضى في رسائله مندلقا ،في بوح شفاف عن هواجسه وأفكاره ورؤيته لمعنى وجودها بحياته ،بأسلوب   قصصي جميل و يصف علاقته بها كما يقول في هذا المقطع "بأنه يشعر كما لو أنه في مكان خطير وهى واقفة بثبات بجانب الشجرة، شابة جميلة لمعان عينيها يبدد آلام العالم وها أنا أجر نفسى من شجرة إلى شجرة وأنت تناديني لتنبهيني من الأخطار وتمديني بالشجاعة اللازمة".

 تلفحك حرارة وقوة رسائل كافكا ، ودفق مشاعر كاتبها، ووصفه الإبداعي وأسلوبه القصصي في سرد يومياته ورسمه للتفاصيل الدقيقة في يومه  التي يكتبها ويرسلها لها بشكل يومي

ولكن رسائل كافكا لا تسير في وتيرة واحدة من البوح، وإنما تعلو فيها أحيانا لغة الغضب والتبرم، وردة الفعل العنيفة ، ويحدث ذلك   كرد فعل على عبارة لم تعجبه من كلامها برسائلها إليه ، ولكن سرعان ما تهدأ ثورته وغضبه، ويطلب منها الصفح ويمضي في سرد تفاصيل طفولته وماحدث فيها من تفاصيل أثرت على شخصيته التي تبدو من خلال حديثه رسائله خصبة بالعاطفة والاحاسيس و يبوح لها قائلا:

 فأنتِ تنتمين إليّ، حتى ولو قُدّر ليّ ألا أراكِ ثانيةً على الإطلاق

وفى مقطع عذب جميل ثرى بالصور يكتب لها:

لماذا، بالمناسبة، أكون كائنًا بشريًا في الوقت الذي أتحمل فيه كل عذابات هذا الوضع بالغ الاضطراب؟ لماذا لا أكون مثلًا ذلك الدولاب السعيد في حجرتك، ذلك الدولاب الذي يتطلع إليك مباشرة عندما تجلسين إلى مكتبك، أو عندما تستلقين، أو تأوين إلى النوم لماذا لا أكون أنا ذلك الدولاب ؟

في رسائل كافكا نكتشف الروح الهشة لكافكا ، الروح الممتلئة حب ووجد ورقة وعشق الممتزجة بروحه ا لقلقة، التي لا تهدأ أبدا والتي تتكشف عبر رسائله إلى ملينا فهو يكتب بشكل يومي رسائل مطولة ،عن أفكاره وهواجسه وتخطيطاته لما يكتبه ومواعيد اسفاره ، وحتى عندما يسافر  لا تنقطع رسائله إليها لأنها استوطنت عقله وفكره.

في رسائله  يمضى كافكا  في بحر أسئلته ودوامة، أفكاره وشكوكه  حول العالم وهو يسرد لها خبايا نفسه مدركا للحجم الفرق بين عمرهما، فهو في الثامنة والثلاثين من عمره بينما هي كانت  في الرابعة والعشرين، انجذبت ،لكافكا وأغرمت بكتاباتهولكن كافكا يصارحها، بالقول برسائله بأنها واهمة، حين تعتقد بأنها تعرفه فقراءة، بضعة قصص وروايات له لاتسوغ، لها معرفتها به كما أن كافكا يشعر بحاجز يهوديته  وديانتها المسيحية ،وكثيرا ما يصب جام غضبه على يهوديته التي تجعله قلقا دائم الشعور بالخوف من المجهول ، وربما كما قال في أحد رسائله لها بأن كلاهما  يتشارك في صفات غريبة مثل القلق والخوف، ولعل  ذلك هو ماجذبهما إلى بعض وجعلها تشغل حيز تفكيره طوال اليوم ،في بيته الّذى يعيش فيه وحيدا مع كتاباته وخيال ميلينا التي تشغل فكره ويكتب لها الرسائل الطويلة يوميا و التي أحيانا يقضى الليل بكامله يسطر فيها رسالة لها .

الروح القلقة الممتلئة بالأسئلة والشكوك، تنضح من رسائل كافكا ولكن هناك شذرات  في الرسائل تعبر عن روح كافكا الشفافة ، التي  تنشد المشاركة من خلال الحب وذلك حين يقول لها: أرغب بالبكاء على كتفيك كفتى صفير ،ثم أنت تودين البكاء على كتقى  كفتاة صغيرة، ثم احيانا وعشرات المرات وآلاف المرات ، اريد ان اكون معك "

  يكتب كافكا لميلينا  عن يومياته وأحلامه ومشاعره، ورغبته بقربها التي يبدو أنها أقرب إلى الحلم المستحيل نتيجة صعوبة العلاقة وتعقيدها ،وفي أخر رسالة له  يبدو كافكا محبط، ويظهر احساسه بالحزن لإدراكه بأنه لن يجمعهما بيت، ذات يوم كما يقول : أشياء قليلة متأكد منها :أننا لن نعيش يوما معا، فى شقة واحدة ،جسدا لجسد، نتشارك طاولة واحدة، ولا حتى في نفس المدينة

بعد ذلك تتوقف الرسائل التي استمرت طيلة عام 1920م ،  ثم نجد رسالة مؤرخة في مارس 1922م  تظهر كفره بكل  الرسائل التي كتبها  لميلينا ، بكلام مؤثر وتحليل فلسفى ومنطقي لعلاقة الحب التي تقوم على الرسائل فقط دون اللقاء  حيث يكتب قائلا: “أن السهولة في كتابة الرسائل  فد جلبت الدمار إلى ارواح الناس ،كتابة الرسائل هي لحظات من تلاقى الأشباح فهي استحضار لشبح المتلقي وشبح المرسل ليتجسدا فى كلمات الرسالة ، وأحيانا في سرب من الرسائل ، تتداخل سرا في كلمات الرسالة التي نكتبها لتكون شاهدة على ما جاء فيها

كيف استطاع أحد أن يتصور انه سيتواصل مع أحد عن طريق الرسالة ؟يستطيع الفرد أن يفكر بأحد من بعيد ، ولكن لا يمكنه إلا أن يتمسك إلا بمن هو قريب منه وماغير ذلك فهو فوق طاقة البشر.

 وبعد ذلك تتواتر بعض البطاقات البريدية القصيرة المقتضبة ،التي تعطى ملمح عن ذبول  العلاقة لنقرأ في أخر رسالة له بالكتاب ، حديث لكافكا عن فكرة الزواج ورفضه له باعتباره مجرد وهم لأن الإنسان، لا يمكن أن يتحد مع  انسان أخر مهما توهم وتصور ذلك كما يقول  : "فما الغرض من الزواج إن كان هربا من اليأس؟ إن دمجنا وحدة شخص مع وحدة شخص أخر، لن يكون الناتج وفاق ، وأنما ستكون سجنا  فكل منها ستعكس وحدتها على الأخرى حتى في أشد الليالي ظلمة".

وبهذه الرسالة ينهى كاتب الروايات الكابوسية، رسائله وذلك في أواخر عام   1923  وتوفي كافكا بعد ذلك بأقل من عام في يونيو 1924

 "رسائل إلى ميلينا" هو كتاب جميل ضمن أدب الرسائل، كشف  الوجه  المحب العاشق  لكاتب من أعظم كتاب القرن العشرين ،الذى اكتوى بنار الحب  وعذابه ولكن الموانع والعوائق والسدود جعلته  حب مستحيل ، هو أقرب للحب  العذرى  المحترق   في  لهب نار عذاب البعد ،دون الارتباط بالحبيبة التي كان يكتب لها فيوض روحه وفكره وعقله يوميا، في حالة عراء نفسى عظيم  فلا احساس بحواجز بينها وبينه رغم أنه شخصية انعزالية الصعب ،أن يتألف مع الناس  لحساسيته، ككاتب وأديب من طراز رفيع   جسد في رواياته الكابوسية أعقد المشاعر الإنسانية  ،وقام بتعرية قبح العالم عبر رموز كتاباته، لكنه وجد في حب ميلينا العزاء الكبير والحضن الشاسع الذى  احتمل كل تقلبات فكره ومزاجه الصعب ،  وفكره الغرائبي   الذى هو في حقيقة الأمر انعكاس لروحه الرقيقة الهشة، التي لم تحتمل قسوة العالم وقبحه  فكتب أعظم الروايات وأكثرها عمق في كشف قبح النفوس البشرية وقسوة العالم.

 

 

 

هيدغر وحنة آرندات ..حب الفلاسفة الكبار

 

 


إنتصار بوراوى

في كتاب  الرسائل المتبادلة بين حنة آرندت (1906_ 1975) والفيلسوف مارتن هيدغر (1889 1976) ، الذى صدر بترجمة المترجم  المغربي حميد لشهب سيكتشف القارئ، بأنه يغوص في  عالم من الفكر والمعرفة عبر قراءة الرسائل المتبادلة، بين عقلين عظيمين  يتناقشان عبر رسائلهم في الفلسفة والأدب ،مع ملامسة  للعواطف الجياشة التى ربطت بينهما بشكل وثيق ، تلك العاطفة التي  شبت حين التقت  حنة أرندات الطالبة في الفلسفة وهى في عمر 18 عشر بأستاذها الفيلسوف والأستاذ الجامعي مارتن هيدجرفي عام 1925، فأنجذب الفيلسوف هيدغر لتلك الطالبة التي رأى النبوغ  في عقلها الفلسفي  .

وعبر رسائله المتبادلة معها ،يناقش كثير من النصوص الأدبية ويضعها تحت مشرحة التحليل والنقد ومنها نصوص للوادمان وهولدرين ويرشدها إلى قراءة بعض الكتب الفلسفية، التي تعينها في دراستها وأبحاثها ويحدثها عن محاضراته، ويصف بأسلوب شاعري أجواء الطقس في الخريف بليله البارد ونهاره المشمس ،كما يقول في أحدى رسائله  وهو يصف تذمره من كثرة المحاضرات الجامعية التى تثقل عليه في كتابة مؤلفه الفلسفى العميق الزمن الذى كان يعمل عليه في عام 1925  وهو نفس العام الذى التقى فيه بحنة  آرندت وتم تبادل الرسائل  بينهما .

المدهش والممتع في رسائل هيدغر، أنه يمزج حديثه العميق عن رغبته في إعطاء حلقة دراسية عن مؤلف كانط" نقد العقل الخالص" وطلبه منها أن تراجعها ثم يقفز ليسألها عن معدات التزلج على الثلج ورغبته في أن يتجولا معا على الثلج حيما تأتى من أمريكا لزيارته في ألمانيا.

 الملاحظ من خلال قراءة الكتاب، أن الرسائل التي يبعثها مارتن هيدجر إلى حنة كانت بمعدل رسالة أسبوعيا، وأحيانا ثلاث رسائل شهريا في عام 1925 ولكن في السنوات التالية، أصبحت الرسائل تتم شهريا أو بعد بضعة أشهر حسب المنشور بالكتاب والتسلسل التاريخى للرسائل

يتحدث الفيلسوف مارتن هيدجر في إحدى رسائله إلى حنه أرندات عن العزلة التى يجب أن يعيشها كي ينجز أعماله بالقول:

"ماهو صعب جدا أن هذه العزلة لا يمكن تسويغها بما يعمله المرء لأنه ليس هناك أي مقاييس لذلك ولا يمكن اعتبارها بالنظر إلى مراجع الإنسان لكن على المرء أن يتحمل كل هذا بطريقة لا يتحدث بها حتى لأقرب الناس إليه"

ويستمر الكتاب في عرض رسائل هيدجر ،طيلة ثلاث أعوام دون أن نقرأ ردود حنة ربما لأنه لم يتم العثور علي رسائلها في السنوات الممتدة من عام 1925 الى اوائل عام 1928،  حيث نقرأ أول رسالة  منشورة بالكتاب من حنة  الى هايدجر  في ابريل عام 1928 التى كتبت له  فيها عباراتها التالية المؤثرة  :

" لا يمكن أن أصبح أنا حقيقة  ، أننى لأعطى أكثر مما يطلبه المرء منى أما الطريق فليس شيئا أخر غير المسئولية التى يعطينى أياها حبنا  سأفقد حقى في الحياة إذا فقدت حبك ولكن سوف أنسلخ عن هذا الحب وواقعه عندما أنسلخ عن المسئولية  التى يفرضها على وإذا كان الله موجودا فمن الأحسن أن أحبك بعد الموت" ص 102

وتنقطع الرسائل المتبادلة بينهما في شتاء 1933 نتيجة تأييد الفيلسوف هيدغر للنظام النازي لفترة قصيرة ، ليستأنفا المراسلة من جديد  بعد قرب نهاية الحرب العالمية الثانية وتراجع تأييد الفيلسوف  مارتن هيدجر للنظام النازي  حيث التقيا في عام 1944 ، وكانت أول رسالة بينهما في 7 فبراير  1950،  وفى هذه الفترة يضمن هايدغر رسائله الكثير من كتاباته الشعرية  ، حيث تطغى اللغة الفلسفية الذهنية على كثير من قصائده  كما أنه لا ينسى أن يبعث لها في أخر كل رسالة  تحيات وسلامات زوجته إلفريدا، وسلامه لزوجها  وكما لو أن العلاقة التى بدأت بكثير من العاطفة تحولت إلى علاقة  ممتدة فكريا وروحيا، يتبادل فيهما الاثنين الأراء الفلسفية والفكرية حول كثير من الفلاسفة والموضوعات  الفلسفية   وأخبار ترجمات حنة ارندات لمحاضراته وكتبه.

في عام 1969 تتم مراسلات بين زوجته وفريدا هيدغر وحنة آرندت   وتطلب منها في رسالتها بيع مخطوط كتاب "الوجود والعدم "لهيدغر كي تتمكن مع زوجها هيدغر من اكمال بناء بيتهما الذي يشيدانه

ويتضح من خلال رسائل حنة ارندات مع زوجة هيدغر ، بأن العلاقة تحولت إلى علاقة صداقة بين العائلتين ، حيث تتكرر زيارات حنة ارندات مع زوجها لبيت مارتن هيدغر وزوجته  وتجرى في الزيارة نقاشات فيها حول مخطوطاتهما وكتبهم الجديدة.

في عيد ميلاده الثمانين تكتب حنة ارندات مقالة طويلة عن فكر مارتن هايدغر وفلسفته وكتبه، وبامتنان ومحبة التلميذة لمعلمها واستاذها والعاشقة لمعشوقها تكتب حنة آرندت عن مارتن هيدجر :  إن حياته ومؤلفاته علمتنا ما هو التفكير ونصوصه  ستبقى نموذجية  للشجاعة على  الجرأة للدخول للمفزع والكشف عن لا المفكر فيه "

وتمضى رسائل الكتاب في تبادل المناقشات بينهما حول مخطوطات هيدغر ومحاضراته ومخطوطات حنة ومؤلفاتها إلى ديسمبر من عام 1975 م وهو العام الذي توفيت فيه حنة ارندات، لتنطوي قصة حب بين عقلين فلسفيين كبيرين تركا خلفهما أرث فلسفي ضخم للبشرية وعلاقة حب شاسعة كبيرة تركت خلفها، رسائل شاهدة على عمق علاقتهما بكل وجوهها الغرامية والفكرية والروحية، رسائل جميلة ممهورة بعشق لم ينفصم إلى أخر نفس في عمرهما.

السبت، 13 نوفمبر 2021

رسائل الشغف والعذوبة بين ألبير كامو وماريا كارزاس

 



إنتصار بوراوى

رسائل ألبير كامو إلى ماريا كارزاس، هو كتاب صدر عن دار غاليمار الفرنسية في عام2017 يحتوي على قرابة 866 رسالة متبادلة بينهما، ولقد اختار الباحث الدكتور سعيد بوخليط ترجمة 62 رسالة من الكتاب من الفرنسية إلى العربية في كتابه الذي صدر له في بداية هذا العام بعنوان" ألبير كامو رسائل إلى ماريا كازراس" عن دار ماركيز للنشر والتوزيع.

والمترجم الدكتور سعيد بوخليط هو باحث، ومترجم مغربي صدر له أكثر من 24 كتاب في الترجمة والتأليف بمجالات الأدب والفلسفة، بالإضافة إلى كتابته مقالات في الأدب والفلسفة والسياسة بشكل دوري بالصحف والمواقع الثقافية العربية.

يذكر الدكتور سعيد بوخليط في مقدمة كتابه: "بأن البير كامو التقى ماريا ابتداء من تاريخ 6 يونيو 1944،   حيث جرى أول لقاء جمع بين كامو وماريا كازارس في باريس بدعوة من صديقهما المشترك ميشيل ليريس بمناسبة نشاط ثقافي محوره قراءة في قطعة فنية لبيكاسو"

 ويستعرض الكتاب قرابة 22 رسالة لكامو إلى ماريا دون أن نقرأ أي رد من ماريا على رسائله إلا في الرسالة رقم23 حيث تكتب ماريا في ردها على رسائله قائلة:

"كبيرة هي السعادة التي منحتني، إياها بالوجود من خلال وجودك فقط (سواء قريبا أوبعيدا) رغم ذلك يلزمني الاعتراف كونها سعادة فضفاضة ومجردة شيئا ما والتجريد لم يشبع يوما امرأة أو على الأقل أنا ..ماذا أريد؟ أحتاج إلى جسدك الطويل؟ ذراعيك الطريتين، وجهك الوسيم، نظرتك المتوقدة التي تخلخل كياني صوتك..ابتسامتك..أنفك يديك أحتاج كل شيء فيك".

رسائل ماريا لا تقل في فورة عواطفها، عن رسائل البير الملتهبة بالعواطف الجامحة بالحب والتي يقول في إحداها "سأحتاج لحياتين كي أحقق ماينبغى لي تحقيقه "   فلقد كان كامو متوقدا بالحياة، راغبا فى تحقيق مشاريع إبداعية كبيرة ولكن القدر اقتطفه في لحظة عبثية مارقة قبل أن يبلغ الخمسين من عمره

                          

 

 في إحدى رسائله يذكر بأن سبب كل انطلاقه في الكتابة بشكل يومي محموم يرجع إلى لقاؤه بها:

"لم اشعر قط كما أشعر الأن بأني مفعم بالقوى والحياة، فالسعادة البالغة التي تغمرني تحفز الكون لقد ساعدتني دون إدراكك لذلك"

جمالية رسائل البير كامو تكمن، في كونها تكشف الكثير من شخصيته كما أنها مميزة بانسيابها ودفق المشاعر الرقراقة بها ، والتي  تعطى ملامح  لكاتب وفيلسوف  يعرف ما الذى يريده ، وكيف يتعامل مع الحب الذى اكتسح كيانه ، وعند مقارنة رسائل البير كامو برسائل كافكا إلى ميلينا مثلا  ،سنكتشف الفرق في الشخصية التي اثرت على مسيرة الحب عند كلاهما ،فرسائل كافكا بها الكثير من مشاعر الاضطراب وعدم اليقين والخوف  بينما رسائل البير كامو جريئة ، مفعمة بالحياة ، مندلقة ومنسابة بمشاعر وارفة وشذرات نثرية جميلة

"أختنق، الفم مفتوح ،مثل سمكة خارج الماء ، أنتظر قدوم الموجة ،عطر الليل وملوحة شعرك"

يلح الروائي البير كامو فى رسائله لماريا في التعبير عن اشتياقه، ولايجد حرجا أبدا في التوسل إليها بأن ترد على رسائله التي يكتبها لها بشكل يومي، ويسألها في كثير من رسائله " هل لازلت تحبيني ..وأكتب .. لاتتوقفى عن الكتابة لي""

فهو لا يمل من الكتابة إليها بشكل يومي، ساردا عليها تفاصيل يومه وأفكاره وهواجسه وكثير من مشاريع اعماله الأدبية، وأيضا ماريا ترد على رسائله بشكل أقرب لليوميات وتحدثه عن تفاصيل، حياتها اليومية مع والدها الذي ترعاه في مرضه وتناقشه عن أدوار شخصياتها في المسرحيات، التي يكتبها فماريا كارزاس لم تكن مجرد ممثلة مشهورة بل هي قارئة مثقفة، تقرأ روايات بلزاك وجون شتاينباك وهيمنجواي وتتبادل معه، وجهات نظرها فيما تقرأه من روايات وتناقش كامو في كثير من اسلوب وأفكار الكتب.

في إحدى رسائلها تعترف لكامو بأنها، تخفى تفاصيل حياتها العاطفية عن والدها ووالدتها نتيجة خجلها وخوفها من ردود افعالهما، ولإبعادهما عن تعقيدات حياتها العاطفية كل ذلك كما تقول قادها للكذب مما قادها إلى إنهاك معنوي وجسدي لأنها تكره الكذب.

وبعد زيارة كامو لماريا في باريس وتعرفه على والدها، تنحو رسائلها اتجاها تصاعديا فى التعبير عن الشغف والحب وافتقادها له في كل ساعات يومها، فتكتب له فى ديسمبر1948م:

"لاشىء يضاهى أهمية وجودنا معا، أنا وأنت لا حقيقة أخر ولاشخصا ثانيا على امتداد هذا العالم وإذا دامت حياتك، وحياتي فسنكون باستمرار معا للنهاية رغم الزمان والمسافات والأفكار والآخرين وايضا الصحة الجيدة والسيئة"

ومن الملفت أنها في رسالتها المؤرخة بتاريخ 26ديسمبر 1948 كتبت له " وردت إلى ذهني البارحة ليلا فكرة إمكانية موتك وأقسم لك بانه خلال لحظة انتفى وجودى"

فهل هو حدس العاشقة الذى جعل فكرة موته المبكر تلوح في ذهنها ، أم انه محض تعبير عن عدم قدرتها على الحياة بدونه؟

رسائل البير كامو و ماريا هى رسائل داعمة لحبهما، وليست مجرد تعبير عن الحب لأن الحب بينهما ملموس ومحسوس، يلمسانه بأجسادهما و يشمان عطره على كل حواسهما  فهو ليس حب منسوج من الخيال ، أو فقط لاستدرار الإلهام للكتابة عن الحبيبة بل هو حب حقيقي عاشه البير كامو وماريا، بكل جوارحهما و لم يكن أبدا حبا معذبا او مستحيلا بل هو حب يحتفل بالحياة ، ومعلن أمام الجميع ولم يكن سريا أو يعيش تحت العتمة منذ أن أخبرت ،والدها بطبيعة علاقتها مع كامو لأنها كما ذكرت في إحدى رسائلها لا يمكن ان تتعايش ،مع الغش والكذب وإخفاء مثل هذه العلاقة الكبيرة عن والدها وخاصة أن كاموا كان قد نال شهرة كبيرة ، بعد صدور روايته "الغريب" وأصبح أديب كبير معروف، وزوجة كامو كما ذكرت بعض المصادر المقربة منهما كانت على علم بعلاقته، وحبه لماريا وذلك أثر على نفسيتها وحاولت الانتحار نتيجة عدم قدرتها عل تحمل وجود امرأة أخرى في حياته وكل ذلك كان له تأثير على نفسية كامو، ومع ذلك استمر حبه لماريا إلى أخر يوم في حياته

 "اه ماريا ..ماريا عديمة الذاكرة بشكل مهول ..لن يحبك أبدا شخص ثان كما أحبك ..قد تصرحين بهذا عند نهاية حياتك عندما يصير فى وسعك أن تقارني وتلاحظي وتستوعبي ثم تخلصين إلى التالى:أبدا لم يعشقني شخص بهذه الكيفية"

هكذا صرخ كامو فيلسوف العبث واللاجدوى، الذي وجد في قصة حبه الكبير معنى للوجود والحياة، حتى لوكان حب مستحيل، ويعيش في زاوية الخطر

 وكيف كان يمكن لمثل هذه العلاقة المجنونة، أن تستمر لمدة عشرين دون انقطاع لو لم يكن صاحبها روائي عبقري، وفيلسوف وجودي كبير مؤمن بالحب كقيمة كبيرة تسد فجوة عبثية ومأساة الوجود الإنسانى.

الأنثى.. والوجود المشترك

  إنتصار بوراوى   تُعدّ الرواية مرآةً تعكس رؤى الكتاب الفلسفية والاجتماعية، وكثيرًا ما تختار النصوص الروائية تفكيك الأفكار السائدة، لتقديم...