إنتصار بوراوى
وجدان شكري عياش شاعرة فلسطينية لا تتذكر بلادها فلسطين إلا كطيف في خيالها وفكرها بعد أن تركت عائلتها فلسطين ،بعد النكسة وهى بعمر الخمسة سنوات ونزحت
إلى ليبيا ولكنها لم تنسى فلسطين، والأرض التي أغتصبها الآخرون ليجيروها باسمهم فخرجت
أجيال وراء أجيال تنبض باسمها في إبداع إنساني شعري وقصصي وروائي عظيم .
وجدان يمامة البوح الشجى، كانت بدايتها
الشعرية حين اصدرت ديوانها الأول "قصائد تتعقب ألفة الحروف " ، الذى كان
يعبر عن ذات حالمة وادعة ولكن في دواوينها التالية خرجت من حالة الحلم العفوي، الرقيق لتتشح قصائدها
برداء ايروتيك كثيرا ما أثار غضب، بعض ضيقي الأفق والخيال ،فالشاعرة وجدت في الخيال تعويضا عن واقع الحرمان، الذى عاشته لفترة
طويلة من حياتها فكان الشعر هو المنقذ لها،
من جدب الحياة بجسدها المهدور الذى أخذت تدلله بقصائدها العابقة برائحة الاشتهاء ،ولجأت إلى خيال القصيدة تغترف من معينه غير عابئة باللعنات
التي تصوب نحو قصائدها، منذ بداية النفس الأيروتيكى في قصائدها التي أصبحت أكثر شراسة فلقد تخلت اللغة ،عن هدوءها الرومانسي لتكتسي،
بصور شعرية نثرية ملتحفة رداء ثورة جسدية ، فمراعى الكلاء الافتراضي هي نصوص متوهجة
بالحب وكما يقول رولان بارت "يحتاج النص إلى عاشق موله لا يتورع عن اختطاف محبوبته
والبقاء معها فى المطلق بعيدا عن كل حدود المنطق والواقع"
النصوص قائمة على حوارية متخيلة ،بين أنا
معشوقة وأخر عاشق عبر النصوص النثرية المتكونة
من ( 114 ) ،نصا نثريا يلفحك وهجها وعشقها ونزقها وخيباتها فى لغة طازجة عارية من التكلف تبدأها الشاعرة بسرد ،واقعة العشق الافتراضي الذى يمثل حالة جديدة
فى كتابة النصوص النثرية التي تتكئ على التكنولوجيا، فى التواصل مع الأخر المتواجد
بعيدا عن جغرافيا ،المكان ولكنه يحل في الخيال والفكر عبرحالة عشقية عابرة للجغرافيا والبحار والمحيطات ، لهذا كان عنوان
الديوان "مراعى الكلاء الافتراضي
" فمراعى كلاء القلب في الألفية الجديدة لليلى القرن الواحد والعشرين غدت تتم عبر الواقع الافتراضي لشبكة الانترنت لا الواقع الحقيقي علي الأرض
تذيل الشاعرة رسائلها باسم "لباس الخاتم"الشبيهة بزهرة
"عوينة القطوس" وهي زهرة جميلة تتهدل أوراقها كرفيف عيون قطة ناعسة
أما الشخص المجهول الذى تتبادل الرسائل
معه فتطلق عليه اسم "تاتم بن تاتم" الشبيه بأوراق النعناع الجاف.
الشاعرة في نصوصها هي امرأة متوهجة بحب
لا يموت، ولا يندثر وكأنها خلقت من طين العشق الذي لا يرتوى، تنثر مرايا الروح فيها
بلغة الجسد فلغة الرسائل النثرية عابقة بانتظار ما لن يجئ ، و بمرايا الجسد الذى لا
يجد منفذ للارتواء إلا عن طريق الخيال الشعرى، كبينلوب العاشقة التي تحيك من سجادة
الصبر طريق لانتظار الراحلين .
تمضي وجدان في كتابة نصوصها بروح مرهفة
فيما يكون الرد من"تاتم بن تاتم " الشبيه بورقة النعناع الجاف، كما تصفه
الشاعرة به الكثير من شرح اليومي والتفاصيل الحياتية عكس رسائل الشاعرة العاشقة"
زهرة عوينة القطوس " المضمخة بكثير من الوجد والهيام والحب، والمشاعر الدافقة
واللغة الحسية المتخمة بصور شعرية مكثفة كسيل نهر عذب رقراق.
في اول رسالة رد من الحبيب الافتراضي،
الذى أرسلت له رسالته الأولى يخبرها بإحساس المفاجأة من رسالتها قائلا : نثرت بهائك
عبر الأثير، انساب البهاء طيفا ملونا واستلقى على عتبة بريدى ، ولايد تلتقطه ، أو فم
يناغيه، أو مجنون يتحسس سلال فاكهته المستديرة ، فقد كان محملا بهداياه ، مصابا بحالة
عشق افتراضي قاطعا فيافي الوجد كأن سليمان النبي ارسله"
ويمضى المجهول الذى تراسله الشاعرة، في
شرح أسباب عدم قدرته على قراءة أول رسالة منها نتيجة عطل نظام الأنترنت لديه ،وفى رسالته
الأولى يذكرها بلقائه الآول بها في مدينة بنغازي باحتفالية ثقافية ،ثم يروى لها محطات
حياته في العمل الدبلوماسي بين مدن العالم، من الرياض وجدة ، والبحرين والكويت ومن
خلال رد رسالته يعبر عن فرحته برسالتها الأولى، التي يصورها بأنثى تتغنج وتفيض بدلالها
ويشكرها على فتح بوابة الكتابة التي نامت منذ سنوات ، نتيجة العمل والتنقل من مدينة
لأخرى
وتندلق الشاعرة التي تطلق على نفسها اسم
لباس الخواتم، في فيض مشاعرها وتصفه في رسالتها بورقة نعناع جافة متشققة ، ولكن نسيم
حروفها ستعانق وريقاته الجافة حتى يفوح شذاه وعطره.
و ترد الشاعرة على رسالته ، التي يشكو فيها
من كأبة المكان وغربته بنص يحمل عنوان جذاب "سأفتح الباب لذئب الكتابة"
، وفى هدا النص النثرى الجميل تنهمر الشاعرة فى الكتابة بعشق وجنون وكثير من الشبق
، واصفة كلماته بالنطف التى تتغلغل برحمها ، فالشاعرة ترى نفسها، كحقل والحرف مسح اثرها
تنبش به تربتها كى تخرج أطايب ولذائذ مشاعرها الدافقة ، ولكن الحبيب الافتراضي الذى
تراسله الشاعرة يقوم بحركة مفاجئة برد كل رسائلها إلى بريدها، دون ان يرد على رسائلها
الأخيرة فترد عليه برسالة قاسية تخبره فيها بأنها لن تراسله ، وستتوقف عن مراسلته لأنه
صفع كلماتها برده المهين، ولكن الشاعرة لا تنفذ وعيدها، ونقرأ ثلاث رسائل تكتب فيها
وجدها وعشقها إليه فيرد عليها برسالة مشاكسة "مع هذا الجفاف ألا تتوقف ؟، حيث
يبدى استغرابه من دففها ويصفها بالشاعرة الرومانسية المفرطة " انت من الرومانسيات
اللواتي يرتحن فى حدائق الورد، لم تدم غفوتك
الرومانسية فسرعان ما أطلقت عليها ماعز رسائل الاخرى ليأكل اخر وردة زرعتها فى رسالتي
الأولى التى بعثتها لك"
ويصف عدم رده على رسائلها ، بالدواء المر
الذى يجب أن تتجرعه كي تشفى من اسقامها الرومانسية ثم يعترف لها فى رسالته بان عليه ان يكون
جاف ، كأوراق النعناع حتى لا يضعف أمامها
ولكنه ينهمر فى رسائله التالية ، ويرسل
لها مجموعة من الكتب والمجلات التى يناقشها فيها ، ويبدو برسائله التي يحدثها فيها عن جديد الأدباء والكاتبات
العربيات، وكأنه يأخذ دور الاستاذ، الذى يوجه تلميذته لقراءة ما يتعين عليها قراءته وتشعر حين تقرا رسائله ، بان ثمة حس سلطوي في طريقة
مراسلتها فهو لا ينهمر مثلها فى الكشف عن مشاعره
وعواطفه ، بل يتخفى خلف ألف حجاب وحجاب ربما هي عقدة الرجل الليبى الذى يرى فى التعبير،
عن عواطفه ضعف لذلك هو يستلذ مناكفتها ومشاكستها والتلذذ بقراءة رسائلها، التي هي عبارة
عن نصوص نثرية في منتهى الرقة والعذوبة في تعرية الذات ، ذلك التعري الذى لا تجرؤ عليه
إلا شاعرة جريئة ضربت بكل الممنوعات عرض الحائط
،واستطاعت بعد مداورات و سلاطة لسان الحبيب الافتراضي ، أن تنزع غطاء الجلالة عنه ،
وتجعله يبوح لها بمكنونات قلبه ورغبته بها
في رسائله التالية بعد أن عاقبته بالصمت الطويل، وتأتى أول رسالة منه بلغة مختلفة بعد
كل المداواة ومحاولات الهروب، ويعلن استسلامه لمناوشات حروفها ولغتها التي تتسلل إلى
أوردة قلبه ويكتب لها رسالة عنوانها
" أفكر فى الاستحمام بماء حروفك"،
حيث ينهمر في لغة شعرية طازجة معتذرا عن كل رسائله الجافة السابقة، معترفا بأنه مثل
راعى بدعوى :" ألم تسمعي بالمثل الذى
يقوله البدو عن الزراعي، يكسر الشاة ثم يحملها ذلك هو أنا ، أكسر عظام وصالة ولغتك بعنادى ، وأجعل دموع حروفك تقطر وتهر
على مخدة أفكارك، ثم أجلس جلسة راع زفر مهموم ينتظر جبر كسرها وانتظار يراع حروفها
" ، وتنهمر رسائله بلغة آخاذة تخلصت من حدتها وأزهرت بنصوص نثرية تنبئ على ان كاتب الرسائل او الحبيب الافتراضي
هو كاتب ضليع متخفى خلف سياج الدبلوماسية ، وتفيض الرسائل المتبادلة بين الحبيبين الافتراضيين
بالشبق في كتابة نصوص شعرية ونثرية معطرة بكثير
من البوح والرغبات والاشتياق والأيروتيكية فيما تفيض نصوص الشاعرة وجدان عياش بالوجد
والحب والغامر ، والتى تعبر عنها عناوين الرسائل النثرية "ياسمين يعرش على باب
حديقة منسى"، و"دفء يغرينى بنزع غلالة الخجل، "أى فتنة تمنح لهوس روحي
بخيال جسدي المقموعين ؟
ويرد عليها الحبيب الافتراضي بنصوص شجية ،مندلقة بعنفوان الرغبة والحب أغمض عينيك فأنا قريب"،
ونصه "انا محموم بك"،"العبث اللذيذ"ط"
نصوص رسائل "مراعي الكلأ الافتراضي
“،ليست مجرد رسائل ، أدبية بين حبيبين بل هي
فيض بلاغي ولغوي لا يمكن أن تغمض عينيك كقارئ، عن جمالياته النثرية فعدا عن بضعة رسائل مباشرة تتحدث عن الحال والأحوال
،والتفاصيل اليومية للحبيب الافتراضي ، فأن باقي النصوص هي لوحات شعرية نثرية خلابة
، متبادلة بين شاعرة مرهفة خلعت ، رداء رومانسيتها التي قرأناها فى ديوانها الأول ، لتدخل ميدان الكتابة الايروتيكية
، المزدانة بكثير من الشبق والرغبات في تعبير لغوى عن الجسد المقموع الذى وجد فى البوح
والكتابة والتراسل الشعرى مع حبيب افتراضي
غير موجود أمامها، فهى لا تراه ولا تلمسه ولا تشم رائحته ، بل ربما تضفى من خيالها الكثير من ا لبهاء عليه ، ولكننا كقراء كسبنا قراءة نصوص نثرية مضمخة بكثير
من الحلم والخيال والرغبات والحب والوله ، ونشر رسائل النصوص النثرية الجريئة يحسب للشاعرة وجدان شكرى عياش ، كما ان
إخفاء اسم الحبيب المرسلة إليه الرسائل يوضح
مدى خوف الكاتب الليبي من الإعلان عن جرأته ، وإخفاء جانبه العشقي الذاتي واعتباره
شيء معيب يجب اخفاؤه فيما كانت الشاعرة أكثر
جرأة وشجاعة من الرجل الذى تخفى تحت اسم مستعار كى لا يكتشفه أحد وكأن الحب خطيئة يجب
التستر من إعلانها.
فن المراسلات الأدبية الغرامية ، قديم وموجود
بين الأدباء العرب والغربيين ومنها مراسلات
فدوى طوقان و أنور المعداوى، وغادة السمان و غسان كنفاني وأنسى الحاج ومى زيادة
وجبران وفى الغرب مراسلات البير كامو وماريا كارزاس،،و حنة أرندات وهايدغر ، وسيمون
بو فوار وغرين أليسون ، و رسائل كأفكارنا إلى ميلينا.
وربما هذا أول كتاب فى فن تبادل
الرسائل الغرامية في ليبيا فلم يسبق أن نشرت أي مراسلات بين أدباء وأديبات من ليبيا،
ولكن الشاعرة وجدان عياش استطاعت عبر
كتابها" مراعى الكلأ الافتراضي كشف الستار عن رسائل نثرية متخمة بكثير من الرقة والجمال.